مكتب سماحة السيد مرتضى المهري

كتاب الصلاة - مكان المصلي

 

 بسم الله الرحمن الرحيم

      ما أوردته هنا من تقارير عن بحوث سيدنا الاستاد المرجع الديني الأعلى السيد السيستاني دام ظله انما هو ما فهمته من ابحاثه وقد بذلت غاية جهدي في معرفة ما يلقيه علينا من تحقيقات عميقة ولكنه حفظه الله تعالى كان غواصا قديرا فيدخل في أعماق البحوث والمعارف ولست واثقا من بلوغ كنه ما أراد فان كان فيه خطأ فهو من فهمي القاصر وأجلّ سيدنا الاستاد دام علاه عن قول ما لا يليق بعلوّ مكانته العلمية وأعتذر منه ومن القرّاء الأعزّاء عن كلّ ما فيه من أخطاء والله تعالى المسدّد والموفّق للصواب. 

                                                                          مرتضى المهري
                                                                   10جمادى الاولى 1433
                                                                            2/4/2012


 كتاب الصلاة - مكان المصلي

 

 

1 - اشتراط اباحة المكان

2 - اذا كان المغصوب متعلقا لحق الغير

3 - الفرق بين الحق والملك

4 - في تعلق حق الرهن

5 - قول الشيخ (اجماع الفرقة واخبارهم)

6 - تعلق حق غرماء الميت وحق الموصي بالثلث

7 - تعلق حق السبق في المشتركات

8 - حكم الجاهل بالغصبية

9 - الصلاة على السقف المستقر على مغصوب

10 - الصلاة تحت السقف المغصوب

11 - المحبوس في المكان المغصوب

12 - اذا اعتقد الغصبية فتبين الخلاف

13 - قبح الفعل المتجرى به

14 - هل قبح العمل يوجب الفساد

15 - اذا اعتقد الاباحة فتبين كونه مغصوبا

16 - حكم الجاهل بالحكم

17 - الارض المغصوبة المجهول مالكها

18 - اذا اشترى دارا تعلق به الزكاة

19 - الاقوال في كيفية تعلق الزكاة بالعين

20 - اذا اشترى دارا بمال تعلق به الخمس

21 - روايات تحليل الخمس للشيعة

22 - توثيق ابي خديجة

23 - تصرف الورثة مع تعلق الحقوق الشرعية

24 - روايات التحليل هل تشمل الارث

25 - هل يمنع الدين من الارث

26 - الاحتمالات في قوله تعالى (من بعد وصية توصون بها او دين)

27 - الاستدلال بالروايات لمنع الدين من الارث

28 - هل يجوز التصرف في متعلق حق الغرماء

29 - حرمة التصرف في ملك الغير بدون اذنه

30 - لا يكفي طيب النفس في التصرفات الاعتبارية

31 - لا يجوز التصرف في مال الغير الا بطيب النفس

32 - النبوي المشهور ان دماءكم واموالكم...

33 - هل يكفي طيب النفس تقديرا

34 - في طريق كشف طيب النفس

35 - الاذن بالفحوى

36 - كفاية شاهد الحال

37 - التصرف في الاراضي المتسعة

38 - حكم الاراضي المفتوحة عنوة

39 - كيفية تملك الاراضي في الاسلام

40 - الصلاة في بيوت من تضمنت الآية جواز الأكل فيها

41 - الخروج عن المكان المغصوب واتصافه بالوجوب والحرمة

42 - الصلاة حال الخروج من المكان المغصوب

43 - اذا دخل المكان المغصوب جهلا او نسيانا

44 - رجوع المالك في اذنه

45 - اذن المالك عن خوف

46 - حكم الصلاة في السفينة

47 - تحريم عمر لركوب البحر

48 - الصلاة على الدابة

49 - الفرق بين الفتيا والتعليم

50 - الصلاة على الرف بين النخلين

51 - الصلاة على الحنطة والشعير

52 - في معنى قول الشيخ (اسند عنه)

53 - الصلاة على الارض السبخة

54 - موارد الدوران في صلاة المضطر

55 - الصلاة متقدما على قبر المعصوم

56 - في من لم يذكر الشيخ سنده في المشيخة وذكره في الفهرست

57 - تواقيع الناحية المقدسة

58 - البحث عن وثاقة من في اسناد كامل الزيارات وتفسير القمي

59 - في اعتبار تقدم الرجل على المراة

60 - في سند الصدوق الى جميل بن دراج

61 - في روايات بني فضال

62 - محمد بن علي ماجيلويه

63 - سند الصدوق الى معاوية بن وهب

64 - كلام حول الجعفي معاصر الكليني

65 - مستطرفات السرائر

66 - ما يرويه حريز عن الامام الصادق عليه السلام

67 - المدار في المانعية هل هو الصلاة الصحيحة ام الاعم

68 - في صلاة المتقدم زمانا من المراة والرجل المتحاذيين

69 - في مقدار تاخر المراة عن الرجل

70 - يكفي كون احدهما اعلى من الآخر

71 - في اعتبار البلوغ في المانعية والممنوعية

72 - الكلام في حديث رفع القل

73 - الاضطرار الى المحاذاة في الصلاة

74 - الصلاة في الكعب

75 - علي بن محمد واسحاق بن محمد

 

اشتراط اباحة المكان

 

قال المصنف: ويشترط فيه امور: احدهما اباحته فالصلاة في المكان المغصوب باطلة.(1)

الكلام في هذه المسألة انما هو على القواعد والا فلا نصّ في ذلك والمشهور هو البطلان بل ادعي عليه الاجماع . والمشهور بين العامة القول بصحتها. ونقل ذلك عن الفضل بن شاذان ايضاً وغيره من القدماء.

والكلام يقع في جهات:

الجهة الأولى: ان الامر الممنوع شرعاً الموجب لبطلان الصلاة ما هو؟ فالمشهور انه الغصب وهو حرام بلا اشكال. وذهب بعضهم الى أنه التصرف في مال الغير.

ويمكن الخدشة فيهما، اما الاول فلان معنى الغصب هو الاستيلاء على مال الغير عدواناً لا بمعنى التصرف فيه. وبينهما عموم من وجه. والصلاة في المكان لا تستوجب الاستيلاء قطعاً. واما الثاني فلان حرمة التصرف في مال الغير ليس عليها دليل الا الحديث النبوي المعروف (لا يحل دم امرىء مسلم ولا ماله إلا بطيبة نفسه) (2)

والحرمة فيه متعلقة بنفس مال الغير ولا اشكال في ان المتعلق محذوف فلم يعلم انه عنوان التصرف أو انه مشير الى الافعال الخارجية التي تتعلق بمال الغير. وكذلك الاستقباح العقلائي ويمكن كون النهي الشرعي ايضاً ارشاداً اليه.

الجهة الثانية: في ان هذه المسألة هل هي داخلة في مسألة اجتماع الامر والنهي أو مسألة النهي عن العبادة. فلابد من تعريفهما اولاً.

فالمسألة الاولى موردها ان يكون الامر متعلقاً بصرف الطبيعة لا بشرط والنهي متعلقا بمطلق الطبيعة ويكون لهاتين الطبيعتين مورد تصادق في الخارج بنحو الاتفاق وحينئذ فالقول بالامتناع قد يكون من جهة الآمر ومعناه ان الامر بالطبيعة لا بشرط ينقلب الى بشرط لا فالامر بالصلاة مطلقا ينقلب الى الامر بها بشرط عدم التصرف في مال الغير. وقد يكون من جهة المأمور ومعناه أن الامر مشروط بالقدرة عقلا، والممنوع شرعاً كالممتنع عقلاً فبالنسبة الى هذه الحصة لا يتحقق شرط الامر. او أن المأمور به مقرّب وما انطبق عليه العنوان المحرم مبعّد والمبعّد لا يكون مقرّباً.

وأما مسألة النهي عن العبادة فموردها ان يتعلق الامر بالطبيعة لا بشرط والنهي بحصة من حصصها نهياً مولوياً تحريمياً. والكلام في اقتضاء هذا النهي بطلان الصلاة كالكلام في مسألة الاجتماع فقد يقال بتقييد الطبيعة في الامر بنحو (بشرط لا) وقد يقال بعدم تحقق شرط الامر للمنع الشرعي السالب للقدرة وقد يقال بعدم مقرّبية ما هو مبعّد.

والمحققون مختلفون في المسألة الاولى اختلافاً شديداً فبعضهم ذهب الى الجواز آمرياً ومأمورياً وبعضهم الى المنع وبعضهم فصّل حسب ما ذكرنا.

وأما في مسألة النهي عن العبادة فالاكثر بل ما عدا النادر جداً يقولون بالفساد.

اذا عرفت ذلك فنقول: المسألة داخلة في المسألة الثانية لا الاولى وذلك لان قوام المسألة الاولى ان تكون طبيعتان بينهما عموم من وجه تعلق باحداهما أمر وبالاخرى نهي والمقام ليس كذلك لما ذكرنا من ان الغصب لا ينطبق على الصلاة اذ ليست استيلاءاً والتصرف لم يدل دليل على حرمته بعنوانه والوارد في الحديث مشير الى الافعال الخارجية كما ان بناء العقلاء على حرمته ايضاً كذلك فكل فعل يتعلق بمال الغير بحدّه حرام عند العقلاء والشارع الا ما كان من قبيل الاستضاءة والاستظلال.

ولعل هذا هو السّر في اتفاقهم على بطلان الصلاة هنا مع اختلافهم في مسألة اجتماع الامر والنهي.

الجهة الثالثة: في ان العنوان المحرم مهما كان، ينطبق على أيّ جزء من اجزاء الصلاة؟

ذكر المحققون ان الصلاة مركبّة من مقولات مختلفة والكلام في ما يحتمل انطباق العنوان المحرم عليه فمنها الكيف المسموع ومنها الوضع وهو ما يحصل للشيء بملاحظة نسبة بعض اجزائه الى بعض ونسبة المجموع الى الخارج كالقيام. ومنها الحركات الاينية الحاصلة من افعالها كالاعتماد على الارض حال السجود.

وقد ذكر السيد الخوئي كما في مباني الاستنباط ان الاعتماد حال السجود هو الفعل المنطبق عليه العنوان المحرم فلو كان ما عدا مسجد الجبهة مغصوباً تصح الصلاة.

اما الكيف المسموع اي الصوت فلا اشكال في انه لا يعتبر تصرفاً في مال الغير وان كانت حقيقته هي التموّج في الهواء الموجود في الدار الا ان هذا لا يعد تصرّفاً عرفاً.

واما الاوضاع من القيام والركوع والسجود فلا ربط لها بالمكان اذ ليست من مقولة الاين. والوضع نسبة خاصة في نفس الشيء كما ذكرنا.

واما الهوي للركوع والسجود فقد ذكر المحقق النائيني انه مركب من حركتين اينية ووضعية ولو فرضنا كونه جزءاً للصلاة فهو باعتبار الوضع لا الاين وقد عرفت ان الوضع ليس تصرفا.

واورد عليه السيد الخوئي بان هذا مخالف للوجدان ولا تعدد في حركة الهويّ وان الهويّ تصرف قطعاً وحرام الا انه ليس من الاجزاء.

وما ذكره المحقق النائيني من تعدد الحركة صحيح فان الحركة في الهويّ وان كان الواضح منها هو الايني الا انها توجد في الوضع ايضاً وذلك لان الانسان لا ينتقل من وضع القيام الى وضع الركوع أو السجود بنحو الطفرة بل يتدرج في الاوضاع المختلفة حتى يصل الى الحد الخاص فهذا حركة في الوضع.

واما الاعتماد فالظاهر انه ليس جزءاً من الصلاة وليس حقيقة السجود هو الاعتماد فلو فرضنا السجود في مكان ليس فيه جاذبية الارض لامكن بلا اعتماد على شيء نعم يمكن القول بذلك في المماسة.

وكيف كان فالقول بان الصلاة في دار احد بلا اذنه لا يعد تصرفاً فيه لهذه التدقيقات غير صحيح عند العرف قطعاً فلو فرضنا ان التصرف بعنوانه حرام فهو منزل على فهم العرف ولو قلنا بان المحرم هو نفس الافعال الخارجية لا بعنوان التصرف فالامر اوضح.

الجهة الرابعة: البحث عن صحة الصلاة حينئذ وبطلانها. وقد عرفت ان دليل بطلانها اما امتناع اجتماع الامر والنهي واما دلالة النهي عن العبادة على الفساد. اما الاول فقد عرفت الاشكال في الصغرى وان المسألة لا ترتبط به واما الكبرى فهي ايضاً ممنوعة الا ان تفصيلها موكول الى محلّه. واما الثانية فالحق ان الكبرى مخدوشة ايضاً وما استدلوا به على دلالة النهي على الفساد غير تام وان كان المتسالم عليه بينهم هو الفساد.

توضيح ذلك انه لو فرضنا ان الماهية المأمور بها واجدة للمصلحة الملزمة بجميع حصصها الا ان حصة واحدة منها المعبر عنها بالماهية بشرط شيء واجدة للمفسدة الملزمة ايضاً فكيف يمكن توجيه الامر الى المكلف؟ مثلا لو كان تناول دواء خاص ضرورياً لرفع المرض متى ما تناوله المريض من الاوقات الا ان تناوله في الصبح مضرّ من جهة اخرى مع كونه مفيداً لرفع المرض فما هو الطريق العقلائي للامر بتناول هذا الدواء؟

هناك طريقان في ذلك:

الاول: ان يأمر بالماهية لا بشرط مع اطلاق الهيئة وينهى عن الحصة الخاصة المضرّة والنتيجة ان المأمور لو اتى بالماهية في غير وقت الصبح اطاع الآمر اذ الامر متعلق بصرف الوجود لامتناع تعلقه بمطلق الوجود لعدم القدرة عليه. وان اتى به في وقت الصبح اطاع من جهة وعصى من جهة اخرى.

الثاني: ان يأمر بالماهية ويقيد الهيئة والمادة معاً. اما المادة فيقيدها بكون التناول في غير وقت الصبح. لئلا يكون متعلق الامر والنهي واحداً . واما الهيئة فيقيدها بعدم تناوله في وقت الصبح. بمعنى ان يكون وجوب التناول في غير وقت الصبح مقيداً بعدم تناوله وقته فانه لو تناوله في الصبح فقد تحققت المصلحة المطلوبة فلو بقي الامر بحاله لكان داعياً الى تناوله مرة اخرى في غير وقته وهو غير واجد للملاك وهو المصلحة. وينهى ايضاً عن الحصة الخاصة وهي التناول وقت الصبح.

فما هو الطريق الصحيح عند العقلاء في ذلك هل هو الاول اي اطلاق الامر والنهي او الطريق الثاني اي تقييد الامر مادة وهيئة؟

الظاهر هو الاول. وهذا هو الطريق العقلائي الابتدائي الذي لا يلاحظ فيه شبهات العلماء والمدققين. فيأمرون مطلقا وينهون مطلقا ويجعلون جزاءاً عقابياً اذا ترك الامر وجزاءاً أخف اذا أتى به في الوقت المنهي.

وهكذا الاوامر الشرعية فالصلاة واجبة والنهي متعلق بحصة خاصة هو اتيانها في الدار المغصوبة فلو اتى به كذلك يثاب على الصلاة ويعاقب على التصرف في مال الغير بغير اذنه.

ويمكن تقريب القول بالفساد بوجوه:

الوجه الأول: أن الامر بالطبيعة والنهي عن الحصة غير معقول للتضاد من حيث المبدأ وذلك لان الامر بالطبيعة يقتضي ان يكون كل من الحصص واجداً للمصلحة الملزمة بعد الكسر والانكسار فلو فرض كون بعضها غير واجد لتلك المصلحة بعد الكسر والانكسار لا يعقل كون الماهية المأمور بها لا بشرط بالنسبة اليها، فان اوعية المصالح والمفاسد هي الحصص فلو كانت حصة من الطبيعي غير واجدة للمصلحة الملزمة او واجداً للمفسدة الملزمة معها لم يمكن تعلق الامر بالطبيعي لا بشرط. وتعلق الامر بالطبيعي كتعلقه في الواجب المخير بعنوان احد الامور أو الامرين على ما هو الحق فيه فان الامر وان تعلق بهذا العنوان الا ان وعاء المصلحة هو ما ينطبق عليه هذا العنوان فلا بد من ان يكون كل من فردي الواجب التخييري واجداً للمصلحة الملزمة بعد الكسر والانكسار والا لم يصح تعلق الامر بالواجب التخييري.

والجواب: ان المصلحة متقومة بنفس الطبيعي اين ما وجد والحصة انما يكون واجداً لها باعتبار تحقق الطبيعي بها. ومتعلق الامر هو صرف وجود الطبيعة لا مطلق الوجود وصرف الوجود لا يلازم مفسدة. واما الخصوصيات الفردية فهي خارجة عن حدود متعلق الامر. والامر بالطبيعي ليس امراً بالافراد فلا اثر للمفسدة الملزمة في بعضها حتى تعارض المصلحة الملزمة.

الوجه الثاني: الاشكال في الاجتماع للتضاد من حيث المنتهى فان تعلق الامر بالطبيعي يلازم الترخيص في تطبيقه في كل حصة وهذا لا يجامع النهي عن احدى الحصص ومن هنا نحكم بتقييد المطلق اذا نهي عن المقيد بل حتى اذا امر به كقوله (اعتق رقبة) و(اعتق رقبة مؤمنة) أو (لا تعتق رقبة كافرة) وليس ذلك الا لعدم اجتماع الامر او النهي بشيء والترخيص فيه وهذا الترخيص هو المستفاد من الامر بالمطلق.

والجواب: ان الامر بالطبيعي لا يلازم الترخيص التكليفي في تطبيقه في كل حصة وذلك لان معنى تعليق الامر بالطبيعي لا بشرط هو ان خصوصيات الحصص لا دخل لها في متعلق الامر ولا في ملاكه فتمام المتعلق هو نفس الطبيعي والعقل يحكم حينئذ بان كل حصة من الطبيعي تحققه في الخارج فانطباقه عليها قهري فليس الانطباق وترخيصه من احكام الشارع بل هو حكم عقلي ولا يعقل جعل الترخيصات المتعددة بل الى ما لا يحصى في كل أمر متعلق بطبيعي.

الوجه الثالث: ان المأمور به اذا كان من التعبديات المشروط فيها قصد القربة لا يمكن ان يتحقق في حصة مبغوضة اذ كيف يمكن التقرب بمبغوض؟! سواء كان المراد بالقصد هو الداعي كما هو مسلك المتأخرين او وجوب الاخطار كما هو المشهور بين القدماء أي انشاء كون العمل للّه تعالى اما على الاول فلان العمل بالحصة المنهية لا يكون بداعي امر المولى بالطبيعة بل بداعي تحقيق الرغبة النفسية في الامر المنهي. ولا يصح التقرب الا بان يندك ارادة الحصة في ارادة الطبيعي فلو كان في الحصة جهة معاكسة للارادة المتعلقة بالطبيعي لم يتحقق ذلك. واما على الثاني فلانه لا يمكن انشاء العمل المبغوض وان كانت فيه جهة محبوبة للّه تعالى الا اذا كان من جهة المعنى المصدري عملين واما مع فرض الاتحاد الوجودي فلا يمكن ذلك وان كان ذا جهتين.

والجواب عنه: انكم لو سلمتم مغايرة الماهية لا بشرط مع الماهية  بشرط شيء في مرحلة تقوم المصلحة والملاك بها بمعنى ان المصلحة في الامر متقومة بالماهية لا بشرط والمفسدة في النهي متقومة بالماهية بشرط شيء وسلمتم امكان تعلق الامر بالماهية لا بشرط والنهي عن الماهية بشرط شيء في غير التعبديات فما هو المانع من قصد القربة في اتيان الماهية لا بشرط؟! فهي وان كانت من حيث الوجود الخارجي متحدة مع الماهية بشرط شيء الا انهما متغايرتان في المحبوبية والمبغوضية، والارادة والكراهة، والوجوب والحرمة. فما هو المانع من كون الوجود الواحد مقربا من حيث ومبعداً من حيث؟!

والشاهد على ذلك كثرة ما يرى من العبادات من الغاصبين ومن المجوزين للصلاة في الدار المغصوبة كالعامة ولا شك في تحقق قصد القربة منهم.

وهذه الوجوه مشتركة بين هذه المسألة ومسألة اجتماع الامر والنهي.

الوجه الرابع: أن النهي عن الحصة نهيا مولوياً ملازم عرفاً مع تقييد المأموربه، واللفظ كما يكون حجة في مدلوله الالتزامي اذا كانت الملازمة عقلية كذلك في ما اذا كانت عرفية. والشاهد على ذلك الاتفاق على حمل المطلق على المقيد وكذلك اتفاقهم على بطلان الصلاة في الدار المغصوبة مع اختلافهم في مسألة اجتماع الامر والنهي فلا بد من ان يكون لهذه الملازمة التي ذكرناها بين النهي والتقييد.

والجواب عنه ان هذه الملازمة من موارد اشتباه العرف بين التصور والتصديق وذلك لانه يرى ظهور النهي في الدلالة على الفساد من جهة ظهوره في الارشاد اليه الا ان العلقة التي تحصل بين النهي وهذه الدلالة بموجب تداعي المعاني في مرحلة التصور توقعه في الاشتباه في مرحلة التصديق فيخيّل اليه ثبوت الملازمة التي هي قوام الدلالة الالتزامية التصديقية بين النهي والفساد مطلقا حتى اذا كان النهي مولوياً وذلك لان النهي المولوي المتعلق بالحصة الخاصة أمر فرضي لا يصار اليه الا بالقرينة.

فاذا قال المولى: اعتق رقبة مؤمنة، ولا تعتق رقبة كافرة، كان النهي بنظر العرف دالاً على الفساد وعدم انطباق المأمور به على المأتي به لظهوره في الارشاد الى ذلك وهذا لا اشكال فيه الا انه لو فرضنا استعمال هذا النهي الخاص بقرينة وعناية في الحرمة المولوية المحضة وراجعنا العرف في ذلك نراه يفهم منه الدلالة على الفساد أيضاً ولكنه ليس من اجل الملازمة بين النهي والفساد بل من جهة تبادر الفساد منه الى الذهن بموجب علاقة تداعي المعاني وعدم تمييزه بين النهي المولوي والنهي الارشادي وعدم امكان تجريد الذهن عن لوازم اللفظ في مرحلة التصور.

هذا مضافاً الى ان هذه الملازمة المتوهمة خاصة بما اذا كان النهي عن حصة خاصة من الطبيعي بعنوانه ليكون ارشاداً الى الفساد وموهماً للملازمة في النهي المولوي واما فيما نحن فيه فالنهي مستفاد من انحلال النهي عن التصرف أو كونه مشيراً الى التصرفات الخارجية وهذا لا يأتي فيه هذا البيان.

الوجه الخامس: ان الحصة المنهي عنها ليست الا نفس الماهية مقيدة بامر وجودي بنحو يكون التقيد داخلاً والقيد خارجاً. والتقيد معنىً حرفي وملحوظ بلحاظ آلي فلا بد من ان يكون المرئي به نفس القيد او ذات المقيد. ولا يمكن الاول لانه لا يتعلق به الامر لكونه مفروض الوجود ولانه يلزم منه عدم الفرق بين الجزء والشرط اذ كما ينحل الامر بالنسبة الى الاجزاء لا بد من ان ينحل بالنسبة الى القيود أيضاً او لجهات اخرى، فينحصر في الثاني.

والنتيجة أن النهي المتعلق بالحصة يرجع الى النهي عن الطبيعة التوأمة، فيتحد مصبّ الامر والنهي . فمايقال من تغاير الماهية لا بشرط والماهية بشرط شيء وهما متعلقا الامر والنهي غير صحيح.

وما ذكرناه من رجوع التقيد الى لحاظ ذات المقيد هو مسلك المحقق الاصفهاني في الاطلاق والتقييد خلافاً للمحقق النائيني حيث ذهب الى رجوعه الى لحاظ نفس القيد.

والجواب عنه ما ذكرناه في محله من ان الفرق بين المعنى الحرفي والاسمي ليس الا بالاجمال والتفصيل واما كون المعنى الحرفي ملحوظاً بالآلية غير صحيح فالتقيد جزء واقعاً.

مضافاً الى أن هذا لا يتم الا في الاوامر الانحلالية ليكون متعلق الامر هو الحصة فيجتمع مع النهي عنها اما فيما نحن فيه فالامر مترفع عن الحصة لتعلقه بصرف الوجود.

الوجه السادس: ان لازم القول بعدم الدلالة على الفساد صحة صلاة الحائض وصومها والصوم في العيدين اذا كان قضاءاً لانه امر بصرف الوجود لا الصوم المستحب الذي تعلق الامر به بنحو الانحلال والدليل لم يدل الا على حرمة الصوم في العيدين وللحائض وكذا صلاتها.

والجواب عنه: ان بطلان صلاة الحائض لفقدان الطهارة ولا صلاة الا بطهور لا للنهي لو سلمنا كونه تحريمياً وبطلان صومها لما دل على كون رؤية الدم مفطراً وبطلان الصوم في العيدين لموثقة سماعة الخاصة بالمورد.

 

اذا كان المغصوب متعلقا لحق الغير

 

قال المصنف: سواء تعلق الغصب بعينه أو بمنافعه كما اذا كان مستأجراً وصلى فيه شخص من غير اذن المستأجر وان كان مأذوناً من قبل المالك أو تعلق به حق كحق الرهن وحق غرماء الميت الخ.

 

الكلام انما هو في الحرمة التكليفية في هذه الموارد واما الحرمة الوضعية المترتبة عليه فعلى المبنى. ولا كلام في حرمة التصرف في العين المستأجرة من دون اذن المستأجر انما الكلام في حرمته في ما تعلق به حق الغير كتصرف المالك في العين المرهونة وكالتصرف فيما تعلق به حق التحجير مثلاً.

قد يقال بان مقتضى القاعدة هو الحرمة ما لم يدل دليل بالخصوص. وذلك لان الحق مرتبة نازلة للملك فلا فرق بينهما الا من حيث الشدة أو الضعف في الاضافة الى صاحبه وحينئذ فعنوان مال الغير يصدق على ما يملكه الغير وعلى ما يتعلق به حقه. فالعين المرهونة مثلاً يضاف الى المالك باضافة شديدة والى المرتهن باضافة ضعيفة. هكذا ذكره السيد المصنف في حاشيته على المكاسب وذكره المحقق النائيني أيضاً موضحاً ذلك بان الحق هو الملك قبل النضج.

الفرق بين الحق والملك

والكلام يقع تارة في الكبرى وتارة في الصغرى.

اما الاولى فيمكن الاعتراض عليها بوجهين:

الوجه الاول ما ذكره المحقق الاصفهاني في حاشيته على المكاسب وهو ان الملك امر اعتباري والامور الاعتبارية مأخوذة من الامور التكوينية والامر التكويني هنا اما من قبيل الاضافة أو الجدة وهذان لا يقبلان الشدة والضعف فكذا ما اخذ منهما.

والجواب عنه: انه لو فرضنا صحة هذا الامر وهو اخذ الملك من الجدة أو الاضافة. ولكن هذا خلط بين الاعتبارات الادبية والاعتبارات القانونية فان الاعتبارات القانونية وان نشأت من امور أخرى الا انها تنفصل عنها وتستقل ولها احكامها الخاصة وتفصيل ذلك يعلم مما حققناه من الفرق بين الاعتبارات الادبية والقانونية في البحث عن الاحكام الوضعية في الاصول.

الوجه الثاني ما ذكرناه في المكاسب وهو ان الفرق بين الحق والملك مع انهما اضافتان الى العين ليس هو الشدة والضعف بل امر آخر.

بيانه: ان الذي له الحق لا يملك الا نفس الحق فاذا اضيفت مالكيته الى العين كانت الاضافة مجازية ومع واسطة في العروض. فحق الرهن مثلا هو حق استيفاء الدين من العين فالمرتهن مالك لهذا الحق وهو المملوك بالذات ولكن قد يضاف ملكه الى العين وهذه الاضافة مع الواسطة في العروض فهو اسناد الى غير من هو له وهذا هو الموجب لضعف الاضافة. وكذلك سائر الحقوق فحق التحجير مثلا هو حق نتيجته التملك بالاحياء فهو المملوك بالذات فان اضيف ملكه الى العين كان ضعيفاً لانه مع الواسطة في العروض.

ويشهد لذلك ما يذكرونه في الشفعة فان الشفعة حق فسخ العقد ويمكن ان يسند مضافا الى العين ولكنه ملكية ضعيفة بل قد يسند مضافا الى المالك ومن هنا استدلوا على عدم ثبوت حق الشفعة للكافر بقوله تعالى: (ولن يجعل اللّه للكافرين على المؤمنين سبيلاً) مع ان السبيل واقعاً ليس الا على فسخ العقد ولكنهم رأوا صحة اسناده مضافا الى المالك فذكروا ذلك غفلة عن ان الاسناد مجازي.

وأما الثاني أي الصغرى وهو ان الحق حيث انه ملك ضعيف يوجب عدم جواز التصرف في متعلقه ففيه انه لا اطلاق لنا في عدم جواز التصرف يشمل الملك الضعيف الذي هو الحق بل الثابت هو حرمته في ما يعد ملكاً عرفاً.

في تعلق حق الرهن

فتحصل ان عدم جواز التصرف في كل متعلق حق ليس مقتضى القاعدة فلابد من البحث في كل حق بخصوصه والكلام هنا في تعلق حق الرهن.

ويجب أن يلاحظ أولا أن الملك قد يكون متعلقاً بما في الخارج وقد يكون متعلقاً بما في الذمة الا ان ما في الذمة انما يتعلق به الملك باعتبار انطباقه على ما في الخارج والا فليس له مالية بنفسه وانما هو وعاء اعتباري لمن له قابلية الملك في الخارج اما بالفعل أو بالقوة ولذلك يزداد مالية ما في الذمة بقوة احتمال تطبيقه أو بقرب وقته او بسعة ما يمكن ان يطبق عليه كما اذا كان موسراً. فما في الخارج رصيد ما في الذمة. ولعل من لا يكون له القدرة على التطبيق لا فعلاً ولا قوة لا يعتبر لما في ذمته مالية اصلاً كما ورد في بعض الروايات من بطلان المعاملة اذا باع المعسر جارية.

والرهن هو تعيين رصيد ما في الذمة في عين خارجية. وتعلق حق الغرماء بمال الميت هو تعيين رصيد ما في ذمته في امواله الفعلية لعدم التمكن من تحصيل مال آخر غالباً وكذا في المفلّس.

والكلام فعلاً في الرهن وقد تبين ان الرهن بعنوانه هو تعيين الرصيد فهل هذا يقتضي عدم جواز تصرف الراهن أم لا؟

المشهور عدم الجواز مطلقا، ولذا ذكروا في شرائط البيع عدم كون العين مرهونة. ولا اشكال في اقتضائه عدم جواز التصرفات المتلفة انما الكلام في التصرفات الناقلة والتصرفات الخارجية غير المؤدية الى التلف. ويمكن التمسك لعدم جوازها بوجوه:

الوجه الاول: النبوي المعروف (الراهن والمرتهن ممنوعان من التصرف) وهذه الرواية مذكورة في كتاب عوالي اللئالي ونقله العلامة في المختلف اما في كتب القدماء فلا اثر لها. وقد مرّ الكلام في كتاب عوالي اللئالي وعدم الاعتماد عليه. وتكرر ذكرها في كتب المتأخرين لا اثر له واما الانجبار بعمل الاصحاب فنحن وان سلمنا ذلك الا انا لا نقول به الا في موارد خاصة مما يوجب الوثوق بالصدور.

قول الشيخ (اجماع الفرقة واخبارهم)

الوجه الثاني: عبارة الشيخ في الخلاف قال في مسألة 59 من كتاب الرهن: ليس للراهن ان يكري داره المرهونة او يسكنها غيره الا باذن المرتهن فان اكراها وحصلت اجرتها كانت له وقال الشافعي: له ان يوجرها ويسكنها غيره وهل له ان يسكنها بنفسه لهم فيه وجهان دليلنا اجماع الفرقة واخبارهم ولانه لا دليل على جواز ذلك.

اما اجماع الشيخ فقد بحثنا عنه مفصلاً في باب الاجماع المنقول وذكرنا انه لا يحكي عن اتفاق آراء من تقدم عليه.

واما الاخبار فقد يقال انها مراسيل له ويكفي في الاعتماد عليها ان المرسل هو الشيخ وعدم ذكرها في كتب الحديث لا يقدح في ذلك لعدم استيعاب هذه الكتب التي بايدينا لجميع الروايات التي كانت آنذاك فمثلاً كتاب التهذيب الذي هو اوسع كتب الحديث التي بايدينا أحد مصادره كتب موسى بن القاسم وهو له كتب متعددة في مختلف ابواب الفقه كما ذكر في كتب الرجال مع ان الشيخ لم ينقل عنه الا في كتاب الحج مما يدل على انه لم يكن عنده حين تأليف التهذيب الا كتاب حجّه وهو ينقل عنه في كتاب الحج روايات كثيرة جداً مما يدل على كثرة رواياته في سائر الابواب ايضاً. واحد مصادره ايضا كتب علي بن الحسن بن فضال وقد عدّ الشيخ نفسه من كتبه كتاب الوضوء والصلاة مع انه لم ينقل عنهما في كتابه رواية واحدة.

فقول الشيخ (واخبارهم) يدل على وجود روايات تدل على ذلك ولم تصل الينا وهذا ليس كمراسيل ابن ابي جمهور كما لا يخفى فلابد من الاعتماد عليه كما كان يعتمد على مثل هذه العبارة السيد البروجردي.

هذا ولكن من البعيد ان يطلع الشيخ على روايات ولم يذكر شيئاً منها في التهذيبين مع انه يدعي في اول التهذيب انه لم تفتني رواية. مضافاً الى ما استظهرناه في الاصول من تتبع موارد هذه العبارة ان الاخبار المقصودة لا تدل على المطلب الا بتخلل الاجتهاد وربما لا يكون لها ظهور فيه اصلاً.

الوجه الثالث: ان الرهن بمفهومه يقتضي عدم جواز التصرف لان معناه الحبس ففي اقرب الموارد: (رهنته لساني: أي حبسته عنده وذلك اذا عاهدته على امر ووعدته به. وقال: الرهن ايضاً ما وضع وثيقة للدين وقيل: الرهن الحبس مطلقا وقال الرهين كل ما احتبس به شيء فهو رهينه يقال: انا رهين بكذا أي مأخوذ به وفي القرآن كل امرئ بما كسب رهين). وفي مجمع البحرين حول هذه الآية: أي محبوس بعمله، وقال المحقق الهمداني: الرهن انما هو حبس المال عن المالك وقصر فيه وقطع سلطنته عليه لا مجرد احداث حق للمرتهن. وفي الجواهر ايضا مثل ذلك. فحقيقة الرهن هو الحبس لا كونه وثيقة وان وقع مصداقاً للوثيقة ايضاً فلا عبرة بما يعتبر في كونه وثيقة بل العبرة بما يعتبر في صدق الحبس.

وربما يقال بان المستفاد من الروايات هو كونه وثيقة كما ورد في صحيحة عبد اللّه بن سنان: (نعم استوثق من مالك) جواباً عن السؤال عن الرهن وكذا غيرها(3)

ولكن الظاهر كما عرفت انه من باب ان الرهن من مصاديق الاستيثاق وخلط الفقهاء بين المفهوم والمصداق فاعتبروا مفهوم الرهن وثيقة وكذا وقع الاشتباه لجمع من اللغويين.

وهذا الوجه اقوى من الوجهين السابقين كما لا يخفى الا ان الحبس لا يقتضي اكثر من عدم جواز النقل والانتقال كالوقف واما عدم جواز التصرفات مطلقاً فهو مقتضى حبس المالك لا حبس العين اذ معنى حبس العين منعه من الحركة فقط.

فتحصل ان القول بحرمة مطلق التصرفات مبني على الاحتياط وليس عليه دليل قوي بل الدليل في بعض الموارد على الجواز كوطي الجارية المرهونة ان لم يكن الوطي موجباً لنقصان قيمتها بالحبل.

والعجب من الشيخ حيث ذكر في مسألة 20 من كتاب الرهن (انه لا يجوز للراهن ان يطأ الجارية المرهونة سواء كانت ممن تحبل او لا تحبل ثم استدل عليه بان اجماع الفرقة واخبارهم تدل على ذلك لانها عامة في المنع من وطئها ولم يفرقوا). مع انه لم يدل على المنع رواية واحدة بل الروايات كما ذكرنا تدل على الجواز ففي الوسائل ب11 من الرهن صحيحة محمد بن مسلم عن ابي جعفر عليه السلام في رجل رهن جاريته قوماً ايحل له ان يطأها؟ قال: فقال: ان الذين ارتهنوها يحولون بينه وبينها قلت: ارأيت ان قدر عليها خالياً قال: نعم لا ارى به بأساً. وهذه الصحيحة رواها المشايخ الثلاثة الا ان في الفقيه زيادة في السؤال (ان قدر عليها خالياً ولم يعلمه به الذين ارتهنوها).

والظاهر من الصدوق والكليني انهما عملا بها لما ذكراه في مقدمة كتابيهما والشيخ رواها بدون اعتراض. ورواها الكليني والشيخ ايضاً بسند صحيح عن الحلبي الا ان فيها: (قال: نعم لا ارى هذا عليه حراماً).

وعمل بهذه الاخبار صاحب الحدائق وذكر ان الميل الى الجواز يظهر من الاردبيلي والسبزواري بل من الصدوق ايضاً. الا ان الشيخ ادعى الاجماع على خلافه في الخلاف كما ذكرنا وفي المبسوط. والمتأخرون ايضاً بنوا على الحرمة ولم يعملوا بهاتين الروايتين وتهجم صاحب الجواهر على من وسوس في الحكم.

وغاية ما يحصل من هذه الاقوال هو الشهرة بين المتأخرين اما القدماء فلم يتعرضوا لهذه المسألة وانما ذكروا الروايات بدون اعتراض. وهذه الشهرة غير كافية للحكم بعدم الجواز واما دعوى الاجماع واخبار الفرقة فقد عرفت ضعفه. ومقتضى القاعدة هو الجواز.

تعلق حق غرماء الميت وحق الموصي بالثلث

قال المصنف: وحق غرماء الميت.

 

سيأتي تفصيل هذه المسألة فيما بعد وان الدين قد يكون مستوعباً وقد لا يكون وسيأتي ايضاً تفصيل الكلام في صورة الاستيعاب في ان تعلق الدين هل يمنع من انتقال المال الى الورثة فيبقى على ملك الميت كما يدل عليه بعض الروايات وذهب اليه بعض الاصحاب أم لا يمنع ولكن يتعلق به حق الغرماء؟

فان قلنا بالاول لم يجز للورثة التصرف فيه لبقائه على ملك الميت والملك لا يختص بالاحياء وقد دلت الأدلة على تملك المسجد والكعبة. والعقلاء ايضاً يعتبرون الملكية للمؤسسات العامة والخاصة. وحينئذ فالتصرف فيه بمثل الصلاة يتوقف على اجازة الوصي او وليه كالحاكم الشرعي مع تعلق حق الغرماء وهو لا يمنع من التصرفات غير المنافية للاستيثاق.

وان قلنا بالثاني فالجواز يتوقف على اجازة الوارث ولا يمنع منه تعلق الحق كما عرفت.

 

قال المصنف: وحق الميت اذا اوصى بثلثه ولم يفرز بعد ولم يخرج منه.

 

من الحقوق المتعلقة بالمال المانعة من التصرف حق الميت اذا اوصى بالثلث فقد ذكروا انه لا يجوز التصرف في مجموع ماله فتبطل الصلاة فيه ايضاً بناءاً على الملازمة التي منعناها.

بيان ذلك ان الميت قد يوصي بنفس عنوان الثلث مثلا وقد يوصي بمال خارجي ينطبق عليه عنوان الثلث كعشرة دنانير وهو يملك ثلاثين فاذا كان بالنحو الاول كان ظاهراً في الكسر المشاع ولا يجوز تصرف احد الشريكين بنحو الاشاعة بدون اذن الآخر واما اذا كان بالنحو الثاني كان ظاهراً في الكلي في المعين وحينئذ فيجوز التصرف في المال ولكن بحيث يبقى منه المقدار الذي ينطبق عليه الكلي. وتفصيل الفرق بين الكسر المشاع والكلي في المعين في بحث المكاسب في من باع صاعاً من صبرة.

ثم ان العنوان الذي ذكره المصنف هو الاول أي الوصية بالثلث. والوصية على قسمين تمليكية وعهدية. فان كانت تمليكية وقلنا بانها لا تتوقف على القبول ــ كما هو المشهور وعليه فتوى السيّد المصنف ــ كان الموصى له شريكاً مع الورثة فلا يجوز التصرف من دون اذنه ولكنه لا يعد حقاً في الاصطلاح بل هو ملك ولا ربط له بالميت بل هو ملك الموصى له فهذه الصورة خارجة عن مراد السيّد اذ عنوان كلامه تعلق حق الميت فلابد من ان يكون وصية عهدية كما اذا اوصى ان يصرف ثلث ماله في اعمال الخير مثلاً.

وحينئذ فالظاهر انه ما لم يصرف باق على ملك الميت اذ خروجه عن ملكه يتوقف على دخوله في ملك الغير والغير إمّا هو الوارث فهو لا يملك الا بعد العمل بالوصية وأداء الدين لقوله تعالى (من بعد وصية يوصي بها او دين) وإمّا هو المصرف الذي عينه في الوصية فالمفروض انه لم يصرف فيه بعد وحيث انه بنحو الكسر المشاع فالميت شريك مع الورثة ولا يجوز تصرف الشريك بدون اذن شريكه فلابد من الاستيذان من الوصي أو الولي الشرعي.

ومن هنا يظهر ان التعبير بالحق في عبارة المصنف مسامحة الا ان يريد به الحق اللغوي الذي هو بمعنى الامر الثابت كما اطلق في بعض كلمات الفقهاء ايضاً. وكثير من الحقوق الواردة في بعض الروايات كرسالة الحقوق للامام السجاد عليه السلام يراد به الحكم الشرعي كعدم جواز الغيبة الذي عد من حقوق المؤمن وكفدك الذي هو ملك الزهراء سلام اللّه عليها حيث عد حقاً مغصوباً وكالخمس حيث عد في رواية ابي علي بن راشد حقاً وهذا بخلاف الحق الاصطلاحي الذي يطلق في قبال الحكم والملك.

 

تعلق حق السبق في المشتركات

 

 

قال المصنف: وحق السبق كمن سبق الى مكان من المسجد او غيره فغصبه منه غاصب.

 

اما الحرمة التكليفية في ما اذا سبق احد اليها بالنسبة الى التصرف في مكانه لو قام غير معرض عنه فهو مسلّم وبالنسبة الى اخراجه من مكانه فهو مضاعف لانه بعنوانين التعدي على شخصه واخذ مكانه الذي هو اولى به، وكذا بالنسبة الى رحله اذا لم يكن بحيث يعتبر مزاحماً لحق الآخرين كما اذا تركها  أياما مثلاً.

وأما من جهة الحرمة الوضعية في ما اذا فعل الحرام واخرجه من مكانه وجلس فالظاهر أن حق السبق ينتقل اليه ويكون هو أولى به فليس فيه حرمة وضعية .

ثم ان الحرمة التكليفية ان قلنا بانها خاصة بمرحلة الحدوث وان بقاءه في المكان ليس محرماً فلا اشكال في صحة صلاته وان قلنا بانها محرمة بقاءاً ايضاً كان محل الخلاف السابق.

واستدل على ثبوت هذا الحق بروايات احداها مرسلة محمد بن اسماعيل عن بعض اصحابه عن ابي عبد اللّه عليه السلام قال: قلت له: نكون بمكة أو بالمدينة أو الحيرة أو المواضع التي يرجى فيها الفضل فربما خرج الرجل يتوضأ فيجيء آخر فيصير مكانه فقال: من سبق الى موضع فهو احق به يومه وليلته(4)

وفي كامل الزيارات نفس الحديث مع قوله رفعه بعد بعض اصحابه فالرواية مرسلة ومرفوعة وكذا في التهذيب وفيهما بدل الحيرة الحائر ولعله الصحيح (5)

وقد يقال لتصحيح هذا الحديث كما في المستمسك بانه مروي عن احمد بن محمد بن عيسى وحيث انه اخرج البرقي لروايته المراسيل فلابد من كونه مقرونا بما يوجب الوثوق.

وفيه ان اخراج البرقي انما كان من اجل كثرة روايته للمراسيل مع ان هناك دوافع اخرى في ذلك وذكرنا بعض الكلام فيه سابقا مضافاً الى انه يروي عن محمد بن اسماعيل وهو المرسل. وكيف كان فلا يمكن الاعتماد على هذه الوجوه لقبول رواية مرسلة مرفوعة.

مضافا الى ان ظاهر متن الحديث غريب ايضا اذ كيف يكون الرجل احقّ بمكانه تمام يومه وليلته وان قام من مكانه غير معرض؟!

والثانية ما رواه الكليني عن محمد بن يحيى عن احمد بن محمد بن عيسى عن محمد بن يحيى عن طلحة بن زيد عن ابي عبد اللّه عليه السلام قال: قال امير المؤمنين عليه السلام : سوق المسلمين كمسجدهم فمن سبق الى مكان فهو احق به الى الليل وكان لا يأخذ على بيوت السوق كراء(6)

وطلحة بن زيد عامي لم يوثق وقيل فيه له كتاب معتمد الا انه لم يعلم كون الرواية من ذلك الكتاب المعتمد.

الثالثة مرسلة ابن ابي عمير عن بعض اصحابنا عن ابي عبد اللّه عليه السلام قال: سوق المسلمين كمسجدهم يعني اذا سبق الى السوق كان له مثل المسجد(7) ونحن نعتمد على مراسيل ابن ابي عمير الا ان الظاهر ان جملة يعني اذا سبق... من الراوي والا لقال: اعني.. ومن هنا يمكن ان يقال في الرواية الثانية ان قوله فمن سبق... من الراوي ايضا كما هو المحتمل في كثير من التفريعات التي تأتي في الروايات.

ثم ان التفسير الوارد في الرواية الثالثة مبهم في حد ذاته. ويحتمل في زيادة الراوي التفريع في الثانية ان يكون ناظراً الى الرواية الاولى. وتخصيص الحق بكونه الى الليل هنا باعتبار عدم الحاجة الى السوق في الليل في الازمنة القديمة بخلاف المسجد.

فالحاصل ان المزاحمة في المشتركات حرام تكليفاً بمعنى عدم جواز ازالته من مكانه او ازالة رحله واما الحرمة الوضعية فلم يثبت عليها دليل.

حكم الجاهل بالغصبية

قال المصنف: وانما تبطل الصلاة اذا كان عالماً عامداً واما اذا كان غافلاً أو جاهلاً او ناسياً فلا تبطل. نعم لا يعتبر العلم بالفساد فلو كان جاهلاً بالفساد مع علمه بالحرمة والغصبية كفى في البطلان.

 

المشهور هو صحة صلاة الجاهل بالغصب وفيه اشكال مشهور وهو انه ينافي ما هو المشهور من امتناع اجتماع الامر والنهي. وقد اختلفت كلمات الأصحاب في وجه ذلك والاشكال سهل الاندفاع على جميع المسالك في امتناع الاجتماع الا على القول بالتضاد من حيث المبدأ اذ لازم ذلك ان يكون الطبيعي بشرط لا بالنسبة الى الغصب بلا فرق بين العلم به والجهل وقد مر الكلام فيه في الصلاة في المكان المغصوب والمسألة مبتنية على اصل البطلان وقد عرفت الاشكال فيه. وتفصيل الكلام في الاصول.

 

قال المصنف: ولا فرق بين الفريضة والنافلة في ذلك على الاصح.

 

وفي مقابل الاصح قول المحقق بالصحة في النافلة لوجه ضعيف ومن الواضح انه لا فرق في ذلك بناءاً على صحة دليل البطلان اذ كما يتحد الغصب مع جزء من الصلاة الفريضة كذلك في النافلة.

 

المسألة 1: اذا كان المكان مباحاً ولكن فرش عليه فرش مغصوب فصلى على ذلك الفرش بطلت صلاته وكذا العكس

 

اما الاول فلان السجود والاعتماد على الفرش المغصوب محرم بل القيام ايضاً بناءاً على ما ذكرناه من صدق التصرف عرفاً على هذه الامور.

واما الثاني فلحرمة التصرف في الفضاء كما سيأتي ولان التصرف في الفرش المعتمد على الارض يعد تصرفاً في الأرض ايضاً.

الصلاة على السقف المستقر على مغصوب

المسألة 2: اذا صلى على سقف مباح وكان ما تحته من الارض مغصوباً فان كان السقف معتمداً على تلك الارض تبطل الصلاة عليه والا فلا لكن اذا كان الفضاء الواقع فيه السقف مغصوباً او كان الفضاء الفوقاني الذي يقع فيه بدن المصلي مغصوباً بطلت في الصورتين.

 

يقع الكلام في مقامين:

المقام الاول: في انه هل هناك دليل على وجوب اباحة المكان بمعنى ما استقر عليه الشخص ولو بوسائط أم لا؟ فان كان احد أجزاء الاساس الذي بني عليه البناء مغصوباً ولو كان طابوقاً واحداً فهل تبطل الصلاة أو هل يحرم التصرف أم لا؟ وكذا الكلام في سفينة أحد ألواحها مغصوب مع انه لا يباشر التصرف في نفس اللوحة.

المقام الثاني: في ان مالك الارض هل يملك فضاء ملكه مطلقا الى عنان السماء أم لا يملك مطلقاً او يملك الى حدود خاصة بمعنى انه يملك الى حدود يمكنه التصرف فيها عادة وفوقها الى حدود يعتبر تابعاً لملكه ومن شؤونه ام انه بالنسبة الى الحد الثاني أي ما يعتبر من شؤون ملكه ذو حق وليس مالكا واما ما لا يمكن التصرف فيه عادة ولا يعتبر من الشؤون المرتبطة بملكه فاعتبار الملك او الحق بالنسبة اليه لغو. وكذا الكلام في تخوم الارض.

وقد حكم السيد الحكيم في المستمسك في المقام الاول بجواز التصرف اذا كان الاعتماد بوسائط فتختص حرمة التصرف بما اذا لم تكن واسطة او كانت الواسطة من قبيل الفرش حتى انه ذكر ان ذلك لا يشمل ما لو فرشت الارض المغصوبة بالاسفلت او الطابوق مثلا وبذلك جوّز التصرف في الاراضي التي تغصبها الحكومة مثلاً وتجعلها شارعاً عاماً. وحكم في المقام الثاني بجواز التصرف في الفضاء وبذلك ايضاً يندفع الاشكال في الشوارع التي تكون اراضيها مغصوبة من حيث التصرف في الفضاء.

ولكن لابد من التأمل في المقامين ولابد في المقام الاول من ملاحظة صدق عنوان التصرف ولا شك في صدقه بوضع فرش على الارض المغصوبة والجلوس عليه بل وفي وضع سرير وما شابهه. واما اذا تعددت الوسائط كمثال السفينة وأعالي البناء فالظاهر عدم صدق التصرف فلا يقال للجالس في الطبقة الخامسة مثلاً اذا كان طابوق من أساس البناء مغصوباً انه تصرف في الطابوق المغصوب.

واما في ما نحن فيه أي السقف المعتمد على الارض المغصوبة مع فرض جواز التصرف في الفضاء إما للقول بجوازه أو لمصالحة عليه اذ يجوز ذلك كما ذكر في كتاب الصلح ومع فرض عدم شمول الاجازة أو المصالحة لاعتماد السقف على الارض كما لو كانت المصالحة على بناء جسر بين دارين ومروره في فضاء هذا الدار مثلاً فلا اشكال في ان بناء العمود في هذا الارض تصرف وحرام الا ان الكلام في التصرف فوق ذلك الجسر بجلوس ونحوه والقول بانه يعد تصرفاً مشكل والاصل البراءة للشك في صدق عنوان التصرف المحرم.

واما في المقام الثاني فالظاهر ان الحدود التي يتصرف فيها عادة تعد تابعة لملك الاصل وكذا ما لا يتصرف فيها عادة الا انه يمكن التصرف فيها امكاناً عادياً فهي من شؤون المملوك وحريمه والتصرف فيها حرام ايضاً. واما ما فوق ذلك من الحدود التي تجتازها الطائرات مثلاً فالظاهر انها ليست من حدود الملكية الشخصية بل من حدود الولاية العامة ولذا يحق للدولة في القانون الدولي ان تمنع طائرات دولة اخرى من الاجتياز في اجوائها.

وبما ذكرنا يتبين الوجه في ما ذكره المصنف، فان السقف ان كان في فضاء مغصوب بمعنى ان يكون انزل من الحدود الذي اجازها المالك بحيث يكون المصلي على الحدود فيقع حركات بدن المصلي في الفضاء المباح ولكن موقفه ومحل اعتماده مغصوب فلا اشكال في كونه حراماً وكذا ان كان انزل بحيث تقع حركاته أيضاً في الفضاء المغصوب. واما بطلان الصلاة بناءاً على الملازمة المزعومة فيتوقف على صدق اتحاد افعالها مع الغصب فان قلنا به مطلقا فهي باطلة في الصورتين وان لم نقل به مطلقا فهي صحيحة في الصورتين وان قلنا به في خصوص الاعتماد صحت في الاولى وبطلت في الثانية.

الصلاة تحت السقف المغصوب

المسألة 3: اذا كان المكان مباحاً وكان عليه سقف مغصوب فان كان التصرف في ذلك المكان يعد تصرفا في السقف بطلت الصلاة فيه والا فلا فلو صلى في قبة سقفها أو جدرانها مغصوب وكان بحيث لا يمكنه الصلاة فيها إن لم يكن سقف أو جدار أو كان عسراً وحرجاً كما في شدة الحر أو شدة البرد بطلت الصلاة وإن لم يعد تصرفا فيه فلا ومما ذكرنا ظهر حال الصلاة تحت الخيمة المغصوبة فانها تبطل إذا عدت تصرفا في الخيمة بل تبطل على هذا إذا كانت أطنابها أو مساميرها غصبا كما هو الغالب إذ في الغالب يعد تصرفا فيها وإلا فلا.

 

وقد اعترض عليه المحشون وقالوا بعدم الحرمة والبطلان من دون تفصيل.

والذي يمكن الاستدلال به على الحرمة التكليفية في المقام وجوه:

الوجه الاول: ان هذا يعد تصرفاً في العين بدعوى ان الانتفاع من العين يوجب صدق التصرف كما هو ظاهر عبارة المصنف حيث مثل لكونه تصرفاً بما اذا لم تمكن الصلاة خارج ذلك السقف أو الخيمة لحر أو برد او كان عسراً وحرجاً وذلك لان التصرف في كل شيء بحسبه واستعمال الخيمة انما يكون للوقاية من الحر او البرد.

وفيه ان مجرد الانتفاع لا يعدّ تصرفاً فلو غصب غاصب خيمة ونصبها في محل مشترك مثلاً كالمسجد والمدرسة فلا يعد دخول المسجد تصرفاً في الخيمة وكذا اذا انتفع الجار بظل شجرة الجار مثلاً. ولا يمكن الالتزام بحرمة مثل هذا الانتفاع.

الوجه الثاني: ان نفس الانتفاع بمال الغير حرام وان لم يعد تصرفاً كما نقله السيد الحكيم في المستمسك عن صاحب الجواهر ويمكن الاستدلال له بالنبوي المعروف ( لا يحل دم امرئ مسلم ولا ماله الا بطيبة نفس منه (8) وحذف المتعلق يدل على العموم فيشمل كل ما يتعلق بالمال فلا اختصاص بعنوان التصرف بل يشمل كل ما يناسب التعلق بالمال من انحاء الانتفاعات.

ورده السيد الحكيم قدس سره بان هذه الجملة اما ظاهرة في حرمة الاتلاف او التصرف او مجملة فان كانت مجملة فالتوقيع الشريف (فلا يحل لاحد التصرف في مال غيره بغير اذنه)(9) شارحلها وان كانت ظاهرة فيه فالامر واضح.

وفيه ان دعوى الاجمال أو ظهوره في خصوص التصرف ــ مع ان حذف المتعلق يدل على العموم ــ لا وجه له. واما كون التوقيع شارحاً ففيه ان ذلك يتوقف على كون المطلق والمقيد متنافيين مع انهما في المقام انحلاليان فلا تنافي بينهما اذ لا تنافي بين حرمة مطلق الانتفاع وبين حرمة خصوص الانتفاع الذي يعد تصرفاً .

والجواب عن اصل الاستدلال ان النبوي ليس حكماً تأسيسياً لتوسعة الحكم التكليفي المترتب على الملكية بل حكم امضائي لتأكيد ما هو عند العقلاء. وذلك لدفع توهم المجتمع آنذاك فانهم لم يكونوا يرون حرمة للاموال والدماء لرسوب الافكار الجاهلية في أذهانهم فأكدها النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم بتشبيهها بحرمة الشهر الحرام والبلد الحرام للتأثير في احاسيسهم ومشاعرهم.(10)

ومن المعلوم ان مطلق الانتفاع ليس محرماً كالاستضاءة بمصباح الغير والاستظلال بجدار الغير واستشمام العطر من رياحين الغير الى غير ذلك مما لا ينبغي الشك في ان النبوي لا يشملها والعقلاء لا يمنعون منها. وقد بيّـنّـا ان المنع في النبوي محدود بحدود المنع العقلائي وهو مؤكد له فقط.

الوجه الثالث: ان هذا يعد تصرفاً في المنفعة والتصرف في المنفعة قد يكون تابعا للتصرف في العين كغصب الدار مثلاً وقد يكون مستقلاً من دون تصرف في العين كما في ما نحن فيه فالحرمة ليست من جهة مجرد الانتفاع. وقد يحرم التصرف في المنافع من دون حرمة التصرف في العين كتصرف الموجر في داره الذي آجره. والتصرف في منافع الغير من دون اذنه حرام للنبوي السابق المانع من التصرف في مال الغير.

ويمكن الخدشة فيه بوجوه:

الوجه الاول: ان المال عبارة عن الاعيان حيث ورد في مجمع البحرين: المال في الاصل ملك الذهب والفضة ثم اطلق على كل ما يتملك من الاعيان. ومن هنا ذهب بعضهم الى اعتبار كون العوض مالاً في البيع لتفسيره في المصباح بانه مبادلة مال بمال.

والجواب عنه: اولاً: ان العرف كما يطلق المال على الاعيان يطلقه على المنافع ايضاً .

وثانياً: ان ما ذكر في المجمع لا حجية له مع معارضته بما في اقرب الموارد: المال ما ملكته من جميع الاشياء. وفي القاموس ما ملكته من كل شيء. مع انه يمكن ان يكون تفسيراً بالمصداق. والمال هو المملوك.

وثالثا: انه مما لا اشكال فيه ان التصرف في المنافع بغير اذن حرام شرعاً.

الوجه الثاني: ان ملكية المنافع لا يكون الا بعد وجودها في الخارج. والمالية والملكية من عوارض الوجود لا الماهية. والمنافع لا وجود لها في الخارج قبل تحقق المعاوضة عليها كعمل الحر قبل ان يوجر نفسه.

فان قيل: ان المنافع تملك تبعا لملكية الاعيان ولذا يمكن تأجيرها كما ذكره السيد الخوئي.

قلنا: ان الملكية للمنافع ملكية عرضية أي بالعناية والمجاز لا تبعية بحيث يصح ان يقال عند تملك العين انه يملك امرين العين والمنفعة بل هو مالك لها بالعرض من باب ملكية ما يقتضيه وهو العين. نعم هو مالك للتمليك وهو حق متعلق بها. فالمنافع قبل تعلق المعاوضة بها لا مملوكة ولا موجودة. فلا معنى لحرمة التصرف فيها.

والجواب عنه: ان المنافع قد توجد بوجود ذمي وقد توجد بوجود تقديري لتقدير الضمان في صورة الاتلاف ولذا يضمن الغاصب المنافع المستوفاة وغير المستوفاة وهذا الوجود التقديري يصحح صدق المال.

الوجه الثالث: أنا لا نعقل فرقاً بين التصرف في المنفعة والتصرف في الانتفاع حتى يلتزم بجواز الاستظلال بالخيمة من خارجها وعدم جوازه تحتها مع كون الارض مباحاً.

واجاب عنه السيد الحكيم في كتاب الطهارة من المستمسك بأن هناك فرقاً بين الاعيان والمنافع فالاعيان يصح اسناد الملك اليها وان لم تكن لها قيمة سوقية بخلاف المنافع فان مملوكيتها لا تتوقف على اعتبار قيمة سوقية لها فالاستظلال بالخيمة من الخارج لا قيمة له في السوق بخلاف الدخول تحت الخيمة.

ويمكن المناقشة فيه بان المفروض عندهم ان الملكية تفارق المالية فيجوز ان يكون شيء مملوكاً مع عدم كونه مالاً أي ذا قيمة تبادلية وفي ذلك لا فرق بين الاعيان والمنافع. مضافاً الى ان الدخول في دار مستأجرة بدون اذن المستأجر حرام قطعاً مع انه تصرف في المنفعة ولا قيمة لنفس الدخول. واما الفرق الصحيح بين التصرف في المنفعة والتصرففي الانتفاع فهو ما نذكره في الوجه الرابع.

الوجه الرابع: ان التصرف قد يكون على نحو الاستيلاء على المنفعة ولو تبعا للعين وهو حرام وقد يكون بلا استيلاء عليها وهو ليس بحرام. فاذا غصب احد خيمة ونصبها في بعض الاماكن المشتركة فانتفاعه منه وانتفاع من يشاركه في الغصب انتفاع على وجه الاستيلاء وهو حرام واما انتفاع رجل آخر يدخل المسجد حينئذ مثلاً لا يعد استيلاء على المنفعة فهو ليس بحرام وكذا الانتفاع بظل شجرة الغير مثلا فعبارة المصنف يجب ان يقيد بما اذا كان التصرف في السقف أو الخيمة بنحو الاستيلاء.(11)

 

المحبوس في المكان المغصوب

 

المسألة 8: المحبوس في المكان المغصوب يصلي فيه قائماً مع الركوع والسجود اذا لم يستلزم تصرفاً زائداً على الكون فيه على الوجه المتعارف كما هو الغالب وأما إذا استلزم تصرفا زائدا فيترك ذلك الزائد ويصلي بما أمكن من غير استلزام وأما المضطر إلى الصلاة في المكان المغصوب فلا إشكال في صحة صلاته.

 

اعترض عليه في المستمسك وفي بعض الحواشي انه لا فرق بين المحبوس والمضطر فان المحبوس ايضاً مضطر الى الصلاة هناك.

والحق ان هناك فرقا بين المقامين فالمحبوس مضطر الى الكون في المكان المغصوب لا الى الصلاة فيقع الكلام في انه هل يجوز له الصلاة في سعة الوقت مع احتمال خروجه قبل انتهائه وفي انه هل يصلي صلاة المختار أم لا؟ وأما المضطر فالمراد به من اضطر الى خصوص الصلاة بحيث لو لم يصل في المكان المغصوب لتوجه اليه ضرر كما اذا كان مورداً للتقية مثلا فالاضطرار هنا الى الاكوان الصلاتية وهناك الى الكون في المكان والفرق بينهما واضح.

ونظير المسألة الثانية ما يذكر في باب الوضوء والغسل من انه لو اضطر احد الى غسل جسمه بماء مغصوب لدفع حرارة شديدة اضطره الى ذلك مثلاً فهل تجوز له نية الغسل الواجب أم لا؟ وهل يختلف الحال بين ما لو كانت له مندوحة وما لم تكن؟

أما المحبوس في المكان المغصوب فيقع الكلام أولاً في انه هل يجوز له انحاء التصرفات غير المضرة بمال الغير أم لا؟

نقل صاحب الجواهر من بعض متفقهة عصره انه لا يجوز له ادنى حركة هناك فاذا ادخل قائماً لا يجوز الجلوس واذا ادخل جالساً لا يجوز له القيام وهكذا ثم قال: وذهب بعضهم الى عدم جواز تحريك الاجفان ايضاً ازيد مما يحتاج اليه ولا بد ان تكون صلاته ايضاً كذلك من دون حركة. ثم اجاب عنه صاحب الجواهر (الى ان قال ونعم ما قال): ولم يتفطن انه عامل هذا المظلوم المحبوس قهراً بأشدّ مما عامله الظالم بل حبسه حبساً ما حبسه احد لاحد. اللّهم الا ان يكون ذلك في يوم القيامة.

والتحقيق في المقام يتوقف على ما ذكرناه مراراً من انه لو اضطر الى الجامع بين امور متعددة كل منها ذات مفسدة فصدق الاضطرار الى الحصة التي يختارها يتوقف على متمم الجعل التطبيقي فان كانت المفسدة في هذه الحصة مع سائر الحصص على حد سواء كان مخيراً في اختيار ما شاء منها. وان كانت المفسدة مختلفة فلا بد من ان يختار ما هو اقل مفسدة. والسرّ في ذلك ان الاضطرار الى الجامع لا يكون اضطراراً الى الفرد الا اذا كانت ارادة الفرد لو اختاره مندكة في ارادة الجامع فيصدق انه مضطر اليه بمتمم الجعل التطبيقي.

اذا تبين ذلك فنقول: لا اشكال في حرمة انحاء التصرفات في المال المغصوب بلا فرق بين القيام والجلوس والاضطجاع وغيرها من الحالات والحركات لصدق التصرف فاذا اضطر الى الكون هناك لا موجب لالزامه باختيار حالة دون اخرى الا ان يكون اقل مفسدة او يكون ابعد عن كراهة المالك. فان اراد الانتقال من مكان الى مكان آخر فالحركة الاينية ليست الا الكون في امكنة متعددة بلا فرق بين الاكوان من جهة الاعتماد على الارض ومن جهة اشغال الفراغ في مال الغير فلا مانع منه. وان اراد تبديل حالته من قيام الى جلوس مثلا فهو ايضاً كذلك لعدم الفرق بينهما من حيث الاشغال والاعتماد.

وقد يقال: انه لا يجوز له الجلوس والسجود وذلك لان الحالات وان لم تختلف من حيث الاشغال والاعتماد الا انها تختلف من حيث المماسّة للارض فهو في الجلوس والسجود اكثر من القيام فالأحوط ان يختار القيام.

والصحيح انه لا فرق بين هذه الحالات في نظر العرف من حيث التصرف في مال الغير الذي هو المناط في المفسدة. مع انه يمكن ان يقال في قبال ذلك: ان الثقل يتركز في صورة القيام على موضع القدمين بخلافه في صورة الجلوس فانه موزع على مكان اوسع فلو صحت هذه التدقيقات فلابد من ملاحظة كلا الامرين ولكن شيئاً منها لا اثر له في صدق التصرف عرفاً بل ملاحظتها مستهجنة عند العقلاء.

وبناءاً على ذلك فلابد من ان يصلي صلاة المختار. ويجوز له البدار أيضاً فان كونه في المكان جايز فلا يتحد حركاته مع أمر محرّم.

واما اذا كان مضطراً الى الصلاة في الدار المغصوبة فلا يأتي فيه توهم ملاحظة ما هو اقل تصرفاً من حالات الصلاة اذ المفروض انه مضطر الى الاكوان الصلاتية بعينها ولذا ذكر السيد انه صحيح بلا اشكال.

وقد ذكروا هذه المسألة في باب الوضوء كما مرّ والمشهور فيها هو الصحة لان البطلان مستند الى حرمة التصرف تكليفاً والمفروض انها مرتفعة لاجل الاضطرار فلا وجه للفساد. وهذا يختلف بحسب المباني في اقتضاء الحرمة التكليفية للفساد وضوحاً وخفاءاً.

اما بناءاً على مسلك التضاد من حيث فعلية التكليف فالاضطرار يرفع الفعلية.

 واما بناءاً على التضاد من حيث المبدأ فيمكن ان يتوهم ان الاضطرار لا يرفع المفسدة وانما يرخص مع فرضها.

والجواب ان المفسدة معارضة بالمصلحة في التسهيل وهي اقوى من المفسدة.

 واما بناءاً على التضاد من حيث المنتهى وان الامر بالطبيعي يقتضي الترخيص وهو ينافي الحرمة فالاضطرار يوجب الترخيص فيرتفع التنافي ولا فرق بين الترخيص الابتدائي والاضطراري فلا مانع من تعلق الامر.

ونقل عن المحقق النائيني القول بالبطلان بدعوى ان الدليل الدال على الحرمة التكليفية بالمطابقة يدل على الفساد بالالتزام، والاضطرار يرفع المدلول المطابقي دون الالتزامي اذ لا يتبعه في الثبوت والسقوط. هذا مرجع كلامه وان ذكره بتعبير آخر وهو ان المدلولين في رتبة واحدة فلا يلزم من سقوط احدهما سقوط الآخر.

واجاب عنه السيد الخوئي بان هذا صحيح على مسلك المشهور ولكن الصحيح ان المدلول الالتزامي تابع للمدلول المطابقي في الثبوت والسقوط.

وفي كلامهما تأمل اما الاول ففيه أولاً ان الصلاة مقيدة بعدم كونها متحدة مع التصرف المحرّم لا مع التصرف في مال الغير مطلقا. وهذا المدلول طولي بالنسبة الى المدلول الآخر وهو الحرمة فان فساد الصلاة انما هو في صورة اتحادها مع الحرام فليس المدلولان عرضيين وفي رتبة واحدة.

وثانياً: ان البحث عن كون المدلول الالتزامي تابعاً للمدلول المطابقي وعدمه لا ربط له بالمقام فان الفساد ليس مدلولاً التزامياً للدليل بل هو من لوازمه العقلية. والدلالة الالتزامية من الدلالات اللفظية ويختص باللازم البين وهي في عرض الدلالة المطابقية والتضمنية فيأتي فيها البحث عن المتابعة في الثبوت والسقوط وعدمه واما ما نحن فيه فليس من هذا القبيل بل هو من اللوازم العقلية للمدلول المطابقي فان بطلان الصلاة اذا اتحدت مع المحرم ليس من البديهيات حتى يكون لازماً بيناً. ولذا انكره جميع العامة وبعض الخاصة وقد عرفت انه هو الحق. وعليه فثبوت اللازم العقلي أي الفساد متوقف على ثبوت ملزومه وهو المدلول المطابقي أي الحرمة فاذا ثبت كان محل البحث واقامة البرهان العقلي على ملازمته مع الفساد واما اذا كانت الحرمة مقيدة من اول الامر بغير صورة الاضطرار فلا يبقى الملزوم حال الاضطرار حتى يستلزم الفساد.

ومن هنا ظهر وجه النظر في ما ذكره السيد الخوئي حيث قال: ان ما ذكره المحقق النائيني صحيح على مسلك المشهور وغير صحيح على مسلكنا. فقد عرفت ان بحث المتابعة في الثبوت والسقوط لا ربط له بالمقام. ومنشأ اعتراضات السيد الخوئي دام ظله على المشهور هو الخلط بين اللوازم العقلية والمداليل الالتزامية.

اذا اعتقد الغصبية فتبين الخلاف

المسألة 9: اذا اعتقد الغصبية وصلى فتبين الخلاف فان لم يحصل منه قصد القربة بطلت والا صحت.

 

ذهب السيد الحكيم وبعض آخر الى الفساد ووجهه بتقريب منا يتوقف على مقدمتين:

المقدمة الاولى: ان الفعل المتجرى به قبيح موجب لاستحقاق العقاب خلافاً للشيخ حيث ذهب الى ان قبح التجري من جهة دلالته على سوء السريرة دون قبح الفعل ولصاحب الكفاية حيث ذهب الى ان استحقاق العقاب للعزم على المعصية.

المقدمة الثانية: ان هذا القبح كحرمة العمل موجب للبطلان فيأتي في المقام الوجوه المذكورة في البطلان في الدار المغصوبة.

اما المقدمة الاولى فتفصيله في الاصول وانما نذكر هنا اجمال المطلب:

  قبح الفعل المتجرى به

وهو ان جماعة منهم المحققان العراقي والاصفهاني والسيد الخوئي ذهبوا الى قبح الفعل المتجرى به واستدلوا بوجهين:

الوجه الاول: ان التجري هتك لحرمة المولى وهو ظلم عليه وهو قبيح.

الوجه الثاني: انه لا اشكال في حسن الانقياد عقلاً واستحقاق فاعله المثوبة وحيث ان التجري يقابله فلابد ان يتصف بالقبح واستحقاق العقاب.

أما الوجه الاول فيدفعه امران:

الامر الاول: ان قبح المعصية الحقيقية ايضاً ليس من جهة الهتك وايجابه الظلم على المولى فان ذلك يبتني على كون الامر المولوي عبارة عن ربط المولى شخصيته بفعل خارجي على ذمة المكلف ربطا اعتبارياً بحيث لو لم يعمل به يكون هتكاً له وقد ذكرنا في الاصول ان هذا غير صحيح وانه مختص باوامر الحكام المستبدين وشيوخ العشائر ونظائرهم واما الاوامر الالهية فمولويتها ليست من هذا القبيل وقد صرح في القرآن الكريم بنفي وقوع الظلم على اللّه جل وعلا (وما ظلمونا ولكن كانوا انفسهم يظلمون) ومن الواضح ان العبد الحقير لا يتمكن من الظلم على المولى وانما نشأ هذا الاشتباه من قياس مولوية الباري تعالى بمولوية الموالي العرفية حيث ان شخصيتهم وعظمتهم منوطة بنفوذ اوامرهم واحترام الناس لهم وهذا لا يأتي في حقه تعالى وتقدس.

بل ربما لا يأتي في بعض المخلوقين ايضا ولا ريب ان انتقاد رجل جاهل لموضوع ابتكره رجل عبقري خضع له العظماء وقبلوا كلامه لا يعد اهانة له وانما هو اهانة لنفسه.

الامر الثاني: انا لو سلمنا ذلك في المعصية الحقيقية وسلمنا كون مولوية الاوامر من جهة ربط الشخصية فلا يقاس عليه المعصية الخيالية أي التجري اذ المفروض ان المولى لم يربط شخصيته بهذا العمل تركاً أو اتياناً بل هو مباح في القانون.

واما الوجه الثاني ففيه ان الانقياد على قسمين احدهما ان يأتي المكلف بالعمل المحتمل الوجوب لاحتمال وجوبه او يترك العمل المحتمل الحرمة لاحتمال حرمته والثاني ان يأتي بالعمل المحتمل الوجوب أو يترك العمل المحتمل الحرمة لدواع شخصية وكذلك الاحتياط فقد يأتي الانسان بالعمل متأثراً من احتمال الامر وقد يأتي بذات العمل ولو لا بداعي الامر. والانقياد بالمعنى الاول يصح ان يقال بحسنه لصدق التذلل والتعبد على العمل حينئذ. واما بالمعنى الثاني فلا حسن له في نفسه نعم اذا طابق الواقع كان حسناً من جهة ان الفعل متعلق امر المولى والا فلا.

والتجري مقابل للانقياد بالمعنى الثاني اذ ليس محل الكلام هو ان يأتي بالعمل برجاء كونه معصية حتى يقابل الانقياد بالمعنى الاول.

فتحصل ان قبح التجري لا دليل عليه.

هل قبح العمل يوجب الفساد

واما المقدمة الثانية وهي ان القبح هل يوجب الفساد أيضاً كالحرمة أم لا؟

ذهب المصنف الى صحة العمل لو تمشى منه قصد القربة.

واعترض عليه بان قصد القربة لا يجدي مع كون العمل في نفسه مبعداً عن المولى لقبحه بناءاً على ثبوت المقدمة الاولى.

والصحيح ان يقال: ان هذا العمل ـ بناءاً على جواز اجتماع الامر والنهي آمرياً ومأمورياً ـ مقرب من جهة ومبعد من جهة اخرى اذ المفروض انه صلاة واجدة للملاك والمكلف انما يقصد القربة من هذه الجهة لا من جهة كونه غصباً.

وهل يجري فيه الكلام المذكور في اقتضاء الحرمة الفساد أم لا؟

يختلف ذلك باختلاف المسالك هناك. فلو قلنا بالامتناع من جهة التضاد في نفس الاحكام كما ذكره صاحب الكفاية لم يأت هذا الوجه في المقام اذ لا تضادّ بين الوجوب الشرعي والقبح العقلي في المصداق. ولو قلنا بالامتناع من جهة التضاد في المبدأ كما ذكره السيد الخوئي فالامر كذلك اذ مصلحة الوجوب الشرعي لا تعارضها مفسدة هنا وانما هو قبح عقلي وهو لا يوجب مفسدة. نعم لو قلنا بان مبنى الامتناع هو لزوم الترخيص في كل فرد من الوجوب وقلنا بان المراد به اعم من الترخيص الشرعي والعقلي جرى فيما نحن فيه.

والحاصل ان المقدمة الثانية ممنوعة أيضاً.

اذا اعتقد الاباحة فتبين كونه مغصوبا

 

قال المصنف: واما اذا اعتقد الاباحة فتبين الغصبية فهي صحيحة من غير اشكال.

 

هذه المسألة تختلف ايضاً باختلاف المباني في مسألة اجتماع الامر والنهي فبناءاً على التضاد من حيث المبدأ والكسر والانكسار في المصلحة والمفسدة لا تصح الصلاة حينئذ اذ لا دخل للعلم والجهل في ذلك فان ماهية الصلاة مشروطة بعدم تحققها مع حرام واقعي. ولذا استشكل فيه السيد الخوئي في الحاشية.

واما بناءاً على مسلك التضاد من حيث الفعلية فالصلاة صحيحة اذ الحرمة ليست فعلية للجهل بها ولا تضاد بين الوجوب الفعلي والحرمة الانشائية.

وكذا تصح الصلاة بناءاً على كون المنع من جهة ملازمة الامر مع الترخيص ان قلنا بان الترخيص أعم من الظاهري والواقعي اذ المفروض الترخيص ظاهراً في المقام.

حكم الجاهل بالحكم

المسألة 10: الاقوى صحة صلاة الجاهل بالحكم الشرعي وهي الحرمة وان كان الاحوط البطلان خصوصاً في الجاهل المقصر.

 

الاحتمالات في مورد الجهل بالحكم الشرعي في المقام ثلاثة:

الاحتمال الاول: ان الحرمة الواقعية لا اثر لها فالجاهل قاصراً ومقصراً تصح صلاته. وهذا مختار السيد المصنف.

الاحتمال الثاني: ان الجهل لا اثر له في رفع الفساد فالجاهل والعالم في ذلك سواء وهذا مختار السيد الخوئي كما تبين من المسألة المتقدمة.

الاحتمال الثالث: التفصيل بين القاصر فتصح صلاته والمقصر فلا تصح.وهذا مذهب جماعة من المحشين وفي كلام السيد اشارة اليه.

ومجمل القول في وجه هذه الاحتمالات. هو ان ذلك مختلف ايضاً حسب المباني السابقة فعلى مسلك التضاد في المبدأ وتقيد الصلاة بعدم وقوعها في ضمن محرم واقعي لا اشكال في بطلان الصلاة وعلى مسلك التضاد في الفعلية يختص البطلان بالجاهل المقصر لفعلية الحرمة بالنسبة اليه دون القاصر المرخص ظاهراً. وعلى مسلك عدم تمشي قصد القربة في العالم فيتوقف القول بالصحة في المقام على امكانه كما فرضه السيد ولا فرق حينئذ بين القاصر والمقصر.

الارض المغصوبة المجهول مالكها

المسألة 11: الارض المغصوبة المجهول مالكها لا يجوز التصرف فيها ولو بالصلاة ويرجع امرها الى الحاكم الشرعي وكذا اذا غصب آلات وأدوات من الآجر ونحوه وعمر بها داراً أو غيرها ثم جهل المالك.

 

يقع الكلام في جهات:

الجهة الاولى: ان الحاق غصب الآلات بغصب الارض مبني على بطلان الصلاة تحت السقف المغصوب كما مرّ البحث فيه وقد بينّا عدم صدق التصرف الا ان يصدق الاستيلاء في الانتفاع.

الجهة الثانية: ان الارض المغصوبة في عبارة المصنف هل يراد بها ان يغصبها نفس المصلي كما يظهر من عطف غصب الآلات أم المراد بها ما غصبه غيره ووقع تحت تصرف المصلي؟ وهذان يختلفان في الحكم.

ففي الفرض الاول لا يأتي بعض المحتملات الواردة في مسألة مجهول المالك. ومنها ما قيل بجواز تملكه مستدلا بصحيحة علي بن مهزيار حيث ورد فيها (ومثل مال يؤخذ ولا يعرف له صاحب(12) كما في الوسائل، وبدون الواو كما في غيره، فان الامام عليه السلام حكم بوجوب اعطاء الخمس فقط والمراد به خمس الفائدة فهذا الاحتمال لا يأتي هنا وكذا ما قيل من وجوب التصدق به.

اما الاحتمال الاول فلان ظاهر الصحيحة ان لا يعرف صاحب المال حين الاخذ لا انه يعرفه حينه ثم يشتبه مع غيره ولا يحتمل اصلاً جواز تملك الغاصب بمحض الجهل بالمالك. وكذا لا يشمله أدلة التصدق اذ ظاهرها ما يكون صاحبه مجهولاً حال الاستيلاء فالحكم حينئذ هو الرجوع الى الحاكم الشرعي كما هو احد الاقوال في مسألة مجهول المالك.

ولكنا ذكرنا هناك ان الرجوع الى الحاكم الشرعي مبني على الاحتياط في مجهول المالك غير صورة الغصب فان ولاية المستولي عليه على التصدق به مقدمة على ولاية الحاكم الشرعي فانه ولي من لا ولي له واما في هذه المسألة فلا تأتي تلك الأدلة ولابد من الرجوع الى الحاكم الشرعي جزماً.

وبهذا ظهر انه لا وجه لما ذكره السيد الخوئي من ان الرجوع الى الحاكم الشرعي في المقام مبني على الاحتياط اذ الظاهر من عبارة المصنف كما عرفت هو صورة غصب المصلي. نعم يصح ذلك فيما اذا غصبه غيره ووقع تحت استيلائه فان ولايته على التصدق به مقدمة على ولاية الحاكم الشرعي.

اذا اشترى دارا تعلق به الزكاة 

المسألة 13: اذا اشترى داراً من المال غير المزكى أو غير المخمس يكون بالنسبة الى مقدار الزكاة أو الخمس فضولياً فان امضاه الحاكم ولاية على الطائفتين من الفقراء والسادات يكون لهم فيجب عليه ان يشتري هذا المقدار من الحاكم واذا لم يمض بطل وتكون باقية على ملك المالك الاول.

 

يقع الكلام في موضعين:

الاقوال في كيفية تعلق الزكاة بالعين

 

الموضع الاول في الزكاة، وفيه ثلاثة أقوال تبتني اختلافها على اختلاف الاقوال في كيفية تعلق الزكاة بالعين.

القول الاول: ما ذكره السيّد المصنف وتبعه اغلب المحشين. وهذا يبتني على القول بتعلقها بالعين بنحو الاشاعة أو الكلي في المعين أو الشركة في المالية. ولابد ان نفرض المسألة في ما اذا كان الثمن تمام العين المتعلق بها الزكاة واما ان كان بعضها فيختلف الحال بين القول بالكلي في المعين وغيره فان التصرف على الاول يصح فيما عدا الكلي. ومن هنا يظهر ان الاولى ان يقول المصنف: اذا اشترى داراً بالمال لا من المال.

القول الثاني: ان المعاملة صحيحة بلا اجازة والدار تنتقل الى المشتري بتمامها بلا تعلق حق لاحد بها والثمن ينتقل الى البايع مع تعلق حق الزكاة به فان كان البايع لا يعلم بذلك كان له خيار العيب ولحاكم الشرع الرجوع الى المشتري ابتداءاً لان متعلق الحق كان بيده حين التعلق وله الرجوع الى البايع لان متعلق الحق بيده فعلاً فان رجع اليه وكان مغروراً رجع الى المشتري بنفس ما اخذه الحاكم.

وهذا يبتني على القول بانه ليس شركة في العين ولا في المالية وانما هو حق وليس من قبيل حق الرهانة بل من قبيل حق الجناية فلا يمنع من التصرفات الناقلة بل يمنع من الاتلاف فقط. والحقوق على قسمين فبعضها متعلق بالمال بنفسه وبعضها متعلق به باعتبار اضافته الى المالك بحيث تقع الاضافة ايضاً في متعلق الحق. فحق الرهانة من القسم الثاني بناءً على المشهور، وحق الجناية من القسم الاول فلا يجب ابقاء المال على ملك مالكه الاول اذ الحق لم يتعلق بالاضافة فيجوز نقلها الى غيره.

والقول بان تعلق الزكاة ليس شركة بل هو من القسم الاول من الحقوق كما ذكرنا مسلك جماعة من القدماء وعليه السيد الاصفهاني والسيد محمد تقي الخوانساري من المتأخرين وهو الحق عندنا.

القول الثالث: ما ذكره السيد الحكيم وهو ان تعلق الزكاة من قبيل حق الرهانة فلا يجوز نقله وكما ان حق الرهانة لا يتعلق بالمال بمقدار الدين بل هو مستوعب لجميعه ولذا يمنع من نفوذ البيع بالنسبة الى الجميع فكذا ما نحن فيه فلا تجدي اجازة الحاكم الشرعي اذ مرجعها الى اسقاط الحق.

والكلام في كيفية تعلق حق الزكاة بحث طويل جداً. وقد استدللنا في محله على ما هو الحق عندنا في قبال القول بالشركة باقسامها بصحيحة عبد الرحمن بن ابي عبد اللّه (قال: قلت لابي عبد اللّه عليه السلام: رجل لم يزكّ ابله أو شاته عامين فباعها، على من اشتراها ان يزكيها لما مضى؟ قال: نعم تؤخذ منه زكاتها ويتبع بها البايع او يؤدي زكاتها البايع)(13)

فقوله يتبع بها البايع يدل على ان المعاملة صحيحة الا ان الزكاة تؤخذ من المشتري وهو يرجع بها الى البايع. ولو كانت الزكاة متعلقة بنحو الشركة كانت المعاملة في مقدار الزكاة فاسدة لوقوعها في مال الغير فيرجع بما يقابله من الثمن لا بما اخذ منه من الزكاة والظاهر من الحديث انه يرجع بما اخذ منه من الزكاة زادت قيمتها عن ما يقابلها من الثمن أم نقصت.

وبهذا ظهر وجه المناقشة في القول الثالث اذ ظاهر الحديث صحة المعاملة مضافاً الى ان ظاهر أدلة الزكاة كقوله عليه السلام: (في ما سقت السماء العشر) وغيره تعلقها بذات المال لا بما انه مضاف الى المالك.

اذا اشترى دارا بمال تعلق به الخمس

 

الموضع الثاني: في متعلق الخمس. والأكثر لم يفرقوا بينه وبين الزكاة ولكن مقتضى القاعدة فساد المعاملة بمعنى كونها فضولية لان الخمس حق ثابت في الأموال بنحو حق الرهانة تقريباً. الا ان مقتضى بعض الروايات الخاصة الواردة في الباب التحليل وصحة المعاملة وان كان مقتضى بعضها الآخر فسادها.

فما يدل على الفساد روايتان لابي بصير:

الاولى ما رواه علي بن ابي حمزة عنه عن ابي جعفر عليه السلام قال: كل شيء قوتل عليه على شهادة ان لا اله الا اللّه وان محمداً رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم فان لنا خمسه ولا يحل لاحد ان يشتري من الخمس شيئاً حتى يصل الينا حقنا.(14)

والثانية: ما رواه ابوبصير عن ابي جعفر عليه السلام قال: من اشترى شيئاً من الخمس لم يعذره اللّه اشترى ما لا يحل له (15)

وسندهما ضعيف من جهة علي بن ابي حمزة في الاولى والقاسم بن محمد الجوهري في الثانية فانه لم يوثق وما في الوسائل ب1 مما يجب فيه الخمس حـ5 من قوله الحسين بن القاسم سهو والصحيح ما نقله في باب 3 من الانفال (الحسين عن القاسم) والمراد به الحسين بن سعيد.

وهناك روايتان مرسلتان احداهما هي الرواية الاولى بعينها رواها الصدوق مرسلاً عن ابي بصير والاخرى نظيرها في المفاد رواها العياشي عن اسحاق بن عمار.(16)

ومقتضى هذه الروايات الفساد بلا فرق بين كون البايع ممن لا يعتقد الخمس اوممن لا يعطيه وبين كون المشتري شيعياً وغيره.

روايات تحليل الخمس للشيعة

وهنا روايتان تدلان على التحليل ولابد من تقديم مقدمة قبل ذكرهما وهي:

ان التحليل من الائمة عليهم السلام اما تشريعي واما مالكي والاول هو الغاء الامام بولايته وحقه في التشريع حق الخمس من اصل الشريعة موقتاً أو دائماً ولا يمكن حمل الروايات على هذا المعنى فان ولي الامر وان كان له حق التشريع الا انه في خصوص منطقة الفراغ وهي الموارد التي ليس فيها حكم شرعي واما التشريع الذي يكون محللاً للحرام أو محرماً للحلال فغير جايز كما انه كذلك في الشروط والعهود فلولي الامر ان يحرم مباحاً أو يوجب مستحباً أو يحرم مكروهاً وهكذا وقد ذكرنا في محله الفرق بين تحريم المباح وتحريم الحلال. اما اسقاط الخمس الواجب تشريعاً فغير جايز.

فتعين الحمل على التحليل المالكي وهو ان يكون من جهة كون الامام مالكاً لا من جهة كونه مشرعاً وهو فردي واجتماعي. والمراد بالتحليل الاجتماعي التحليل لغير المغتنم من الشيعة في زمان عدم بسط الحكومة الاسلامية الحقة حيث كانت العامة لا تعتقد بالخمس وبعض فساق الشيعة لا يؤدونه و لم تكن الحكومة تأخذه اجباراً فكان هذا موجباً لوقوع الملتزم بالدين من الشيعة في مضيقة اجتماعية واقتصادية حيث لم يتمكن من المعاملة مع الغير. واذا اشترى بضاعة وجب ان يدفع خمسه فلا يبقى له مجال للربح فحلّله الائمة عليهم السلام لخصوص غير المغتنم منهم.

والمراد بالتحليل الفردي التحليل لنفس المغتنم وهذا ثابت في خصوص المناكح للشيعة فاذا حصل شيعي على جارية بشراء أو سبي ولم يؤد خمسه فمقتضى القاعدة عدم جواز الوطء وان جاز ذلك في متعلق حق الرهانة فان حق الخمس اضيق. ولكن الائمة عليهم السلام حللوها لشيعتهم حرصاً منهم على طيب مواليدهم.

والكلام فعلاً في التحليل الاجتماعي وان المستفاد من الروايات هل هو الهبة أو نفوذ المعاملة أو جواز التصرف؟ وانه هل يختص بما اذا كان المغتنم ممن لا يعتقد الخمس كما هو المشهور أو يعم من لا يعطي الخمس من الشيعة ايضاً كما هو ظاهر الروايات.

وما يدل على التحليل روايتان:

الاولى ما رواه ابو خديجة عن ابي عبد اللّه عليه السلام قال: قال رجل وانا حاضر: حلّل لي الفروج ففزع ابو عبد اللّه عليه السلام فقال له رجل: ليس يسألك ان يعترض الطريق انما يسألك خادماً يشتريها او امرأة يتزوجها أو ميراثاً يصيبه او تجارة أو شيئاً اعطيه فقال: هذا لشيعتنا حلال الشاهد منهم والغائب والميت منهم والحي وما يولد منهم الى يوم القيامة فهو لهم حلال اما واللّه لا يحل الا لمن احللنا له ولا واللّه ما اعطينا احداً ذمة وما عندنا لاحد عهد (هوادة) ولا لاحد عندنا ميثاق.(17)

  توثيق ابي خديجة

وابو خديجة ثقة ظاهراً فقد وثقه النجاشي وقال: ثقة ثقة واما تضعيف الشيخ فالظاهر كما في مستدرك الوسائل انه بالنظر الى كونه خطابياً ولكنه قد تاب بعد ذلك فلا يعارض توثيق النجاشي.

الثانية: ما رواه يونس بن يعقوب قال: كنت عند ابي عبد اللّه عليه السلام فدخل عليه رجل من القمّاطين فقال: جعلت فداك تقع في ايدينا الاموال والارباح وتجارات نعلم ان حقك فيها ثابت وانا عن ذلك مقصرون. فقال ابو عبد اللّه عليه السلام: ما انصفناكم ان كلفناكم ذلك اليوم(18)

وفي سند الشيخ محمد بن سنان وهو ضعيف الا ان الصدوق رواها باسناده عن يونس وهو صحيح.

والظاهر ان المراد بالتحليل هنا نفوذ المعاملة فان الحلية اذا تعلقت بالمعاملة كانت ظاهرة في الحلية الوضعية. وليس هذا التحليل اسقاطاً للخمس مطلقاً بل خاص بغير المغتنم فمرجعه الى اسقاط الحق المتعلق بالعوض المنتقل الى الشيعي. ولا فرق في هذا بين كون الطرف الآخر ممن لا يعتقد بالخمس او ممن لا يعطيه. فينتقل الحق الى العوض الذي عند الآخر.

واعترض السيد الحكيم في المستمسك على الاستدلال بهما بامرين.

الاول انهما منصرفتان الى من لا يعتقد الخمس لندرة من لا يعطيه آنذاك.

والجواب منع الندرة مع عدم بسط الحكومة الاسلامية مضافاً الى ان الندرة في الوجود لا يوجب الانصراف.

الثاني: ان هاتين الروايتين معارضتان بالطائفة الاولى وبينهما عموم من وجه فان مورد الطائفة الاولى عام من حيث كون المشتري شيعياً أو غيره وخاص بالخمس وهاتان الروايتان خاصتان بالشيعة وعامتان من حيث شمولهما لجميع حقوق الامام فالمال المنتقل الى الشيعي اذا كان متعلقاً للخمس مورد التعارض.

والجواب عنه أولاً بالمناقشة في اسناد تلك الروايات كما مر.

وثانياً: بان تلك الروايات بصدد بيان حكم العنوان الاولي وهاتان الروايتان بصدد بيان حكم العنوان الثانوي وهو ما ذكرناه من وقوع الشيعة في المضيقة ولا تعارض بين ما يبين حكم العنوان الاولي وما يبين حكم العنوان الثانوي كما في حرمة الغصب وحلية أكل لحم الغنم مثلا فلا يتوهم تعارضهما في الغنم المغصوب.

وثالثاً: بان تلك الروايات من الامام الباقر عليه السلام وهاتان الروايتان من الامام الصادق عليه السلام ولا منافاة بين عدم التحليل المالكي الى زمان الصادق عليه السلام والتحليل من زمانه الى يوم القيامة كما في رواية ابي خديجة.

فتحصل ان الشيعي اذا باع داراً ينتقل الخمس المتعلق بالثمن الى الدار ولا حاجة الى الحاكم الشرعي بل الخمس يتعلق بالدار ابتداءاً.

واما اذا لم يكن شيعياً فهل مقتضى القاعدة بطلان المعاملة مطلقا لعدم شمول الرواية فيكون كحق الرهانة أو يكون الخمس متعلقاً بنفس الثمن كحق الجناية؟ فيه كلام...

تصرف الورثة مع تعلق الحقوق الشرعية

المسألة 14: من مات وعليه من حقوق الناس كالمظالم أو الزكاة أو الخمس لا يجوز لورثته التصرف في تركته ولو بالصلاة في داره قبل اداء ما عليه من الحقوق.

 

الحقوق قد تكون متعلقة بالاعيان وقد تكون متعلقة بالذمة فعلى الاول يصدق على العين ان فيها خمساً مثلاً أو غيره من الحقوق ولا يسري الى سائر امواله وعليه فحكم الورثة في التصرف في هذا العين كحكم المورث فان قلنا بكون التعلق بنحو الاشاعة كما قيل في الزكاة لم يجز التصرف للوارث كما لم يجز للمورث وان قلنا بالكلي في المعين جاز لهما التصرف فيها الا بمقدار الكلي وهكذا....

وعلى الثاني فحكمه حكم الدين وسيأتي في المسألة (15).

روايات التحليل هل تشمل الارث

 

والكلام هنا في الخمس وان التحليل الاجتماعي هل يشمل الارث أم لا؟

أما في ما اذا كان العين في يد المورث غير مخمس فوصل بيد الوارث كذلك فالخمس متعلق بالعين ومقتضى رواية ابي خديجة (أو ميراثا...) واطلاق رواية يونس هو شمول التحليل للارث بلا فرق من جهة المورث بين من لا يعطي الخمس ومن لا يعتقده فالقول بوجوب الخمس السابق على الوارث مبني على الاحتياط.

واما اذا كان متعلقاً بالذمة كما اذا اتلف المورث مالاً غير مخمس فاشتغلت ذمته بالخمس مع ان أمواله الباقية ليس فيها خمس فهل يشمل أدلة التحليل هذا المورد أم لا؟

لابد من ملاحظة المسألة الآتية وفيها قولان:

الأول: ان الديون سواء كانت مستغرقة أم غير مستغرقة لا تمنع من انتقال الاموال الى الوارث وما ترك ينتقل اليهم مطلقاً وتبطل ذمة الميت الا ان حق الغرماء يتعلق بنفس ما ترك لعموم ما دل على ان ما ترك الميت للوارث فدين الميت موجب للحجر ومنع تصرفات الوارث.

الثاني: ان الارث بعد الدين كما هو ظاهر الآية المباركة فما يعادل الدين يبقى في ملك الميت وحق الغرماء يتعلق بملكه فان أدّي أو ضمن بوجه شرعي سقط عن ذمته وانتقل المال الى الورثة والا فلا، فدين الميت مانع من الارث.

اختار الأول صاحب الجواهر وجماعة وبناءاً عليه فحق الخمس متعلق بالعين وذمة الميت فارغة والعين منتقلة الى الورثة فهم مالكون محجور عليهم من التصرف ولذا ذكره صاحب الجواهر في الحجر لا في الارث. فلا مانع من شمول رواية ابي خديجة وكذا اطلاق رواية يونس فان ثبوت الحق في العين قد يكون أولاً وبالذات وقد يكون ثانيا وبالعرض أي ينتقل الحق من الذمة الى العين بالموت.

واما بناءاً على الثاني فذمة الميت مشغولة والمال بمقدار الحق باق على ملكه ولكنه متعلق حق الغرماء ومنهم الامام فلا يشمله الحديثان من جهتين:

الاولى: ان هذا المقدار من العين يعتبر رصيداً في ملك الميت للحق المتعلق بذمته فلا يصدق الميراث والانتقال الموضوعان في الحديثين.

الثانية: انا لو سلمنا ان المراد بالاصابة في رواية يونس ليس هو الملك الشرعي بل هو الملك لولا المانع وهو الفوز والاغتنام ولذا يصدق الاغتنام قبل اداء الخمس مع انه لا يملك الجميع بناءاً على المشهور من القول بالشركة (لو سلمنا ذلك) فلا يشمل المقام أيضاً فان حق الامام وهو الخمس باق في ذمة الميت وانما ينشأ منه حق ثانوي متعلق بالعين. وبعبارة اخرى المملوك أولاً بالذات هو الذمة وانما يتعلق بالعين حق باعتبار الاستيثاق للدين ثانيا وبالعرض ومن هنا صح ان يقال ان ديون الميت تصير حالّة بالموت بمعنى ان الدين متعلق بالذمة الا انه ينحصر اداؤه في العين فالحق غير متعلق بالعين أولاً وبالذات فلا تشمله الروايتان.

هذا ولكن الانصاف ان ما ذكرناه على القول الاول لا يخلو من اشكال فان القدر المتيقن من الروايات مورد ثبوت الحق قبل الانتقال لا ما ثبت بالانتقال والمفروض فيه انتقال حق الامام من الذمة الى العين بالموت وانتقال المال الى الورثة. ففي رواية يونس: (نعلم ان حقك فيها ثابت وأنا عن ذلك مقصرون) وظاهره ثبوت الحق قبل الانتقال. واما رواية ابي خديجة فمن الواضح ان مورد السؤال فيها انما هو مانعية حق الامام المتعلق بالعين عن صحة الاشتراء ونظائره فلابد ان يكون التعلق قبل الانتقال وحيث ان التحليل خلاف القاعدة فلا يؤخذ به الا بالقدر المتيقن.

وأما على القول الثاني فقد تبيّن عدم شمولهما الا ان الوجه الثاني يمكن الجواب عنه فان الروايات ليس فيها عنوان حق الخمس فيمكن ان يكون المانع تعلق حق الغرماء الناشئ من حق الخمس.

هل يمنع الدين من الارث

 

المسألة 15: اذا مات وعليه دين مستغرق للتركة لا يجوز للورثة ولا لغيرهم التصرف في تركته قبل أداء الدين بل وكذا في الدين غير المستغرق الا اذا علم رضا الديان بأن كان الدين قليلا والتركة كثيرة والورثة بانين على أداء الدين غير متسامحين وإلا فيشكل حتى الصلاة في داره ولا فرق في ذلك بين الورثة وغيرهم  وكذا إذا لم يكن عليه دين ولكن كان بعض الورثة قاصراً او غائبا او نحو ذلك.

 

البحث في موضعين:

الموضع الاول: ان الدين المستوعب أو غير المستوعب الموجب لتعلق حق الغرماء هل يمنع من انتقال التركة الى الورثة فيكون من موانع الارث أم لا يمنع من ذلك ولكنه موجب لحجرهم ومنعهم عن التصرف فيها؟

المشهور على ما قيل هو الاول بمعنى انه ان كان مستغرقاً يمنع الارث مطلقاً وان كان غير مستغرق يمنع الارث بمقداره. ولكن جماعة كثيرة منهم العلامة في اكثر كتبه وصاحب الجواهر ذهبوا الى الثاني. ومن هنا تذكر هذه المسألة تارة في كتاب الارث باعتبار كونه من موانعه وتارة في كتاب الحجر باعتبار كونه من موجباته.

وكان مختارنا سابقاً هو الاول كما انه كذلك في المستمسك ولكن الظاهر ان القول الثاني هو الأقوى.

ولابد أولاً من ملاحظة أنّ تعلق حق الغرماء بالتركة ما هو اثره عند العقلاء؟

ذكرنا سابقاً ان تملّك شيء في الذمة يحتاج الى رصيد يدعم ماليّة ما في العهدة ولابد ان يكون ذلك مالاً خارجياً يمكن الاستيفاء منه اما بالقوة أو بالفعل. فان كان الرصيد غير محدود كغالب الديون التي تعطى باعتبار كون المدين ذا اموال كثيرة بالقوة أو بالفعل فلا ينتزع من ملك ما في الذمة تعلق حق للدائن بعين من اعيان اموال المدين وأما ان كان الرصيد محدوداً اما بجعل منهما كالرهن أو بعوارض خارجية كحجر المفلس يتعلق الحق بالعين الخاصة في مثل الرهن وبمستثنيات الدين في مثل المفلس.

وكذلك الموت فان الديون كلها تصير حالة بالموت. والمملوك وان كان في الذمة الّا ان اموال الميت تصير متعلقة لحق الغرماء باعتبار انحصار الرصيد فيها بنظر الشرع والعقلاء. وحينئذ فلا يجوز التصرف فيها تصرفاً متلفاً او ناقلاً الا اذا كان النقل وسيلة لاداء الدين. والموت لا يوجب فراغ الذمة بل يبقى الملك متعلقاً بذمة الميت سواء كان له مال أم لم يكن ولذا ورد في الروايات استحباب ادائه من الورثة ان لم يكن له مال أو على الامام ان يؤديه من بيت المال.

والكلام في ان تعلق هذا الحق بالأموال هل يمنع من انتقالها الى الورثة أم يمنع من التصرفات فقط؟

مقتضى ما ذكرناه هو ان الحق المتعلق ليس الا حق استيفاء الدين منها. واما المنع عن انتقالها الى الورثة كما هو مقتضى ما دلّ على ان ما تركه الميت فلوارثه فلا يقتضيه هذا الحق فان استيفاء الدين منها لا ينافي كونها ملكاً للورثة فالحق يقتضي استيفاء الدين من هذه الاعيان سواء كانت ملكاً للميت أو الورثة. الا ان ملكية الورثة غير مستقرة فان استوفي الدين وبقي من التركة شيء استقر عليه ملكهم والا فلا يبقى موضوع لملكيتهم، كما ان الدين اذا استوفي من وجه آخر أو أبرأه الغرماء استقر ملك الورثة على جميع التركة.

وقد استدل للقول الاول بآيات الارث حيث ذكر فيها ان تقسيم التركة الى السهام المخصوصة انما هو بعد وصية توصون بها أو دين وظاهرها ان الدين مانع من الارث بدعوى ان اللام في قوله تعالى لكم أو لازواجكم أو لامه أو لابويهونظائرها تدل على الملكية وقوله (من بعد وصية توصون بها أو دين) يدل على ان الملكية في ما عدا مقدار الوصية والدين.

الاحتمالات في قوله تعالى (من بعد وصية توصون بها او دين)

هذا ولكن الاحتمالات في الآيات الكريمة متعددة بين صحيح وفاسد:

الاحتمال الأول: ان تكون (بعد) زمانية واللام للملكية فتدل الآية على ان ملكية كل من الورثة لسهمه لا يتحقق الا بعد أداء الدين سواء كان مستغرقاً أم غير مستغرق.

وهذا الاحتمال غير صحيح قطعاً اذ لا اشكال في ملكية الورثة لما عدا الدين قبل ادائه.

الاحتمال الثاني: ان تكون (بعد) زمانية واللام للملكية المستقرة تامة فيكون المعنى انهم لا يملكون السهم الخاص بتمامه قبل اداء الدين ملكاً طلقاً مستقراً. فالاستقرار يحصل بعد زوال الدين.

ويؤيد هذا الاحتمال التعبير الوارد في الروايات من ان البيع للمشتري بعد زوال الخيار والمراد استقرار الملك وان ظن بعضهم ان الانتقال يتوقف على زوال الخيار الا ان القرائن والشواهد تدل على ان المراد استقرار الملك لا اصله ولذا يجوز له التصرف في زمان الخيار واللام بنفسه يدل على الاختصاص ويعرف حدوده بالقرائن فقد يراد به الملكية المستقرة كما نحن فيه وقديراد به نفس الملكية وقد يراد به ثبوت الحق كالارض التي تعلق بها حق التحجير كما ان حق الغرماء المتعلق بمال الميت عبر عنه في الروايات باللام.

ففي حديث زرارة (والسند معتبر) قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السلام عن رجل مات وترك عليه ديناً وترك عبداً له مال في التجارة وولداً (الى ان يقول) وان الورثة وغرماء الميت اختصموا في ما في يد العبد من المال والمتاع وفي رقبة العبد فقال: أرى ان ليس للورثة سبيل على رقبة العبدولا على ما في يده من المتاع والمال الا ان يضمنوا دين الغرماء جميعاً فيكون العبد وما في يده من المال للورثة فان ابوا كان العبد وما في يده للغرماء.(الحديث).(19) فاللام في قوله (للورثة) لا شك انه للملك المستقر وفي قوله (للغرماء) لتعلق الحق اذ لا ينتقل اليهم بصرف عدم اداء الدين بل لهم الحق في استيفاء دينهم منه.

والحاصل ان ظاهر قوله تعالى (من بعد وصية توصون بها أو دين) ان يكون بعد زمانية وكونه للاستثناء كما زعموا خلاف الظاهر ومقتضى هذه القرينة ان يكون اللام للملك المستقر فلا تدل الآية على ما استدلوا له بها بل تؤيد المسلك الثاني.

الاحتمال الثالث: ان تكون اللام للملكية و(بعد) غير زمانية وانما هو اشارة الى ترجيح الوصية والدين في مقدار التزاحم على الارث. هكذا ذكر في المستمسك واستنتج من ذلك بان ملكية الورثة للتركة انما هو في ما عدا الوصية والدين. لا انه بعد ذلك زماناً.

والكلام انما هو في هذا الاستنتاج. فلو قلنا بان المراد بالآية ترجيح الوصية والدين على الارث في مورد التزاحم كما لا يبعد ان يؤيد ذلك الروايات الآتية فهل النتيجة ان ملكية الورثة للتركة تنحصر فيما عدا الوصية والدين؟

لابد من ملاحظة ما به التزاحم في المقام فملكية الورثة تقتضي ان يكون لهم السبيل في انحاء التصرفات بالنسبة الى التركة ومقتضى حق الديان استيفاء الدين منها وكذلك مقتضى حق الميت او الموصى له بالنسبة لمقدار الوصية، وعند تزاحم المقتضيين يقدم حق الديان او الموصى له أو الميت على حق الورثة، ومعنى ذلك بقاء المقتضيين وتقديم مقتضى احدهما على الآخر كما ان مزاحمة حق المرتهن لا يوجب زوال ملكية الراهن وانما يوجب قصور سلطنته وتصرفاته فالنتيجة ايضاً هو صحة القول الثاني.

الاحتمال الرابع: ان تكون اللام للملكية و(بعد) للاستثناء. وهذا الاحتمال يؤيد القول الاول الا انه خلاف الظاهر بلا شاهد ولا قرينة ومخالف للروايات الآتية.

الاستدلال بالروايات لمنع الدين من الارث

واستدل للقول الاول بطوائف من الروايات.

الطائفة الاولى ما دلت على ان اول شيء يبدأ به من المال الكفن ثم الدين والوصية.

الكافي عن علي بن ابراهيم عن ابيه عن النوفلي عن السكوفي عن ابي عبد اللّه عليه السلام قال: اول شيء يبدأ به من المال الكفن ثم الدين ثم الوصية ثم الميراث(20) وفي هذا السند النوفلي ولم يوثق ولكن الشيخ رواه باسناده عن محمد بن عيسى عن عبد اللّه بن المغيرة عن اسماعيل بن ابي زياد (وهو السكوني) عن جعفر عن ابيه عليهما السلام قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم : ان اول ما يبدأ به من المال (وساق الحديث كالسابق)(21)

ومقتضى هذه الرواية تقدم مقتضى كل من هذه الامور على الآخر بالترتيب عند التزاحم فحق التكفين مقدم على حق الغرماء وهو على حق الموصى له مثلاً وهكذا. وليس معنى ذلك انحصار ملكية الورثة بما عدا الدين لما عرفت من ان تقديم حق الاستيفاء على الحق الناشئ من الملكية وهو جواز انحاء التصرفات لا ينافي الملكية.

الطائفة الثانية: ما رواه الشيخ باسناده عن علي بن الحسن عن عمرو بن عثمان عن الحسن بن محبوب عن عباد بن صهيب عن ابي عبد اللّه عليه السلام في رجل فرّط في اخراج زكاته في حياته فلما حضرته الوفاة حسب جميع ما فرّط فيه مما لزمه من الزكاة ثم اوصى ان يخرج ذلك فيدفع الى من يجب له قال: فقال: جائز يخرج ذلك من جميع المال انما هو بمنزلة الدين لو كان عليه ليس للورثة شيء.. الحديث(22)

ومورد الاستدلال هو قوله عليه السلام (ليس للورثة شيء) ولكن حمله على ظاهره غير ممكن اذ لا اشكال في انتقال قسم من التركة وهو ماعدا الدين فلابد ان يكون المراد من اللام هو ما ذكرنا من الملكية التامة المستقرة.

وسند الشيخ الى علي بن الحسن بن فضال وان كان ضعيفاً بعلي بن محمد بن الزبير الا ان هناك طرقاً لتصحيح سنده اليه مذكورة في محله وباقي رجال السند ثقات.

الطائفة الثالثة: صحيحة سليمان بن خالد عن ابي عبد اللّه عليه السلام قال: قضى عليّ عليه السلام في دية المقتول انه يرثها الورثة على كتاب اللّه وسهامهم اذا لم يكن على المقتول دين. الحديث(23) والجواب عنها يعلم مما ذكرناه سابقاً فان المعنى فيها لا تزيد على ما في الآيات المباركات فالمراد توقف استقرار الملك على أداء الدين.

والحاصل ان المختار في الموضع الاول هو القول الثاني.

هل يجوز التصرف في متعلق حق الغرماء

الموضع الثاني: في أنه على المسلكين هل يجوز التصرف في متعلق حق الغرماء بالصلاة وغيرها أم لا؟

والكلام يقع تارة في الدين المستغرق واخرى في غيره.

أما الدين المستغرق فبناءاً على المشهور من عدم الانتقال الى الورثة فالمال باجمعه باق على ملك الميت ومتعلق لحق الغرماء. فالاشكال في تصرف الورثة من جهتين الاولى انه ملك للغير والثانية انه متعلق حق الغير.

أما من الجهة الاولى فلا اشكال في عدم جواز التصرف بدون اذن المالك أو وليّه فلابد من الاستجازة من الوصيّ ومع فقدانه من الحاكم الشرعي فاذا اجاز الولي جاز التصرف بما لا يضرّ بحق الغرماء كالصلاة مثلاً فيرتفع الاشكال من الجهة الاولى.

وأما من الجهة الثانية فالقول باقتضاء حق الغرماء المنع من التصرفات وان لم تكن متلفة أو ناقلة محل اشكال. وذلك لان مانعيته ان كان من جهة تعلق الحق ودعوى شمول أدلة المنع من التصرف في مال الغير لمتعلق حق الغير أيضاً فقد ذكرنا سابقاً بطلان ذلك وعدم شمول تلك الأدلة للمقام لتوقفه على كون الحق نوعاً من الملك وبينّا انه ليس كذلك وان المضاف في مورد تعلق الحق هو شيء متعلق بالمال لا نفس المال فالغريم مثلا مالك لاستيفاء الدين واما اضافة نفس المال فهو مبني على المجاز في الاسناد.

وان كان من جهة اقتضاء الحق ذلك لخصوصية فيه فلابد من ملاحظة هذا الحق وحدود اقتضائه. ولا ريب في اقتضاء كل حق عدم جواز التصرف المتلف وأما التصرف الناقل فالحقوق فيه مختلفة فحق الجناية مثلاً لا يقتضي منعه وحق الرهانة يقتضيه على المشهور. واما التصرفات الاخرى كالصلاة مثلا فقد ذكرنا انها تجوز حتى في متعلق حق الرهانة لما ورد من جواز وطء الامة المرهونة وعدم منافاتها لحق الرهانة وهو الاستيفاء. وكذلك ما نحن فيه فان تعلق حق الغرماء لا يمنع من هذه التصرفات فتحصل انه يكفي في جواز الصلاة اذن الولي.

وأما بناءاً على المسلك المختار وان الاموال ملك للورثة ومتعلق لحق الغرماء فالمانع الاول مرتفع اذ المفروض انه ملك لهم والمانع الثاني قد عرفت عدم مانعيته. فعلى هذا المسلك تجوز الصلاة بدون اذن الولي.

واما الدين غير المستغرق فبناءاً على المشهور من بقاء ما عدا الدين على ملك الميت فان قلنا بان ملك الميت بنحو الكسر المشاع فهم والميت في الاموال شركاء ولا يجوز للشريك التصرف بدون اذن صاحبه فلابد من اذن الولّي. وان قلنا بانه بنحو الكلي في المعين فالتصرفات في ما عدا مقدار ملكه جايزة حتى بالنقل والاتلاف.

ولابد من ملاحظة الشواهد لتعيين احد النحوين. فمما يفترق به الكلي في المعين عن الكسر المشاع ان التلف على الثاني يوزع عليهما وعلى الاول فالتلف من غير من له الكلي فلو باع صاعاً من صبرة وقلنا بانه بنحو الكسر المشاع وزع التلف عليهما وان قلنا بانه بنحو الكلي في المعين كان من مال البايع. وفي ما نحن فيه لا اشكال في ان التلف يحسب على الورثة وان حق الديان يتعلق بما عداه فهو اذن من قبيل الكلي في المعين. ولذا قلنا بان ملكية الورثة غير مستقرة حتى في ما عدا الدين لاحتمال التلف فان الحق حينئذ يتعلق بالباقي.

وايضاً من خواص الكسر المشاع ان القسمة لا تكون الا بالتراضي أو القرعة وليس لاحد ولاية التعيين ولا اشكال في ان ولاية التعيين هنا بيد الورثة كما انها بيد البايع في بيع الصاع من الصبرة. فالمقام من قبيل الكلي في المعين.

وهناك جهة ثالثة تعين كون الملك بنحو الكلي في المعين وهي الروايات الدالة على جواز انفاق الوصي من مال الميت على أولاده الصغار وان كان عليه دين.

منها ما رواه الشيخ باسناده عن احمد بن محمد (وهو ابن عيسى) عن ابن ابي نصر باسناده انه سئل عن رجل يموت ويترك عيالاً وعليه دين اينفق عليهم من ماله؟ قال: ان استيقن ان الذي عليه يحيط بجميع المال فلا ينفق عليهم وان لم يستيقن فلينفق عليهم من وسط المال(ورواه الصدوق والكليني ايضاً)(24)

ولكن هذه الرواية لا يمكن الاعتماد عليها لان ابن ابي نصر ارسله باسناده وان كان مراسيله بواسطة واحدة معتبرة عندنا الا ان المحذوف هنا مبهم ولعله وسائط.

وروى الشيخ باسناده عن حميد بن زياد عن الحسن بن محمد بن سماعة عن الحسين بن هاشم ومحمد بن زياد جميعاً عن عبد الرحمن بن الحجاج عن ابي الحسن عليه السلام مثله الا انه قال: ان كان يستيقن ان الذي ترك يحيط بجميع دينه فلا ينفق وان لم يكن يستيقن فلينفق عليهم من وسط المال(25)

ولعل هذه الرواية تشهد بان السند المحذوف هناك هو عبد الرحمن بن الحجاج.

وجهة رابعة ايضاً وهي ان بناء العقلاء والسيرة المستمرة من جميع المسلمين قائمة على ان الميت اذا ترك مالا كثيراً وكان عليه دين قليل كدينار واحد مثلاً فلا يحتمل احد عدم جواز تصرف الورثة في شيء من امواله نظراً الى شركة الميت بمقدار ذلك الدينار. فلابد ان يكون ملكه بنحو الكلي في المعين.

والحاصل انه بناءاً على ملك الميت لمقدار الدين لا مانع من تصرف الورثة في ما عداه بدون اذن الولي لتعلقه بذلك المقدار بنحو الكلي في المعين وكذا حق الغرماء لو فرض كونه مانعاً.

واما بناءاً على انتقال الاموال الى الورثة وتعلق حق الغرماء بها فقد بيّنّا عدم مانعيته عن تصرفهم في الاموال حتى مع الاستيعاب ان لم يكن تصرفاً متلفاً أو ناقلاً واما ان كان التصرف ناقلاً أو متلفاً أو قلنا بمانعية حق الغرماء عن مطلق التصرف فيقع الكلام في ان الحق هل يتبع الدين في استيعابه وعدمه أم يكون الحق مستوعباً وان كان الدين غير مستوعب. فاذا رهن احد داره في قبال دين بمقدار خمس قيمته مثلا فهل حق الرهانة يتعلق بخمس الدار أم بجميعه؟

الحق في ما نحن فيه هو عدم استيعاب الحق للمال وذلك لصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج المتقدمة فان التصرف المسموح به فيها تصرف متلف فنكشف منه ان حق الغرماء لا يتعلق باكثر من مقدار الدين لمخالفته للسيرة وللشواهد الاخر.

فتبين من ما ذكرنا ان ما ذكره المصنف من عدم جواز التصرفات مطلقا حتى مثل الصلاة في الدين المستغرق غير صحيح على ما هو الحق من انتقال المال الى الورثة. وما ذكره من ان الامر كذلك حتى في الدين غير المستغرق غير صحيح حتى على المسلك المشهور.

ويظهر من قوله الا اذا علم رضا الديّان انه لا يقول بمانعية الدين من الانتقال الى الورثة والا لكان المعتبر رضا الولي لبقاء المال على ملك الميت وانما اعتبر رضا الديان لاعتقاده بمانعية حق الغرماء عن مطلق التصرفات. وقد تبيّن ضعفه.

ويظهر منه ايضاً اعتقاده بان الحق مستوعب وان لم يكن الدين مستوعباً والا فلا وجه لقوله في مقام استكشاف رضا الديان: (بان كان الدين قليلا والتركة كثيرة والورثة بانين على أداء الدين غير متسامحين) وقد تبيّن منافاته للنص وللسيرة وبناء العقلاء.

وظهر من ما ذكرنا ايضاً ضعف ما ذكره من عدم الفرق بين الورثة وغيرهم لان الحق انهم مالكون وانما يمنعون عن بعض التصرفات.

واما ما ذكره من ان الأمر كذلك لو لم يكن عليه دين ولكن كان بعض الورثة قاصرا أو غائباً او نحو ذلك فهو صحيح الا انه لا ربط له بما نحن فيه بل هو من باب ان الغائب والقاصر شريكان في المال بنحو الكسر المشاع ولا يجوز تصرف الشريك بدون اذن صاحبه فلابد من الاستئذان من وليهما.

حرمة التصرف في ملك الغير بدون اذنه

المسألة16: لا يجوز التصرف حتى الصلاة في ملك الغير الا باذنه الصريح أو الفحوى أو شاهد الحال والأول كأن يقول : أذنت لك بالتصرف في داري بالصلاة فقط أوبالصلاة وغيرها والظاهر عدم اشتراط حصول العلم برضاه بل يكفي الظن الحاصل بالقول المزبور لان ظواهر الالفاظ معتبرة عند العقلاء. والثاني : كأن يأذن في التصرف بالقيام والقعود والنوم والاكل من ماله ففي الصلاة بالأولى يكون راضياً وهذا أيضا يكفي فيه الظن على الظاهر لانه مستند إلى ظاهر اللفظ إذا استفيد منه عرفا وإلا فلا بد من العلم بالرضا الأحوط اعتبار العلم مطلقاً والثالث كأن يكون هناك قرائن وشواهد تدل على رضاه كالمضائف المفتوحة الابواب والحمامات والخانات ونحو ذلك ولا بد في هذا القسم من حصول القطع بالرضا لعدم استناد الاذن إلى اللفظ ولا دليل على حجية الظن الغير الحاصل منه.

لا يكفي طيب النفس في التصرفات الاعتبارية

يقع الكلام في جهات:

الجهة الاولى: انه لا ينبغي الاشكال في ان جواز التصرفات الخارجية في مال الغير يتوقف على طيب النفس كما ان الامر كذلك في التصرفات الاعتبارية الا ان في الاخير خلافاً وهو ان طيب النفس هل يكفي في خروج العقد من الفضولية أم لا؟

اختار الشيخ في المكاسب الاول. وقد ذكرنا هناك ان الحق عدم كفاية طيب النفس في ذلك بل لابد من تحقق الانتساب الصدوري بالنسبة الى المالك حتى يدخل في قوله تعالى (اوفوا بالعقود) اذ المراد به عقودكم أي العقود الصادرة منكم والانتساب الصدوري لا يتحقق بمجرد طيب النفس خلافاً للمحقق الاصفهاني حتى لو ابرزه خارجاً ما لم يتحقق التوكيل والاستنابة أو الاجازة المتعقبة للعقد.

لا يجوز التصرف في مال الغير الا بطيب النفس

والكلام هنا انما هو في التصرفات الخارجية وان جوازها في ملك الغير هل يتوقف على طيب النفس أم لا؟ وعلى الاول فهل يكفي مجرد الطيب أم يحتاج الى اذن وابراز لطيب النفس؟

المنقول من جماعة كالمجلسي وغيره انه لا يتوقف على طيب النفس بل يجوز التصرف اذا لم يكن مضراً بحال المالك ولم يظهر منه كراهية.

أما صورة الاضرار بالمالك او ظهور الكراهية منه فلا اشكال في حرمتها وهذا هو القدر المتيقن من الحكم التكليفي المترتب على الحكم الوضعي وهو الملكية في المقام ولا معنى لاعتبار الملكية بدون هذا الحكم التكليفي لما ذكرناه في مبحث الاحكام الوضعية من اشتمالها على الاحكام التكليفية بنحو اللف والاندماج ولا ينافي هذا امكان تحديد الملكية واحكامها من قبل ولي الامر والحاكم الشرعي.

النبوي المشهور ان دماءكم واموالكم...

والدليل على اعتبار طيب النفس هو الحديث النبوي المعروف والمنقول في كتب العامة والخاصة وهو ما ذكره صلى اللّه عليه وآله في حجة الوداع.

روى الكليني عن علي بن ابراهيم عن ابيه عن ابن ابي عمير عن ابي اسامة زيد الشحام عن ابي عبد اللّه عليه السلام: أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم وقف بمنى حتى قضى مناسكها في حجة الوداع(الى ان قال): فقال: أي يوم اعظم حرمة؟ فقالوا: هذا اليوم. فقال: فاي شهر اعظم حرمة؟ فقالوا: هذا الشهر فقال: أي بلد اعظم حرمة؟ فقالوا: هذا البلد.

قال : فان دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا الى يوم تلقونه فيسألكم عن اعمالكم. الاهل بلّغت؟ قالوا: نعم. قال: اللّهم اشهد. ألامن كانت عنده امانة فليؤدها الى من ائمته عليها فانه لا يحل دم امرئ مسلم ولا ماله الابطيبة نفسه ولا تظلموا انفسكم ولا ترجعوا بعدي كفاراً.

وهذا السند صحيح وهو منقول بسند آخر موثق عن سماعة(26) والوجه في هذه المقدمة التي قدمها رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم هو ان العرب كانت تهتم بحرمة البلد والشهر واليوم الخاص خصوصاً من جهة المقاتلة فيها فاراد النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم ان يؤثر في نفوسهم بتشبيه حرمة الاموال والدماء مطلقاً بحرمة هذا الشهر وهذا البلد وهذا اليوم ليمنعهم من ما كان متداولاً بين العرب آنذاك من عدم الاهتمام بارواح الآخرين وأموالهم حتى اصبح القتل والغارة عادة لهم.

والمراد بالاموال كل ما هو مملوك وان كان للمال معانٍ متعددة الا ان المراد هنا هو مطلق الاملاك لا ما هو مال في اصطلاح الفقهاء وهو ماله قيمة سوقية. والظاهر ان كلمة (مال) كانت تستعمل ابتداءاً في خصوص الذهب والفضة وعند أهل البادية في خصوص الابل ولكنه في العرف العام بمعنى مطلق المملوك كما في اقرب الموارد ومع ذلك قد تستعمل أيضاً في خصوص الذهب والفضة كما حملناه عليهما في روايات نفي الزكاة في مال الطفل لقرائن خاصة والتزمنا بثبوت الزكاة في غيرهما من الاعيان الزكوية خلافاً لبعض الفقهاء.

ثم ان الحرمة اذا اضيفت الى الاعيان لابد ان يقدر لها فعل مناسب لذلك الشيء والفعل المناسب للاموال هو التملك والتصرف. والحرمة قد تحمل على التكليفية كتحريم الخمر مثلاً وقد تحمل على الوضعية كتحريم البيع الغرري مثلاً. والظاهر انها محمولة في المقام على الأمرين. وقد ذكرنا في محله تصوير الجامع بينهما وان كان القدر المتيقن منها هو الحرمة التكليفية للتصرفات الخارجية. واما ما ذكر من اختصاص هذا الحديث بالاتلاف فلا وجه له.

ثم ان تعليل وجوب ردّ الامانة بعدم حلّ المال من جهة انّ حبس الامانة لا يكون الا للتملك أو التصرف فذكر صلى اللّه عليه وآله وسلّم ان ذلك حرام والمراد بعدم الحلّ ان الحرمة المذكورة في أول الكلام لا يحلّ عقدتها الا طيب النفس.

ومن هنا يظهر عدم صحة ما ذهب اليه المجلسي قدس سره وجماعة من عدم اعتبار طيب النفس وظهر ان طيب النفس شرط في الحلية الوضعية والتكليفية.

وفي المقام رواية اخرى رواها الصدوق في اكمال الدين عن اربعة من مشايخه لم يوثق أحد منهم عن ابي الحسين محمد بن جعفر الاسدي (وهو من الوكلاء وقد وثق) قال: كان في ما ورد على الشيخ ابي جعفر محمد بن عثمان العمري قدس اللّه روحه في جواب مسائلي الى صاحب الدار عليه السلام (الى ان يقول) واما ما سألت عن امر الضياع التي لناحيتنا هل يجوز القيام بعمارتها واداء الخراج منها وصرف ما يفضل من دخلها الى الناحية احتساباً للاجر وتقرباً اليكم فلا يحل لاحد ان يتصرف في مال غيره بغير اذنه فكيف يحل ذلك في مالنا (الحديث)(27)

والرواية غير معتبرة كما لا يخفى وانما الكلام في مفادها.

قال السيد الحكيم هنا وفي بحث مشابه في باب الوضوء ما محصّله بعد ملاحظة انّ بين هذه الرواية والرواية السابقة تناف بحسب النظر البدوي لان مقتضى هذه اعتبار الاذن الانشائي ومقتضى تلك كفاية طيب النفس ومقتضى الجمع العرفي اعتبارهما معاً الا ان الاذن طريق لكشف طيب النفس واذا ورد اعتبار موضوعين لحكم واحد بحيث يكون احدهما طريقاً للآخر نستكشف بحكم العقلاء ان موضوع الحكم الواقعي هو ذو الطريق وهو طيب النفس في المقام وان الطريق وهو الاذن موضوع الحكم الظاهري.

فالحاصل ان الحلية الواقعية تتوقف على طيب النفس فقط واما الاذن الانشائي فلا يؤثر الا في الحلية الظاهرية نظراً الى انه طريق الى الموضوع الواقعي.

هذا ولكن الظاهر ان هذه الرواية مضافاً الى ضعف سندها لا ربط لها بما نحن فيه فان الظاهر من سؤال السائل انه كان مطمئناً بحصول طيب النفس لقوله: (احتساباً للاجر وتقرباً اليكم) فالسؤال انما هو عن اعتبار امر وراء طيب النفس فان تصرفات هذا الشخص مشتمل على التصرفات الاعتبارية من اداء الخراج وبيع الثمار وغير ذلك ومستتبع للتصرفات الخارجية .

فأجاب الامام عليه السلام بناءاً على هذه الرواية بعدم كفاية طيب النفس واعتبار الاذن او الامر كما في ذيلها. فظاهر الرواية اعتبار الاذن الانشائي لا الاذن الطريقي الذي هو اخبار محض عن طيب النفس والمراد اعتباره في التصرفات الاعتبارية ووجهه ما ذكرناه سابقاً من اعتبار الانتساب الصدوري وهو لا يتحقق الا بالاذن والتوكيل.

وعليه فالرواية ناظرة الى خصوص التصرفات الاعتبارية ولا ربط لها بما نحن فيه.

ولو قطعنا النظر عن ما ذكرنا فما ذكره السيد الحكيم قدس سره مورد للنظر اما قوله: ان بين الروايتين تناف بدوي، ففيه: ان اعتبار طيب النفس في حصول الحلية لا ينافي اعتبار الاذن فمقتضى الدليلين ابتداءاً هو اعتبارهما معاً لا انه مقتضى الجمع العرفي.

نعم يتم دعوى التنافي بينهما ان قلنا بان مقتضى الاستثناء من النفي هو الايجاب الكلي فيكون معنى كل منهما ان كل ما تحقق فيه طيب النفس او الاذن فهو حلال فينافي كل من الموجبتين مع السلب في الآخر. ولكنا ذكرنا في الاصول ان مقتضى الاستثناء من النفي وان كان هو الايجاب الا انه لا يدل على الايجاب الكلي خصوصاً في الجمل التي سيقت لبيان الشرطية فلا تنافي بين قوله لا صلاة الا بطهور وقوله لا صلاة الا الى القبلة مثلاً بل مقتضى كل منهما اعتبار الطهور والقبلة لا انحصار الشرطية في كل منهما حتى ينافي الآخر.

وبهذا الاعتراض اجبنا عن ما ذكره الشيخ الانصاري قدس سره من كفاية طيب النفس في التصرفات الاعتبارية تمسكاً باطلاق رواية حجة الوداع وقلنا بان مقتضى هذه الرواية اعتبار طيب النفس لا كفايته اذا لا ربط لها باعتبار أمر آخر وعدمه.

واما ما ذكره من اعتبار ذي الطريق موضوعاً للحكم الواقعي واعتبار الطريق موضوعاً للحكم الظاهري نظير اعتبار المرض في جواز الافطار واعتبار الخوف منه فيه فهو غير جار في ما نحن فيه فان الاذن الانشائي ليس طريقاً الى طيب النفس بل مفاده الاستنابة في العمل والالتزام به بقرينة ذكر الامر في ذيل التوقيع فهو حاك عن أمر اعتباري نفسي ولا يحكي عن طيب النفس بل قد ينشئ الاذن في التصرف مكرهاً.

فتحصل ان طيب النفس معتبر في جواز التصرفات الخارجية.

هل يكفي طيب النفس تقديرا

الجهة الثانية: ان المراد بطيب النفس هل هو خصوص الفعلي منه أم يكفي التقديري؟ قد يقال: بان الظاهر في اعتبار شيء في الموضوع ان يكون بالفعل فلابد ان يكون المراد بطيب النفس هو الفعلي منه. ولكن في المستمسك ان مقتضى بناء العقلاء وتسالم الاصحاب هو كفاية التقديري أيضاً.

ونقول: كون الشيء تقديرياً على معنيين.

المعنى الاول: ان يكون الشيء بنحو لو تحقق شرائط وجوده لوجد خارجاً.

المعنى الثاني: ان يتوقف الشيء على الالتفات فقط.

فالاول نظير ما اذا كان المالك كارهاً للصلاة في داره إلا انه من جهة جهله فلو وعظ واعلم بالمصالح التي تترتب على اجازته يحصل له طيب النفس. وهذا لا أثر له في جواز التصرف قطعاً اذ المفروض انه كارهٌ فعلاً أو لا كاره ولا راضٍ.

والثاني نظير ما اذا كان طيب النفس موجوداً في خزانة نفسه الاّ انه غير ملتفت اليه. وهذا كاف في جواز التصرف فان الالتفات غير معتبر وقد ذكرنا في الاستصحاب ان الغفلة عن الصفات النفسية لا تنافي فعليتها وذكرنا ان الصفات النفسية لها وعاءان في النفس احدهما خزانة النفس والآخر وعاء الالتفات حتى ان المعارف أيضاً كذلك فربما لا يلتفت الانسان الى ماله من المعرفة بامر مّا وهو لا ينافي وجود المعرفة بالفعل.

وعليه فاذا كان الانسان في نفسه راضياً الا انه غير ملتفت الى ذلك كفى في جواز التصرف لفعلية طيب النفس حينئذ.

الجهة الثالثة: ان المصنف لم يذكر في المقام طيب النفس وانما اعتبر الرضا والاذن. والظاهر ان المراد بهما هو طيب النفس. أما الاذن فلانه بمعنى الاباحة كما في المنجد ومن الواضح ان الاذن الانشائي لا يعتبر في جواز التصرفات الخارجية فما ورد في تعابير بعض الفقهاء كالمصنف وصاحب الشرايع قدس سرهما من اعتبار الاذن يراد به الرضا ولذا يقولون بانه قد يكون صريحاً وقد يكون بالفحوى وقد يكون بشاهد الحال مع ان الاخير لا يدل على الاذن الانشائي بل على طيب النفس فقط وانما عبروا عنه بالاذن نظراً الى ان الكاشف عنه غالباً هو الاذن الصريح فعبروا بالكاشف عن الكشوف عنه مسامحة. واما الاذن بالمعنى الاعلام فلا يأتي الا من باب الافعال تقول: آذن أي اعلم. فالاذن هنا بمعنى الاباحة والمراد به الرضا الباطني لا الاباحة الانشائية.

وأما الرضا فله معنيان: الاول: ما يقابل السخط والكراهة وهو أمر نفسي. الثاني: الاختيار وهو أمر اعتباري. فاذا تعدى بنفسه او بالباء كان المراد المعنى الثاني كقوله عليه السلام ورضيكم خلفاء في أرضه، ورضيت باللّه رباً. و(رضيت) المستعمل في القبول بهذا المعنى. اذ يتوقف القبول على الانشاء ولا يكفي الامر النفسي في انشائه. والمراد بالرضا في عبارة المصنف هو المعنى الاول وهو مساوق لطيب النفس لا الرضا الانشائي الاعتباري.

في طريق كشف طيب النفس

الجهة الرابعة: في طريق كشف طيب النفس، فاذا حصل العلم الوجداني به فلا اشكال فيه. وانما الكلام في الامارات الدالة عليه. وقد ذكر المصنف ثلاثة امور تدل على ذلك، وهي الاذن الصريح والفحوى وشاهد الحال.

أما الاذن الصريح فيمكن ان نمثل له بقول المالك : صلّ في داري. ولكن المصنف مثّل له بقوله: اذنت لك في ان تصلي في داري وقد عرفت ان الاذن بمعنى الاباحة وهو معنىً انشائي وهو لا يلازم الرضا وطيب النفس فقد ينشئ ذلك مكرهاً كالبيع الا ان يريد به المعنى الكنائي بان يقصد ابراز طيب النفس كما ذكرنا.

وكيف كان فاذا كان ظاهر كلامه هو ابراز طيب النفس كفى ذلك من باب حجية الظواهر. وانشاء الاذن والاباحة ظاهر في طيب النفس فان لم تكن قرينة على الاكراه كفى ذلك ايضاً لاصالة تطابق المراد الجدي والاستعمالي. ولا فرق في حجية الظواهر  بين حصول الظن بها وعدمه بل حتى مع الظن بالخلاف الا ان تقوم امارة أو قرينة على خلافه فلا وجه لقول المصنف (بل يكفي الظن الحاصل بالقول المزبور) لما ذكرناه من ان حجية الظواهر ليس من باب الظن بل من باب التعهد العقلائي الذي يقضي بان يكون المتكلم مأخوذاً بظاهر كلامه.

 

الاذن بالفحوى

وأما الفحوى فقد مثل له المصنف بالاذن في القيام والقعود والنوم والاكل من ماله اذ يدل على الرضا بالصلاة من باب اولى. ثم قيّد ذلك بان يستفاد منه الاولوية عرفاً والا فلابد من العلم بالرضا.

وما ذكره من المثال يتصور على وجهين:

الوجه الاول: ان يكون من باب اعطاء الكبرى بالمثال كما هو متداول فيكون المقصود الاذن في مطلق التصرفات الخارجية. ويكون الدلالة من باب دلالة الاشارة أو الكناية فيكون من ظواهر الالفاظ.

الوجه الثاني: ان لا يكون كذلك بل يكون الدلالة بالاولوية فيكون من الفحوى والفحوى هو دلالة الدليل على حكم الموضوع غير المذكور بالاشتراك في ملاك الحكم بالمساواة أو الاولوية وان كان الغالب استعماله في القسم الثاني. وهذا خارج من الدلالات اللفظية. ولابد في ذلك من كون الاولوية قطعية اذ لا دليل على حجية الاولوية الظنية، وان كان طيب النفس في المذكورات غير قطعية بل هو ظاهر الكلام كما ذكرناه الا ان المقصود من الاولوية القطعية هو ان طيب النفس لو كان متحققاً هناك فهو متحقق هنا بطريق اولى قطعاً. فلا يعتبر ان يكون القطع بطيب النفس بالصلاة بخصوصها حاصلاً.

والسّر فيه ان الظواهر حجة حتى بالنسبة الى لوازم المخبر به لا المدلول الالتزامي فحسب فان المدلول الالتزامي هو اللازم البين بالمعنى الاخص وهو من الدلالات اللفظية. وحجية الظواهر لا تقف عند هذا الحد بل المتكلم مأخوذ حتى بلوازم ما اخبر به أو انشأه وان لم يلتفت اليها. فاذا كان الاذن في القيام والقعود ظاهراً في طيب النفس بالنسبة اليهما وحجة فيه طبعاً وقطعنا بان لازم ذلك من باب الاولوية حصول طيب النفس بالصلاة فهو حجة فيه ايضاً وان لم يدل عليه بالدلالة الالتزامية.

وما ذكره المصنف من التقييد بالاستفادة عرفاً لا يحصل الا على الوجه الاول وهو ان يكون من باب اعطاء الكبرى بالمثال او على كونه مدلولاً التزامياً لما اذن به وهو مفقود في المقام والظاهر انه من باب الفحوى على النحو الذي ذكرناه فالاستفادة العرفية من ظاهر اللفظ مفقودة وقد اعتبر المصنف حينئذ العلم بالرضا وهو ممنوع بل العلم بالاولوية كاف في جواز التصرف. والاولوية القطعية لا توجب القطع بالرضا فان القطع به حتى في ما صرّح به غير حاصل بل ثبوته مبتن على حجية الظواهر.

كفاية شاهد الحال

وأما شاهد الحال فقد مثل له المصنف بالمضائف المفتوحة الابواب والحمامات والخانات ونحو ذلك ثم اعتبر القطع في هذا القسم لعدم استناد الاذن فيه الى اللفظ وعدم اعتبار الظن في غيره.

وقد عرفت ان حجية الالفاظ ليس من باب الظن. فان كان ما مثل به مبرزاً للرضا عرفاً كفى في جواز التصرف اذ لا فرق في حجية المبرز عند العقلاء بين اللفظي منه وغير اللفظي فكما يؤخذ المتكلم بظاهر كلامه يؤخذ بكل ما ابرزه بمبرز عرفي كالاشارة فلا يعتبر القطع بالرضا بل ولا الظن كما ذكرناه في باب الالفاظ.

هذا ولكن كون ما مثل به مبرزاً للرضا بجميع التصرفات حتى الصلاة محل تأمّل فان فتح الباب قد يكون في مثل المضائف وهو يدلّ على الرضا بدخول الضيف وسكونته يوماً أو يومين ويدل بالطبع على الرضا بالصلاة هناك أيضاً، وقد يكون في مثل الحمّام وهذا لا يدلّ على الرضا بمطلق الدخول هناك ولو لخصوص الصلاة بل يدلّ على الرضا بالدخول للعمل المعدّ له وهو الاستحمام فاذا اراد الصلاة لابد من الاستجازة وكذلك اذا كان باب الدار مفتوحاً لاقامة العزاء مثلا أو لا مر آخر فالدخول للصلاة يحتاج الى اجازة خاصة.

التصرف في الاراضي المتسعة

المسألة 17: تجوز الصلاة في الاراضي المتسعة اتساعاً عظيماً بحيث يتعذر او يتعسر على الناس اجتنابها وان لم يكن اذن من ملاكها بل وان كان فيهم الصغار والمجانين بل لا يبعد ذلك وان علم كراهة الملاك وان كان الاحوط التجنب حينئذ مع الامكان.

 

يمكن ان يقال: ان مقتضى رواية حجة الوداع عدم جواز جميع التصرفات في هذه الاراضي فلابد من البحث عن الدليل المجوّز لبعض التصرفات كالمرور منها والصلاة فيها واشباه ذلك. وما يذكر أو يمكن ان يذكر من الدليل وجوه:

الوجه الاول: قيام سيرة المتشرعة على ذلك في الاراضي غير المحاطة بالحيطان مع عدم احراز رضا المالك بل مع كونه صغيراً أو مجنوناً وهذه السيرة قطعية فتخصص تلك الرواية. هكذا ذكر في المستمسك في ما نحن فيه وفي جواز الوضوء من الانهار الكبيرة.

وفيه: ان بين سيرة المتشرعة وبناء العقلاء فرقاً من جهة الكاشف والمنكشف وشروط الكشف.

أما من الجهة الاولى فلان سيرة المتشرعة عبارة عن متابعة جماعة من البشر لمقنن خاص فان شوهد منهم الاتفاق على أمر كشف ذلك عن كونه امراً مقرراً في القانون كشفاً قطعياً كاتفاق المسلمين على صوم رمضان مثلاً واما بناء العقلاء فهو عبارة عن اتفاق جميع العقلاء بلا فرق بين الملل والمجتمعات والاديان على اتيان أمر أو تركه.

وأما من الجهة الثانية فالمنكشف في السيرة أمر تأسيسي من الشارع وفي بناء العقلاء أمر امضائي منه.

وأما من الجهة الثالثة فلان حجية السيرة لا تتوقف على عدم الردع بخلاف بناء العقلاء لان حجيته من جهة الكشف عن امضاء الشارع وهو يتوقف على عدم الردع أما السيرة فالمفروض انهم منحازون عن سائر الملل في التزامهم بهذا الامر فهو بنفسه يكشف عن موافقة الشارع عليه بخلاف بناء العقلاء فان المتشرعة فيه كسائر العقلاء فيتوقف الامضاء فيه على عدم الردع.

اذا تبين ذلك ظهر ان التمسك بالسيرة في المقام غير صحيح فان الامر مما بنى عليه العقلاء باجمعهم والمتشرعة ايضاً انما يعملون كذلك بما انهم من العقلاء والاشتباه بينهما كثير في كلمات الفقهاء وربما جمعوا بينهما مع انه غير ممكن لما عرفت من الفروق بينهما الموجب لعدم اجتماعهما على امر واحد.

الوجه الثاني: قيام بناء العقلاء على ذلك.

وفيه: ان ذلك يتوقف على عدم الرّدع ويمكن ان يقال بان دليل عدم جواز التصرف الا بطيب النفس يكفي في الرّدع.  

ويمكن الجواب عنه ان قوله صلى اللّه عليه وآله وسلّم لا يحل دم امرئ مسلم ولا ماله الا بطيبة نفسه لا يوسّع الحرمة المذكورة قبلها (فان دماءكم واموالكم عليكم حرام)(28) ، بل يشدّدها ويؤكّدها وتلك الحرمة هي الحرمة المعترف بها عند العقلاء والا لم يعتبروا الملكية اذ لا معنى لها بدون اعتبار الحرمة التكليفية. والمفروض ان العقلاء لا يعتبرون عدم جواز هذه التصرفات في امثال هذه الاراضي من الاحكام التكليفية المستتبعة لاعتبار ملكيتها. وحينئذ فلا تنافي هذه الرواية بناء العقلاء حتى يكون ردعاً عنه.

وبعبارة اخرى مفاد هذه الرواية أمر امضائي لا تأسيسي والحكم الامضائي ان كان محدوداً بحدود وشروط عقلائية لا يمكن التمسك باطلاقه لاسقاط تلك الشروط بل وجود تلك الشروط من قبيل القرينة المحتفة بالكلام المانعة عن انعقاد الاطلاق.

اذن فالتحريم المستفاد من هذه الرواية لا يمكن ان تزيد على الحرمة المستفادة من بناء العقلاء فكيف يكون رادعاً عنه.

الوجه الثالث: ما ذكره المحقق الهمداني قدس سره من قصور أدلة الملكية في نفسها وذلك لان تملك الاراضي المتسعة لا يكون عادة الا بالاحياء أو الحيازة أما الاحياء فهو في الاراضي الموات بالأصل حيث ان المشهور انه موجب لملكيتها وهي في الأصل من الانفال وملك للامام وقد اجازوا تملكها بالاحياء تلطفاً وقد رجحنا في محله كون الاجازة شاملة لجميع البشر. وكيف كان فالحكم بالتملك بالاحياء حكم امتناني.

وأما الحيازة فهي خاصة بالاراضي العامرة في الأصل وهي أيضاً من الانفال وملك للامام وقد اجازوا تملكها بالحيازة تلطفاً ولعل الارجح اختصاصه بالشيعة.

 

 

حكم الاراضي المفتوحة عنوة

 

وكذا غيرهما من الموارد فان الحكم بالملكية فيها امتناني والا فهي في الاصل ملك للامام. وأما الاراضي المفتوحة عنوة فهي غير مملوكة لمن بيده وانما له حق الاولوية والمشهور انها ملك للمسلمين وأمرها وخراجها راجع الى الامام. ومع ذلك فابقاؤها بيد من احياها من باب الامتنان والتسهيل أيضاً بل الحكم بكونها ملكاً للمسلمين امتناني أيضاً.

والحاصل ان ملكية هذه الاراضي حكم امتناني ولا يمكن ان يستفاد من هذه الأدلة ما يوجب التضييق على المسلمين لمنافاته مع الامتنان.

الوجه الرابع: هو ما ذكرناه في بحث الاراضي من ان الاحياء والحيازة لا يوجبان الملكية اصلاً. فالاراضي الموات باقية على ملك الامام والاحياء يوجب ثبوت حق الاولوية. والخراج بمنزلة الاجارة فيجب دفعها الا ما حلل. والاراضي العامرة بالاصالة ايضاً كذلك لا يثبت بحيازتها الا حق الاولوية وهي باقية على ملك الامام. وكذا الاراضي المفتوحة عنوة.

وعليه فالمسألة داخلة في البحث السابق من ان تعلق الحق هل يقتضي عدم جواز التصرف كالملك أم لا؟ وقد عرفت ان الحق ان تعلقه لا يقتضي الا عدم جواز التصرفات المنافية له. والحق في المقام لا يقتضي ازيد من جواز استفادته من هذه الاراضي بالزراعة ونحوها ولا ينافي هذا الحق مرور الناس أو استراحتهم أو صلاتهم فيها فلا تحتاج الى الاذن منه. ولو احتاج الى الاذن فهو في الاراضي الموات والعامرة بالاصل انما يجب تحصيله من الامام ولعل أدلة التحليل للشيعة تكفي في ذلك وكذا في الأراضي المفتوحة عنوة يمكن استفادة الاذن في هذه التصرفات من أدلة التحليل والمفروض عدم الاحتياج الى اذن من هي بيده اذ ليس له الا حق الاولوية وامرها الى الامام كما صرح في رواية البزنطي (ذلك الى الامام).لا

كيفية تملك الاراضي في الاسلام

وكيف كان فاذن من بيده الارض غير معتبر قطعاً. والمهمّ هو البحث عن كيفية ملكية الاراضي في الاسلام وهل هي بنحو الملكية الفردية أم ان من بيده ليس له الا حق الانتفاع ولهذا الحق حدود ذكرها الفقهاء وللامام اخذها منه ان لم يعمرها أو لم يؤد خراجها أو كان هناك من يعمرها احسن منه وكذا للفقيه ذلك بناءاً على ان له الولاية في مثل هذه الامور كما لا يبعد.

الوجه الخامس: انا لو سلمنا ملكية هذه الاراضي في الاسلام ملكية تامة الا ان المستفاد من مجموع الأدلة هو تحديد ملكية هذه الاراضي بل مطلق الاراضي بنحو لا ينافي جواز المرور فيها بل اكل الثمرة منها. وحق المارّة أمر مسلّم في نفسه وانما خصه بعضهم بالضرورة العرفية وذلك في خصوص أكل الثمرة لا اصل المرور. ولكن ملاحظة الروايات الواردة فيه تقضي بتحديد ملكية البساتين واشباهها.

روى البرقي في المحاسن عن ابيه عن يونس بن عبد الرحمن عن عبد اللّه بن سنان عن ابي عبد اللّه عليه السلام قال: لا بأس بالرجل يمرّ على الثمرة ويأكل منها ولا يفسد قد نهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم ان تبنى الحيطان بالمدينة لمكان المارّة قال: وكان اذا بلغ نخله أمر بالحيطان فخربت لمكان المارّة(29)

وروى علي بن جعفر في كتابه عن اخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال: سألته عن رجل يمر على ثمرة فيأكل منها؟ قال: نعم قد نهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم ان تستر الحيطان برفع بنائها.(30)

وقيل: ان روايات الوسائل عن كتاب علي بن جعفر معتبرة لان سنده اليه صحيح ولنا فيها تأمل.

وروى الشيخ باسناده عن الحسين بن سعيد عن ابن ابي عمير عن بعض اصحابنا عن ابي عبد اللّه عليه السلام قال: سألته عن الرجل يمرّ  بالنخل والسنبل والثمر فيجوز له ان يأكل منها من غير اذن صاحبها من ضرورة أو غير ضرورة قال: لا بأس(31).

والرواية معتبرة لاعتبار مراسيل ابن ابي عمير عندنا. وهي تدل بالمطابقة على جواز الاكل من ضرورة أو غير ضرورة وبالملازمة على جواز المرور بل وعلى جواز الاستراحة أيضاً.

وهناك من الروايات ما تخص ذلك بالضرورة أو بعضها يشتمل على النهي مطلقاً وتفصيل الجواب عنها والبحث فيها موكول الى محله.

وكيف كان فهذه الروايات تدل على ان ملكية البساتين واشباهها في الاسلام ليست على نحو الملكية الفردية المعروفة.

فالحاصل من هذه الوجوه هو جواز هذه التصرفات سواء كره المالك أم لم يكره اذ لا يرتبط الجواز به وبرضاه أصلاً. وليس الدليل هو سيرة المتشرعة حتى نأخذ بالمتيقن فالقيود المذكورة في بعض الحواشي لا وجه لها.

الصلاة في بيوت من تضمنت الآية جواز الأكل فيها

المسألة 18: تجوز الصلاة في بيوت من تضمنت الآية جواز الأكل فيها بلا اذن مع عدم العلم بالكراهة كالاب والام والاخ والعم والخال والعمة والخالة ومن ملك الشخص مفتاح بيته والصديق واما مع العلم بالكراهة فلا يجوز بل يشكل مع ظنها أيضاً.

 

مضمون الآية المباركة مجمع عليه بين المسلمين ولم يخالف فيه احد الا الجبائي حيث زعم ان الآية منسوخة. ولكن المروي عن الائمة عليهم السلام والمتفق عليه بين فقهاءنا هو جواز الاكل في الجملة كما ذكره المصنف. والبحث في المقام مفصّل الا ان المهم هو التنبيه على أمر:

وهو ان الاباحة المذكورة يدور الامر فيها بين الاباحة المالكية من اللّه تبارك وتعالى فيكون اباحة شرعية واقعية سواء كان صاحب الدار راضياً أم لا حتى مع العلم بالكراهة وبين ان يكون الاباحة ظاهرية من باب حجية ظاهر الحال حيث ان ظاهر حال الاقرباء المذكورين هو الرضا بالأكل فالآية في صدد بيان حجية هذا الظاهر في قبال اصالة عدم طيب النفس وتقديم الظاهر عليها. وبين ان يكون الاباحة ظاهرية لا بالمعنى المذكور بل بمعنى جعل قاعدة مضروبة عند الشك فاذا لم يحصل العلم بالكراهة يجوز الاكل من هذه البيوت فاذا علم بالكراهة لم يجز واذا لم يعلم يجوز سواء كان هناك شاهد حال تدل على الرضا أم لم يكن.

وظاهر الآية المباركة هو الاحتمال الاول قال تعالى: (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى‏ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَريضِ حَرَجٌ وَلا عَلى‏ أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَواتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خالاتِكُمْ أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ أَوْ صَديقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَميعاً أَوْ أَشْتاتاً . الآية) النور 61.

وقد قيل في شأن نزولها ان العرب كانت لهم هذه العادة فكانوا يدخلون هذه البيوت ويأكلون منها وقد يستصحبون معهم احد الطوائف الثلاث المذكورة فيصدر الآية ثم اجتنب المسلمون هذه العادة بعد نزول آية (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل الا ان تكون تجارة عن تراض) فنزلت هذه الآية لرفع الحرمة المتوهمة. والمراد بقوله تعالى (بيوتكم) اما ان يكون بيوت الاولاد أو بيوت الازواج ان كانت مستقلة. والمراد بالأكل جميعاً أو اشتاتاً إما ان يكون الأكل مع اصحاب البيوت ولا معهم أو الاكل مجتمعين كما كانت عادة العرب أو متفرقين. والحرج في الاصل بمعنى ضيق المكان مشتق من الحرجة بمعنى الشجر الملتف بعضها ببعض لضيق المسالك فيها (كما في مجمع البيان) ثم تطور فاصبح بمعنى الضيق النفسي أو الضيق القانوني.

وظاهر شأن النزول هو الاحتمال الثاني اذ لا يكون ذلك عادة متداولة الا ان يكون ظاهر الحال فيهم هو الرضا بذلك وعليه فتختص الاباحة بمورد ظهور الحال في ذلك.

ولكن لا يبعد ان يكون المستفاد من الآية بملاحظة الآيات السابقة هو الاحتمال الثالث بان يكون هذه الاباحة اصلاً في قبال اصالة عدم الرضا فلا يجب استكشاف الرضا بل يجوز الاكل سواء كان هناك شاهد حال أم لا ما لم يعلم كراهة أصحاب البيوت.

والآيات السابقة راجعة الى وجوب الاستيذان لدخول البيوت في اوقات خاصة وعدم وجوب الاستيذان في غير تلك الاوقات قال تعالى (يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَالَّذينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ..) النور: 58 وهذا الحكم خاص بتلك البيوت التي لم تكن لها أبواب. وله تفصيل ذكرناه في مباحث التخلي والوجه في وجوب الاستيذان في هذه الاوقات واضح فانها اوقات يجعلها الانسان لحاجاته الشخصية غالباً وربما كان وقت المعاشرة الزوجية.

ومعنى عدم وجوب الاستيذان في غير هذه الاوقات هو عدم وجوب احراز الرضا بالدخول بالاذن لا الدخول وان علم الكراهة.

والظاهر ان هذه الآية ايضاً في مقام توسعة نفس مفاد تلك الآية بالنسبة الى الاكل من البيوت وبهذه القرينة يتعين الاحتمال الثالث.

فالمستفاد من مجموع الآيات ان الدخول في هذه البيوت والتصرف غير الناقل والمتلف بل حتى التصرف المتلف كالاكل جايز ما لم تعلم الكراهة وان لم يعلم الاذن اما اذا ظن بالكراهة فلو لم يعتمد على امارة معتبرة لا أثر له خلافاً للمصنف.

وذكر السيد البروجردي ان الحكم مختص بصورة شهادة الحال بالرضا ويعلم من ذلك انه رجح الاحتمال الثاني.

الخروج عن المكان المغصوب واتصافه بالوجوب والحرمة

المسألة 19: يجب على الغاصب الخروج من المكان المغصوب وان اشتغل بالصلاة في سعة الوقت يجب قطعها وإن كان في ضيق الوقت يجب الاشتغال بها  حال الخروج مع الايماء للركوع والسجود ولكن يجب عليه قضاؤها أيضا إذا لم يكن الخروج عن توبة وندم بل الأحوط القضاء وإن كان من ندم وبقصد التفريغ للمالك.

 

لا اشكال في وجوب الخروج من المكان الذي دخله بدون رضا صاحبه وانما الكلام في حرمة هذا الخروج لو كان الدخول بسوء اختياره.

فقال المحقق النائيني تبعاً لما هو المنسوب الى الشيخ الانصاري ان الخروج من المكان المغصوب سواء كان الدخول بسوء اختياره أم لا واجب شرعاً وحسن عقلاً ولا يعاقب عليه لانه داخل تحت عنوان رد المال الى صاحبه وتخلية مكان الغير.

وقيل بان هذا التصرف حرام شرعاً الا انه لابد من اختياره من باب وجوب اختيار ما هو اقل محذوراً. وهذا هو المختار.

وهنا قول آخر وهو انه غير محرم شرعاً ولا واجب شرعاً وانما هو مبغوض ولكن لابد من اختياره ويعاقب عليه أيضاً. وهذا مختار جماعة من الاصحاب.

وتفصيل هذا البحث في مبحث اجتماع الامر والنهي. واجماله ان مقتضى قوله صلى اللّه عليه وآله وسلّم لا يحل دم امرئ مسلم ولا ماله إلا بطيبة نفسه هو حرمة مطلق التصرف في مال الغير ولهذا الدليل عموم افرادي واطلاق ازماني فكل نوع من انواع التصرف بالنسبة الى كل مال من الاموال حرام وهذه الحرمة مستمرة في جميع الازمان.

فان كان الدخول من غير اختيار فيدور امره بين البقاء في المكان المغصوب والخروج منه. ولا اشكال حينئذ في وجوب اختيار الخروج. وهذا التصرف الخروجي ليس بمحرم من جهة انه ما من شيء حرمه اللّه الا وقد احله لمن اضطر اليه وقد ذكرنا مراراً ان الاضطرار لو كان الى أحد امرين يتوقف صدق الاضطرار الى أحدهما المعين على متمم الجعل التطبيقي وهو يتوقف على ملاحظة ما هو اقل محذوراً فيتعين الاضطرار الى الخروج.

أو من جهة ان التصرف الخروجي محرم والتصرف البقائي محرم ايضاً وحيث انه لا يتمكن من الجمع بين الامتثالين فيجب ملاحظة الاهم منهما وحيث ان التصرف البقائي ممتد فيجب امتثال هذا النهي وترجيحه فيدخل في باب التزاحم. والمسالك في باب التزاحم ثلاثة:

المسلك الاول وهو المختار ان الخطابين متوجهان الا ان عجزه من امتثالهما معاً يمنع من تنجزهما والعقل يحكم باستحقاق العقاب لو ترك الاهم وبعدمه لو اتى به وترك الاقل اهمية. فالتزاحم في مرحلة التنجز.

المسلك الثاني هو مختار المحقق النائيني وهو بتقريبنا لا بالنحو الذي ذكره تلامذته ان التزاحم في مرحلة الفعلية بضميمة متمم الجعل التطبيقي وذلك لان المفروض ان له قدرة واحدة يمكن صرفها بالنسبة الى احدهما فقط فوجوب صرفها في احدهما معيناً يحتاج الى متمم الجعل التطبيقي. والعقلاء في مثل هذا المورد يعتبرون المكلف قادراً بالنسبة الى الاهم وعاجزاً بالنسبة الى المهم. وحيث ان القدرة شرط في مرحلة الفعلية فالتزاحم محقق في هذه المرحلة والخطاب بالنسبة الى الاهم فعلي لتحقق القدرة بمتمم الجعل التطبيقي وغير فعلي بالنسبة الى المهم لاعتباره عاجزاً لا مطلقاً بل اذا صرف قدرته في الاهم.

وعليه فاذا خرج فقد امتثل النهي الاهم وهو النهي عن التصرف البقائي فيعتبر بالنسبة الى النهي الآخر عاجزاً عن الامتثال فلا يكون فعلياً.

المسلك الثالث: ان القدرة شرط في مرحلة الانشاء فالحكم الاهم باق والمهم ساقط مطلقاً واذا تساويا في الاهمية يتساقطان ويجعل حكم تخييري وهذا هو مسلك المحقق الخراساني.

وعلى كل تقدير فالخروج لابد منه الا ان حرمته غير منجزة على مسلكنا وغير باقية على المسلكين الآخرين.

وان كان الدخول بسوء اختياره فحديث رفع الاضطرار لا يشمله وان صدق عليه الاضطرار في خروجه الا ان أدلة رفع الاضطرار لا يشمل ما لو كان سبب الاضطرار أمر يرجع الى اختياره وذلك لان مساق هذه الأدلة مساق الامتنان وشمولها لهذا الفرض يوجب تجرّي العاصين اذ من الممكن ان يتسبب الانسان في ما يجعله مضطراً الى محرّم. وقد استثني في الآية المباركة من كان متجانفاً لاثم. فلابد من دخوله في باب التزاحم وحيث ان التزاحم حصل بسوء اختيار المكلف فلا يرتفع العقاب عنه لان الحكمين بناءاً على مسلكنا باقيان والتزاحم اذا كان بسوء اختياره لا يرفع مرحلة التنجز فهما منجزان بالنسبة اليه الا ان العقل يحكم بوجوب اختيار ما هو اقل عقوبة.

واما بناءاً على المسلكين الآخرين فالحرمة مرتفعة اما في مرحلة الانشاء او الفعلية ولكنه يعاقب لتفويته الاغراض المولوية بسوء اختياره فالعقوبة باقية على المسالك الثلاثة ولكن الحرمة باقية على الاول مرتفعة على الاخيرين.

وقال السيد الخوئي: ان هذه المسألة لا تدخل في باب التزاحم فان التكليف بعدم البقاء اصلاً تكليف بما لا يطاق اذ لا يمكن الخروج بدون ان يبقى بمقدار الحركة الى الخارج والتكليف بما لا يطاق قبيح مطلقا ولو كان سببه امراً اختيارياً فيقبح ان يأمر المولى هكذا: ان صعدت على السطح يجب عليك الجمع بين النقيضين. فان الامر انما ينشأ لايجاد الداعي في نفس المكلف فلا بد ان يكون مقدوراً. وحينئذ فلا يمكن الالتزام بحرمة الخروج لاستلزامه التصرف الحرام وان أخّر الخروج عن اول اوقات الامكان فانه في ثانيها وثالثها أيضاً غير متمكن من الخروج بدون هذا المقدار من التصرف فالحق انه يستحق العقوبة ولكن الخروج ليس حراماً.

والجواب عنه: ان هذا انما يتم لو كان الجامع بين التصرفين حراماً وليس كذلك بل التصرف حرام بالانحلال بمعنى ان كل تصرف حرام بالعموم الافرادي والاطلاق الازماني وكل من التصرفين يمكن تركه باتيان الآخر فالتكليف بالنسبة الى كل منهما ممكن والقياس بقوله: ان صعدت الى السطح فاجمع بين النقيضين قياس مع الفارق فان متعلق التكليف بنفسه غير مقدور هناك ولكنه مقدور هنا وانما الجمع بين الامتثالين غير مقدور فيدخل في باب التزاحم.

وأما ما ذكره المحقق النائيني ونسب الى الشيخ الانصاري من ان الخروج واجب شرعاً وحسن عقلاً ولا يعاقب عليه فيمكن تقريبه بتقديم مقدمتين:

المقدمة الاولى: انه لو كان المقام داخلاً في قاعدة (الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار) كانت العقوبة باقية وان سقط التكليف فلو القى احد نفسه من شاهق فهو في طريق السقوط لا يتوجه اليه النهي عن قتل النفس ولكن العقوبة باقية وذلك لان الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار عقاباً ولكن ينافيه خطاباً. ولكن ما نحن فيه ليس داخلاً في هذه القاعدة اذ يمكنه اختيار الخروج وعدمه.

ثم ان الحرمة لو لم تكن باقية لا يبقى العقاب أيضاً اذ العقاب بلا حرمة تختص بموارد القاعدة المذكورة فالمهم اثبات عدم الحرمة.

المقدمة الثانية: ان هذا الخروج مصداق للتخلية بين الارض وصاحبها وهو مصداق لردّ المال الى صاحبه وهو واجب شرعاً وحسن عقلاً فلا يمكن ان يكون حراماً.

والجواب عن المقدمة الاولى ان المسألة وان لم تكن داخلة في القاعدة المذكورة الا انها تدخل في باب التزاحم الناشئ من سوء الاختيار وقد عرفت ان العقوبة حينئذ باقية على المسالك الثلاثة والحرمة باقية على الاول مرتفعة على الاخيرين.

والجواب عن المقدمة الثانية ان الخروج عبارة عن الحركة الى الخارج وهذه الحركة تصرف في الدار واشغال لها فهو محرّم من هذه الجهة وليس الخروج واجباً من باب الرّد بل ليس هنا واجب اصلاً وانما هو ترك للحرام وهو اشغال ملك الغير وحينئذ فالامر مردّد بين احد التصرفين البقائي والخروجي وانما يجب اختيار الثاني عقلاً من جهة كونه أقل عقوبة وليس هنا وجوب شرعي اصلاً والوجوب العقلي لا ينافي العقوبة بل ولا الحرمة.

هذه جهة من البحث.

الجهة الثانية: انه لو ندم بعد دخوله بسوء اختياره فتاب فهل هذه التوبة تؤثر في رفع حرمة الخروج أم لا؟

وللقول بتأثيرها في ذلك طريقان:

الطريق الاول: ما ذكره القوم من التمسك بأدلة التوبة فان مقتضى (التائب من الذنب كمن لا ذنب له) ونظائره هو ارتفاع العقوبة والحكم الجزائي عن التائب. ومن هنا وجبت التوبة اما عقلاً واما شرعاً وليس لها وجوب مستقل. وقد ذكرنا في بحث وجوب التوبة على الميت من احكام الاموات ان وجوب التوبة من جهة وجوب دفع الضرر المحتمل تحصيلاً للامن من العقوبة حسبما وعده اللّه تعالى في كتابه من ارتفاع العقوبة عن التائبين.

هذا كله بالنسبة الى العمل السابق وأما الأعمال المستقبلية فهل يؤثر فيها التوبة أم لا؟

فيه خلاف ذهب صاحب الجواهر والمحقق الهمداني قدس سرهما الى الثاني وعليه فلا اثر للتوبة في ارتفاع الحرمة عن الخروج ولا ارتفاع المبغوضية عنه.

وذهب السيد البروجردي الى الاول نظراً الى ان حرمة الخروج من جهة ان الدخول كان بسوء اختياره فاذا صار الدخول بالتوبة كعدمه ارتفع اثره وهو حرمة الخروج والمفروض ان التوبة تجعل العمل كأن لم يقع أو كأن لم يصدر من الفاعل.

والجواب: انه لا اطلاق في أدلة التوبة يشمل العمل المتأخر ولو سلم فهي انما ترفع العقوبة دون المبغوضية والمفروض ان بطلان الصلاة من جهة وقوعها في الكون المبغوض للمولى على مبناه قدس سره.

الطريق الثاني: وهو ما اخترناه من التمسك باطلاق قوله عليه السلام: ما من شيء حرمه اللّه الا وقد أحله لمن اضطر اليه. وقد ذكرنا انه يشمل ما لو كان الدخول لا بسوء الاختيار وانه لا يشمل الداخل بسوء اختياره لقرينة عقلية وهو استلزامه تجري العاصين بتسبيب الاضطرار الى محرم. وهذا المحذور لا يلزم في صورة التوبة فلا تشملها القرينة العقلية ويشملها عموم حلية ما اضطر اليه فترتفع الحرمة والمبغوضية.

الصلاة حال الخروج من المكان المغصوب

الجهة الثالثة: في صحة صلاته حال الخروج والكلام يقع تارة في سعة الوقت بمعنى انه لو تركها في الارض المغصوبة أو قطعها وهو مشتغل بها ادرك ركعة منها خارج الارض المغصوبة وتارة في ضيق الوقت.

أما في سعة الوقت فان اراد الصلاة حال الخروج مومياً في الركوع والسجود فلا اشكال في بطلان صلاته لعدم شمول أدلة جواز الصلاة ايماءاً لها لتمكنه من اتيان الصلاة التامة خارج الارض المغصوبة وكذا مع فقدان الاستقرار أو الاستقبال وأما لو فرضنا عدم تمكنه من الصلاة بعد الخروج أيضاً الا على نفس الوضع الى آخر الوقت كما لو خاف من سبع مثلاً والمفروض ان خروجه تصرف مباح للتوبة كما ذكرنا أو واجب على رأي المحقق النائيني فلا اشكال في صحة صلاته حينئذ وكذا تصح لو قلنا بأن التصرف حرام مطلقا ولو مع التوبة بناءاً على صحة الصلاة في الارض المغصوبة.

وان اراد الصلاة اختياراً فان كان لا ينافي السرعة الواجبة في الخروج عقلاً بان كان في سيارة كبيرة مثلاً فلا اشكال في جواز الصلاة حينئذ لعدم منافاته مع السرعة الواجبة وأما صحة هذه الصلاة مع انه في سعة من الوقت فان كان التصرف مباحاً كما لو كان مضطراً بأن كان دخوله لا باختياره أو تاب فلا اشكال في صحة صلاته وكذا لو كان التصرف واجباً كما هو رأي المحقق النائيني وأما لو كان التصرف حراماً فصحة الصلاة وفسادها يرجع الى البحث في جواز اجتماع الأمر والنهي (أو اقتضاء النهي عن العبادة للفساد) وقد ذكرنا التفاصيل في أول بحث مكان المصلي واخترنا عدم وجود دليل على بطلان الصلاة في الدار المغصوبة مطلقا .

وان كان الصلاة تنافي السرعة المطلوبة عقلاً فلا اشكال في ان العقل يحكم بوجوب ترك هذه الصلاة واتيانها خارج الارض المغصوبة اذ المفروض سعة الوقت واما صحة صلاته في هذه الحال فهي مبنية على صحتها في الارض المغصوبة. فما ذكره المصنف من وجوب قطع الصلاة في سعة الوقت انما يتم اذا كان منافياً للسرعة الواجبة.

وأما في صورة ضيق الوقت فان كان مع التصرف المباح كما لو تاب بناءاً على تأثيره في جواز الخروج كما ذكرنا أو قلنا بان التصرف واجب مطلقا فلا اشكال في وجوب الصلاة عليه حال الخروج وصحتها. واما ان لم يتب مع القول بتأثيره فلا يرتفع عنه وجوب الصلاة حال الخروج اذ المفروض تمكنه من التصرف المباح لتوقفه على التوبة وهو أمر اختياري فلو صلّى مع التصرف الحرام بان لم يتب فصحة صلاته متوقفة على مسلكنا من جواز اجتماع الامر والنهي.

وأما لو قلنا بان التصرف المباح غير ممكن لعدم تأثير التوبة في جواز الخروج وعدم وجوب الخروج فتنحصر صلاته في التصرف الحرام وحينئذ يمكن القول بسقوط الامر بالصلاة لدخوله في باب توقف الواجب على المقدمة المحرّمة. ولا يدخل في باب اجتماع الامر والنهي اذ يتوقف ذلك على وجود المندوحة والمفروض انحصار الواجب في التصرف المحرّم اذ ان الايماء وحركة الشفة بالذكر كل ذلك تصرف في الفضاء المغصوب. وأما الصلاة الاخطارية بان لا يومي ولا يذكر بلسانه فصدق الصلاة عليها مشكل فلا يتوجه الامر بها.

ولكن قد ذكرنا في مسألة صلاة المحبوس في المكان المغصوب ان الاضطرار لو تحقق بالنسبة الى أصل الكون فحركة الشفة والرأس لا يعتبر تصرفاً زائداً فلا يكون حراماً والمفروض في المقام ان الخروج لابد منه فهو مضطر الى هذا المقدار من التصرف وان كان الاضطرار لا يرفع الحرمة ولكن التصرف بالصلاة مومياً لا يوجب تصرفاً زائداً على اصل الحركة فلا يتوقف الصلاة على مقدمة محرمة غير ما هو مضطر اليه فالامر بالصلاة باق فان قلنا حينئذ بان الصلاة ايماءاً متحد مع التصرف في الارض المغصوبة يدخل البحث في مبحث اجتماع الامر والنهي والاّ فلا يدخل في تلك المسألة أيضاً.

فظهر من مجموع ما ذكرنا ان قول المصنف يجب على الغاصب الخروج من المكان المغصوب لابد من حمله على الوجوب العقلي ولا يصح القول بالوجوب الشرعي. واما قوله (وان اشتغل بالصلاة في سعة الوقت يجب قطعها) فلعل المراد الصلاة ايماءا حال الخروج وهي باطلة قطعا مع التمكن منها كاملة خارج الارض المغصوبة. وهنا صور اخرى. (32) وأما قوله: (واما ان كان في ضيق الوقت يجب الاشتغال بها حال الخروج مع الايماء للركوع والسجود ولكن يجب عليه قضاؤها اذا لم يكن الخروج عن توبة وندم) فقد عرفت ان الامر بالصلاة حينئذ متوجه اليه وانه داخل في مبحث اجتماع الامر والنهي والحق هو الجواز فصلاته صحيحة والحكم بالقضاء مبني على الاحتياط على مسلكنا وأما على مسلك المصنف فالحكم بالبطلان لابد ان يكون من جهة امتناع اجتماع الامر والنهي.

وأما قوله بل الاحوط القضاء وان كان من ندم فهو مبني على عدم تأثيره في جواز الخروج وقد بيّـنّـا تأثيره لا من جهة أدلة التوبة بل من جهة أدلة الاضطرار.

اذا دخل المكان المغصوب جهلا او نسيانا

المسألة 20: اذا دخل في المكان المغصوب جهلاً أو نسياناً أو بتخيل الاذن ثم التفت وبان الخلاف فان كان في سعة الوقت لا يجوز له التشاغل بالصلاة وإن كان مشتغلا بها وجب القطع والخروج وإن كان في ضيق الوقت اشتغل بها حال الخروج سالكاً أقرب الطرق مراعيا للاستقبال بقدر الإمكان ولا يجب قضاؤها وإن كان أحوط لكن هذا إذا لم يعلم برضا المالك بالبقاء مقدار الصلاة وإلا فيصلي ثم يخرج وكذا الحال إذا كان مأذونا من المالك في الدخول ثم ارتفع الاذن برجوعه عن إذنه أو بموته والانتقال إلى غيره.

 

هذه المسألة داخلة في المسألة السابقة اذ انه مصداق لمن لم يدخل بسوء اختياره وهذا مورد قاعدة (رفع ما اضطروا اليه). والاضطرار هنا الى الجامع بين التصرف الخروجي والتصرف البقائي. وقد ذكرنا مراراً ان الاضطرار لو كان الى الجامع فتعيين المضطر اليه لا يكون الا بمتمم الجعل التطبيقي فان كانت الاطراف متساوية كان كل منهما مضطراً اليه فهو مختار فيها وان كانت مختلفة في المفسدة تعين الاضطرار في الاخف مفسدة وحيث ان التصرف الخروجي اخف محذوراً عند العقلاء يكون هو المضطر اليه فترتفع الحرمة عنه.وحيث ان امره دائر بين التصرف المباح والتصرف الحرام فلابد ان يختار المباح فيجب الخروج.

وحينئذ فان كان مع سعة الوقت وتمكن من صلاة المختار حال الخروج فلا اشكال في وجوبها وصحتها. وان لم يتمكن منها لا تجوز الصلاة ايماءاً لعدم الاضطرار مع سعة الوقت الا ان لا يتمكن في الخارج الا ايماءاً ايضاً كما مرّ. ولو صلى حينئذ صلاة المختار فلا اشكال في حرمة هذا التصرف. وصحة صلاته مبتنية على جواز اجتماع الامر والنهي. (33) الا ان السيد الحكيم قدس سره ذكر انه لو لم يكن مدة صلاته اكثر من مدة الخروج امكن القول بصحتها مع انه ممن يقول بامتناع اجتماع الامر والنهي. والوجه في ذلك ان هذا المقدار من البقاء مباح له بالفرض فالصلاة لا تتحد مع التصرف الحرام. نعم يلزم منه ان يكون التصرف الخروجي بعد ذلك تصرفاً محرماً ولكن حرمة الملازم لا تسري الى الصلاة.

ويلاحظ على ذلك بما ذكرناه من أنّ الاضطرار لا يتعين في جانب ولا يتساوى الجانبان الاّ بمتمم الجعل التطبيقي وحيث ان المفروض ان العقلاء يعتبرونه مضطراً الى خصوص التصرف الخروجي فالتصرف البقائي لا يكون مضطراً اليه.

وأما ان كان في ضيق الوقت فان تمكن من صلاة المختار حال الخروج وجبت وصحت والا صلى ايماءاً كذلك وصحة الصلاة حينئذ لا يتوقف على القول بجواز اجتماع الامر والنهي لاباحة تصرفه على الفرض.

ولو صلى حينئذ صلاة المختار مستقراً فالاشكال في صحة صلاته ليس من جهة اجتماع الامر والنهي بل من جهة انه مأمور بالصلاة ايماءاً فالصلاة مع الركوع والسجود ليست مأموراً بها.

ثم ان قول المصنف في آخر هذه المسألة (وكذا الحال اذا كان مأذوناً ثم ارتفع الأذن) سيأتي البحث عنه في ضمن المسألة الآتية ان شاء اللّه.

 

رجوع المالك في اذنه

المسالة 21: اذ اذن المالك بالصلاة خصوصاً أو عموماً ثم رجع عن اذنه قبل الشروع فيها وجب الخروج في سعة الوقت، وفي الضيق يصلي حال الخروج على ما مر وإن كان ذلك بعد الشروع فيها فقد يقال بوجوب إتمامها مستقرا وعدم الالتفات إلى نهيه وإن كان في سعة الوقت إلا إذا كان موجبا لضررعظيم على المالك، لكنه مشكل بل الأقوى وجوب القطع في السعة والتشاغل بها خارجا في الضيق خصوصا في فرض الضرر على المالك.

 

الرجوع عن الاذن قد يكون قبل التشاغل بالصلاة وقد يكون بعده. فان كان قبله وجب الخروج مع سعة الوقت قطعاً لما ذكرناه من حرمة التصرف البقائي وان كان مع ضيق الوقت قيل بوجوب صلاة المختار وعدم العبرة برجوع المالك عن اذنه. وهذا القول ضعيف وسيتضح وجهه مما سيأتي ان شاء اللّه تعالى.

وأما ان كان الرجوع بعد التشاغل فان كانت نافلة فلا اشكال في وجوب قطعها والخروج. وان كانت فريضة فقيل بوجوب القطع والصلاة خارج الارض المغصوبة ان كان مع سعة الوقت والا فيكمل صلاته وهو في حال الخروج وقيل بوجوب الاكمال كذلك مطلقاً وذهب جماعة كالشهيد في الذكرى وصاحب حاشية المدارك والظاهر انه المحقق البهبهاني والمحقق النائيني كما في تقريرات الصلاة الى انه لا عبرة بهذا الرجوع بل يصلي صلاة المختار في مكانه.

مقتضى القاعدة هو حرمة التصرف بعد الرجوع فيدخل في المسألة السابقة ولكن المحقق النائيني ذكر ان وجه عدم العبرة برجوع المالك هو ان الصلاة حينئذ منعقدة صحيحة وكل صلاة انعقدت صحيحة لا يجوز ابطالها وهذا الرجوع باطل لاستلزامه الفصل بين الحكم الشرعي وموضوعه وهو غير ممكن وقال: ان نظير ذلك ما لو رجع المالك عن اذنه في رهن ماله فان صحته يستلزم التفكيك بين الحكم وموضوعه وهو ان كل رهن انعقد صحيحاً لازم من جهة الراهن فكما لا يجوز الرجوع هناك لا يجوز هنا ايضاً. وكذا لو رجع المالك عن اذنه في دفن الميت في أرضه فان النبش حرام اذا وقع الدفن مباحاً.

ونقول: اما على مسلك القوم ومنهم المحقق النائيني من بطلان الصلاة في الارض المغصوبة فهذه الصلاة بعد رجوع المالك عن اذنه باطلة فلا معنى لحرمة ابطالها اذ هذا ابطال للباطل.

وأما على مسلكنا من عدم البطلان وجواز اجتماع الامر والنهي فابطال الصلاة الصحيحة لا دليل لفظي على حرمته وانما العمدة في ذلك هو الاجماع والقدر المتيقن منه لا يشمل المقام لذهاب المشهور الى وجوب القطع.

وأما القياس بالرهن فمع الفارق اذ أنّه بعد الاذن في الرهن ووقوع الرهن صحيحاً وكون هذه العين وثيقة للدين يصير ملك المالك لها ملكاً غير طلق فتنقطع يده عن التصرفات الناقلة والمتلفة لها.

وكذلك القياس بمسألة الدفن فان التصرف المحتاج الى اجازة ليس الا تصرفاً واحداً حدوثياً وهو اصل الدفن واما بقاء الميت وان صدق عليه الدفن بالمعنى الاسم المصدري الا انه ليس تصرفا في الارض بل التصرف هو الدفن بالمعنى المصدري وهو غير متكرر ولا باق فلا حاجة الى بقاء الاذن. فحرمة النبش بلا معارض وهو حكم عام لجميع المكلفين حتى المالك.

ولا يعارضه العدول عن الاذن اذ لو كان بالنسبة الى الدفن وهو فعل سابق فهو غير معقول لعدم امكان العدول عن الاعمال الماضية فان الشيء لا ينقلب عما هو عليه كما لا ينقلب حكمه فان الانقلاب غير ممكن في الاحكام التكليفية لانها انما وضعت لايجاد الداعي أو الزاجر في نفس المكلف او لارخاء العنان بالنسبة الى عمله وهذه الامور غير ممكنة بعد تحقق العمل.

نعم الانقلاب ممكن بالنسبة الى الاحكام الوضعية لترتب آثار عليها ولذا قلنا بالكشف الانقلابي في باب الفضولي لان ملكية المشتري من حين البيع له آثار منها انتقال النماء اليه.

واما العدول عن الاذن بالنسبة الى الاعمال الآتية فالمفروض انه لا عمل بعد الدفن. وانما هو البقاء والدفن بالمعنى الاسم المصدري بخلاف الصلاة فان كل جزء منها تصرف في ملك الغير فيحتاج الى اجازة فاذا رجع عنها وقع الفعل حراماً.

واما ان كان مع ضيق الوقت فقد قيل كما ذكرنا بان الامر بصلاة المختار متوجه اليه بصرف الاذن فالرجوع لا عبرة به.

والجواب ان الامر بصلاة المختار وان كان مقدماً زماناً على الأمر بالصلاة ايماءاً الا ان التقدم الزماني ليس من المرجحات وحيث ان المعتبر في وجوب صلاة المختار هو القدرة على كل جزء من الاجزاء وبعد رجوع المالك عن اذنه تنتفي القدرة الشرعية عن بعض الاجزاء فيتحقق الامر بالايماء حال الخروج.

والذي يمكن ان يستدل به على عدم وجوب الخروج حينئذ وجهان:

الوجه الاول: ان الخروج عن الدار المغصوبة انما يجب كما عرفت من باب التزاحم بين التكليفين وهما النهي عن التصرف البقائي والخروجي فلابد من اختيار ما هو اقل مفسدة وهو التصرف الخروجي فالوجوب يستند الى اهمية التصرف البقائي من الخروجي وهذه الاهمية تنتفي اذا كان الخروج موجباً لابطال الصلاة أو لتفويت الاجزاء والشرائط الواجبة حال الاختيار كما لو اراد الاكمال حال الخروج فلا دليل على وجوب الخروج حينئذ وتقدمه.

والجواب عنه ان هذا الدليل يتوقف على شمول حرمة ابطال الصلاة أو الرجوع الى صلاة المضطر لما نحن فيه حتى ينضم الى حرمة التصرف فيترجح جانب تحريم التصرف الخروجي وسيأتي الكلام في ذلك في الجواب عن الوجه الثاني.

الوجه الثاني: وهو الذي ذكره جماعة من الاصحاب وذكره المحقق النائيني على وجه اكمل وسنذكره نحن بتقريب أولى. وهو أنّ مفاد ( لا يحل مال امرئ مسلم الا بطيب نفسه) حرمة التصرفات المتعلقة بمال الغير حرمة تكليفية أو وضعية الا ان يقترن بطيب النفس. فالحرمة الوضعية بمعنى عدم النفوذ في التصرفات الاعتبارية والحرمة التكليفية في التصرفات الخارجية. والتصرفات الخارجية قد تكون ذات مرحلة حدوثية فقط أو تكون حدوثها هو منشأ الاثر فقط وقد تكون ذات وجود امتدادي.

أما التصرفات الاعتبارية كالبيع والاجارة فهي امور تتحقق دفعة واحدة بالانشاء وهي بهذه المرحلة الحدوثية منشأ الآثار وهي مشروطة حدوثاً بطيب نفس المالك ولا اثر لرجوعه عن الاذن بعد تحقق العقد. ومن هذا القبيل اجازة المالك في رهن ماله فان الرهن بعد وقوعه يقتضي اللزوم من قبل الراهن ويصير ملك المالك ملكاً غير طلق ولا أثر لرجوعه بعد ذلك.

وأما التصرفات الخارجية فان كانت ذات وجود امتدادي بحيث ينحل التصرف الى تصرفات متعددة فلا اشكال في ان كلا منها يتوقف جوازه على اجازة المالك كما اذا اذن في مطالعة كتابه أو استعمال اناءه مثلاً.

وان لم تكن كذلك بل كان تصرفاً واحداً حدوثياً كالدفن فان بقاء الميت وان صدق عليه الدفن بالمعنى الاسم المصدري الا انه لا يصدق عليه التصرف والتصرف هو الدفن بالمعنى المصدري وهو امر حدوثي وليس متكرراً. وهذا الامر الحادث حيث وقع مباحاً يحقق موضوع حرمة النبش وهو حكم عام لجميع المكلفين حتى المالك. ولا اثر لعدول المالك عن اذنه فان التصرف السابق وقع مباحاً ولا يؤثر العدول في انقلابه الى تصرف حرام لعدم امكان الكشف الانقلابي في الاحكام التكليفية فانها انما وضعت لايجاد الداعي او الزاجر في نفس المكلف او لارخاء العنان بالنسبة الى عمل. وهذه الامور غير ممكنة بالنسبة الى الاعمال الماضية.

وأما التصرفات الخارجية التي تكون مستتبعة لتصرفات أخرى ولكنها بحدوثها تكون موضوعة لحكم تكليفي كالصلاة فان افتتاحها مباحاً موجب لتحقق موضوع حرمة الابطال فلا اثر للرجوع فيها اذ لو اثر الرجوع في حرمة التصرف لزم انفكاك الموضوع عن حكمه اذ المفروض تحقق الصلاة الصحيحة وهي موضوعة لحرمة الابطال. نظير ما ذكرناه في حرمة النبش اذا تحقق الدفن مباحاً ولزوم العقد اذا تحقق صحيحاً لتحقق موضوع وجوب الوفاء والوجه في الجميع هو عدم جواز انفكاك الموضوع عن حكمه.

والجواب عنه بوجهين:

الاول: انا لا نسلم تحقق موضوع حرمة الابطال في المقام وذلك لانحلال الصلاة الى تصرفات متعددة كل منها يتوقف جوازه على الاذن وحينئذ فان قلنا بامتناع اجتماع الامر والنهي امتناعاً آمرياً فالامر بالسجود والركوع وغيرهما مقيد بعدم الحرمة ومع عدم حصول القيد لا ينطبق المأمور به على المأتي به فالصلاة باطلة.

وان قلنا بالامتناع المأموري فعدم تمشي قصد القربة لاتحاد هذه الاجزاء مع التصرف الحرام موجب لبطلان الصلاة وحينئذ فالابطال في المقام ابطال للباطل لا للصلاة الصحيحة ودليل حرمة الابطال لو صحّ فانما يقتضي الحرمة في ما اذا تمكن من الحاق سائر الاجزاء مع شرائط الصحة ومقتضى حرمة التصرف عدم التمكن منها فموضوع حرمة الابطال لم يتحقق.

وأما ان قلنا كما هو الصحيح بجواز الاجتماع وصحة الصلاة في الارض المغصوبة فموضوع حرمة الابطال محقق وموضوع حرمة التصرف محقق ايضاً ولكن لا وجه لترجيح حرمة الابطال بل الامر بالعكس فان دليل حرمة الابطال لو سلم فهو الاجماع فقط وهو دليل لبي والمقام مورد الخلاف بل المشهور هو وجوب القطع فلا يشمله الدليل.

مضافاً الى ان التزاحم لو كان بين دليلين احدهما لبي يؤخذ بالمتيقن منه ولا اشكال في ان المتيقن من الاجماع لا يشمل المقام فالوظيفة هو الابطال وان صحت صلاته.

الثاني: انه لو قطعنا النظر عن ذلك وسلمنا حرمة الابطال في المقام فلا يدور الامر بين الابطال وصلاة المختار حتى يختار الثاني بل يمكنه الخروج والاتيان بصلاة المضطر غاية الامر الالتزام بجواز صلاة المضطر في مثل ذلك ولابد من الالتزام به بعد تسليم حرمة الابطال والتصرف معاً.

والصحيح انه ان كان في السجدة الاخيرة في الصلاة ورجع المالك عن اذنه يخرج ويتشهد ويسلّم في حال الخروج ولا يضره فوت الاستقرار والجلوس ولو كان في سعة الوقت لقاعدة لا تنقض سنة فريضة.

وان كان قبلها فيجب الخروج ولكن يلزم منه تفويت الركن وهو الركوع أو السجدتان معاً فان كان في سعة الوقت يقطع الصلاة ويأتي بها خارجاً لان الركوع والسجود فريضتان. وقاعدة لا تنقض تدل على وجوب الابطال والاتيان بالصلاة معهما. وان كان في ضيق الوقت فيخرج ويتم الصلاة مومياً فان أدلة بدلية الايماء عنهما لا اطلاق لها يشمل صورة سعة الوقت. ولهذا لو كان قبل السجدة الاخيرة فقط وكان في سعة الوقت يجب القطع والاتيان بالصلاة معها خارجاً لقصور ادلة البدلية فانها مختصة بصورة عدم التمكن من الاصل وهو متمكن منه في سعة الوقت.(34)

اذن المالك عن خوف

المسألة 22: اذا اذن المالك في الصلاة ولكن هناك قرائن تدل على عدم رضاه وأن إذنه من باب الخوف أو غيره لا يجوز ان يصلي كما ان العكس بالعكس.

 

هذا في الجملة مما لا اشكال فيه فان الموضوع هو طيب النفس حسب الرواية المعتبرة والاذن كاشف عنه. انما الكلام في ان الاذن مع الخوف هل يكشف عن طيب النفس أم لا؟

ويمكن المناقشة فيما ذكره المصنف بوجهين:

الاول: ان طيب النفس ليس بمعنى التمايل بالذات بل كل عمل لا يكون عن اكراه كما ان الانسان يطيب نفسه الى شرب دواء مرّ او بيع دار مضطراً الى بيعه والمفروض في المقام عدم الاكراه وانما هو يخاف الضرر. ففي لسان العرب وتاج العروس فعلت ذلك بطيبة أي عن رضا لم يكرهني عليه احد. وكذا في المنجد واقرب الموارد. فطيب النفس في قبال الاكراه.

الثاني: ان طيب النفس له مرحلتان: احدهما: طيب النفس بالذات والاخرى ان يكون بعد الكسر والانكسار أي ملاحظة الاضرار المتوجهة اليه في العمل وتركه وترجيح ما هو اقل ضرراً.

أما الاول فلا يمكن الالتزام بتوقف صحة المعاملة عليه وذلك للقطع بصحة معاملة المضطر ونظائره. واما الثاني فهو موجود حتى في معاملات المكره اذ لو كان الضرر الناشي من العمل المكره عليه اكثر من الضرر المتوعد به لم يقدم المكره على العمل. ولذا لا يصح الاستدلال على فساد بيع المكره بعدم جواز التصرف الا بطيب النفس بل الدليل عليه هو حديث الرفع.

والجواب عن الوجه الاول: ان الظاهر عدم خصوصية في الاكراه وان ذكره في كتب اللغة من باب المثال يقال: طاب الشيء اذا لذّ وحلا وحسن. طاب العيش لفلان: فارقته المكاره. فلا يصدق طيب النفس اذا لم يكن العمل محبوباً للانسان.

وعن الثاني: ان المعتبر في صحة المعاملة هو طيب النفس بالمعنى الثاني ولذا صحّت معاملات المضطر واما المكره فلا يحصل له طيب النفس بالانتقال وانما يحصل له ذلك بعد الكسر والانكسار بالنسبة الى نفس الانشاء الا انه يتوهم الانتقال الشرعي القهري فيطيب نفساً به جهلاً ولو علم امكان تفكيك الانشاء عن الانتقال لم يطب نفساً به وحديث الرفع يثبت عدم الانتقال.

وأما المضطر فهو طيب النفس بحصول النتيجة وهو تحقق الانتقال ليملك الثمن المحتاج اليه. فطيب النفس وان كان حاصلاً فيهما الا ان الاختلاف في متعلقه وحلية التصرف والانتقال يتبعان طيب النفس المتعلق بهما وهو حاصل في المضطر دون المكره.

فتبين ان الذي يأذن مع الخوف بدون الرضا الواقعي يحصل له طيب النفس بالنسبة الى نفس الاذن دون الحلية الواقعية الا انه يتخيل حصولها قهراً فما نحن فيه نظير المكره لا المضطر.

 

المسألة 23: اذا دار الامر بين الصلاة حال الخروج من المكان الغصبي بتمامها في الوقت أو الصلاة بعد الخروج وادراك ركعة او ازيد فالظاهر وجوب الصلاة في حال الخروج لان مراعاة الوقت اولى من مراعاة الاستقرار والاستقبال والركوع والسجود الاختياريين.

 

وقع البحث في ان المراد بضيق الوقت الذي يوجب اتيان الصلاة حال الخروج هل هو فوت الصلاة في الجملة أو بالجملة؟

والمراد بالاول ان يدرك ركعة منها في الوقت وبالثاني ان لا يدرك شيئا منها فيه. فهنا حالتان:

 الحالة الاولى انه لو اخر الى ما بعد الخروج لا يفوته جميع وقت الصلاة وانما يفوته بعضه ويدرك من الوقت ركعة فالمزاحمة تكون بين الركوع والسجود والاستقبال والاستقرار وبين ادراك جميع الصلاة في الوقت والحالة الثانية انه لو اخرها كذلك يفوته جميع الوقت.

ولا ريب في الحالة الثانية في وجوب الصلاة في الطريق لان الصلاة لا تسقط بحال وأدلة الابدال الاضطرارية لا قصور فيها فتشمل المقام.

واما في الحالة الاولى فقد وقع الخلاف فالمصنف واغلب المحشين ذهبوا الى ان الوقت مطلقاً سواء كان في الجملة او بالجملة مقدم على غيره مطلقا سواء كان ركنا أو غيره.

واختار السيد الخوئي وجوب تأخيرها وادراك ركعة من الوقت وصلاة المختار.

ويمكن الاستدلال لما في المتن بوجوه:

الوجه الاول: انه لا ريب في ان الصلاة من الموقتات بمعنى ان جميع العمل مشروط بكونه في الوقت قال اللّه تعالى: (اقم الصلاة لدلوك الشمس الى غسق الليل وقرآن الفجر)(35) وبضم الروايات يعلم المبدأ والمنتهى لكل صلاة.

فلابد ان يؤتى بالصلاة في الوقت المعين وحيث انا لا نتمكن من اتيانها كذلك فيما نحن فيه الا بالابدال فينتقل الوجوب اليها مع ادراك جميع الوقت.

وقد يقال: ان مقتضى قاعدة (من ادرك) التوسعة في الوقت فيمكن صلاة المختار والاكتفاء بادراك ركعة.

وقد اجاب عنه في المستمسك بان القاعدة لا تثبت جواز التأخير وغاية ما يستفاد منها الاجزاء اذا وقعت ركعة منها في الوقت.

والجواب عن هذا الوجه: ان أدلة الابدال الاضطرارية قاصرة عن شمول المقام فان لها موارد خاصة منها العجز التكويني كالشيخ الكبير أو مع اضطراب السفينة، ومنها الحرج كانحصار مكان الصلاة في موضع كله طين مثلاً، ومنها المرض كمن اجرى عملية جراحية لعينه مثلاً كما هو مورد بعض الاحاديث، ومنها المزاحمة لتكليف آخر كالعاري. واما في غير هذه الموارد كضيق الوقت فلا دليل على البدلية فلا يحصل القطع بحصول الامتثال. ومقتضى قاعدة (من ادرك) صحة الصلاة بعد الخروج وادراك ركعة فلابد من انتخابه. نعم اذا كان الضيق بحيث لا يدرك ركعة ايضاً فحرمة التصرف وان لم يقتض البدلية الا انه يقتضي وجوب الصلاة حال الخروج ولا يمكن تحققها الا بالايماء.

فان قلت: ان التأخير في مفروض المسألة باختيارنا والقاعدة لا تقتضي حينئذ الاجزاء وقد ذكر في المستمسك ان مقتضى موثقة عمار الآتية هوعدم الاجزاء اذا كان التأخير عمدياً.

قلت: ان مقتضى الموثقة جواز ذلك والظاهر انه قدس سره غفل عن صدره ولعله من جهة التقطيع.

روى عمار عن ابي عبد اللّه عليه السلام في الرجل اذا غلبته عينه أو عاقه امر أن يصلي المكتوبة من الفجر ما بين ان يطلع الفجر الى ان تطلع الشمس وذلك في المكتوبة خاصة فان صلى ركعة من الغداة ثم طلعت الشمس فليتم الصلاة وقد جازت صلاته(36).

ولعله لاحظ الجملة الأخيرة: (فان صلى ركعة من الغداة الخ) ولكن المستفاد من الصدر هو العموم لقوله عليه السلام: (او عاقه امر) الظاهر في الامور الدنيوية مع انّها لا تجوّز تأخير الصلاة فيكون التأخير عمداً.

الوجه الثاني: ان المسألة داخلة في باب التزاحم والوقت ليس له بدل وكل ما ليس له بدل مقدم على ماله بدل كما ذكره المحقّق النائيني.

وجواب السيد الخوئي عن هذا الاشكال المنع من دخول المسائل الدورانية في باب التزاحم. وقد ذكرنا الجواب عنه في محله.

والصحيح في الجواب منع الكبرى والصغرى بعد تسليم كونه من باب التزاحم.

أما الكبرى الذي ذكره المحقق النائيني فقد ذكرنا الجواب عنه بجميع تقريباته في الاصول.

واما الصغرى فلان الوقت بالجملة له بدل وهو الوقت في الجملة مضافاً الى ان المزاحم لا ينحصر في الركوع والسجود وليس للاستقرار والجلوس والاستقبال ابدال.

الوجه الثالث: ان السجود والركوع مقيدان بالقدرة الشرعية بدليل جعل البدل لهما والقدرة الشرعية تنتفي بوجود المزاحم وهو وجوب اتيانها في الوقت. والوقت بالجملة وان لم يكن ركناً كالوقت في الجملة الا انه واجب فيزاحم وجوبهما.

والجواب: انا نسلّم ان اتيان الصلاة في الوقت واجب استقلالي وان السجود والركوع مقيدان بالقدرة الشرعية ولكن لا بلحاظ الوقت بمعنى ان وجوب الاتيان في الوقت لا يزاحمهما.

والسرّ في ذلك ان مقتضى ادلة قاعدة من ادرك عدم تقدم الوقت الركني عليهما فضلاً عن غير الركني فان الركعة الواردة فيها ليس المراد بها ركعة اضطرارية بل ركعة تامة مستجمعة لجميع الاجزاء والشرائط فلو دار الامر بين اتيان الصلاة مستجمعة لها خارج الوقت وفاقدة لها مع كون ركعة منها داخل الوقت لا يجوز انتخاب الثاني متمسكاً بقاعدة من ادرك وهذا يدل على ان الوقت حتى الركني منه لا يتقدم على الركوع والسجود بل حتى السنن ايضاً.

واما ما ذكره السيد الحكيم من انه لو كان له وقت بمقدار ركعة واحدة اختيارية ولكنه لو صلى اضطرارياً صلى جميع الركعات في الوقت فلابد من انتخاب الثانية وذكر نظيره المحقق النائيني في الاصول فهو مما لا يمكن الالتزام به ولا يظن بهما الالتزام به ايضاً فان مقتضاه ان يجوز ترك الصلاة الاختيارية والاكتفاء بعدة ايماءات ليكون في الوقت وهو بعيد جداً.

فتحصل ان ما اشتهر من ان الوقت مطلقا مقدم على غيره غير صحيح والابدال الاضطرارية وضعت لغير مزاحمة الوقت. والمزاحم في صورة ضيق الوقت عن جميع الصلاة حتى ركعة واحدة هو حرمة التصرف بملاحظة ضيق الوقت.

حكم الصلاة في السفينة

 

قال المصنف: الثاني من شروط المكان: كونه قارّا فلا تجوز الصلاة على الدابة أو الارجوحة او في السفينة ونحوها مما يفوت معه استقرار المصلي نعم مع الاضطرار و لو لضيق الوقت عن الخروج من السفينة مثلًا لا مانع، و يجب عليه حينئذ مراعاة الاستقبال و الاستقرار بقدر الإمكان، فيدور حيثما دارت الدابة أو السفينة، و إن أمكنه الاستقرار في حال القراءة و الأذكار و السكوت خلالها حين الاضطراب وجب ذلك مع عدم الفصل الطويل الماحي للصورة والا فهو مشكل.

 

هذا الشرط بهذا العنوان لا دليل عليه ولا يبعد ان يكون الالتزام به بلحاظ ما دل على وجوب الطمأنينة حال الذكر. والروايات الواردة على طوائف :

الطائفة الاولى: في الصلاة في السفينة والروايات بين مانعة ومجوزة.

وقبل التعرض لها لابد من ذكر امور:

الامر الاول: ان علماء العامة اجمعوا على عدم جواز الصلاة في السفينة اذا استلزم فوات بعض الاجزاء والشرائط الا اذا كان مضطراً لا يتمكن من الخروج منها. والمشهور بين القدماء منا الجواز حتى في حال التمكن من الخروج واوّل من افتى به فيما نعلم الشلمغاني كما في فقه الرضا وذكره الصدوق في المقنع والهداية والشيخ في النهاية والمبسوط. والظاهر من كلماتهم بل صريحها كما في مفتاح الكرامة عدم الفرق بين كونها جارية او واقفة ولا بين تمكنه من الخروج وعدمه بل يظهر من مفتاح الكرامة ان المنع في حال الاختيار يختص بجماعة قليلة من المتأخرين. فقول المتأخرين موافق للعامة.

الامر الثاني: ان مقتضى القاعدة هو ما ذكره المتأخرون فان الابدال الاضطرارية انما شرعت لصورة عدم التمكن من الصلاة الاختيارية في تمام الوقت.

وهل يجوز للمكلف ان يفوّت على نفسه الصلاة الاختيارية بركوب السفينة مع اقتضائه ذلك بالطبع أم لا؟

مرجع البحث الى ان اعتبار القدرة في التكليف بالركوع والسجود هل هو ثابت بالعقل أم بالشرع؟ بمعنى ان القدرة عليهما هل هي دخيلة في ملاك الامر بهما فاعتبارها شرعي أم ليست دخيلة فهو عقلي؟

فان قلنا بان اعتبارها عقلي لا يجوز التفويت وان قلنا انه شرعي فان كان المعتبر في ملاك الامر القدرة بعد الوقت فيجوز التفويت ايضاً والا فلا يجوز.

ولكن الظاهر أن أحداً من علماء الخاصة والعامة لم يلتزم بعدم جواز ركوب السفينة ولو بعد الوقت من هذه الجهة. ولكن مقتضى بعض الروايات الواردة في كتاب التجارة هو عدم الجواز ان كان مفوتاً للصلاة الاختيارية.

ولم تنقل هذه الاحاديث في جامع أحاديث الشيعة ولا في الكتب الفقهية. فان كان المراد بها ذلك فهي مخالفة لاجماع المسلمين وسائر الروايات بل الآيات التي اعتبرت السفن نعمة من اللّه تعالى فهي معرضة عنها.

وقد افرد صاحب الوسائل لها باباً في كتاب التجارة وهو الباب 67 من أبواب ما يكتسب به (باب كراهة ركوب البحر للتجارة) ومنها صحيحة محمد بن مسلم عن ابي جعفر عليه السلام أنّه قال في ركوب البحر للتجارة: يغرّر الرجل بدينه. حـ2.

والتغرير هو التعريض للهلكة. وليس ذلك الا من جهة فوت الصلاة الاختيارية الا ان يوجّه بان المراد هو تعريض النفس للهلكة وهو محرّم فيستلزم التغرير بالدين.(37)

تحريم عمر لركوب البحر

الثالث: ان ركوب السفينة مع انه اعتبر في القرآن من الآيات والنعم فقد حرّمه عمر كما في كتب تاريخ الاسلام السياسي. حتى ان عامله على البحرين حارب قوماً من الفرس بحرياً وارسل اليه الغنائم فأنّبه عمر وعزله. وسأل عمرو بن العاص عن سفر البحر فخوفه من ذلك فمنع الحروب البحرية. حتى ان معاوية استجازهفيها نظراً الى قوة اسطول الروم وكثرة غاراتهم فمنعه عنه حتى أجازه عثمان بعدئذ. والمعروف في التاريخ ان المسلمين أقوياء في الحرب البرية ولا يزالون في تقدم حتى يصلوا البحر. ومن هنا نشأ ضعف المسلمين في اسطولهم البحري وحروبهم البحرية حتى بعد عهد عمر لتأثير اقواله في نفوسهم وان كانت سياسته هذه لم تدم طويلاً الا انها أثرت تأثيراً عميقا وبقيت آثارها بل ومن هنا نشأ التأخر في الحروب الصليبية.

ثم كان من الطبيعي أن يتأيّد هذه السياسة العمرية لانها عمرية بفتاوى فقهية مجعولة.

احداها: ان ماء البحر ليس بطهور من الحدث والخبث ومن الطريف ان هذه فتوى عبد اللّه بن عمر وعبد اللّه بن عمرو بن العاص ونقل عن سعيد بن المسيب ايضاً كما في الخلاف. فكان هذا موجبا للاشكال في ركوب المسلمين البحر كما لا يخفى.

الثانية: اعتبار الاعتماد في الصلاة على الارض تمسكاً بقوله صلى اللّه عليه وآله وسلّم:(جعلت لي الارض مسجداً وطهوراً) فلا يجوز بغير ذلك الا لضرورة.

قال ابن حزم في المحلّى جـ3 ص 100 مسألة 304: (ومن كان راكباً على محمل او على فيل او كان في غرفة او في اعلى شجرة او على سقف او في قاع بئر او على نهر جامد او على حشيش او على صوف أوعلى جلود او خشب او غير ذلك فقدر على الصلاة قائما فله ان يصلي الفرض (الى ان يقول) والعجب كله ممن يحرّم الصلاة (ويقصد الحنفية) كما ذكرنا على المحمل ولم يأت بالنهي على ذلك نصّ).

ولم يتفطن ابن حزم لدليلهم وهو وجوب كون الصلاة على الارض ففي الفقه على المذاهب الاربعة ان الحنفية ذهبوا الى ان شرط صحة الصلاة على الدابة ان تكون للمحمل عيدان مرتكزة في الارض وليس ذلك الا لما ذكرناه.

الثالثة فقدان الطمأنينة في صلاة السفينة وهي المسألة موضع البحث.

الرابعة: الخطر المحدق بالانسان في البحر المعرض للهلاك فهو حرام.

وغايتنا من ذكر هذا الامر هو بيان الوجه في احتياط الائمة عليهم السلام وتجنبهم عن التصريح بتجويز الصلاة في السفينة فكان الامام الصادق ينقل الفتوى في ذلك عن ابيه عليهما السلام وذلك لان ابا جعفر عليه السلام ــ كما ورد في بعض الروايات ــ كان أجرأ على الفتوى لظروفه الخاصة ومكانته المرموقة في المدينة الموجب لاحترام الناس عامة لمقامه الرفيع بل كان عليه السلام يوصي اصحابه ان ينسبوا فتواه الى ابيه.

والعجيب ان الامام الباقر عليه السلام لم يكتف بذكر الفتوى بل استشهد بعمل نوح عليه السلام كما سيأتي ان شاء اللّه تعالى مع انه كان في غنىً عنه.

وبهذا يتبين ان حمل الروايات المانعة على التقية أولى من حملها على استحباب الترك او الكراهة كما صنعه صاحب المدارك.

واما الروايات المجوّزة فهي عدة روايات:

الرواية الاولى رواية جميل بن دراج قال سألت ابا عبد اللّه عليه السلام عن الصلاة في السفينة فقال ان رجلاً اتى ابي فسأله فقال: اني اكون في السفينة والجدد مني قريب فاخرج فاصلي عليه فقال له ابو جعفر عليه السلام اما ترضى ان تصلي بصلاة نوح عليه السلام(38) .

الجدد: شاطئ البحر ومنه اخذت تسمية جدّة لكونها ميناءاً.

والكلام في حيثية سؤال جميل ففي المستمسك ان السؤال لخصوصية في السفينة والمشهور انه من جهة فوت بعض الواجبات. ولعلهم اخذوا ذلك من كتاب تكليف الشلمغاني. وقد ذكرنا مراراً انه هو كتاب فقه الرضا بعينه وكان علماء الشيعة يعتنون به جداً فاستسلم لفتاواه علماء بغداد ولم يردّها علماء قم الا في موضعين واليه يرجع كثير من الاجماعات المدعاة وكان الشلمغاني من كبار الفقهاء وكان من نعم اللّه تعالى ان رمي بالارتداد فسقط كتابه عن الاعتبار والا كان خطر الانسداد محيطاً باجتهاد الشيعة.

ولكن الظاهر ان السؤال من جهة عدم الاعتماد على الارض بقرينة الجوّ الفقهي والمسألة المطروحة لدى العامة وجميل من الرواة الفقهاء اصحاب الرأي نظير زرارة وكان مطلعاً على رأي العامة.

(الرواية الثانية): رواية قرب الاسناد بنفس المضمون وسنده غير معتبر والكلام فيه كما مر(39).

الرواية الثالثة: رواية مفضل بن صالح حـ1888. ومفادها كسابقتها وهي ضعيفة فان مفضل هو ابو جميلة ضعيف كذاب يضع الحديث والتعبير عنها بالموثقة لعله من جهة قبول روايات بني فضال كلها وقد مر الكلام فيه مراراً.

الرواية الرابعة: رواية يونس بن يعقوب وهي في جامع الاحاديث في ذيل الحديث السابق ومفادها نفس المفاد وفي سند الفقيه الى يونس، حكم بن مسكين وهو وان لم يوثق صريحاً الا انه ثقة لنقل البزنطي وابن ابي عمير عنه.

هذه هي الروايات التي استدل بها صاحب المدارك انتصاراً لرأي القدماء واستدل بروايات اخرى ولكنها مجوزة في خصوص صورة الضرورة كرواية ابن سنان وعلي بن جعفر(40) وغيرهما.

وتدل ايضاً على رأي القدماء عبارة الفقه الرضوي حـ1890 وقد عرفت انه كتاب فتوى الشلمغاني وكذا مرسلة الصدوق في الهداية حـ1882 والظاهر انها جمع بين رواية جميل وعبارة الشلمغاني وكيف كان فهي مرسلة.

ومن الروايات ما تمنع عن الصلاة في السفينة في صورة فوت بعض الواجبات وهي رواية حماد بن عيسى قال: سمعت ابا عبد اللّه عليه السلام يسأل عن الصلاة في السفينة فيقول: ان استطعتم ان تخرجوا الى الجدد فاخرجوا فان لم تقدروا فصلوا  قياماً فان لم تستطيعوا فصلوا قعوداً وتحروا القبلة (41) .

وروايات حماد بن عيسى عن الامام الصادق عليه السلام كثيرة في الاصل الا انه طال عمره وكبر سنه فخشي على نفسه الاشتباه فكان يشك في رواياته المسموعة من الامام عليه السلام فيسقط منها الى ان بقي منها قليل.

والظاهر من هذه الرواية بقرينة ذيلها ان موردها خصوص مورد فوت بعض الواجبات في السفينة فحكم عليه السلام بوجوب الخروج الا مع الضرورة وهذه الرواية صحيحة وتجمع بين الروايات فالجواز مختص بحال الضرورة ان استلزم فوت بعض الواجبات والا فهو جائز مطلقا.

وظهر بذلك ان فتوى القدماء بالجواز مطلقا غير صحيح فانهم استندوا الى الروايات المجوزة وهي لا تنظر الى جهة فوت بعض الواجبات بل محط النظر فيها هو عدم الاعتماد على الارض. وظهر ايضاً ان الحمل على التقية والاستحباب لا وجه له اذ لا تنافي بين الروايات.

الصلاة على الدابة

الطائفة الثانية: في الصلاة على الدابة.

لا اشكال في عدم الجواز اختياراً اذا كان موجباً لفوت بعض الخصوصيات. انما الكلام فيما اذا امكن الصلاة مع مراعاة جميع الشروط والاجزاء كما اذا كان على فيل مثلاً فهل تجوز الصلاة اختياراً أم لا؟ المشهور هو الجواز واشكل فيه جماعة من العامة والخاصة كما ذكر في المحلّى والمستمسك. والعمدة في المقام الروايات الواردة والا فسائر الادلة المذكورة ضعيفة جداً.

الفرق بين الفتيا والتعليم

ولابد من ذكر مقدمة قبل نقل الروايات:

وهي ان الروايات قد تكون في مقام القاء الاصول والكبريات الكلية ونعبر عنه بمقام التعليم وقد تكون في مقام بيان الوظيفة الشخصية للسائل ونعبر عنه بمقام الفتيا. وقد ذكر في بعض الروايات ان علينا القاء الاصول وعليكم التفريع. وفي بعض روايات الاستصحاب قال اسحاق بن عمار: قلت: هذا اصل قال : نعم. فاذا كانت الرواية ابتداءاً من المعصوم كانت من قبيل التعليم واما اذا كانت الرواية في جواب سؤال المستفتي فهي من قبيل الفتيا.

ونظيرهما ان مراجع الطبيب قد يكون رجلاً ذا خبرة ولو قليلا فيبين له الطبيب سرّ مرضه وكيفية علاجه مفصلاً وقد يكون من عامة الناس فيسأله الطبيب عن حاله وهو يذكر من الامور العارضة عليه ولا يعلم ما له مدخلية في مرضه عما ليست له مدخلية ويعيّن الطبيب الدواء ولا يبين له ان سبب المرض أي من هذه الحالات فكذلك الفقيه بالنسبة للمستفتي والطالب.

ويختلف المقامان من جهات عديدة:

منها: ان تشخيص الموضوع الواقعي في الفتيا مشكل جداً بخلاف التعليم فان الموضوع مذكور فيه صريحاً.

ومنها: ان الاعتماد على القرينة المنفصلة في التعليم لا بأس به ولكنه في الفتوى مشكل من جهة ان السؤال مقدمة للعمل ومن هنا يكون حمل المطلق على المقيد في الفتوى مشكلاً.

ومنها: ان التعليم يشمل الفرد النادر فيمكن الاخذ باطلاقه من هذه الجهة واما الفتوى فهي محمولة على الفرد المتعارف لظهور السؤال في ذلك. فان الفتوى لا يذكر فيها القيود المفروضة الوجود بالنسبة الى وضع المستفتي ومكانه وزمانه.

ومن هنا لو ورد في رواية من روايات الباب: (لا تصل على الدابّة) فان كان في مقام التعليم اخذ باطلاقه واما ان كان في مقام الفتوى فهو محمول على الدوابّ المتيسرة هناك مما لا يمكن الصلاة عليها جامعة للخصوصيات فلا يشمل الدابة الكبيرة كالفيل مثلاً.

ثم انا نقسم الروايات الى أقسام:

القسم الاول: ما ورد في مقام التعليم:

منها صحيحة عبد الرحمن بن ابي عبداللّه عن ابي عبد اللّه  عليه السلام قال: قال: لا يصلي على الدابة الفريضة الا مريض يستقبل به القبلة.. الحديث(42)

واطلاقها يشمل المتمكن من اتيان خصوصيات الصلاة على الدابة وهي في مقام التعليم فنأخذ باطلاقها.

ومنها رواية ابن سنان عن ابي عبد اللّه عليه السلام: قال: لا تصل شيئاً من المفروض راكباً (قال النضر في حديثه: الا ان يكون مريضاً) (43) .

وقول النضر للجمع بين الاحاديث.

ومثلهما رواية اخرى عن عبد اللّه بن سنان الا انه في مقام الفتوى وفي طريقه احمد بن هلال (حـ1838).

وفي هذه الروايات ثلاث احتمالات:

الاحتمال الاول: ان يكون عنوان الراكب أو الكائن على الدابة مأخوذاً بنحو الموضوعية. وهو الاصل في مقام التعليم كما عرفت الا انه لا اشكال في ان الدابة ليس لها خصوصية وعنوان الراكب يشمل ركوب السفينة وقد عرفت جواز الصلاة فيها فهذا الاحتمال ضعيف.

الاحتمال الثاني: ان يكون مأخوذاً بنحو المعرفية ويكون الموضوع للمانعية واقعاً هو عدم الاعتماد على الارض. ولكنه مخالف لروايات الصلاة في السفينة كما عرفت.

الاحتمال الثالث: ان يكون معرفاً والموضوع هو فقدان الصلاة لبعض الاجزاء والشرائط. وهو الصحيح.

القسم الثاني: ما دل على المنع الا في صورة الضرورة الشديدة وهذا القسم من موارد الافتاء:

منها رواية الحميري قال: كتبت الى ابي الحسن عليه السلام روى ــ جعلني اللّه فداك ــ مواليك عن آبائك ان رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم صلى الفريضة على راحلته في يوم مطير. ويصيبنا المطر ونحن في محاملنا والارض مبتلة والمطر يؤذي. فهل يجوز لنا يا سيدي ان نصلي في هذه الحال في محاملنا او على دوابنا الفريضة ان شاء اللّه. فوقع عليه السلام: يجوز ذلك مع الضرورة الشديدة(44).

والتقييد بالضرورة يدل على عدم الجواز بدونها مطلقا وان لم يستوجب فقدان الاجزاء والشرائط.

ومنها مرسلة ابن بزيع قال: سألته فقلت: اكون في طريق مكة فننزل للصلاة في مواضع فيها الاعراب نصلي المكتوبة على الارض فنقرأ ام الكتاب وحدها أم نصلي على الراحلة فنقرأ فاتحة الكتاب والسورة فقال: اذا خفت فصلّ على الراحلة المكتوبة وغيرها... الحديث(45) .

والظاهر ان الضمير يرجع الى الامام الرضا عليه السلام. وهاتان الروايتان في مقام الفتيا فلا يمكن الاخذ باطلاقهما للقول بالبطلان وان تمكن من الصلاة التامة على الدابة.

القسم الثالث: ما دلّ على المنع مطلقاً وهي من قبيل الفتيا ايضاً.

منها: رواية علي بن احمد بن اشيم عن منصور بن حازم قال: سأله احمد بن النعمان فقال: اصلي في محملي وانا مريض قال: فقال: اما النافلة فنعم واما الفريضة فلا. قال: وذكر احمد شدة وجعه، فقال: انا كنت مريضاً شديد المرض فكنت آمرهم اذا حضرت الصلاة يتنحوا بي فاحمل بفراشي فاوضع فاصلّي ثم احتمل بفراشي فاوضع في محملي (46) .

ويمكن ان يستظهر منه موضوعية الكون على الدابة اذ مورد الكلام الدابة الواقفة مما يوجب التمكن من الاستقرار. ولكن ابن اشيم وان عدّ من اصحاب الرضا عليه السلام الا انه لم يوثق.

ومنها موثقة عمار (في حديث طويل): وعن الرجل تكون عليه صلاة في الحضر هل يقضيها وهو مسافر قال: نعم يقضيها بالليل على الارض فاما على الظهر فلا ويصلي كما يصلي في الحضر(47) .

والتخصيص بالليل لعله من اجل انه وقت الاستراحة غالباً. ولكنها أيضاً من قبيل الفتوى فيحمل على الفرد المتعارف كما عرفت فالصحيح هو صحة الصلاة على الدابة اذا كانت واجدة للشرائط.

الصلاة على الرف بين النخلين

الطائفة الثالثة: في الصلاة على الرّفّ بين النخلين.

صحيحة علي بن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال: سألته عن الرجل هل يصلح له ان يصلي على الرّفّ المعلّق بين نخلتين. قال: ان كان مستوياً يقدر على الصلاة عليه فلا بأس (48) .

استوى أي اعتدل واستقام. استوى على ظهر الدابة أي استقر. واستقر بالمكان اي ثبت. فالاستواء بمعنى الثبات وعدم كونه معرضاً للوقوع لا عدم الحركة وهذا يكون في بعض انواع الرف وهو المثبت بالمسامير أو المربوط بالحبال دون ما كان مستنداً الى حافة النخل فقط.

ولذا استدل المحقق الهمداني بهذه الرواية على عدم وجوب استقرار المكان في الصلاة فان الرف على احد الوجوه المذكورة ليس فيه ثبات. ولا أقل من الاطلاق. نعم لو كان الاضطراب موجباً لفقدان بعض الاجزاء والشرائط لم تجز الصلاة.

الصلاة على الحنطة والشعير

الطائفة الرابعة: في الصلاة على الحنطة والشعير.

منها صحيحة علي بن يقطين قال: سألت ابا الحسن الماضي  عليه السلام عن الرجل يكون في السفينة هل له ان يضع الحصر على المتاع أو القتّ او التبن أو الحنطة أو الشعير واشباهه ثم يصلي عليه فقال: لا بأس(49) .

ومنشأ السؤال الاضطراب الناشئ من عدم توازن الحنطة والشعير واشباههما مما يوجب حركة المصلي ولو قليلا فاجاب عليه السلام بالجواز.

ومنها: رواية احمد بن عائذ عن عمر بن حنظلة قال: قلت لابي عبد اللّه عليه السلام: يكون الكدس من الطعام مطيناً مثل السطح قال: صلّ عليه (50) .

وهذه الرواية خارجة عن محل الكلام لانه فرض الطعام مطينا فلا اضطراب فيه ولعل السؤال من جهة الهتك.

في معنى قول الشيخ (اسند عنه)

وسندها معتبر عندنا فان عمر بن حنظلة ثقة لرواية صفوان وابن ابي عمير عنه. واحمد بن عائذ ثقة كوفي سكن بغداد. وقد قال فيه الشيخ قدس سره: اسند عنه. وقد كرر الشيخ هذه العبارة في عدة موارد.

واشكل على الاصحاب فهم مراده وقد ذكروا وجوها لضبطها ومعناها والسيد الخوئي ايده اللّه بعد ان ردّ جميع المعاني. قال: انا لا نعلم لها معنىً محصّلاً والشيخ اعلم بما قال.

والصحيح ان هذه العبارة في قبال عبارة (روى عنه) وان الرواة غالباً كانوا يروون الاحاديث موقوفاً على الامام وبعضهم كان يسند عنه الى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم وهم جماعة قليلة وقليلاً ما كان الامام يذكر السند الى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم وانما ذكروا كما في بعض الروايات ان ما نقوله عن آبائنا عن رسول اللّه عن جبرئيل عن اللّه تعالى، وذلك لمشكلة اجتماعية كانت في ذلك العصر حول الاحاديث المسندة الى الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلّم وهذا بخلاف ما ظاهره الافتاء. ولكن جماعة من الرواة رووا عدة روايات عنهم مسنداً الى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم فكان علماء العامة يقبلون روايات هذه الجماعة اذا اعتمدوا على وثاقتهم كمحمد بن مسلم وجابر بن يزيد وابراهيم بن يحيى.

ومما يشهد لما ذكرنا ان الشيخ (قدس سره) قال في ترجمة جابر: اسند عنه وروى عنهما. والمراد بالاول الامام الصادق عليه السلام.

واما ما قالوا في معنى العبارة: ان المراد ان الاجلاء رووا عنه فيقرأ بالمجهول. او روى عنه بلا واسطة. أو روى عنه ابن عقدة، كل ذلك لا محصل له. واغرب من الكل ما في قاموس الرجال من ان المراد: تفرّد به. ومنشأ توهمه ان بعض العامة قال في ذيل حديث ان فلاناً تفرد به. وهو ممن قال فيه الشيخ هذه العبارة. وفساد هذه الوجوه غير خفي.

وهناك روايات تمنع عن الصلاة على الحنطة والشعير وهي كثيرة.

منها: رواية هشام بن سالم قال: سألت ابا عبد اللّه عليه السلام عن صاحب لنا فلاّحاً يكون على سطحه الحنطة والشعير فيطأونه ويصلون عليه قال فغضب وقال: لولا اني أرى انه من اصحابنا للعنته (51).

وفي سندها محمد بن علي وهو ابو سمينة الكذاب الوضاع الملعون ولعل وجه المنع هو هتك الطعام.

الصلاة على الارض السبخة

الطائفة الخامسة: في الصلاة على الارض السبخة.

وقد ورد المنع عنها في عدة روايات معللا بعدم التمكن من السجود وعدم الاستقرار في موضع السجدة(52) . ولكن من الواضح قيام سيرة المتشرعة على الصلاة في الارض الرملية مع وجود العلة فيها فيعلم ان الاستقرار في الصلاة بهذا المقدار غير معتبر.

فتحصل من مجموع ما ذكرنا انه لا يعتبر في الصلاة كونه على الارض ولا كون المكان قاراً. نعم لا تجوز اذا كان الاضطراب مفوّتاً لبعض الشرائط أو الاجزاء. والعمدة في دليل الطمأنينة هو الاجماع كما سيأتي في افعال الصلاة ان شاء اللّه والمتيقن منه عدم جواز تحريك المصلي جسمه اما تحركه بتبع حركة المكان فلا دليل على مانعيته بل مقتضى هذه الأدلة عدم المانعية.

 

قال المصنف: نعم مع الاضطرار ولو لضيق الوقت عن الخروج من السفينة مثلا لا مانع.

 

الكلام في ان المراد بالوقت هنا هل هو في الجملة أو بالجملة؟

وقد ذكرنا سابقاً في الصلاة حال الخروج من الارض المغصوبة انه لا تجوز الصلاة الاضطرارية في هذه الحال اذا كان متمكناً من ادراك ركعة خارج الوقت لقصور ادلة البدلية.

وهذا لا يجري في ما نحن فيه لعدم التمكن تكويناً من الركوع والسجود في السفينة فلا قصور لادلتها بخلاف تلك المسألة فانهما ممكنتان هناك تكويناً وانما المانع عنهما هو حرمة التصرف.

وعليه فاذا كان يدرك تمام الوقت خارج السفينة خرج منها والاّ صلّى فيها وان كان يدرك ركعة خارجها.

 

المسألة 25 : لا تجوز الصلاة على صبرة الحنطة وبيدر التبن وكومة الرمل مع عدم الاستقرار وكذا ما كان مثلها.

 

قال السيد الحكيم (قدس سره): (مع عدم الاستقرار وجهه ظاهر).

وقد عرفت ان مقتضى صحيحة علي بن يقطين صحة الصلاة عليها.

 

قال المصنف: (الثالث) ان لا يكون معرضاً لعدم امكان الاتمام.

 

وكأن الوجه فيه وجوب القطع بانطباق المأمور به على المأتي به والا لم يتمشّ قصد القربة.

وفيه كفاية احتمال الانطباق في تحقق قصد القربة لحصول الانقياد الموجب للتقرب حتى لو لم يتم.

 

قال المصنف: الرابع: ان لا يكون مما يحرم البقاء فيه كما بين الصفين من القتال.

 

وفيه ان التعريض للخطر وان كان حراماً الا انه لا يتحد مع الاكوان الصلاتية وقد عرفت ان الاقوى صحة الصلاة حتى مع الاتحاد كالغصب.

ومنه يعلم الاشكال في الشرط الخامس وهو ان لا يكون مما يحرم الوقوف والقيام عليه من جهة صدق عنوان الهتك كقبر المعصوم.

موارد الدوران في صلاة المضطر

قال المصنف: السادس: ان يكون مما يمكن اداء الافعال فيه بحسب حال المصلي، فلا تجوز الصلاة في بيت سقفه نازل بحيث لا يقدر فيه على الانتصاب او بيت يكون ضيقا بحيث لا يمكن فيه الركوع والسجود على الوجه المعتبر. نعم في الضيق والاضطرار يجوز ويجب مراعاتها بقدر الامكان. ولو دار الامر بين مكانين في احدهما قادر على القيام لكن لا يقدر على الركوع والسجود الا موميا وفي الآخر لايقدر عليه ويقدر عليهما جالساً فالاحوط الجمع بتكرار الصلاة، وفي الضيق لا يبعد التخيير.

 

هذا الشرط ليس من شرائط المكان بل من توابع الافعال.

ولا كلام في أصل المسألة وانما الكلام في صورة دوران الامر بين الحالتين. وقد تكررت هذه المسألة بصورة اخرى في رقم 17 من مسائل القيام ورأي السيد المصنف (قدس سره) واحد في الموضعين وقد اختلفت بعض الحواشي فيهما فقال المحقق النائيني (قدس سره) في هذه المسألة ان المتعين هو الجلوس وفي مسألة القيام ان المتعين هو القيام والايماء وكذلك اختلفت حاشية السيد الخميني أيده اللّه وبعض الحواشي الأخر. وهناك من لم يعلق هنا اصلاً فظاهره اختيار التخيير تبعاً للسيد المصنف واختار هناك احد الامرين. وامر هذا الاختلاف مع وحدة المسألة غريب جداً. وقد تنبه لاختلاف تعليقة المحقق النائيني السيد الخوئي ايده اللّه.

والاحتمالات في المسألة ثلاثة:

الاحتمال الأول: تعيّن القيام مع الايماء. واختاره جماعة ونسبه صاحب الحدائق الى الاجماع. ونقل صاحب الرياض دعوى الاجماع من جماعة وانكر عليهما صاحب الجواهر والمحقق الهمداني قدس سرهما بدعوى عدم تعرض الاصحاب وخفاء المدرك.

أما المدرك فسيأتي بيان وضوحه، واما عدم التعرض فصحيح فان اول من تعرض له المحقق الثاني ثم كاشف اللثام قدس سرهما ولم يذهبا الى هذا القول. نعم يستفاد من كلام العلامة قدس سره في بعض المسائل المشابهة في كتاب (النهاية) دعوى الاجماع على اختيار القيام. وتوهم ذلك بعضهم من عبارة المنتهى ايضاً. وفيه نظر.

الاحتمال الثاني: تعين الجلوس مع الركوع والسجود. واختاره كاشف اللثام وقواه صاحب الجواهر والمحقق الهمداني قدس الله اسرارهم.

الاحتمال الثالث: التخيير بينهما. واحتمله المحقق الثاني واختاره المصنف قدس سرهما والسيد الخوئي أيده اللّه تعالى.

ويمكن الاستدلال للاول بوجوه:

الوجه الاول: الاجماع المدعى في الحدائق والرياض.

وقد عرفت ما فيه مضافاً الى ان دعوى الاجماع في كتب المتأخرين في المسائل التفريعية لا قيمة لها. بل حتى دعواه من القدماء في المسائل الاصلية ليست الا منبهة للبحث عن الدليل.

الوجه الثاني: ان المسألة داخلة في باب التزاحم ويتقدم القيام لتقدمه زماناً فلا يجوز تركه مع القدرة عليه ابتداءاً.

ويبتني هذا الوجه على القول بكون التقدم الزماني من المرجحات ولو كان المتأخر أهم كما هو المدعى في الركوع والسجود وهو غير صحيح كما ذكرناه في الاصول.

الوجه الثالث: التمسك بصحيحة جميل: (أنه سأل أبا عبدالله عليه السلام: ما حدّ المريض الذي يصلي قاعدا فقال: ان الرجل يوعك فيحرك ولكنه أعلم بنفسه اذا قوي فليقم) (53) واذا زمانية فتدل على وجوبه اذا قدر عليه مطلقاً.

وفيه ان هذه الصحيحة في مقام بيان الحدّ الذي يتبدل الواجب فيه من القيام الى الجلوس فلا ربط لها بهذه المسألة.

ويمكن ان يستدل للثاني بوجوه:

الوجه الاول: ان الركوع والسجود اهم من القيام لما في الحديث: الصلاة ثلاثة اثلاث: ثلث طهور وثلث ركوع وثلث سجود(54) وما روي من ان اول صلاة احدكم الركوع (55) ولا ينافيه كون التكبيرة مفتتح الصلاة او ان اول الصلاة الوضوء لان المراد بهما المشارفة للدخول في حقيقة الصلاة التي تبتدئ من الركوع، بل قد عبر في بعض الروايات عن مجموع الركوع والسجود بالصلاة.

ففي صحيحة عبد الله بن سنان قال : قال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : إن الله فرض من الصلاة الركوع والسجود، ألا ترى لو أنّ رجلاً دخل في الإسلام لا يحسن أن يقرأ القرآن أجزأه أن يكبّر ويسبّح ويصلّي. (56) وورد في مرسلة حريز في صلاة الميت انها لا تحتاج الى الطهارة ويجوز ان تصليها الحائض لانها ليست ذات ركوع وسجود. (57)

والجواب عنه ما ذكره السيد الخوئي ايده اللّه من عدم كون هذه المسألة ونظائرها داخلة في باب التزاحم فانه يختص بالواجبات الاستقلالية لان الاهمية انما تلاحظ باعتبار وجوب الاطاعة وحرمة العصيان. وقد ذكرنا في محله ان الاهمية تابعة لشدة العقوبة وخفتها والعقوبة في المركبات مختصة بترك المجموع.

الوجه الثاني: التمسك بما ورد من انه اذا اجتمعت الفريضة والسنة بدئ بالفريضة ومورد الرواية هو دوران الامر بين الوضوء وغسل الميت فحكم الامام عليه السلام بتقديم الوضوء لانه فريضة ومنه يعلم عدم اختصاص هذا الوجه بالتكاليف الاستقلالية فيشمل ما نحن فيه. والركوع والسجود من الفريضة بحكم صحيحة لا تعاد. واما القيام حال القراءة فليس ركناً قطعاً وانما الكلام في القيام حال تكبيرة الاحرام وقد ورد في موثقة عمار ان من نسي فكبر جالساً ووظيفته القيام او العكس وجب عليه الاعادة ومقتضى هذه الموثقة ان القيام ركن لمن وظيفته القيام والسجود ركن لمن وظيفته السجود فلم يثبت كونه فريضة. واما القيام المتصل بالركوع فهو من شؤون الركوع فانه لا يتحقق الا بالانحناء من قيام لا انه ركن بنفسه.

والجواب عنه: ان قوله تعالى: (الذين يذكرون اللّه قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم)(58) يدل على كونه فريضة من اللّه بضميمة تفسيرها في رواية ابي حمزة المعتبرة ظاهراً عن ابي جعفر عليه السلام (في قول اللّه عز وجل: (الذين يذكرون اللّه قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم) قال: الصحيح يصلي قائماً وقعوداً (و) المريض يصلي جالساً وعلى جنوبهم الذي يكون اضعف من المريض الذي يصلي جالساً) (59) حيث طبق الامام عليه السلام الآية المباركة على حالات المصلي فيدلّ على أن المراد بها في الآية نفس هذه الحالات المختلفة او ما يشملها ومعنى ذلك أن القيام وأبداله من الفرائض.

الوجه الثالث: التمسك بقوله عليه السلام: ما من شيء حرمه اللّه الا وقد احله لمن اضطر اليه. وهو لا يختص بالتكاليف الاستقلالية لما ورد من تطبيقه في موارد التكاليف الضمنية، بل يمكن القول بان الصلاة اسم للركوع والسجود بمقتضى قوله عليه السلام: الصلاة ثلاثة اثلاث ثلث طهور وثلث ركوع وثلث سجود. وقد ذكرنا مراراً ان المضطر اليه لا يتعين في موارد الاضطرار الى احد أمرين أو امور الا بمتمم الجعل التطبيقي. وانه يصدق على ما هو اخف ضرراً قطعاً واحتمالاً وحيث ان الركوع والسجود اهم من القيام فترك القيام اخف ضرراً من تركهما فهو المضطر اليه الجائز. ويبقى الكلام في تعلق الامر بما بقي، وهو يستفاد من اطلاقات الامر بالصلاة بضميمة تفسيرها بالاثلاث والمفروض بقاء الركوع والسجود.

والجواب عنه: منع اهمية الركوع والسجود من القيام لما سيأتي من الدليل الخاص.

اما القول بالتخيير فالعمدة فيه ما ذكره السيد الخوئي ايده اللّه من ان المسائل الدورانية لا تدخل في باب التزاحم لاختصاصه بالتكاليف الاستقلالية ليكون لكل من الامرين اطاعة وعصيان مستقل اما التكاليف الضمنية فلا يأتي فيها القول بالتزاحم لان الامر بالمركب يسقط بعدم التمكن من بعض اجزائه.

الا ان في ما نحن فيه بحثا آخر ينشأ من القطع بعدم سقوط المركب في الجملة لما دل من ان الصلاة لا تسقط بحال فنقطع ان أمراً بمركب آخر متوجه الينا فلابد من تشخيصه بمراجعة أدلة الاجزاء والشرائط فان كان دليل احد المتزاحمين قاصراً عن شمول مورد التزاحم لعدم الاطلاق فيه سقط واخذ بالآخر. وان كانا شاملين فان كان احدهما بالعموم والآخر بالاطلاق قدم الاول وان كانا مطلقين كان النسبة بينهما عموماً من وجه فيتعارضان في هذا المورد للعلم بان احدهما في خصوص هذا المقام ليس جزءاً فيسقط الاطلاقان والمرجع الاصول. وحيث ان الامر دائر بين التعيين والتخيير ومقتضى الاصل البراءة من الخصوصيتين فالحكم هو التخيير ومنه ما نحن فيه.

وللبحث في دخول المسائل الدورانية في باب التزاحم او التعارض وفي ما ذكره من التفصيلات مجال آخر. الا ان الكلام هنا في ان هذه المسألة وان لم تكن داخلة في باب التزاحم الا ان الاطلاق الذي ادّعاه في دليل القيام ودليل الركوع والسجود مناف لما مرّ من أدلة تقدمهما عليه وما سيأتي من تقدمه عليهما. ولو فرضنا تسليم المبنى فالأدلة الخاصة التي سنذكرها كافية في المقام. مضافاً الى ان الدليلين الاخيرين للقول الثاني لا يبتني على التزاحم وحيث انه يسلّم اهميتهما بالنسبة الى القيام فلابد ان يختار القول الثاني.

والصحيح هو القول الاول للأدلة الخاصة وهي كما يلي:

الرواية الاولى: صحيحة علي بن يقطين عن ابي الحسن عليه السلام قال: سألته عن السفينة لم يقدر صاحبها على القيام أيصلي فيها وهو جالس يومي او يسجد قال يقوم وان حنى ظهره (60) .

المفروض في هذه الرواية انه لو جلس اما يسجد او يومي فهو في الفرض الثاني غير قادر على السجود من جهة الاضطراب وحكم الامام عليه السلام في نفس هذا الفرض بوجوب القيام وان كان منحنياً من شدة الاضطراب. واطلاقه يقتضي ان يكون القيام ولو مومياً اولى من الجلوس وان سجد فان من كان غير قادر على السجود جالساً لا يتمكن منه قائماً بطريق اولى. (61) فان قلت ان الامر في مفروض الصحيحة دائر بين القيام والسجود والكلام في ما دار الامر بينه وبين الركوع والسجود معاً.

قلت الوجوه المذكورة لترجيح الركوع أو السجود او التخيير لا فرق فيها بين كون الامر دائراً بين القيام وكليهما او احدهما فهذه الرواية تدل على اهمية القيام مطلقا.

الرواية الثانية: صحيحة الحلبي عن ابي عبد اللّه عليه السلام: قال سألته عن المريض اذا لم يستطع القيام والسجود قال يومي برأسه ايماء وان يضع جبهته على الارض احب اليّ (62).

وفيها احتمالان: الاول: عدم التمكن منهما معاً أي الجمع بينهما فالمراد بوجوب الايماء هو الايماء قائماً. الثاني عدم التمكن من شيء منهما. وعلى الاول تكون شاهدة لنا لترجيح القيام ايماءً على السجود ويرجح هذا الاحتمال ان الامام عليه السلام لم يذكر الجلوس فلو كان السؤال في صورة عدم التمكن من شيء منهما كان الوظيفة هو الجلوس والايماء.(63);

الرواية الثالثة: عدة روايات دلت على ان القادر على القيام يقوم والا فيجلس(64) ومقتضاها تقدم القيام على الجلوس وان كان متمكنا من الركوع والسجود حاله دون حال القيام.

وقد اعترض المحقق الهمداني (ره) بان المراد بالقيام هو المتعارف للانصراف والمتعارف منه ما يكون مع التمكن منهما.

والجواب ان الصلاة قائماً قد يكون مع الايماء كصلاة العاري وقد يكون مع الركوع والسجود فعدم التقييد في مقام الفتيا مع كون المصلي في معرض عدم القدرة عليهما لورود بعضها في السفينة قبيح فدعوى الانصراف او عدم الاطلاق لا وجه لها.(65)

الرواية الرابعة صحيحة حماد بن عثمان عن ابي عبد اللّه عليه السلام (قال سئل عن الصلاة في السفينة فقال يستقبل القبلة (الى ان قال): فان امكنه القيام فليصل قائماً والا فليقعد ثم ليصلّ)(66)

والمتعارف في صلاة السفينة هو الايماء بل قد ورد في بعض الروايات (ان الصلاة في السفنية ايماء)(67) فيمكن دعوى ان المراد بتقدم القيام في الرواية هو خصوص صورة الايماء فيكون في قبال قول ابي حنيفة القائل بسقوط القيام اذا لم يكن قادراً على الركوع والسجود. ومقتضى هذه الرواية تقدم القيام مطلقا على الجلوس مطلقاً.(68)

الرواية الخامسة: صحيحة معاوية بن عمار: (وفيها) تصلي قائماً فان لم تستطع فصل جالساً(69) وموردها صلاة السفينة ايضاً .وقوله عليه السلام فان لم تستطع مطلق أي حتى مع الايماء لاطلاق قوله تصلي قائماً فيدل على المطلوب.

الرواية السادسة: صحيحة حماد بن عيسى بنفس المضمون(70) .

الرواية السابعة: صحيحة عبد اللّه بن سنان بنفس المضمون ايضا(71) .

الصلاة متقدما على قبر المعصوم

قال المصنف: السابع ان لا يكون متقدماً على قبر معصوم ولا مساوياً له.

 

أول من افتى بذلك الشيخ البهائي ثم المجلسي قدس سرهما وتبعهما صاحب الحدائق وبعض المتأخرين وليس بين القدماء ذكر عنه. واستدلوا بروايتين:

الاولى: ما رواه الشيخ قدس سره باسناده عن محمد بن احمد بن داود عن ابيه قال حدثنا محمد بن عبد اللّه الحميري قال: كتبت الى الفقيه عليه السلام اسأله عن الرجل يزور قبور الائمة عليهم السلام: هل يجوز له أن يسجد على القبر أم لا (الى ان قال) وهل يجوز أن يتقدم القبر ويصلي ويجعله خلفه أم لا فاجاب وقرأت التوقيع ومنه نسخت (الى ان قال): واما الصلاة فانها خلفه، يجعله الامام، ولا يجوز ان يصلي بين يديه لان الامام لا يتقدم ويصلي عن يمينه وشماله(72) .

في من لم يذكر الشيخ سنده في المشيخة وذكره في الفهرست

والكلام في سنده ودلالته. اما السند فقد ضعفه المحقق قدس سره وناقشوا فيه. وقد ذكر الاردبيلي (قدس سره) في جامعه ان سند الشيخ الى ابن داود صحيح في المشيخة والفهرست. ولكنه لم يذكر سنده اليه في المشيخة ومجموع من ذكر الشيخ اسانيده اليهم في المشيخة 34 شخصاً وقد نسب الاردبيلي اليه 74 شخصاً مع انه لم ينقل منهم اربعة فموارد هذا الاشتباه منه 44 شخصاً ونسخ المشيخة متواترة ولعل منشأ اشتباهه الخلط بين مسوداته ممن نقلهم عن مشيخة الصدوق بمن نقلهم عن مشيخة الشيخ فان اكثر من ذكرهم موجودون في مشيخة الصدوق ويحتمل في موردين ان يكون منشأ الاشتباه النقل من نقد الرجال بتوهم انه ينقل من مشيخة الشيخ مع انه ينقل منها ومن الفهرست. والعجيب ان الشيخ النوري (قدس سره) لم ينتبه لاشتباهه الا في موردين والسيد البروجردي (قدس سره) مع انتقاده عنه في المقدمة لم ينتبه اليه اصلا.

واما سنده اليه في الفهرست فصحيح. الا ان الكلام في انه هل يعتمد على صحة سنده فيه لتصحيح ما يرويه في التهذيبين مع انه لم يذكره في المشيخة أم لا؟ واعتمد على ذلك الشيخ البهائي والتفريشي والميرزا (قدس اللّه أسرارهم) وناقش في ذلك السيد البروجردي قدس سره في مقدمة جامع الرواة بان الفهرست لم يوضع لاخراج الروايات من الارسال وانما هو مختص بالمشيخة وهذا المقدار لا يكفي في الاعتراض فان الامر لا يدور مدار القصد.

والشيخ حينما يذكر سنده الى احد الرواة في الفهرست يقول: اخبرنا بجميع رواياته وكتبه فالاستدلال بصحة ما يرويه في التهذيبين اما باعتبار دخوله في رواياته واما باعتبار دخوله في كتبه.

أما الاول فلان ظاهر هذه العبارة ان كل رواية يكون هذا الراوي في سندها فهي منقولة للشيخ بهذا الطريق فان صح الطريق صحت جميع رواياته وان كان السند اليها في كتابه بل في سائر الكتب ضعيفاً.

والجواب عنه اولاً ان المراد برواياته ليس كل ما يروى عنه خارجاً فان الشيخ يذكر هذه العبارة في الطبقة السادسة فما بعد وكان المتعارف بينهم ان اصحاب الاجازات كانوا يجيزون كتبهم التي الفوها وكتب مشايخهم التي يروونها فاجازة الروايات عبارة عن اجازة الكتب المروية كما يظهر ذلك من مقدمة الفهرست.

وثانياً ان المراد بالروايات لو كانت الروايات الخارجية فان كان المراد الروايات الصادرة عنه واقعاً فكون هذه الرواية من رواياته اول الكلام في ما نقل بسند ضعيف فالتمسك بهذه الجملة لاثبات كونها من رواياته دوري او تمسك بالعام في الشبهة المصداقية وان كان المراد كل ما روي عنه فهو غير معقول اذ لا يمكن للراوي تصحيح الروايات التي سينقل باسمه بعده بل المراد ما يرويه الشيخ عنه وهذا واضح فالمراد بهذه العبارة بيان ان كل ما يرويه عنه فهذا سنده.

واما الثاني أي تصحيح الرواية باعتبار دخوله في كتبه فانما هو باستظهار ان اول من يذكره في الرواية هو صاحب الكتاب المنقول عنه الرواية.

والجواب عنه ان الشيخ يبتدئ بذكر من كان باعتقاد الراوي له صاحب الكتاب الاصلي وان كان مستند الشيخ كتاباً آخر فقد يكون مستنده الكافي ولكنه ينقله عن زرعة وان لم يكن لديه كتاب زرعة باعتبار ان الكافي ينقله عن كتاب زرعة. ولذا يقول في ترجمة احمد بن محمد بن عيسى ان ما رويته عن كتاب نوادره فسنده كذا وكذا مع انه لا يختص رواياته عنه بنوادره فمعناه أنه في سائر الموارد يرويها عن كتاب الكليني وسعد وغيرهما. والحاصل ان التمسك بهذه الجملة انما يفيد في ما اذا علمنا بوجود كتابه عنده او يكون سنده الى جميع الكتب التي يحتمل اخذه منها صحيحاً.

والمقام من هذا القبيل فان الظاهر وجود كتاب ابن داود في المزار عنده لقوله في ترجمته: له كتاب مزار كبير حسن. والتوصيف بالحسن لا يكون الا بالرؤية والملاحظة. ولانه ينقل عنه في المزار كثيراً وانما لم ينقل سنده اليه في المشيخة لانهم لم يكونوا يهتمون بروايات المزار للتسامح في ادلتها ولذا روى ادعية المصباح مرسلاً.(73)

تواقيع الناحية المقدسة

ثم ان المحقق الهمداني قدس سره اعترض على هذه الرواية بانها مرسلة لعدم امكان نقل الحميري بلا واسطة عن الفقيه الذي يراد به حسب المتعارف الامام الكاظم عليه السلام.

ولكن هذا غير محتمل فان المراد به الناحية المقدسة قطعاً بقرينة ما ذكره النجاشي والشيخ في الغيبة ان من كتب ابي جعفر القمي محمد بن عبد اللّه الحميري هو كتبه الى صاحب العصر عجل اللّه فرجه وهو ظاهر قوله في هذه الرواية (كتبت الى الفقيه) وبقرينة رواية ابن داود الذي هو راوي هذه الكتب الا ان الكلام في ان المراد به هل هو نفس الامام عجل اللّه فرجه او حسين بن روح النوبختي رضي اللّه عنه. ومنشأ الاحتمال الاول قول النجاشي فيه انه كان له مكاتبات مع الامام عجل اللّه فرجه ومنشأ الاحتمال الثاني ان الشيعة كانت تراجع النواب الاربعة في زمان الغيبة الصغرى والمستفاد من كتاب الغيبة للشيخ الطوسي قدس سره ان الاجابات كان بعضها بواسطة النواب من قبل الامام عليه السلام وبعضها كانت من النواب وانهم كان لديهم جماعة من الفقهاء يبحثون في المسائل الواردة وانما كانت المراجعة مع الامام عليه السلام في المسائل المستعصية.

ففي كتاب الغيبة للشيخ قدس سره ص185 قصة طويلة لابي غالب الزراري وفيها: (فقلت له: قد ساءني تأخر الجواب عني فقال: لا يسؤك هذا فانه احبّ لي ولك وأومأ اليّ ان الجواب ان قرب كان من جهة الحسين بن روح رضي اللّه عنه وان تأخر كان من جهة الصاحب عليه السلام).

وفيه ص229: (نسخة الدرج مسائل محمد بن عبد اللّه بن جعفر الحميري.(الى ان يقول في ص230) وقِبَلك أعزك اللّه فقهاء انا محتاج الى اشياء تسأل لي عنها (ثم يقول في ص231): فرأيك ادام اللّه عزك بالتفضل علي بمسألة من تثق به من الفقهاء عن هذه المسائل (ثم يقول في ص232): واحتجت ادام اللّه عزك ان تسأل لي بعض الفقهاء.

وهذه كلها شواهد على ان الجواب كان من الفقهاء المحيطين بالحسين بن روح رضي اللّه عنه. ومن الشواهد ايضاً أول الحكاية ص228: اخبرنا جماعة عن ابي الحسن محمد بن احمد بن داود القمي قال: وجدت بخط احمد بن ابراهيم النوبختي واملاء ابي القاسم حسين بن روح على ظهر كتاب فيه جوابات ومسائل انفذت من قم يسأل عنها هل هي جوابات الفقيه عليه السلام او جوابات محمد بن علي الشلمغاني لانه حكي عنه انه قال: هذه المسائل انا اجبت عنها فكتب اليهم على ظهر كتابهم. بسم اللّه الرحمن الرحيم قد وقفنا على هذه الرقعة وما تضمنته فجميعه جوابنا ولا مدخل للمخذول الضال المضل المعروف بالعزاقري لعنه اللّه في حرف منه.

وهذا الكلام يشهد على ان الاجابات من الحسين بن روح لقوله (واملاء الحسين بن روح) ولو تنزلنا فالشك كاف في عدم الحجية لان الشك في الحجية مساوق للقطع بعدمها.

فان قلت: يكفي في الحجية كونه فتوى حسين بن روح رضي اللّه عنه فانه النائب الخاص.

قلت: ليس كذلك وليس هو معصوماً ولا حجية في فتواه وهو الذي اشرف على تأليف كتاب التكليف للشلمغاني وصححه واراد بذلك ان يكون الكتاب الرسمي للشيعة واعترف بصحته علماء بغداد ولم يناقش فيه علماء قم الا في موردين واليه يرجع اكثر الاجماعات المدعاة. ومع ذلك فقد خالفه في عصره بعض العلماء وافتوا برأيهم كالكليني قدس سره.

هذا كله مضافاً الى ان هذه الرواية معرضة عنها. وقد اجاب عنه في المستمسك بان اعراضهم لعله من جهة الخدشة في الدلالة وان المراد بها هو الكراهة.

ولكن المشهور ليس هو الكراهة كما توهم بل ان بعضهم لم يتعرضوا له وبعضهم صرحوا بعدم جواز الصلاة الى قبورهم عليهم السلام ففي مفتاح الكرامة جـ1 ص215: (وفي المقنعة: قيل لا بأس بالصلاة الى قبلة فيها قبر امام والاصل ما ذكرناه (وهو عدم الجواز) ويصلي الزائر مما يلي الرأس (الى ان يقول) وفي النهاية والمبسوط رواية الصلاة الى قبره وحملها على النافلة ثم احتاط بتركها وفي التذكرة ونهاية الاحكام روي جواز النوافل الى قبورهم عليهم السلام والشيخ احتاط بالترك وفي الدروس والبيان والروضة يكره ولو الى قبر معصوم وهو ظاهر المعتبر حيث ردّ رواية الحميري وفي ارشاد الجعفري ان الاكثر على الكراهة الى قبور الائمة عليهم السلام والمفيد كرهها عند قبورهم عليهم السلام). ومن هنا يظهر ان الرواية مطروحة عند القدماء.

الرواية الثانية ما رواه ابن قولويه في كامل الزيارات عن محمد بن عبد اللّه بن جعفر الحميري عن ابيه عن علي بن محمد بن سالم عن محمد بن خالد عن عبد اللّه بن حماد عن عبد اللّه الاصم عن هشام بن سالم عن ابي عبد اللّه عليه السلام (في حديث طويل) قال: اتاه رجل فقال له يابن رسول اللّه هل يزار والدك؟ قال: نعم فقال: وتصلى عنده؟ قال: تصلّى خلفه ولا يتقدم عليه.(74)

البحث في علي بن محمد بن سالم وعبدالله بن حماد وعبدالله بن عبدالرحمن الاصم

 

وعلي بن محمد بن سالم لم يذكر في كتب الرجال، ومحمد بن خالد هو البرقي، وعبد اللّه بن حمّاد قال فيه النجاشي: من شيوخ اصحابنا وقال ابن الغضائري: يكنّى أبا محمد نزل قم لم يروعن الائمة عليهم السلام وحديثه نعرفه تارة وننكره اخرى ويجوز ان يخرج شاهداً. وأما عبد اللّه الاصم فقد قال فيه النجاشي: عبد اللّه بن عبد الرحمن الاصم المسمعي بصري ضعيف غال ليس بشيء روى عن مسمع كردين وغيره، له كتاب المزار سمعت ممن رآه فقال لي هو تخليط. وقال ابن الغضائري: عبد اللّه بن عبد الرحمن الاصم المسمعي ابو محمد ضعيف مرتفع القول وله كتاب في الزيارات ما يدل على خبث عظيم ومذهب متهافت وكان من كذابة اهل البصرة.

وروايات الاصم في ثواب الزيارات عجيبة منكرة. وقد ردّ حديثه السيد الخوئي ايدّه اللّه لمعارضة توثيق ابن قولويه باعتبار وروده في أسناد كامل الزيارات بتضعيف النجاشي.

البحث عن وثاقة من في اسناد كامل الزيارات وتفسير القمي

 

والكلام هنا في هذا التوثيق وقيمته العلمية في معرفة الرجال.

ويقع البحث في جهات:

الجهة الاولى في محتملات عبارة ابن قولويه حيث ذكر في المقدمة بناءاً على نقل المحدث النوري رحمه اللّه في المستدرك: (وقد علمنا انا لا نحيط بجميع ما روي عنهم عليهم السلام في هذا المعنى ولا في غيره لكن ما وقع لنا من جهة الثقات من أصحابنا رحمهم اللّه برحمته ولا اخرجت فيه حديثاً روي عن الشذاذ من الرجال يؤثر ذلك عنهم غير المعروفين بالرواية المشهورين بالحديث والعلم) وفي معجم رجال الحديث: (يؤثر ذلك عنهم عن المذكورين غير المعروفين الخ) (75) .

وفي هذه الجملة ثلاث احتمالات:

الاحتمال الاول: ما ذكره الحرّ العاملي رحمه اللّه وتبعه جماعة منهم السيد الخوئي ايده اللّه وهو ان كل من وقع في اسناده فهو ثقة عنده.

الاحتمال الثاني: ما ذكره المحدث النوري رحمه اللّه من انه توثيق لمشايخه بلا واسطة.

الاحتمال الثالث: وهو الصحيح ان المراد انه لا ينقل عن الشواذ الا ما رواه عنهم المعروفون بالعلم والرواية فهو يروي عن المعروفين كل ما رووه وان كان في سنده ضعيف او مجهول او كان مقطوعاً أو مرفوعاً ولكنه لا يروي من نفس الشواذ. وهذا امر متداول عند القدماء فكانوا يعتمدون على الرواية بنقل الراوي المشهور بالعلم والحديث لها. فالضمير في (عنهم) يرجع الى الشذاذ وغير المعروفين فاعل يؤثر ــ بكسر الثاء ــ واما على الاحتمال الاول فلابد من كون يؤثر مبنياً للمجهول في محل الوصف للحديث وغير المعروفين بدل عن الشذاذ فمعنى الجملة حينئذ ان جميع من يروي عنهم من المعروفين بالرواية المشهورين بالحديث والعلم وهذا أمر غريب مع وضوح ان كثيراً من رواته ليسوا من اهل العلم اصلاً بل ينقل الحديث عن الضعفاء بل قد يكون في سنده كلمة رجل او بعض اصحابنا.

وما ذكره المحدث النوري ايضاً مخالف لظاهر العبارة وللشواهد الآتية.

الجهة الثانية: ان هذه العبارة هل هي عامة لجميع روايات الكتاب او في خصوص ما يروي عن المعصوم أو في خصوص فضل الزيارة. وظاهر صدر العبارة: (ولا نحيط بما روي في هذا المعنى) ان المراد هو الاخير والسؤال المذكور في بدو المقدمة الداعي للتأليف ايضاً انما كان عن ذلك.

الجهة الثالثة: ان نظيرة هذه العبارة موجودة في كتاب المقنع وبشارة المصطفى وتفسير علي بن ابراهيم القمي. وقد فصل السيد الخوئي ايده اللّه فاستظهر التوثيق من عبارة كامل الزيارات وتفسير القمي ورفضه في الكتابين الآخرين.

قال في جـ1 ص66: الثاني: ان الصدوق قال في اول كتابه المقنع: (وحذفت الاسناد منه لئلا يثقل حمله ولا يصعب حفظه ولا يمله قاريه اذ كان ما ابينه فيه في الكتب الاصولية موجوداً مبينا عن المشايخ العلماء الفقهاء الثقات رحمهم اللّه) وهذا الكلام قد يوهم انه شهادة اجمالية (الى ان قال) وانما يريد بذلك ان مشايخه الثقات قدرووا هذه الروايات (الى ان قال) والذي يدل على ما ذكرناه ان الشيخ الصدوق وصف المشايخ بالعلماء الفقهاء الثقات وقل ما يوجد ذلك في الروايات في تمام سلسلة السند فكيف يمكن ادعاء ذلك في جميع ما ذكره في كتابه وبذلك يظهر الحال في ما ذكره الطبري في ديباجة كتابه بشارة المصطفى قال: (ولا اذكر فيه الا المسند من الاخبار عن المشايخ الكبار والثقات الاخيار).

ونفس هذا الدليل الذي ذكره في رد استظهار التوثيق من عبارة المقنع يدل على عدم دلالة عبارة كامل الزيارات ايضاً. وهل يحتمل ان يكون قوله من الثقات المعروفين بالرواية والمشهورين بالحديث والعلم يشمل مثل عبد اللّه الاصم او جعفر بن محمد بن مالك الفزاري او محمد بن سنان ويشمل ايضا قوله عن رجل او عن بعض اصحابنا او بعض المجاهيل المذكورين في اسناد رواياته؟!

واما تفسير القمي فقد ورد في مقدمته: (ونحن ذاكرون  ومخبرون بما ينتهي الينا من مشايخنا وثقاتنا عن الذين فرض اللّه طاعتهم) معجم الرجال جـ1 ص63. ونفس الاشكال وارد في رواته ايضاً مضافاً الى ما ذكره المحقق التستري في المقابيس ان هذا الكتاب مجموع من عدة رواة منهم علي بن ابراهيم ومنهم زياد بن المنذر ابو الجارود فلا يعلم ان هذه المقدمة من علي بن ابراهيم.

الجهة الرابعة: انه يعلم من ملاحظة دأب القدماء ان الراوي لو كان من الثقات يعتمدون على روايته وان كان المروي عنه ضعيفاً وهذا شاهد على مراد ابن قولويه قدس سره. قال الصدوق (ره) في الفقيه جـ1 طبع النجف ص162: (فاما الحديث الذي روي عن ابي عبد اللّه عليه السلام (الى ان قال) فهو حديث يروى عن ثلاثة من المجهولين باسناد منقطع (الى ان قال) ولكنها رخصة والرخصة رحمة اقترنت بها علة صدرت عن ثقات ثم اتصلت بالمجهولين والانقطاع). ومحل الشاهد الجملة الاخيرة. (76)

وقال في مقدمة الفقيه: (وجميع ما فيه مستخرج من كتب مشهورة عليها المعول واليها المرجع) ثم يعدّ كتباً منها نوادر الحكمة الذي استثني منه روايات عدة من الرواة. وكتاب الرحمة الذي قرأه على شيخه وكان يشطب على روايات موسى الهمداني. وكتاب المحاسن مع كثرة الضعاف فيه. ورسالة والده مع انه كتاب فتوىً غير مسند الى الائمة عليهم السلام.

قال المحقق التستري في المقابيس ص212: وقد افرط (الصدوق) في اعتماده على شيخه حتى انه روى حديثاً في كتاب العيون وقال: (كان شيخنا محمد بن الحسن بن الوليد سيء الرأي في محمد بن عبد اللّه المسمعي راوي هذا الحديث وانما اخرجت هذا الخبر في هذا الكتاب لانّه في كتاب الرحمة وقد قرأت عليه فلم ينكره ورواه) فاكتفى بمجرد ذلك وقنع به ولولاه لم يذكره في كتابه.

وكانوا يعتبرون فتوى بعض الاعلام بمنزلة الرواية. ولذا كان السيد المرتضى في المسائل الرسية وابو علي بن الشيخ والشهيد في الذكرى ينزلون رسالة علي بن بابويه منزلة رواياته لمكان ثقته وجلالته وامانته.

كما كانوا يجمعون جمعا دلاليا بين الفتوى والرواية. ففي الفقيه ج1 ص263: (وفي كتاب زياد بن مروان القندي وفي نوادر محمد بن ابي عمير ان الصادق عليه السلام قال في رجل صلى بقوم حين خرجوا من خراسان حتى قدموا مكة فاذا هو يهودي أو نصراني قال: ليس عليهم اعادة. وسمعت جماعة من مشايخنا يقولون انه ليس عليهم اعادة شيء مما جهر فيه وعليهم اعادة ما صلى بهم مما لم يجهر فيه. قال: والحديث المفصل يحكم على المجمل). فاعتبر فتوى المشايخ حديثا مفصلا والرواية مجملة.

وقد اكتفى النعماني في مقدمة كتاب الغيبة برواية نقلها عن ابن عقدة عن مجهول مستدلاً بان ابن عقدة رجل عارف بالحديث وبالناقلين له.

الجهة الخامسة: ان التوثيقات كما اعترف به السيد الخوئي أيده اللّه من المراسيل ولكنه حيث رآها تدور بين الاخبار عن الحسّ و الحدس تمسك باصالة الحسّ والتزم بانها منقولة الينا ثقة عن ثقة وكابراً عن كابر قال: وآية هذا ان هناك خمسمائة كتاب الفت في الرجال من زمان مشيخة الحسن بن محبوب الى زمان الشيخ قدس سره وقال: انها مذكورة في كتاب المصفى لاغا بزرك الطهراني (ره).

وعلى هذا فيقع السؤال في انه هل يحتمل نقل الثقات والاكابر ثقة عن ثقة الى زمان ابن قولويه توثيق امثال عبد اللّه الاصم وجعفر الفزاري الذي تعجب النجاشي كيف يروي عنه المشايخ الثقات وهما من رجال كامل الزيارات؟!

ثم ان كتب الرجال من زمان الحسن بن محبوب الى زمان الشيخ لا تبلغ عشرة وما عده من كتب الرجال كمشيخة ابن محبوب ليست كتب رجال وانما هي كتب حديث ومعنى المشيخة ان الروايات فيها مذكورة مسنداً عن كل شيخ كمسند احمد بن حنبل. واما ذكر هذه الكتب في كتاب المصفى فلم نجد له اثراً.

هذا تمام الكلام في سند هذين الحديثين.

واما الكلام في دلالتهما فنقول: دلالة الثانية واضحة ولكن الاولى تتوقف دلالتها على قراءة (يجعله الإمام) بكسر الهمزة بأن يكون المراد به امام الجماعة حتى يستقيم التعليل: (لان الإمام لا يتقدم) ويكون دليلاً على وجوب التأخر تنزيلا للقبر الشريف منزلة امام الجماعة. واما اذا قرأناه بفتح الهمزة كان التعليل مشيراً الى عدم التقدم على الإمام المعصوم من جهة كونه من سوء الأدب فيكون النهي نهياً تنزيهياً. وحيث ان الاحتمال الاول بعيد لعدم حسن التعبير فينحصر في الاحتمال الثاني ولا يدل على حرمة التقدم، نعم هو محرم لو كان موجباً للهتك وهو لا يختص بالصلاة.

ثم ان بطلان الصلاة يتوقف على اتحاد الهتك مع الاكوان الصلاتية وعدم اجتماع الامر والنهي وقد عرفت وجه النظر في كليهما.

وأما المساواة مع القبر الشريف فظاهر الرواية جوازها. نعم في رواية الاحتجاج: (ولا يساوى) وهي منقولة في ذيل هذا الحديث وسندها غير معتبر.

واما الكلام في الشرط الثامن والتاسع فسيأتي تفصيله ان شاء اللّه تعالى.

في اعتبار تقدم الرجل على المراة

قال المصنف: العاشر ان لا يصلي الرجل والمرأة في مكان واحد بحيث تكون المرأة مقدمة على الرجل او مساوية له الا مع الحائل او البعد عشرة اذرع بذراع اليد على الاحوط وان كان الاقوى كراهته الا مع احد الامرين.

 

نسب الى القدماء والشيخين قدس اللّه أسرارهم بطلان الصلاة في صورة التقدم أو المحاذاة وذهب السيد المرتضى وابن ادريس الى الكراهة وهو المشهور بين المتأخرين ونقل عن الجعفي ان الاشكال مختص بما اذا لم يكن بينهما مقدار ذراع ومورد كلام غيره هو الحرمة أو الكراهة اذا لم يكن بينهما عشرة اذرع. وقد اختار مسلك الجعفي المحقق الهمداني ثم عدل عنه وقواه السيد الخوئي مع تبديل الذراع الى الشبر وهذا لا قائل به واقرب اقوال المتقدمين اليه هو قول الجعفي فالاقوال اربعة:

الاول: مسلك القدماء من عدم جواز المحاذاة والتقدم الا بفصل عشرة اذرع.

الثاني: الجواز مطلقا مع الكراهة وهو مسلك المتأخرين.

الثالث عدم الجواز الا بفصل شبر وهو الذي اختاره السيد الخوئي والسيد الميلاني والشيخ محمد تقي الآملي في حاشية له على تقريرات المحقق النائيني قدس سره ولم يذهب الى هذا القول احد قبلهم.

الرابع: الجواز مع الفصل بذراع.

ومنشأ الخلاف هو اختلاف الروايات اختلافاً شديداً ولابد قبل ذكرها من البحث عن الجو الفقهي السائد بين العامة ليمكننا تحقيق معنى الروايات.

وهذه المسألة بهذه الصورة ليست مورداً للبحث عندهم ولكننا نذكر بعض المسائل المربوطة بها.

المسألة الأولى: ما يذكر في الامكنة المكروهة وهو استحباب السترة بين المصلي وغيره توقيراً للصلاة والعامة تهتم بها كثيراً بملاحظة عدم جواز مرور احد بين يدي المصلي بدونها وكذا لو كان امامه كلب او حمار او امرأة والمراد بالسترة ليس هو الساتر بل معنىً آخر سنذكره لعله يفيدنا في الامر بالساتر هنا.

وقد اختلفت العامة في ذلك فذهب الاصوليون منهم وهم مالك وابوحنيفة والشافعي الى عدم بطلان الصلاة اذا كان امامه كلب أو حمار أو امرأة بدون السترة وذهب ابن حنبل والظاهريون الى بطلانها بدون السترة واستثنوا من ذلك ما اذا كانت المرأة معترضة لما ورد في روايات الفريقين من ان النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم كان يصلي وعائشة امامه معترضة وهي حائض.

وكيف كان فلا اشكال في استحباب السترة عندنا توقيراً للصلاة ولكنها عند بعضهم مجوزة لمرور المار بين يدي المصلي ومانعة من قطع الصلاة اذا كان امامه احد الامور الثلاثة كما هو مقتضى رواياتهم وقد عمل بها الظاهريون الا ان الاصوليين الثلاثة طرحوها وادعوا أنها منسوخة بعمل النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم كما مرّ.

وهنا ينشأ احتمال في الروايات الواردة عندنا الآمرة بجعل الساتر بين المصلي والمرأة وهو ان يكون ناظراً الى هذه المسألة.

قال في الحدائق: الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب في استحباب السترة ــ بضم السين ــ للمصلي في قبلته ونقل في المنتهى الاجماع عليه عن كافة أهل العلم ثم نقل روايات الباب.

منها رواية ابي بصير عن ابي عبد اللّه عليه السلام قال كان طول رحل رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم ذراعا فاذا صلى وضعه بين يديه يستتر به ممن يمر بين يديه .(77)

ومنها رواية معاوية بن وهب عن ابي عبد اللّه عليه السلام قال: كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم يجعل العنزة بين يديه اذا صلى. (78)

قال في الحدائق: العنزة ــ بفتح المهملة وتحريك النون وبعدهما زاء ــ عصاة في اسفلها حربة. وفي الصحاح انها اطول من العصا واقصر من الرمح.

ومنها رواية غياث عن ابي عبد اللّه عليه السلام قال: ان النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم وضع قلنسوة وصلى اليها. (79)

ومنها رواية السكوني قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم : اذا صلى احدكم بارض فلاة فليجعل بين يديه مثل مؤخرة الرحل فان لم يجد فحجراً فان لم يجد فسهماً فان لم يجد فليخط في الارض بين يديه. (80)

والمراد بمؤخرة الرحل يمكن ان يكون مجموع المؤخرة ويمكن ان يكون مقدار المتكأ وهو بمقدار شبر تقريباً. والعامة ايضا رووا مثل هذه الرواية.

قال في الحدائق: وعن ابي بصير في الصحيح عن ابي عبد اللّه عليه السلام قال: لا يقطع الصلاة شيء لا كلب ولا حمار ولا امرأة ولكن استتروا بشيء وان كان بين يديك قدر ذراع رافع من الارض فقد استترت. (81)

وهذه الرواية في قبال الظاهريين القائلين بقطع الصلاة باحد الثلاثة والروايات في هذا الباب كثيرة والمستفاد منها ان المراد بالسترة في اصطلاح روايات العامة والخاصة معنىً آخر غير ما هو الظاهر من كونها ساترة للمصلي فيشمل حتى السهم بل الخط في الارض. وعليه فاذا ورد في روايات الباب ان المنع يرتفع اذا كان بين الرجل والمرأة سترة لا يراد بها الحائل كما ذكروا.

المسألة الثانية: في صلاة الرجل عند المرأة. وقد اتفقت العامة ان صلاة الرجل بجانب المرأة لا مانع منها سواء في الجماعة أم الانفراد الا في امام الجماعة واستثنى الظاهرية المأمومين ايضاً فقالوا بوجوب تأخرها عنهم ولكن غيرهم ذهبوا الى جواز المساواة بل التقدم.(82)

ثم ان روايات الباب على طوائف:

الطائفة الاولى: ما يحتمل فيه ان يكون مورد الكلام هو السترة مع التعميم لصورة المساواة والتخصيص بصورة كونها مصلية خلافاً للعامة.

منها رواية ابي بصير (بسندين لا يخلوان من خدش) عن ابي عبد اللّه عليه السلام في الرجل والمرأة يصليان في بيت واحد والمرأة عن يمين الرجل بحذائه؟ قال عليه السلام: لا الا ان يكون بينهما شبر او ذراع. (83)

والحذاء على الظاهر بمعنى الموازي سواء كان متقدماً أو متأخراً أو مساوياً فما ذكر في المستمسك من ان الحذاء يدل على كونهما في خط واحد لا دليل عليه ولكنه في هذه الرواية استعمل في خصوص المساوي لقوله عن يمين الرجل.

وقوله الا ان يكون بينهما شبر او ذراع يحتمل ان يكون المراد تحديد الفاصلة بينهما ويحتمل وجوب جعل شيء بينهما ارتفاعه شبر أو ذراع فيكون داخلاً في روايات السترة المتقدمة فيدل على عدم اختصاص وضع السترة بالأمام بل هو وارد حتى في الجانبين ويشهد لهذا الاحتمال ذيل الرواية المروية في التهذيبين (ثم قال عليه السلام: كان طول رحل رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم ذراعاً فكان يضعه بين يديه اذا صلى ليستره ممن يمر بين يديه).

وعليه فلا يصح التمسك بهذه الرواية لقول الجعفي وما شابههه مضافاً الى ضعف السند.

 

ومثلها في الدلالة والسند رواية اخرى لابي بصير ايضاً. (84)

ومنها رواية محمد بن مسلم عن احدهما عليهما السلام قال: سألته عن الرجل يصلي في زاوية الحجرة وامرأته أو ابنته تصلي بحذاه في الزاوية الاخرى؟ فقال عليه السلام: لا ينبغي له ذلك فان كان بينهما شبر (ستر) اجزأه. (85)

والموجود في بعض نسخ الكافي (ستر) وكذلك في ما نقله ابن ادريس عن الحلبي (86)، وعليه فالحديث داخل في روايات السترة المتقدمة وعلى تقدير كونها (شبر) يحتمل الامرين كون الفاصلة شبراً وكون السترة بمقدار شبر ارتفاعاً.

 وكيف كان فاحتمال كون المراد هو الفاصلة بعيد غايته اذ لابد من كون عرض الحجرة حينئذ متراً واحداً تقريباً لقول السائل (في الزاوية الاخرى) وحيث انه في غاية البعد فالتقييد بخلافه في غاية الاستهجان.

ويحتمل ايضاً وجوب تقدم الرجل بمقدار الشبر كما ذكره الشيخ قدس سره في التهذيب. وكيف كان فلا يفيد قول الجعفي وما شابهه.(87)

ومنها رواية قرب الاسناد باسناده عن علي بن جعفر قال: سألته عن رجل هل يصلح له ان يصلي في مسجد قصير الحائط وامرأته قائمة تصلي بحياله وهو يراها وتراه قال: ان كان بينهما حائط قصير او طويل فلا بأس(88).

ومن الظاهر ان مورد الكلام في هذا الحديث هو السترة كما ذكرناه والرواية ضعيفة لضعف اسناد قرب الاسناد الى علي بن جعفر.

ومنها صحيحة علي بن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر عليهما السلام قال: سألته عن الرجل يصلي في مسجد حيطانه كواء كله قبلته وجانباه وامرأة تصلي حياله يراها ولا تراه قال: لا بأس (89) .

الكواء جمع كوّة: الخرق في الحائط (المنجد) ومقتضى هذه الرواية كفاية السترة ولو لم يكن حاجباً وتدل ايضاً على جواز تقدم المرأة حينئذ ليصدق امكان رؤيته اياها دون العكس.

ثم ان ما يمكن ان يستدل به للقول الاول هو الروايات المتعددة الدالة على المنع من تقدم المرأة ومحاذاتها والقدر المتيقن من مورد الجواز هو الفصل بعشرة اذرع كما في موثقة عمار او وجود الحائل بمعنى السترة كما تقدم.

وما ورد من الجواز في صورة الفصل باقل من عشرة اذرع اما ضعيفة سنداً أو قاصرة دلالة لامكان حملها على وجوب تأخر المرأة بهذا المقدار او كون ارتفاع السترة بهذا المقدار. وقد مر الكلام في ما يحتمل الحمل على السترة.

وبعض الروايات قابلة للحمل على وجوب التأخر بمقدار الشبر بشهادة بعض الروايات الأخرى الظاهرة في تحديد التأخر بنحو يناسب الشبر.

أما الروايات المحددة بنحو يناسب الشبر فهي عدة روايات:

منها رواية ابن فضال عن ابن بكير عمن رواه عن ابي عبد اللّه عليه السلام في الرجل يصلي والمرأة تصلي بحذاه او الى جانبه فقال عليه السلام: اذا كان سجودها مع ركوعه فلا بأس. (90)

ومنها رواية ابن فضال عمن اخبره عن جميل عن ابي عبد اللّه عليه السلام في الرجل يصلي والمرأة بحذائه او الى جنبه فقال:اذا كان سجودها مع ركوعه فلا بأس. (91)

والمراد بالحذاء فيهما كونها أمامه بقرينة مقابلته لكونها الى جنبه. والروايتان مرسلتان ولا يبعد وحدتهما وكون من رواه في الاولى هو جميل ومن اخبره في الثاني هو ابن بكير.

انما الكلام في جملة (اذا كان سجودها مع ركوعه فلا بأس). وقد وردت عبارة مشابهة في رواية هشام بن سالم عن ابي عبد اللّه عليه السلام (في حديث) قال: الرجل اذا امّ المرأة كانت خلفه عن يمينه سجودها مع ركبتيه. (92)

فيكون مفاد الرواية حينئذ وجوب التأخر عن الرجل بهذا المقدار ويحتمل ان يكون كلمة (ركوعه) في المرسلتين تصحيفاً عن كلمة ركبتيه فانهما متقاربتان في الكتابة القديمة. والتصحيف في الروايات المرسلة غير بعيد فان مثل هذه المراسيل ليس لها سبب الا عدم التمكن من قراءة اسم الراوي فيدل هذا على كون النسخة غير مقروّه وبذلك يقوى احتمال التصحيف في المتن ايضاً.

ولو اغمضنا النظر عن ذلك ففي هذه الجملة احتمالات:

الاحتمال الاول: ان يكون المراد هو الجواز لو كان السجود مقارناً للركوع زماناً فتكون صلاة المرأة قبل صلاة الرجل وهذا الوجه ذكره السيد الحكيم في المستمسك وهو بعيد.

الاحتمال الثاني: ان يكون ذلك في قبال قول بعض العامة بالبطلان اذا كانت المحاذاة في الركن وعدمه اذا تأخرت حال الركن وان كانت مساوية له في غيره ولذا قالوا لو كبرا معاً وتقدم الرجل بعده صحت صلاتهما. فيكون مراد الامام عليه السلام ردّ هذا القول والحكم بصحة الصلاة وان كانا محاذيين في الركن.وعليه فيدل على الجواز مطلقاً.

وهذا الاحتمال بعيد أيضاً فان مفاد الجملة الشرطية هو البطلان في غير هذه الصورة لا الصحة بطريق اولى كما هو المدعى.

الاحتمال الثالث: ان يكون المراد هو التأخر بمقدار يكون موضع سجود المرأة مساوياً لعجز الرجل حال الركوع فالتخصيص بالركوع بالنظر الى تأخر العجز قليلاً في هذه الحال.

فتحصل مما تقدّم ان مدرك القدماء هو الروايات الواردة في المنع بملاحظة أن القدر المتيقن من التجويز هو وضع الحائل أي السترة او الفصل بعشرة اذرع أو التأخر كيف ما كان ولو اصابت المرأة ثوب الرجل كما في موثقة عمار.(93) ومن الروايات الدالة على الجواز بالتأخر كيف ما كان صحيحة زرارة عن ابي جعفر عليه السلام قال سألته عن المرأة تصلي عند الرجل فقال لا تصلي المرأة بحيال الرجل الا ان يكون قدامها ولو بصدره. (94) والمراد تقدم صدر الرجل على رأس المرأة حال السجود.

واما المتأخرون القائلون بالجواز مطلقاً فقد تمسكوا بروايات:

منها ما رواه الصدوق عن جميل عن ابي عبد اللّه عليه السلام انه قال: لا بأس ان تصلي المرأة بحذاء الرجل وهو يصلي فان النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم كان يصلي وعائشة مضطجعة بين يديه وهي حائض وكان اذا اراد ان يسجد غمز رجليها فرفعت رجليها حتى يسجد. (95)

والمراد بالحذاء هنا هو الأمام بقرينة الذيل والجواز في صورة كونها بجانبه بطريق اولى. وقد عبر عن هذه الرواية بالصحيحة نظراً الى ان الصدوق ذكر سنده في المشيخة الى جميل بن دراج ومحمد بن حمران هكذا: ابي عن سعد عن يعقوب بن يزيد عن ابن ابي عمير عنهما.

ولكن يمكن الخدشة في هذه الرواية سنداً ومتناً.

في سند الصدوق الى جميل بن دراج

 

أما السند فلان الصدوق انما ذكر هذا السند الى جميل بن دراج ومحمد بن حمران معاً والوجه في ذلك ان مؤلفات جميل كانت على ثلاثة أقسام قسم منها ألّفه مع محمد بن حمران وقسم ألفه مع مرازم بن حكيم وقسم الفه بنفسه وله الى كل من هذه المصنفات سند مستقل ذكر بعضها النجاشي. وعليه فهذا السند انما هو في ما يرويه عن كتابه الذي الفه مع محمد بن حمران والرواية مروية عن جميل بنفسه فلا تصح الرواية بهذا السند.

لا يقال: ان كتاب جميل بنفسه كتاب مشهور وقد ذكر النجاشي انه رواه جماعات من اصحابنا وفي ما كان كذلك لا حاجة الى تصحيح السند اليه.

فانا نقول: ان ذلك انما يتم فيما لو كان الصدوق صرّح بان من يبتدئ باسمه فهو صاحب الكتاب الذي ينقل منه كما هو الحال في التهذيبين ولكنه ليس كذلك فان الصدوق على ما يظهر من مقدمة كتابه ينقل جميع رواياته عن الكتب المشهورة لا عن كتاب من يبتدئ باسمه وحينئذ فسند تلك الكتب الى جميل مجهول.

واما المتن فان هذا الذيل (فان النبي الخ) لا يوثق بكونه ذيلاً للرواية واقعاً فيحتمل ان يكون تعليلاً من احد الرواة وقد تكرر نظير ذلك في الروايات من تذييل التعليل او التفريع وكثيراً ما يضاف كلام الشيخ أو الصدوق الى الرواية بظن انه منها لعدم التمييز بينهما في الكتاب حتى ان بعضهم تمسك بكلام طويل للشيخ في التهذيب بظن انه من الرواية مع انه خلاف المقطوع به وقد ذكر الشيخ حسين بن عبد الصمد ان كلام الشيخ في التهذيب حيث كان مخلوطاً بالروايات جعلنا لها علامات تميّز كلامه عنها.

ويشهد لذلك رواية جميل نفسه في التهذيب والاستبصار هذا المضمون بدون هذا الذيل. (96)

وقد ورد الذيل مستقلاً عن علي بن الحسن بن رباط.(97)

ولعل الربط بينهما من استنباط بعض الرواة وأساسه ما ذكرناه من ان الظاهر من الروايات ان الكبرى واحدة في روايات السترة وهذه الروايات وحيث كان التجويز للصلاة امام المرأة مفاد الرواية الثانية مع انها لم تكن في الصلاة عللوا بها الرواية الاولى المصرحة بالجواز حال كونها مصلية.

وبهذا يندفع الاستغراب الذي اظهره المتأخرون في الرواية من عدم الملاءمة بين الاصل والتعليل.

وكيف كان فلا يوثق بصدور هذا الذيل فالمهم هو الصدر لو اغمضنا النظر عن الاشكال في السند كما ذكرنا.

ومنها رواية ابن فضال عمن اخبره عن جميل بن دراج عن ابي عبد اللّه عليه السلام في الرجل يصلي والمرأة تصلي بحذاه قال عليه السلام: لا بأس (98) .

في روايات بني فضال

وهذه الرواية مرسلة. ولا وجه لما يقال من صحة جميع روايات ابن فضال تمسكاً بما روي عن حسين بن روح في كتاب الشلمغاني اقول فيه ما قاله العسكري في كتب بني فضال: خذوا ما رووا وذروا ما رأوا.

وليس الوجه في عدم صحة ذلك عدم توثيق خادم حسين بن روح الناقل للرواية كما قيل فان ذلك غير ضائر من جهة ان مثل هذه الرواية لا يمكن جعلها وتشهيرها بين الناس وخفاء الوضع فيها في مدة قليلة أي الى زمان الشيخ وذلك لانها كانت من الامور الاجتماعية المهمة فان الشلمغاني كان من كبار الشيعة وكان على الظاهر افقه فقهائهم ثم ارتد وبيوت الناس مليئة بكتبه ففزع الناس الى حسين بن روح رضوان اللّه عليه وقال فيه ذلك فالجعل فيه بحيث يخفى الى زمان الشيخ أمر بعيد جداً.

بل الوجه فيه ان المراد بهذه الجملة ليس تصحيح كل ما روي عنه بل توثيقه بمعنى الاخذ برواياته المعتبرة من غير جهته وبيان ان ارتداده أو فسقه لا يضر بوثاقته ولا يمنع الاخذ برواياته.

ويحتمل ان يكون صدور هذه الرواية في بني فضال وتشكيك الناس فيهم هو تمايلهم الى جعفر الكذاب في زمان العسكري عليه السلام فانهم كانوا يجوزون اشتراك الاخوين في الامامة والا فاصل فطحيتهم كان سابقاً على ذلك الزمان.

ويحتمل ان يكون الاهتمام بهم من جهة ان علي بن الحسن بن فضال كان فقيها بل كان يعد افقه الشيعة في ذلك العصر فخيف على الناس الابتلاء به لتمايله الى غير الامام الحق فصدر النهي عن الاخذ بآرائه اما بلحاظ اصل فطحيته او بلحاظ تمايله الى جعفر.

ومنها صحيحة الفضيل عن ابي جعفر عليه السلام قال: انما سميت مكة بكّة لانه يبكّ فيها الرجال والنساء والمرأة تصلي بين يديك وعن يمينك وعن شمالك وعن يسارك (و) معك ولا بأس بذلك وانما يكره في سائر البلدان.(99)

استدل بهذه الرواية بدعوى عدم القول بالفصل عندنا فاذا جاز ذلك في مكة جاز في سائر البلدان. وقد ذكر السيد البروجردي قدس سره ان الرواية مطروحة لاعراض الاصحاب عنها من جهة تفصيلها بين مكة وغيرها ولم يقل به احد منا.

والظاهر ان الرواية لو سلم ربطها بالمقام يجب الالتزام بالجواز في خصوص مكة ولا يعتنى بعدم القول بالفصل لتعميم الجواز. 

وحاصل استدلال المتأخرين هو التمسك باطلاقات الجواز وعدم امكان الجمع بين الروايات بالروايات المفصلة وحيث ان الروايات متخالفة فيدخل في ما ذكرناه مراراً من ان الاختلاف  الشديد بين الروايات يدل على كون المطلب من الموسّعات ولذلك حكموا بالكراهة.

وهذا انما يتم لو لم يمكن التقييد بروايات الشبر الآتية.

واستدل للقول الثالث بان الروايات مختلفة فمنها مجوزة مطلقا ومنها مانعة مطلقا ومنها ما فصلت بين الشبر وغيره او الذراع وغيره أو عشرة اذرع وغيره والقدر المتيقن من وجوب الفصل هو الشبر فتحمل سائر الروايات على درجات الكراهة.

فمن الروايات الدالة على وجوب الشبر صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة وقد مر الكلام فيها.

ومنها ما رواه الصدوق قال: سأل معاوية بن وهب ابا عبد اللّه عليه السلام عن الرجل والمرأة يصليان في بيت واحد فقال عليه السلام: اذا كان بينهما قدر شبر صلت بحذاه وحدها وهو وحده لا بأس (100) .

وفي المستمسك ان الظاهر اعتبار كون الفاصلة مقدار شبر في جميع الحالات فلو كان المراد التأخر بمقدار شبر لم يصدق ذلك في بعض الحالات.

محمد بن علي ماجيلويه

وقد عبّر بعضهم عن هذه الرواية بالصحيحة ولابد من الالتزام اولاً بتعين معاوية بن وهب في البجلي الثقة من جهة اختلاف الطبقة وعدم امكان نقل من سمي بهذا الاسم من الرواة وهم ثلاثة عن الامام الصادق عليه السلام ولكن الاشكال في السند انما هو من جهة محمد بن علي ماجيلويه فانه لم يوثق. ونقل الصدوق عنه كثيراً وقوله رضي اللّه عنه لا يدل على التوثيق.

سند الصدوق الى معاوية بن وهب

 

ولتصحيحه طريق آخر وهو ان طرق الشيخ الصدوق لا يقتصر على ما ذكر في المشيخة بل له فهرست ايضاً وليس بايدينا ولكن يمكن استخراج بعض الاسانيد من فهرست الشيخ وذلك لانه ذكر في الفهرست في معاوية بن وهب: وله كتاب اخبرنا به جماعة عن محمد بن علي بن الحسين(وهو الصدوق) عن محمد بن الحسن عن الصفار عن احمد بن محمد عن علي بن الحكم عن معاوية بن وهب وهذا السند معتبر بناء على وثاقة علي بن الحكم كما هو الصحيح.

والجواب ان الصدوق لم يلتزم بذكر من ينقل عن كتابه في أول السند فلا يعلم انه اخذه من كتاب معاوية بن وهب حتى يصح السند أم لا. نعم لو كان سنده في المشيخة اليه صحيحاً صح ذلك لقوله وما ذكرته عن معاوية بن وهب فقد رويته بسند كذا.

ومنها رواية ابي بصير المتقدمة وقد نقلت بنحوين وبثلاثة اسانيد وكلها ضعيفة بسهل بن زياد ومحمد بن سنان والحسن الصيقل الذي لم يوثق. وقد عرفت الكلام في دلالتها هناك.

فتحصل ان القول الثالث ليس له دليل معتبر.

واما القول الرابع وهو قول الجعفي حيث اعتبر الفصل بينهما بذراع فقد اعترض عليه في المستمسك بانه اخذ ببعض الروايات وطرح لبعض آخر مما اعتبر فيها الفصل باكثر من هذا الحد كعشرة اذرع أو اقل كالشبر وهذا مما لا وجه له.

ويدفعه ان روايات الشبر غير معتبرة فلعل الجعفي اعتمد لذلك على روايات عظم الذراع.

واعترض عليه ايضا بان كلامه خلاف الاجماع.

ويدفعه ان الاجماع المدعى ان كان المراد به اجماع القدماء فهو ممنوع لعدم العلم بعدم القائل به في من تقدم او عاصر الجعفي وان كان المراد به اجماع المتأخرين فهو كذلك الا انه لا اثر له بالنسبة الى الجعفي.

كلام حول الجعفي معاصر الكليني

والجعفي هو محمد بن احمد بن ابراهيم ابو الفضل الصابوني من معاصري الكليني وقد ذكر المحقق التستري في كشف القناع ومقدمة المقابيس ان آراءه منقولة عن كتابه (الفاخر) وقد ذكر هو في مقدمته ان كل ما ينقله مما اجمع عليه وصح سنده فهو يدعي الاجماع على هذا الرأي.

وقال السيد البروجردي قدس سره: انه لا اعتبار بقول الجعفي لكونه بعيداً عن الاوساط العلمية آنذاك فانه كان كوفياً سكن مصر وكان زيدياً اول امره.

ولكن القول بان مصر لم تكن من الاوساط العلمية للشيعة في ذلك الزمان غير واضح. بل يعد اسانيد المصريين في جملة اسانيد رواتنا مما يدل على كونها مركزاً من مراكز الشيعة في الحديث والفقه. فالقول بان الجعفي كان بعيداً عن مركز العلم لا يسمع ويحتمل ان يكون صاحب دعائم الاسلام من تلامذته ويروي عنه ابن قولويه وابو غالب الزراري والغريب ان السيد حسن الصدر رحمه اللّه ذكر في تأسيس الشيعة في موردين ان كتاب الفاخر من كتب اللغة وقد عرفت كلام صاحب المقابيس فيه وفي كشف القناع المصرح بكونه كتاب فقه.

ويمكن ان يستدل لقوله بعدة روايات:

الاولى ما رواه الصدوق قدس سره قال: وفي رواية زرارة عن ابي جعفر عليه السلام: اذا كان بينها وبينه قدر ما يتخطى او قدر عظم الذراع فصاعداً فلا بأس ان صلت بحذاه وحدها.(101)

والرواية من حيث السند خالية من الاشكال لصحة سند الصدوق الى زرارة والظاهر من السند انه يأخذ رواياته من كتاب حريز بن عبد اللّه السجستاني او تلميذه حماد بن عيسى.

انما الكلام في دلالتها فان قوله قدر ما يتخطى او قدر عظم الذراع يحتمل ان يكون تحديداً للفاصلة بينهما كما ذكره الجعفي ويحتمل ان يكون تحديداً لمقدار التأخر بملاحظة رواية زرارة في التحديد بما يناسبه كتقدم الرجل بصدره ويحتمل ان يكون تحديداً لارتفاع السترة كما مر تفصيله ويظهر هذا التحديد من عدة روايات وهي المحددة بالرحل أو مؤخرة الرحل الذي يناسب الذراع كما قال ابن حزم في المحلى جـ4 ص8 (فان كان بين يدي المصلي شيء مرتفع بقدر الذراع وهو قدر مؤخرة الرحل المعهودة عند العرب الخ).

الثانية: ما رواه ابن ادريس في آخر السرائر نقلاً من كتاب حريز قال: وقال زرارة قلت له: المرأة تصلي حيال زوجها فقال: تصلي بازاء الرجل اذا كان بينها وبينه قدر ما يتخطى او قدر عظم الذراع فصاعداً (102).

والكلام في انه هل يمكن الاعتماد على ما ينقله ابن ادريس في مستطرفات السرائر عن كتب القدماء أم لا؟

وقد اعتبر صاحب الوسائل هذه الروايات من المتواترات باعتبار عدم تجويز ابن ادريس العمل بخبر الواحد.

والجواب عنه ان ابن ادريس لم يظهر منه العمل بهذه الروايات ونقل الرواية لا يدل على العمل بها.

ويمكن دعوى صحة هذه الروايات من جهة انه ينقلها من الكتب المشهورة التي كانت عنده وهي مع شهرتها لا تحتاج الى سند كما ذكرناه مراراً.

ولكن الصحيح كما ذكره السيد البروجردي قدس سره ان هذه الروايات لا اعتبار بها اصلاً.

مستطرفات السرائر

والوجه في ذلك ان ابن ادريس لم يكن له خبرة بالكتب فكان يستظهر ببعض الشواهد ان الكتاب كتاب فلان فينقل عنه مسنداً اليه بنحو الوجادة.

وقد نقل في مفتاح الكرامة في مبحث الاستخارة من كتاب الصلاة عن العلامة قدس سره ان ابن ادريس كان قليل الاطلاع بالاحاديث.

ويظهر من مستطرفاته انه لم يكن خبيراً بمعرفة الكتب وطبقات الرواة وهذا لا ينافي علمه الغزير.

ويشهد لهذا امور:

منها: انه ينقل عدة روايات عن ابان بن تغلب ويصفه بصاحب الباقر والصادق عليهما السلام. وبملاحظة الروايات يحصل القطع بان الكتاب المنقول عنه لم يكن كتاب ابان حيث ينقل عن الامام الصادق عليه السلام بعدة وسائط متأخرة عن ابان ومنها رواية يرويها ابان عن معمر بن خلاد عن الامام الرضا عليه السلام. وهو عجيب فان موت ابان كان في زمان الامام الصادق عليه السلام سنة 141 وولادة الرضا كان في سنة وفاة الصادق عليهما السلام سنة 148.

وقد تنبه صاحب الوسائل في بعض الموارد لعدم ملاءمة السند فغيّره اجتهاداً منه ففي كتاب النكاح باب استحباب تعليم الاولاد رواية يرويها ابن ادريس عن ابان بن تغلب عن هارون بن خارجة فبدل صاحب الوسائل السند وذكر موضع ابان بن تغلب ابان بن عثمان لعدم ملاءمة الطبقة وما كان ينبغي لصاحب الوسائل ذلك خصوصاً مع ان كتاب ابان بن عثمان ليس من مدارك مستطرفات السرائر.

ومنها: انه ينقل عن كتاب احمد بن محمد السياري ووصفه بصاحب موسى والرضا عليهما السلام وبالغ في تجليله. مع انه ضعيف غال وليس من اصحابهما  فانه من الطبقة السابعة واصحابهما من الطبقة السادسة.

ومنها: ان المجلسي رحمه اللّه نقل عنه في مقدمة البحار انه قال: لم يصل اليّ من نسخ قرب الاسناد الا نسخة مغلوطة فصححتها. فكيف يمكن الاعتماد على مثل هذا الكتاب فضلاً عن دعوى تواترها.

نعم يمكن استثناء ما رواه من كتاب نوادر المصنف لمحمد بن علي بن محبوب لانه ذكر في اول كتابه النسخة التي لديه من هذا الكتاب  بخط الشيخ الطوسي قدس سره وقد نقل السيد ابن طاوس في كتاب الاقبال وغيره من هذا الكتاب وصرح بانه كان بخط الشيخ فلا يبعد الاعتماد على ما يرويه من هذا الكتاب الا ان الذي يوهن ذلك ان الشيخ لم ينقل في ترجمة محمد بن علي بن محبوب كتاب نوادر المصنف. فلعله اسم آخر لكتاب الجامع لمحمد بن علي بن محبوب.

وأما الكلام في دلالة الرواية فهو الكلام في رواية الفقيه السابقة.

الثالثة: ما رواه في الكافي عن علي بن ابراهيم عن ابيه عن حماد عن حريز عن ابي عبد اللّه عليه السلام في المرأة تصلي الى جنب الرجل قريباً منه فقال عليه السلام: اذا كان بينهما موضع رحل فلا بأس(103).

وفي كلمة رحل احتمال كونها كلمة (رجل) ايضاً كما ورد في بعض نسخ بعض الروايات وفي كلمة موضع احتمال تصحيفها عن كلمة مؤخر فيكون مساوقاً لكثير من الروايات الدالة على استحباب السترة.

وأما على احتمال كلمة (موضع) فالمعنى يؤيد قول الجعفي تقريباً اذ يدل على كون الفصل بمقدار الرحل وطوله ذراع تقريباً.

واما على كلمة (رجل) فيمكن ان يقرء بكسر الراء فلا يستقيم المعنى ولا يعلم ان المراد طول الرجل او عرضه ويمكن ان يقرء بفتحه.

ومثل هذه الرواية مروية في السرائر ايضاً.

ما يرويه حريز عن الامام الصادق عليه السلام

وهذه الرواية فيها اشكال سندي ايضا وهو ان حريز وان كثرت رواياته عن الامام الصادق عليه السلام الا ان يونس بن عبد الرحمن وهو تلميذه ذكر انه لم يرو عنه عليه السلام الا حديثين وانما كان ينقل عنه مع الواسطة وعليه فتاتي شبهة الارسال في كل ما يرويه عنه عليه السلام بلا واسطة .

ولكن بعض المتأخرين حيث رأوا كثرة روايات حريز عن الامام بلا واسطة ظنوا أن السابقين من أمثال يونس قد اشتبه عليهم الامر.

والصحيح أن ظاهر الاسناد من دون واسطة لا يدل على عدم سقوطها فهناك كثير من الروايات مروية بواسطة محذوفة يتبين ذلك بملاحظة تاريخ الراوي والمروي عنه فما ذكره يونس هو المعتمد لمعاصرته لحريز بل تلمذه عليه. وعليه فلا يبعد كون هذه الروايات مرسلة بحذف الواسطة. 

فتحصل ان الاقوال الثلاثة الاخيرة المقابلة لقول القدماء ضعيفة المدرك اما سنداً واما دلالةً واما متناً.

هذا ويمكن ان يتوهم امكان تأييد القول بالجواز مطلقا مع الكراهة بوجوه ثلاثة:

الوجه الاول: التعبير بالكراهة في بعض الروايات المعتبرة وهي صحيحة فضيل التي مرّ ذكرها في ص270.

الوجه الثاني: التعبير بـ(لا ينبغي) في بعض الروايات وهو لا يناسب الا الكراهة.

الوجه الثالث: ما ذكرناه مراراً وفصلناه في مباحث التعارض من الاصول من انّ الاختلاف في ألسنة الروايات يدل على ان الامر من الموسّعات وقد اشير الى ذلك في بعض الروايات.

والجواب عن الاول: ان الكراهة في اصطلاحنا هي ما يقابل الحرمة أي الزجر غير الالزامي ولكن هذا لا يكفي في حمل الروايات عليه ولابد من ملاحظة تطور الالفاظ وقد ذكرنا ان اصالة عدم النقل لا اصل له بل لابد من الفحص عن القرائن ليعلم المعنى الذي يستعمل فيه اللفظ في تلك الازمنة وتلك الاوساط . والذي لاحظناه من موارد استعمال الكراهة في تلك الازمنة هو المعنى الجامع بين الحرمة والكراهة باصطلاحنا.

وهذا يستفاد ايضاً من كتب العامة المعاصرين للائمة عليهم السلام كموطأ مالك والامّ للشافعي وكانوا يعبرون بالكراهة في الموارد التي يعبّر فيها فقهاؤنا بالاحتياط الوجوبي وكذلك كانوا يعبرون بـ(لا ارخص فيه) ومورد هذه التعبيرات اما عدم ملاءمة الوضع الاجتماعي للتصريح بالحرمة واما التردد فيها من جهة ضعف المدرك. ولكنه بالنسبة للائمة عليهم السلام مختص بالوجه الاول.

فالكراهة في كلامهم عليهم السلام محمول على نوع من التورية. وللتورية في الروايات باب واسع. وقد ورد عنهم انا لا نعد الرجل منكم فقيهاً حتى يعرف معاريض كلامنا. والمعاريض هي التورية.

وقد ذكرنا في بحث حجية الظواهر ان حمل كلام الائمة عليهم السلام على ما يستظهر من كتب اللغة أو العرف المعاصر غير صحيح بل لابد من ملاحظة عرفهم الخاص والجو الفقهي الذي كانوا يعيشونه وملاحظة رموز كلامهم. وهكذا الكلام في الجمع بين الروايات ولذلك ذكرنا من وجوه الجمع الجمع الاستنباطي وهو الذي يستخرجه الفقيه بملاحظة هذه الخصوصيات وان لم يتنبه له العرف.

ومن هنا علم الجواب عن الوجه الثاني بل يقال بان كلمة (لا ينبغي) بمعنى لا يتيسر ولا يمكن.

واما الوجه الثالث فقد تبين جوابه مما ذكرناه في شرح الروايات وان اختلافها ليس اختلافاً في الحكم مع وحدة الموضوع والمورد بل كل منها له مورد خاص. فبعضها يختص بتأخر المرأة عن الرجل. وبعضها يختص بالحاجز. وبعضها يختص بمقدار الفاصلة.

فظهر ان الاحوط بل الاقوى هو القول الاول.

ويقع الكلام حينئذ في بعض الجهات الواردة في عبارة المصنف قدس سره فقد استثنى اولاً الحائل.

والمحتملات في الحائل وجوه:

الاحتمال الاول: ان يكون المراد به هو الحاجز عن الرؤية سواء كان جسماً خارجياً أو ظلمة او عمىً. وذهب الى ذلك الشهيد الثاني في روض الجنان. ونقله عن التحرير للعلامة.

ومنشأ هذا القول هو ان الحاجز في اللغة هو المانع وبمناسبة الحكم والموضوع يعلم ان المراد به هو المانع من الرؤية.

الاحتمال الثاني: ان يكون المراد به هو الجسم المانع من المشاهدة وهذا يظهر من السيد المصنف رحمه اللّه حيث قال والاولى ان يكون مانعاً من المشاهدة ومنشأ هذا الوجه ان الحائل انما يصدق في ما كان مقتضي الرؤية وشرائطها موجودة ويكون الحائل مانعاً عنها فلا يصدق في صورة عدم وجود المقتضي كالعمى أو عدم حصول الشرط كالظلمة.

وكلا الاحتمالين ضعيفان فانه لو سلمنا ظهور بعض الروايات في هذين المعنيين الا ان صحيحة علي بن جعفر تشهد على عدم العبرة بامكان الرؤية اذ المفروض فيها كون الحائط  غير مانع عنها لوجود الكواء.

الاحتمال الثالث: وهو الذي ذكره السيد الخوئي ايده اللّه في حاشية العروة بان نلتزم ان الحاجز والسترة بمعناهما الاصلي موضوعان وهو المذكور في الاحتمال الثاني الا ان مقتضى صحيحة علي بن جعفر المتقدمة وروايته الاخرى في قرب الاسناد الدالة على كفاية الحائط القصير هو التخصيص فنقول بان مطلق الحاجز الكافي للجواز هو الجسم المانع للمشاهدة الا اننا نقيده بهذين الموردين ففي الحائط القصير والحائط الذي به كواء لا مانع منه.

ولا يخفى ان هذا مع غض النظر عن الضعف الذي في رواية قرب الاسناد من جهة عبد اللّه بن الحسن.

الاحتمال الرابع: ان المراد بالحاجز هو السترة التي ذكرناها في اول المسألة. ولفهم معنى الحاجز لا يكفي مراجعة اللغة بل لابد من ملاحظة الاصطلاح الفقهي في ذلك الوقت والملاحظ هو انه كان يطلق على الرمح والرحل ومؤخرة الرحل ونظائرها. وقد عرفت ان الكبرى في روايات هذه المسألة وروايات السترة واحدة. والفرق بين رأي العامة ومفاد رواياتنا هو انهم خصصوها بصورة كون المرأة امام الرجل وعمموها لتشمل صورة عدم كونها مصلية بخلاف رواياتنا واما مفاد لفظ السترة فلا اختلاف فيه.

وينبغي التنبيه على ملاحظة هامة هنا وهي ان روايات الائمة عليهم السلام ناظرة الى فتاوى العامة ومصححة لاخطائهم. كما كان القرآن الكريم مهيمناً على الكتب السابقة ومصححاً للتحريف الوارد عليها وقد ورد في بعض روايات الحيض ذكر ثلاث سنن من سنن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم وتعيين مورد كل واحدة منها. وهي مذكورة بعين التعبير في كتب العامة مع تحيرهم في امرها فزعموا انها متعارضة فقال بعضهم بنسخ بعضها بعضاً ورجح بعضهم بعضها بالرواة. والامام عليه السلام يبين في الرواية ان لكل منها مورد خاص.

وبملاحظة هذا الامر وملاحظة فتاوى العامة في الباب وملاحظة روايات السترة المتقدمة يعلم ان المراد بالحاجز هنا هو نفس السترة وان رواية علي بن جعفر لا تكون مخصصة لها بل هي مفسرة لعنوان الحاجز وكذلك سائر الروايات.

انما الكلام في ان الدرجات الضعيفة من السترة التي تشمل حتى خطاً هل تكفي في اعتبار السترة أم لا؟

الظاهر انها لا تكفي وذلك لانها اولاً ملحوظة في الدرجة المتأخرة وفي صورة عدم التمكن من سترة غيرها. وثانياً ليس لها مدرك معتبر ورواياتها ضعيفة وثالثاً لا يناسب روايات الباب فقدورد فيها المنع من صلاتهما في المحمل مع ان هذا المقدار من السترة حاصل فيه.

وهذه الروايات تمنع ايضا من القول بكفاية الشبر في الفصل فان هذا المقدار من الفصل حاصل قطعاً في المحمل.

واستثنى المصنف ايضا البعد عشرة اذرع.

ولا ريب في ارتفاع الحرمة أو الكراهة بذلك. الا ان الوارد في موثقة عمار التحديد باكثر من عشرة اذرع وفي رواية علي بن جعفر التحديد بالعشرة وعليه الفتوى فما هو الوجه في التعبير الاول؟

قال في المستمسك: ان هذا التعبير لا ينافي كون الحدّ هو العشرة فصاعداً فانه متداول في لسان العرب ونظيره الآية المباركة: (فان كن نساءاً فوق اثنتين) فان المراد به اثنتين فما فوق.

ويمكن ان يقال ان هذا التعبير من باب لزوم مراعاة المقدمة العلمية في موارد التحديد بخلاف الآية الكريمة. والشاهد عليه انه لم يحدد فيها مقدار الاكثرية.

ويؤيّده ايضاً روايات الفصل بين المصلي والقبر بعشرة اذرع.

انما الكلام في ان الميزان في مبدأ التحديد بالعشرة هل هو موضع القدمين أم محل الجبهة أم هو المصلي في كل حال فاذا سجد كان المبدأ هو المسجد واذا ركع كان المبدأ رأسه واذا قام كان المبدأ ابهام قدمه؟ هذا كله في صورة التقدم وأما لو كانت بالجنب فلا اشكال في كون المبدأ هو الموقف.

ربما يقال: ان مقتضى وحدة السياق ووحدة المقيس اليه هو كون المبدأ هو الموقف كما هو الحال في المحاذاة بالجنب.

ولكنه ضعيف فان المقيس اليه يختلف حتى لو التزمنا بكونه هو الموقف فانه في صورة المحاذاة هو حافة القدم وفي صورة التقدم هو ابهامه.

والاولى ما ذكره المحقق الهمداني وهو الاحتمال الثالث.

المدار في المانعية هل هو الصلاة الصحيحة ام الاعم

 

قال المصنف: والمدار على الصلاة الصحيحة لولا المحاذاة والتقدم دون الفاسدة لفقد شرط او وجود مانع.

وتبعه اغلب المحشين. وذهب المحقق الثاني الى عدم الفرق وتبعه السيد الخوئي ايده اللّه.

ويمكن ان تبتني هذه المسألة على البحث عن الصحيح والاعم. وان كان ما ذكر هناك من الثمرة له من امكان الاخذ بالاطلاق وعدمه انما هو في مورد متعلقات الاحكام ومثل هذه الثمرة انما تترتب عليه من جهة كون الشيء موضوعاً لحكم فان صلاة المرأة في ما نحن فيه موضوع للحكم ببطلان صلاة الرجل اذا كان خلفها وكذلك العكس.

وحيث اننا نقول بالوضع للاعم فيترتب عليه عدم الفرق بين الصلاة الصحيحة والفاسدة في الحكم. الا ان في ترتب هذه الثمرة على بحث الصحيح والاعم كلاماً سيأتي.

وكيف كان فيمكن الاستدلال على كون المانع في المقام هو الاعم من الصلاة الصحيحة والفاسدة بوجوه:

الوجه الاول: ان الصلاة كما عرفت مرآة للاعم وليس في المقام قرينة على ارادة خصوص الصحيحة لما ذكرنا هناك من ان المستعمل فيه لفظ الصلاة هو نفس الماهية الخضوعية الاعتبارية وليس امراً مركباً.

والوجه في ذلك كما فصلناه في مبحث الحقيقة الشرعية ان لفظ الصلاة وسائر الماهيات الاعتبارية موضوعة اولاً للامور المادية المحسوسة ثم اطلق على الماهيات الاعتبارية بتفصيل مذكور هناك والصلاة في الاصل هو اللين ثم استعمل في اللين المعنوي أي الخضوع ثم على الماهية الاعتبارية الخاصة وهذه الماهية تختلف الاديان والمذاهب في تطبيقها.

وبهذا استغنينا عن البحث في تصوير الجامع على القول بالصحيح فان المستعمل فيه اللفظ في جميع المذاهب والاديان واحد الا ان هذه الماهية تجعل مرآة لمصداق خاص في كل من هذه المذاهب والاديان باختلاف انظارهم. لا انها وضعت له او استعملت فيه.

ومن هنا يتبين امكان تصوير البحث عن الصحيح والاعم حتى على مسلكنا وذلك لان البحث يقع في ان الماهية الاعتبارية في نظر الشارع هل جعلت مرآة للصلاة الجامعة للشرائط والاجزاء أم جعلت مرآة لكل ما يحتوي على الطهور والركوع والسجود مثلاً.

وكيف كان فالحق كما ذكرناه هناك هو ان لفظ الصلاة اما انه اسم للاركان أو مرآة لها على مسلكنا وعليه شواهد منها قوله عليه السلام (الصلاة ثلاثة اثلاث: ثلث طهور وثلث ركوع وثلث سجود) ومنها قوله عليه السلام (اول صلاتكم هو الركوع) الى غير ذلك.

وعليه فالصلاة عنوان يدل على الاعم اما بالوضع او المرآتية. فلو لم يكن في البين قرينة على ارادة خصوص الصحيح يحمل على الاعم.

وفي ما نحن فيه لا توجد قرينة تدل على ذلك وما في المستمسك من دعوى الانصراف ممنوع. فان الانصراف له حدود خاصة ومجرد كون الفرد اكمل الافراد لا يوجب انصراف المطلق اليه. بل لابد من كون مرآتيته له في مقام الاثبات اقوى من مرآتيته لسائر الافراد.

الوجه الثاني: ما يظهر من تقريرات بحث السيد الخوئي ايده اللّه. وهو ان الصلاة قد تقع موضوعاً للحكم وقد تقع متعلقاً للحكم وبحث الصحيح والاعم يختص بالصورة الثانية وما نحن فيه من الصورة الاولى فلابد من القول بان المراد بها في المقام هو الاعم كما هو الحال في جميع موارد جعلها موضوعاً للحكم.

والسّر فيه ان الصحة منتزعة من احد امرين: تمامية الماهية بلحاظ استجماعها للشرائط والاجزاء أو انطباق المأمور به على المأتي به بنفس اللحاظ.

ولا ريب في ان الصحة في مبحث الصحيح والاعم لا يمكن ان تكون منتزعة من انطباق المأمور به على المأتي به. وذلك لان هذا المعنى انما يتحقق بعد وجود المأتي به خارجاً. ولا يمكن اخذ الصحة المنتزعة من الوجود الخارجي للصلاة في متعلق الحكم بها اذ يلزم منه طلب الحاصل وغيره من وجوه الاشكال. فلابد من ان يكون المراد بالصحة هي المنتزعة من تمامية الماهية بلحاظ استجماعها للاجزاء والشرائط.

وهذا بخلاف الصلاة المأخوذة موضوعاً لحكم كما نحن فيه فان المراد بالصحة حينئذ هي المنتزعة عن المقام الثاني فالصلاة المانعة من صحة صلاة الآخر في المقام هي ما ينطبق عليها المأمور به. وقد عرفت ان هذا لا يدخل في مبحث الصحيح والاعم فلا يمكن جعله ثمرة له ولابد من ان يكون المراد بالصلاة في المقام الاعم من الصحيحة والفاسدة وان قلنا بوضعها لخصوص الصحيحة.

وما ذكره من عدم امكان اخذ الصحة المنتزعة من مقام تحقق المأمور به خارجاً في متعلق الامر به صحيح لا اشكال فيه. الا ان هذا لا يقتضي ان لا يكون المراد بالصلاة في المقام الصلاة الصحيحة. ونحن نسلّم ان من يقول بان لفظ الصلاة موضوع للصحيح لا يقصد به تماميتها من حيث انطباق المأمور به بل الماهية المستجمعة للشرائط والاجزاء وان هذه الماهية اذا اخذت متعلقاً للحكم لا توجد في الخارج بوصف كونها واجبة ولو قلنا انها واجبة فهو من قبيل الواسطة في العروض والمجاز في الاسناد فانها ليست واجبة بل هي مورد انطباق الواجب. بخلاف ما اذا اخذت موضوعة للحكم فان المراد بالصحة حينئذ هو انطباق المأمور به فيلاحظ فيها الوجود. والموانع من قبيل موضوعات الاحكام فلابد ان تكون الصحة في المقام بلحاظ وجود الصلاة خارجاً.

ولكن هذا الفرق لا يقتضي ان يكون المراد بالصحة في هذا المقام غيرها في مبحث الصحيح والاعم فان المراد بالصحة هو تمامية الماهية واستجماعها لجميع الاجزاء والشرائط الا انها اذا اخذت متعلقاً للامر اخذت مع قطع النظر عن الوجود وان كانت قابلة للوجود فاذا اخذت موضوعة للحكم كان بلحاظ الوجود. والصحة لم تختلف في المقامين فهي فيهما بمعنى التمامية، الا ان الماهية بوصف التمامية قد لا يلاحظ فيها الوجود فيقع متعلقاً للامر. وقد يلاحظ فيها الوجود فيقع موضوعاً للمانعية مثلاً ولكنها بعد فرض الوجود ينتزع منها معنىً آخر من الصحة وهي انطباق المأمور به على المأتي به. والصحة بهذا المعنى ليست مورداً للبحث بل بالمعنى الاول. فالمقام ايضاً داخل في مبحث الصحيح والاعم ويصح ان يجعل ثمرة له.

وبعبارة اخرى الفرق بين متعلقات الاحكام وموضوعاتها هو ان الصحة في الطائفة الاولى ليست الا بمعنى التمامية لعدم امكان المعنى الآخر وفي الثانية بالمعنيين الا ان مورد النزاع في الصحيح والاعم هو التمامية.

الوجه الثالث: ما ذكره المحقق الثاني في جامع المقاصد وهو انه لا ريب في بطلان الصلاتين اذا اقترن صلاة الرجل بصلاة المرأة فلو اريد بالمانع خصوص الصلاة الصحيحة لزم من وجود الاقتران بالمانع عدم الاقتران به وما يلزم من وجوده عدمه فهو باطل.

توضيح ذلك ان المفروض اقتران الصلاتين في الحدوث والقدر المتيقن من الروايات بطلان هذه الصورة. فان كان وجه البطلان هو اقتران كل منهما بطبيعي الصلاة مع قطع النظر عن الصحة والفساد فهو المطلوب. وان كان وجهه الاقتران بالصلاة الصحيحة لم يمكن ذلك اذ المفروض بطلان صلاتهما فلا يتحقق المانع وبعدم تحققه يحكم بصحة صلاتهما فيتحقق المانع وهكذا. فثبت ان فرض وجود المانع لو اريد به الصلاة الصحيحة يستلزم عدمه.

وقد اجيب عنه بوجهين:

الجواب الاول ما ذكره المحقق النائيني وهو ان المراد بالصحة، الصحة لا من هذه الجهة وهذا لا يختص بالمقام بل هذه الحيثية ملحوظة في جميع موارد بيان الشرطية والمانعية. فاذا قال المولى: صل الى القبلة فالمراد به هو اشتراط الصلاة الصحيحة مع قطع النظر عن القبلة باستقبالها. لوضوح ان الشرط ليس شرطاً للصلاة الباطلة بل للمكتوبة ولو فرضت مستجمعة لجميع الشرائط حتى القبلة لم يبق وجه لاشتراطها. وكذلك الامر في الموانع كما نحن فيه. فاعتبار مانعية تقدم المرأة انما هو في الصلاة الصحيحة مع قطع النظر عنه.

ويمكن دفعه بامرين:

الامر الاول: انه لا وجه للحاظ الصلاة في أدلة الاجزاء والشرائط مستجمعة لها من غير جهة الشرط المبين في الدليل فان قوله صلّ الا القبلة مثلا انما سيق لبيان دخالة القبلة في المأمور به. واما لحاظ تمامية الصلاة من جهة ساير الاجزاء والشرائط مقدماً على لحاظ هذا الشرط فلا وجه له.

وكأن هذا الوجه هو الذي سيق لرد ابي حنيفة حيث زعم ان مقتضى قوله صلى اللّه عليه وآله وسلّم لا صلاة الا بطهور ان الصلاة تتحقق اذا تحقق الطهور فاجيب بان المراد بالصلاة الصلاة التامة من غير جهة الطهور.

ولكن الجواب الصحيح ان الاستثناء من النفي لا يفيد الايجاب الكلي بل يفيد الايجاب الجزئي.

الامر الثاني: انه لو فرض ذلك فانما هو في الصلاة الموضوعة لدليل الشرطية والمانعية كصلاة الرجل المتأخر عن المرأة في المقام ولكن موضوع البحث هو الصلاة المانعة عن صحة صلاة الرجل وان المراد بصلاة المرأة المتقدمة هل هي الصحيحة أو الاعم.

الجواب الثاني ما ذكره المحقق الهمداني بعد الجواب عن الوجه الاول بما ذكرناه في الامر الثاني ان المراد هو الصحة من جميع الجهات ولكن الادلة لا تشمل صلاة المقترنين ومبنى دليل المحقق الثاني هو بطلان صلاة المقترنين ومقتضى الادلة هو بطلان صلاة المتأخر فقط اما المتقدم زماناً او المقارن حدوثاً فلا تبطل صلاته بحسب الادلة فلا مانع من كون الصلاة المانعة هي الصلاة الصحيحة من جميع الجهات. وصلاة المقترنين انما نحكم ببطلانها من جهة قيام البرهان العقلي عليه لا انه مقتضى الادلة. والوجه فيه ان الحكم بصحة صلاتهما معاً لا يمكن من جهة ان اللامحاذاة معتبرة في الصلاة قطعاً والحكم بصحة احدهما ترجيح بلا مرجح فيبقى الحكم بعدم صحتهما.

والجواب عنه ان مقتضى الادلة بل القدر المتيقن منها هو بطلان صلاة المقترنين خصوصاً روايات المحمل (104) واما عدم بطلان صلاة المتقدم فسيأتي الكلام فيه ان شاء اللّه تعالى.

في صلاة المتقدم زمانا من المراة والرجل المتحاذيين

قال المصنف: كما ان الكراهة أو الحرمة مختصة بمن شرع في الصلاة لاحقاً.

 

لابد من ذكر مقدمة قبل التعرض للبحث:

وهي: ان الامور التدريجية تحدث بحدوث اول جزء فوجود الجزء الاول اذا نسب الى الجزء كان وجود الجزء واذا نسب الى المركب كان وجود المركب ويصدق بقاء المركب ما دامت الاجزاء متتالية. فمعنى قولك اصليّ أي اوجد الصلاة وكما يصدق ايجادها بايجاد اول جزء يصدق بايجاد الاجزاء المتوالية. وقد ذكرنا في مبحث استصحاب الامور الزمانية في الاصول كيفية وجود المركب التدريجي بوجود اول جزء مع ان المركب لا يتحقق الا بتحقق جميع اجزائه.

وكيف كان فكلمة (اصلي) لا يدل الا على ايجاد الصلاة سواء كان باحداثها أو بابقائها. وحينئذ يقع الكلام في مفاد الروايات.

والظاهر ان مفاد روايات الباب هو التعميم وشمول المتقدم ايضاً.

الرواية الاولى: صحيحة عبد اللّه بن ابي يعفور قال: قلت لابي عبد اللّه عليه السلام: اصلي والمرأة الى جنبي وهي تصلي فقال: لا الا ان تتقدم هي أو انت ولا بأس ان تصلي وهي بحذاءك جالسة أو قائمة(105).

وهي تدل على الحكم في جملتين منها وتشعر به جملة ثالثة:

الاولى: قول الراوي (اصلي) فان كان المراد به احداث الصلاة حال كون المرأة بجانبه وهي تصلي فلا تدل على بطلان صلاة المتقدم زماناً.

وان كان المراد مطلق ايجاد الصلاة في هذه الحال فتدل على بطلان صلاة المتقدم زماناً ايضاً لشموله مورد الاستمرار في الصلاة وهذا هو الظاهر لما بيّناه في مقدمة البحث من أنّ المركبات التدريجية تتحقق بأول جزء وتستمر في الوجود الى آخر جزء ويصدق ايجاد المركب على ايجاد كل جزء منه فقولك (اصلي) كما يصدق حين احداث الصلاة كذلك يصدق بايجاد كل جزء منه في الاثناء. وعليه فموضع السؤال في صحيحة ابن ابي يعفور هو المانعية مطلقا احداثا واستمراراً فأجاب الامام عليه السلام بعدم الجواز واثبات المانعية. 

ومن هنا لو كانت المرأة في أول الصلاة متأخرة ثم تقدمت في الاثناء أو تأخر الرجل بطلت صلاتهما ولم نجد من تعرض لذلك الا الشيخ حسن نجل الشيخ جعفر كاشف الغطاء قدس سرهما في انوار الفقاهة ويظهر ذلك ايضاً من خلال كلمات المحقق الهمداني قدس سره حيث اوجب التأخر في الاثناء اذا كانت المحاذاة ابتداءاً لعذر كجهل معذر.

الجملة الثانية: قوله عليه السلام (الا ان تتقدم هي او انت).

وهي تدل من جهتين:

الاولى أن في التقدم احتمالان التقدم المكاني والزماني ولا يحتمل الاول اذ يقتضي ذلك صحة صلاتهما مع تقدم المرأة (106) فلا بد من الحمل على التقدم الزماني وحينئذ فالجملة في نفسها وبمقتضى اطلاق التقدم ظاهرة في تقدم المجموع على المجموع.

الثانية: أنه لو اغمضنا عن هذا الظهور فلا يحتمل ان يكون المراد التقدم الزماني في بعض الاجزاء فان لازمه صحة صلاة المتأخر ايضاً لتخيير الامام التقدم بينهما فلا يبقى الا احتمال التقدم الزماني في جميع الأجزاء.

وحيث ان هذا خلاف مفروض السؤال يكون استثناءاً منقطعاً ولا ضير فيه فان الظاهر رجوع الاستثناءات المنقطعة الى الاستثناء المتصل بعناية فقولك: جاء القوم الا حماراً انما صح باعتبار ان المراد بالقوم هم وجميع شؤونهم. والمراد في الحديث ان صحة الصلاة لا تتحقق في صورة المقارنة الزمانية ولو في بعض الاجزاء ابداً.

وعليه فلو فرضنا اجمالاً في السؤال من جهة الترديد الذي ذكرنا فهذا الجواب يبينه ويعين المعنى.

ويشعر بالحكم قوله عليه السلام: لا بأس ان تصلي وهي بحذاءك جالسة أو قائمة وهو ردّ على روايات العامة التي عمل بها الأخباريون منهم ومفادها بطلان الصلاة اذا كانت المرأة امام الرجل وان لم تصل الا اذا كانت معترضة وقد مرّ الكلام فيها. والمراد به ايضاً هو عدم البأس في مطلق ايجاد الصلاة لا خصوص الاحداث فان مورد كلام العامة هو مطلق الصلاة لا الشروع فيها. وهذا هو الظاهر من الحديث ايضاً مع قطع النظر عن الجو الفقهي للرواية.

وعليه فعدم اختصاص هذه الجملة بصورة احداث الصلاة في هذا الحال كما هو ظاهر اللفظ ومقتضى الجو الفقهي يشعر بان مورد الكلام في صدر الرواية ايضاً هو البطلان في صورتي الاحداث والايجاد الاستمراري.

وهذه الجملة تؤيد أمراً آخر ايضاً ذكرناه سابقاً وهو ان رواياتنا ناظرة الى روايات العامة وتخطئتهم في القول ببطلان الصلاة اذا كانت المرأة امام الرجل وهو يصلي وتخصيص الحكم بذلك بحال صلاتها وتعميمه للتقدم والمحاذاة.

وبذلك يظهر وجه النظر في ما ورد في تقريرات السيد البروجردي قدس سره من أن رواية ابن ابي يعفور لا دلالة لها بل ولا اشعار على بطلان صلاة المتقدم زماناً.

الرواية الثانية: صحيحة محمد بن مسلم قال وسألته عن الرجل والمرأة يتزاملان في المحمل يصليان جميعاً؟ فقال عليه السلام: لا ولكن يصلي الرجل فاذا صلى صلّت المرأة(107) .

وفي الرواية احتمالان:

الاول ما ذكره السيد البروجردي قدس سره من ان غاية مفاد الروايات عدم صحة صلاتيهما معا بمعنى انهما لو أرادا صحة صلاتيهما فليصل أحدهما أوّلا ثم الآخر ثانيا واما في غير هذه الصورة فلا تعرّض فيها للصحة مطلقا ولا البطلان ولا صحة إحديهما وبطلان الأخرى. (108) الثاني: ان المراد بالتزامل هو المحاذاة في المحمل وبالصلاة جميعاً هو المعية في الصلاة فمورد السؤال هو صورة المحاذاة والمسؤول عنه هو الصلاة جميعاً فمنعه الامام ومرجع المنع ان المأمور به لكل منهما مشروط  بعدم المعية مع الآخر. وعليه فكما لا تصح صلاة المتقدم لا تصح صلاة المتأخر ايضاً.

ويشهد لذلك ان التثنية في قوة تكرار المفرد فكأنه سأل عن صلاة كل منهما في حال الاجتماع والاجتماع وصف الصلاتين لا وصف الجوازين ثم عين الامام عليه السلام ان الجواز خاص بصورة تأخر احدهما زماناً.

ومن هنا يعلم المراد في كثير من الروايات كصحيحة زرارة المتقدمة حيث سأل عن صلاة المرأة عند الرجل فنفى الامام عنها الصحة الا بالتأخر فان كلمة (تصلي) تصدق على الاحداث والاستمرار.

وليس المراد من الصلاة جميعاً التقارن في الحدوث بل مطلق تقارن الصلاتين في الزمان ولو ببعض اجزائهما فنفاه الامام عليه السلام وخصّ صحة الصلاة بانتهاء الرجل من صلاته ثم شروع المرأة وليس المراد شروعها بعد شروع الرجل فانه يؤدي الى بطلان صلاتها جزماً.

الرواية الثالثة: صحيحة محمد بن مسلم ايضا عن احدهما عليهما السلام قال: سألته عن المرأة تزامل الرجل في المحمل فيصليان جميعاً فقال: لا ولكن يصلي الرجل فاذا فرغ صلت المرأة (109).

ويتبين وجه الدلالة مما سبق بل هي اوضح من سابقتها.

الرواية الثالثة: رواية ابي بصير قال: لا ولكن يصلي الرجل وتصلي المرأة بعده(110) .

ودلالتها ايضا واضحة كسابقتها.

وقد يتمسك لصحة صلاة السابق زماناً بوجوه:

الوجه الاول: الاستبعاد من تأثير صلاة المتأخر في صحة صلاة المتقدم.

ولا يخفى ضعف هذا الوجه وان الاستبعاد لا يقاوم الدليل مع انه غير مستبعد اصلاً.

الوجه الثاني: ان الظاهر من الادلة بطلان صلاة من يستند اليه المحاذاة وهو لا يستند في صورة التقدم والتأخر زماناً الا الى المتأخر.

وفيه انه لو سلمنا كون الموضوع من استند اليه المحاذاة فهذا العنوان مع المتأخر عامان من وجه فانه قد يصدق استناد المحاذاة الى المتقدم زماناً كما اذا تقدم الرجل في الصلاة وشرعت المرأة بعده وخلفه ثم تأخر الرجل في الاثناء. بل قد لا يستند المحاذاة الى احد منهما كما اذا كانا يصليان كل منهما في سفينة والسفينتان متقاربتان ثم تقدمت سفينة المرأة فاصبحا متحاذيين. هذا مع ان ظهور الروايات في كون الموضوع ذلك ممنوع.

الوجه الثالث: ان صلاة المتأخر زماناً باطلة والموجب للبطلان هو خصوص الصلاة الصحيحة.

وفيه اولاً انه لا خصوصية للصلاة الصحيحة كما عرفت.

وثانياً: ان بطلان خصوص صلاة المتأخر اول الكلام فان المدعى شمول المانعية للمتقدم بلا فرق بينه وبين المتأخر.

الوجه الرابع: ما رواه الشيخ عن العياشي عن جعفر بن محمد قال: حدثني العمركي عن علي بن جعفر (ورواه الشيخ بسنده ايضا عن علي بن جعفر) عن اخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن امام كان في الظهر فقامت امرأة بحياله تصلي معه وهي تحسب انها العصر هل تفسد ذلك على القوم؟ وما حال المرأة في صلاتها معهم وقد كانت صلت الظهر؟ قال عليه السلام: لا تفسد ذلك على القوم وتعيد المرأة صلاتها(111).

والخدشة في السند بان سند الشيخ الى العياشي ضعيف وجعفر بن محمد مجهول وأن في سند الشيخ الى علي بن جعفر احمد بن محمد بن يحيى ولم يوثق مدفوعة بان للشيخ قدس سره في الفهرست اسناد صحيحة الى علي بن جعفر.

وما ذكرناه سابقا من الاشكال في الرجوع الى الفهرست لتصحيح روايات التهذيبين لا يشمل المقام وذلك لاختصاص الاشكال بمن لم يكن السند اليه مذكوراً في المشيخة اصلاً واما اذا كان السند اليه فيها مذكوراً ولكنه غير معتبر فيمكن تصحيح السند اذا كان السند اليه صحيحاً في الفهرست.

والوجه فيه ما ذكره الشيخ قدس سره في نهاية المشيخة: (اني لم استقص الاسانيد في المشيخة ومن اراد التفصيل فليراجع الفهرست وسائر الفهارس). وهذا تصريح بان من ينقل سنده اليه في المشيخة له اليه اسناد آخر مذكورة في الفهرست.

والسؤال في هذه الرواية عن امرين: صحة صلاة المرأة وصحة صلاة المأمومين وقد حكم الامام ببطلان صلاتها وصحة صلاتهم.

والوجه في السؤال الاول احد امور: الاول قيامها بحيال الامام والمراد به اما التقدم أو القيام بجانبه مع ان الواجب هو التأخر. الثاني اقتداءها في صلاة العصر بظهر الامام وقد ذهب بعض الفقهاء ومنهم علي بن بابويه الى البطلان في هذه الصورة. الثالث: تقدمها على الرجال في الصلاة.

وعليه فلم يعلم وجه الحكم بالبطلان فالرواية مجملة من هذه الجهة.

والمهم بالنسبة لمسألتنا هو الحكم الثاني وهو الحكم بصحة صلاتهم. ويمكن ان يكون الوجه في ذلك احد امور:

الاول: ان صلاتها باطلة لجهة من الجهات فلا يضر تقدمها بناءاً على ان المناط في وجوب تأخر المرأة صحة الصلاتين فلا يضر التقدم ان كانت احداهما باطلة في نفسها.

الثاني: ان صلاتها متأخرة عن صلاة الرجال زماناً والحكم بالبطلان يختص بصورة تقدمها أو تقارنها.

الثالث: ان لا يكون تقدمها او محاذاتها مبطلة للصلاة وانما هو مكروه كما ذهب اليه المشهور.

الرابع: ان الفصل بمقدار الشبر موجب لجواز المحاذاة ومن البعيد وقوفها بجانبه مع عدم الفصل بهذا المقدار.

الخامس: احتمال ان يكون هناك حائل بينها وبينهم.

وحيث ان الاحتمال الخامس بعيد فلابد من الالتزام باحد الامور الاربعة وكلها مخالفة لما ذكرناه.

ولكن الاحتمال الرابع ايضاً بعيد لان الرواية مطلقة من هذه الجهة وهي في مقام الفتوى والاطلاق في مقام الفتوى مع كون الحكم مقيداً في الواقع قبيح.

وحل الاشكال أنّ هذه الرواية مربوطة بصلاة الجماعة وما نحن فيه هو البحث عن صلاة المنفرد والظاهر ان الحدود والقيود مختلفة في البابين وان عدّ البابان في الشرايع والمقنع واحداً.

ولابد قبل ذلك من ملاحظة فتاوى العامة لاستكشاف الجو الفقهي المؤثر في فهم مفاد الروايات.

والوارد في كتبهم بالنسبة لصلاة المنفرد عدم المانعية في محاذاة المرأة بل حتى في تقدمها. بل اعتبر ذلك عند بعضهم سترة عن المارة وانما المانع عند بعضهم في صلاة المنفرد هو عدم السترة عن مار من كلب او حمار أو امرأة.

واما بالنسبة لصلاة الجماعة فالظاهر من فقه المذاهب الاربعة ان أئمتهم غير الحنفية يجوزون محاذاة المرأة للقوم بل للامام ايضاً. والظاهرية والحنفية لا يجوزونها (112).

واما في فقه الشيعة فالاختلاف بين البابين هو الظاهر من كلمات جماعة ففي مفتاح الكرامة نقل عن العلامة قدس سره وجماعة القول بالكراهة في ما نحن فيه والحرمة في صلاة الجماعة. والملاحظ ان روايات الباب لا تعرض فيها لصلاة الجماعة اصلاً مما ينبئ عن اختلاف الحدود والقيود. والتأخر في صلاة الجماعة عن الامام شرط لا يختص بالمرأة. وقد ذكر هناك ان من تقدم من المأمومين بطلت صلاته خاصة ولا يؤثر تقدمه في صلاة الامام وسائر المأمومين بخلاف التقدم والتأخر في المقام. وقد ورد في الروايات والفتاوى وجوب تأخر المرأة عن سائر المأمومين في صلاة الجماعة. وهذا التأخر شرط خاص في صلاة الجماعة له احكامه الخاصة ومنها عدم بطلان صلاة الرجل اذا تقدمت عليه لما ذكرنا. ولا مانع من كون تقدم المرأة على الرجل في الصلاة انفراداً موجباً لبطلان صلاتهما وكون تقدمها عليه في الجماعة موجباً لبطلان صلاتها خاصة.

فتبين ان لا منافاة بين صحيحة علي بن جعفر وما ذكرناه وروايات الباب لا اطلاق فيها يشمل صورة صلاة الجماعة.

في مقدار تاخر المراة عن الرجل

 

قال المصنف: وترتفع ايضاً بتأخر المرأة مكاناً بمجرد الصدق وان كان الاولى تأخرها عنه في جميع حالات الصلاة بان يكون مسجدها وراء موقفه.

 

ما قاله المصنف (ره) هو أحد الاقوال في المسألة. وهنا اقوال اخر. منها وجوب ما جعله المصنف اولى. ومنها كفاية تأخرها بمقدار الشبر. ومنها وجوب جعل مسجدها محاذياً لموقف الرجل ذهب اليه المفيد وجماعة. ومنها وجوب كون الرجل متقدماً بصدره عنها في حال السجود.

ومدرك القول الاول الذي قواه المصنف هو ان الممنوع في الروايات هو المحاذاة وهي وان كانت تصدق بكونهما في خط واحد طولاً سواء تقدمت او تقدم الرجل الا ان المراد في المقام هو المحاذاة عرضاً ويرتفع صدق المحاذاة بمجرد التأخر.

ولكن سيأتي ان الأدلة لا تنحصر في ما تدل على مانعية المحاذاة.

والقول بكفاية الشبر يستند الى الروايات التي صرّح فيها بذلك كما مرّ ذكرها بناءاً على ان المراد التأخر بمقدار الشبر كما احتمله الشيخ قدس سره او مطلق الفصل بمقدار الشبر ليشمل التأخر والمحاذاة.

ولكن قد عرفت ان فيها احتمالاً آخر وهو ان يكون المراد ارتفاع السترة بمقدار الشبر. فهذان القولان ساقطان.

واما سائر الاقوال التي ذكرناها فيتبين مدركها من ملاحظة الروايات الواردة في التأخر.

منها رواية ابن فضال عن ابن بكير عمن رواه.. وروايته ايضا عمن اخبره عن جميل: في الرجل تصلي والمرأة تصلي بحذاه أو الى جانبه قال عليه السلام: اذا كان سجودها مع ركوعه فلا بأس وقد مرّ الكلام فيها وذكرنا انها مع ارسالها يحتمل فيها التصحيف بان يكون (ركوعه) تصحيفاً عن ركبتيه.

لا يقال ان فتح باب احتمال التصحيف يوجب وهن الروايات وعدم جواز العمل بها.

فانا نقول: انا لا نقول بحجية الخبر مطلقا بل الخبر الموثوق الصدور فلا بد من الوثوق بمتن الحديث وانما نحتمل التصحيف فيما كان قابلاً له كما اذا كان المتن مضطرباً او الرواية مرسلة أو مخالفة لفتوى القدماء فانهم كانوا يفتون بموجب نص الاحاديث او مخالفة لسائر الروايات.

ثم ان الاحتمالات فيها على تقدير عدم التصحيف كثيرة ايضاً فيحتمل كما قيل ان المراد كون سجودها محاذياً لموقفه حال الركوع.

ويبعّده انه لا خصوصية للموقف في حال الركوع عن غيرها من الحالات فالتخصيص بذكره ينافي الفصاحة التي هم عليهم السلام منابعها.

ويحتمل ان يكون المراد كون المسجد محاذياً لآخر جزء منه حال الركوع وحيث انه يتأخر بعجزه حال الركوع قليلاً فتكون الرواية شاهدة للقول بالتأخر عن الموقف وهو القول الثاني مما ذكرناها وهنا احتمالات اخر ايضاً.

وكيف كان فالرواية ضعيفة سنداً ومتناو دلالة.

ومنها رواية عمار الساباطي عن ابي عبد اللّه عليه السلام انه سئل عن الرجل يستقيم له ان يصلي وبين يديه امرأة تصلي قال: لا يصلي حتى يجعل بينه وبينها اكثر من عشرة اذرع وان كانت عن يمينه وعن يساره جعل بينه وبينها مثل ذلك فان كانت تصلي خلفه فلا بأس وان كانت تصيب ثوبه.(الحديث)(113).

وقد يتوهم ان المراد بذيل الحديث ان تأخر المرأة بمقدار تصيبها ثوبه في حال القيام يكفي في ارتفاع المنع وذلك بان تكون محاذية وقريبة منه الا انها تتأخر في الموقف بهذا المقدار وحينئذ فتكون الرواية مؤيدة للقول بكفاية الشبر.

وقد يتوهم ان المراد هو اصابتها ثوبه حال الجلوس او السجود فيكون بياناً لعدم وجوب التأخر اكثر من هذا المقدار اذا كانت خلفه بتمام جسمها وان كانت قريبة بحيث تصيب ثوبه.

ولكن الظاهر ان المراد امر آخر يظهر بملاحظة معنى الخلف عرفاً وتوضيحه ان الجهات بالنسبة الى كُلّ شخص تنقسم الى اربعة  تشكل كل منها ربع الدائرة التي هو مركزها وهي (الامام والخلف واليمين واليسار) فالمراد بالخلف هو ربع الدائرة الذي يقع خلفه. والراوي سأل عن خصوص الأمام إلاّ أنّ الإمام عليه السلام فصّل حكم سائر الشقوق ايضاً وهذا التفصيل قرينة على أن المراد الجهات الاربعة المستوعبة لمحيط الدائرة.

وعليه فالظاهر من الرواية ان المرأة اذا كانت في الربع الخلفي للدائرة لا حاجة الى الفصل بعشرة اذرع بخلاف الجهات الثلاث الاخرى .

وهل المعتبر في صدق كونها خلفه أن يكون موقفها خلف موقفه او كونها في جميع الحالات خلفه؟

الظاهر ان المعتبر كون موقفها خلف موقفه وان اصابها ثوبه فما دام يصدق عليها انها خلفه لا يجب الفصل بل يجوز الاقتراب بحيث تصيب ثوبه إلاّ أنّ المعتبر كونها في الربع الخلفي من الدائرة. واصابة الثوب لا خصوصية لها بل المراد عدم وجوب الفصل بمقدار عشرة اذرع في هذه الحال وحينئذ فتطابق هذه الرواية رواية زرارة الدالّة على كفاية تقدم الرجل بصدره.

إلاّ أنّه يشكل بان مقتضى رواية زرارة كفاية التقدم بالصدر حتّى في صورة كونها عن يمينه وشماله وحينئذ فان كانت عن يمينه وشماله ولكنها كانت بعيدة باقل من عشرة اذرع ولكن بحيث تقع في ربع الدائرة اليمينية او الشمالية باعتبار ان بعدها يوجب إتّساع محيط الدائرة الوهمية فهي تقع في ربع الدائرة وان تأخرت قليلاً فمقتضى رواية زرارة صحّة صلاتهما لتقدم الرجل بصدره ومقتضى هذه الرواية بهذا التفسير بطلان صلاتهما نظراً الى كونهما في اليمين وعدم الفصل بعشرة اذرع.

وعليه فلا بد ان نقيد هذه الرواية برواية زرارة في خصوص اليمين واليسار.

ومنها صحيحة زرارة عن ابي جعفر عليه السلام قال : سألته عن المرأة تُصلّي عند الرجل فقال عليه السلام لا تصلي المرأة بحيال الرجل إلاّ أن يكون قدامها ولو بصدره (114).

والحيال ظاهر في المحاذاة العرضية، والمراد بالتقدم بالصدر لا بد ان يكون في حال السجود، وبها نقيد رواية عمار في مثل الفرض المزبور فانها مطلقة من حيث التقدم والتأخر اذا كان الفصل في المحاذاة بمقدار عشرة اذرع ومقتضى اطلاقها كما عرفت بطلان الصلاة اذا كان الفصل باقل منها وان تأخرت قليلاً والمفروض عدم صدق الخلفية حينئذ ونقيد هذا الاطلاق برواية زرارة المستلزمة للصحة في هذا الفرض ان تأخرت قليلاً.

فالمستفاد من مجموع الروايات ان التاخر يصدق باحد امرين: كونها خلفه تماماً او تقدمه عليها بصدره.

يكفي كون احدهما اعلى من الآخر

قال المصنّف: كما أن الظاهر ارتفاعها أيضاً بكون احدهما في موضع عال على وجه لا يصدق معه التقدم أو المحاذاة وان لم يبلغ عشرة أذرع.

 

 البحث في جهتين.

الجهة الاولى: تقدير الارتفاع بحيث لا يحتاج الى ملاحظة ما ذكر من موجبات ارتفاع المانع كالفصل بعشرة اذرع .

الجهة الثانية : ان الارتفاع لو لم يكن بالمقدار المعين فما هو المعيار في تقدير الفاصل بينهما.

اما في الجهة الاولى فقد ذكر صاحب المدارك قدس سره ان النصوص مختصة بالسطوح المتساوية فالارتفاع كيفما كان يخرج المورد عن مفاد النصوص.

وهذا لا وجه له لاطلاق النصوص.

والمعتبر هو كون الارتفاع اكثر من طول قامة الشخص التحتاني وذلك لان المقياس في تعيين الأمام والخلف واليمين واليسار هو الخطوط الوهمية التي تبتدئ من جسم الانسان فاذا كان الارتفاع اكثر من قامته لم يصدق هذه العناوين لعدم التقائه  بهذه الخطوط.

واما في الجهة الثانية فقد يكون العلو دفعياً وقد يكون تدريجياً وعلى الثاني قد يكون الخط الموصل بين النقطة التحتانية والنقطة الفوقانية خطاً مستقيماً وقد يكون مقعراً وقد يكون محدّباً. وعلى الاول قد يكون الزاوية الحادثة من ارتفاع المكان حادة وقد تكون منفرجة وقد تكون قائمة فوقع البحث في ان المدار في تقدير عشرة اذرع هل هو موقف الشخص التحتاني الى اساس المرتفع ام الى موقف الشخص الفوقاني؟ . وجوه واحتمالات ذكرها الشهيد الثاني قدس سره في روض الجنان وقد اشتبه الامر على صاحب المستمسك قدس سره فرماه بالضعف وقد تصدى المحقق النائيني قدس سره في تقريراته لشرح مراده واغنانا عن هذا التفصيل المملّ.

والظاهر ان المدار في جميع ذلك هو الخط الوهمي المستقيم الموصل بين الموقفين ويمكن ان نعبر عنه بالبعد الفضائي في قبال البعد المكاني بخلاف المعتبر في مسافة السفر الموجب للقصر بين البلدين فان المعتبر هناك  هو البعد المكاني وان كان المسافة اقل من اربعة فراسخ بلحاظ البعد الفضائي.

وهذا معتبر في جميع الصور وان كان في مثل الزاوية المنفرجة والحادة اوضح. وقد يتفق البعدان في المقدار وهو في ما اذا كان العلو تدريجياً والخط مستقيماً.

ثم ان المحقق النائيني ادعى التفاهم العرفي في صورة التحدب والتقعر بان المعتبر هو ملاحظة البعد المكاني ولكنه ممنوع ولا فرق بين الصور في ان المعتبر هو البعد الفضائي بموجب النظر العرفي.

في اعتبار البلوغ في المانعية والممنوعية

 

المسألة 26: لا فرق في الحكم المذكور كراهة وحرمة بين المحارم وغيرهم والزوج والزوجة وغيرهما وكونهما بالغين او غير بالغين او مختلفين بناء على المختار من صحة عبادات الصبي والصبية.

الاقوال في اعتبار البلوغ في المانعية والممنوعية ثلاثة:

القول الاول: ما ذهب اليه المشهور من اختصاصهما بالبالغين فلا تبطل صلاة الرجل المتأخر عن الصبية ولا تبطل صلاة الصبية ايضاً.

القول الثاني: عدم الاختصاص مطلقاً وهذا مختار المصنف واكثر المحشين  فقالوا ببطلان صلاتهما في المثال المذكور .

القول الثالث: التفصيل باعتبار البلوغ في المانعية دون الممنوعية واليه ذهب صاحبا الجواهر والمستمسك قدس سرهما والسيد الخوئي ايده اللّه فقالوا بعدم بطلان صلاة الرجل وبطلان صلاة الصبية.

والكلام يقع تارة في الممنوعية وتارة في المانعية.

اما الكلام في الممنوعية فهو مبني اولاً على ما هو الحق من شرعية عبادات الصبي فهل صلاته مشروطة بعدم تأخره عن الجنس الآخر ومحاذاته له ام لا؟

قد عرفت ان المشهور هو عدم الاشتراط وخالف في ذلك جماعة واستدلوا على الاشتراط بان مقتضى الاطلاق المقامي في قوله عليه السلام: (مروهم بالصلاة وهم ابناء سبع) الّذي هو دليل شرعية عباداتهم ان يكون المعتبر في صلاة الصبي نفس الاجزاء والشرائط المعتبرة في صلاة الرجل.

ويمكن الجواب عنه اولاً بان دليل المشروعية ليس هذه الرواية بل لا يمكن الاستدلال بها لابتناء الاستدلال بها على ضميمة مقدمة اخرى وهي (الامر بالامر امر) وقد ذكرنا في محله ان هذه الكبرى ممنوعة فان الامر بالامر لا يدل على وجوب تبليغ الآمر الثاني اوامر الآمر الاول فاذا امر الأب ابنه ان يأمر عبده بكذا فلا يجب على العبد مالم يأمره الولد اذ ليس للوالد ولاية عليه وإنّما ولايته على الولد .

فظهر ان قوله عليه السلام (مروهم بالصلاة) لا يدل على ان الولي مأمور بتبليغ الولد الحكم الالهي بالصلاة فتكون صلاته مشروعة من هذه الجهة بل المراد بذلك بيان ما في صلاتهم من المصلحة لهم فيجب على الولي امرهم بالصلاة من جهة وجوب مراعاة مصالحهم.

ولو سلمنا ذلك فالشرائط على قسمين: الاول شرائط تحقق الصلاة من غير فرق بين افراد المصلي. الثاني: الشرائط المعتبرة في الصلاة بلحاظ خصوصية في المصلي كالمحاذاة فلا مانع من محاذاة المتجانسين مثلاً، وكالستر فانه مما يختلف فيه الرجل والمرأة.

فلو صح التمسك بالاطلاق المقامي إنّما يصح في القسم الاول لعدم الفرق فيه بين افراد المصلّي وإنّما هو شيء داخل في حقيقة الصلاة بخلاف القسم الثاني فلا يصح التمسك في اعتباره بالاطلاق المقامي.

بل يمكن التمسك في عدم الاشتراط باطلاق الصلاة في الاوامر العامة نحو (اقيموا الصلاة) فانها كما تتوجه الى البالغين تتوجه الى غيرهم من المميزين ايضاً كما ان الظاهر كونه كذلك في صدر الاسلام ثم حدث اختصاص التشريع بالبالغين. فاذا تم ذلك اي توجه هذه الاوامر الى الصبي نحكم بموجب الاجماع بارتفاع الالزام عنه فيبقى اصل المطلوبية ونتمسك باطلاقها المقامي لاثبات عدم الاشتراط بما ثبت اشتراطه في صلاة الرجل.

فتبيّن مما ذكرنا وجه مشروعية عبادات الصبي ايضاً.

الكلام في حديث رفع القلم

إلاّ انه يمكن الاعتراض على ذلك بان قلم التكليف مرفوع عن الصبي كما ورد في الحديث (رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يبلغ..الحديث) والتكليف امرٌ بسيط.

ولا يمكن دفع هذا الاعتراض بما ذكره السيد الحكيم قدس سره من ان المرفوع هو الالزام والملاك باق. فان كشف الملاك بعد ارتفاع الحكم يحتاج الى كاشف وهو مفقود.

والجواب عنه اولاً : ان هذا الحديث مروي في ثلاث مصادر:

المصدر الاول: كتب العامة كسنن الدارمي (115) وسنن ابن ماجة (116) ومستدرك الحاكم (117) ومسند احمد (118) ونظائرها والسند ينتهي الى عائشة. ولا شك ان الحديث المختص بهم لا يقع مدركاً للحكم الشرعي عندنا.

المصدر الثاني: كتب المناقب والمثالب من كتب الخاصة. ورواه الصدوق في الخصال عن حسن بن محمد السكوني عن الحضرمي في قضية من قضايا عمر انتهى الامر فيها الى حكم امير المؤمنين عليه السلام وهذا السند ضعيف جداً وفي سائر كتب المناقب منقول مرسلاً. ولا يعتمد على رواياتها في الاحكام.

المصدر الثالث: كتب الفقه المقارن كالغنية مثلاً. والوارد فيها الاحتجاج على العامة بروايتهم ذلك. وقد اشتبه الامر على الشيخ قدس سره حيث ظن أن قوله: (ويحتج عليهم بما رووه) احتجاج منه على الحكم، مع انه احتجاج عليهم فهو في مقام الافحام. ومن هنا يعلم حال انجبار السند فانهم لم يعتمدوا عليه الا في مقام الاحتجاج على الخصم.

هذا وقد ذكر صاحب الوسائل هذه الرواية في قضية عمر عن الارشاد للمفيد قال: روت العامة والخاصة ان مجنونة فجر بها رجل... الخ (119)

وهذا سهو منه والذي نسبه في الارشاد الى العامة والخاصة حديث آخر قبل هذا الحديث.

وفي الجواهر ان هذا الحديث رواه المخالف والمؤالف وان ابن ادريس ادعى الاجماع على روايته.

وقد عرفت حال رواية المخالف والمؤالف لهذا الحديث.

وثانياً: ان القلم المرفوع هو قلم المؤاخذة وحيث ان التكليف يشتمل على الوعد والوعيد فالمرفوع هو الوعيد دون الوعد فتبقى المطلوبية.

واما الكلام في المانعية فنقول: ان الروايات الواردة موضوعها المرأة فلا تشمل الصبية إلاّ رواية محمد بن مسلم عن احدهما عليهما السلام قال: (سألته عن الرجل يصلي في زاوية الحجرة وامرأته أو ابنته تصلي بحذاه في الزاوية الاخرى؟ فقال عليه السلام: لا ينبغي له ذلك فان كان بينهما شبر (ستر) اجزأه). (120) وذلك لقوله (او ابنته). ومثلها رواية الحلبي التي رواها ابن ادريس.(121) ولكن يمكن ان يقال بقرينة المقابلة ان المراد ليس البنت الصغيرة بل البنت بمعنى الانثى المتولدة منه.

وفي المقابل يمكن ان يقال ان السؤال مطلق والجواب كذلك فيشمل الصغيرة والكبيرة.

ولكن يحدث مما ذكرناه في الممنوعية من عدم الاشتراط ومن مقتضى هاتين الروايتين واطلاقهما قول رابع وهو التفصيل المعاكس للتفصيل السابق فتكون النتيجة أن صلاة الصبي والصبية صحيحة مع المحاذاة وصلاة الرجل والمرأة باطلة مع محاذاة الصبية والصبي. وهذا مما لم يلتزم به احد.

وقد اجاب المحقق الهمداني قدس سره بانصراف البنت في الروايتين الى الصغيرة.

ويدفعه ان منشأ الانصراف إن كان ندرة الوجود فهي ممنوعة خصوصاً في ذلك الزمان مع تأكيد الائمة عليهم السلام بأمرهن بالصلاة للتمرين، مضافاً الى أنّ  الانصراف المستند الى ندرة الوجود لا أثر له.

ويمكن الجواب ان هناك مسألتين موضوعتين للبحث آنذاك احداهما محاذاة الرجل للمرأة في الصلاة والاخرى ان المراد بالمرأة ما يعم غير البالغ ام لا؟ وقد ذكر في فقه الحنفية في صلاة الجماعة حرمة المحاذاة ولكن في خصوص المرأة المشتهاة. والسؤال في هذه الرواية لا شك انه في مقام البيان من الجهة الاولى والشك في انه من الجهة الثانية ايضاً في مقام البيان ام لا؟ وقد ذكر في الاصول ان الاصل في ما اذا كان الشك في اصل كونه في مقام البيان او الاجمال  هو انه في مقام البيان ولكن اذا كان اصله معلوماً وشك في كونه في مقام البيان من جهة اخرى فلا يقتضيه الاصل. وعليه فلا اطلاق في السؤال حتّى يحمل عليه الجواب.

الاضطرار الى المحاذاة في الصلاة 

المسألة 28: الحكم المذكور مختص بحال الاختيار ففي الضيق والاضطرار لا مانع ولا كراهة . نعم اذا كان الوقت واسعاً يؤخر احدهما صلاته. والاولى تأخير المرأة صلاتها .

  

لهذه المسألة صور:

الصورة الاولى: ان يكون الوقت واسعاً ولا يتمكنان من وضع حائل بينهما او الفصل بالمقدار المعتبر. ولا اشكال حينئذ في ثبوت المانعية لعدم صدق عنوان الاضطرار من جهة سعة الوقت. إلاّ ان الكلام في وجوب تقدم الرجل على المرأة زماناً نظراً الى ظاهر بعض الروايات المتقدمة ـ كما ذهب اليه الشيخ قدس سره ـ وعدمه وعلى الوجوب يحتمل كونه وجوباً شرطياً فتبطل الصلاة بدونه ويحتمل كونه وجوباً نفسياً.

والصحيح استحباب تقدمه للجمع بين تلك الروايات ورواية ابن ابي يعفور: (الا ان تتقدم هي او انت) بناء على ما عرفت من كون المُراد التقدم الزماني.

الصورة الثانية : نفس الفرض مع ضيق الوقت. وقد ذكر المحقق النائيني قدس سره في هذه الصورة ان المانعية لا تسقط بالاضطرار فان كان المكان لاحدهما صلّى دون الآخر وان كان مشتركاً صلّى من اصابته القرعة. والمشهور عدم سقوط الصلاة فيصليان معاً. والكلام إنّما هو في وجه عدم السقوط.

وما يمكن ان يذكر دليلاً لذلك وجوه :

الوجه الاول: التمسك بقانون (الصلاة لا تسقط بحال) ومقتضى هذا القانون تقدم الوقت على ادلة الشرائط والموانع.

ولكن نص هذا القانون ليس له مستند في الروايات وانما وردت هذه الجملة في مسألة خاصة من مسائل المستحاضة وليس قانوناً كلياً.

الوجه الثاني: التمسك بقاعدة (الميسور لا يترك بالمعسور) وحيث انهم وجدوا دليل هذه القاعدة غير مفيد على وجه العموم فلم يتمكنوا من تطبيقها في جميع المركبات الارتباطية فالتزموا بها في خصوص ما طبقها المشهور.

امّا اصل هذه القاعدة فقد ذكرنا في الاصول أنها لا اساس لها. وامّا متابعة المشهور في تطبيق هذه القاعدة لو فرضنا صحتها فهو مما لا يمكن الالتزام به اذ لا يجوز للمجتهد ان يُقلّد غيره في تطبيق الاصول الملقاة من الشارع. قال الامام الرضا عليه السلام: (علينا القاء الاصول وعليكم التفريع) (122) واحتمال كون التطبيق في تلك الموارد واصلة اليهم من مصادر التشريع يداً بيد لا شاهد له بل انما طبقوها اجتهاداً منهم في الادلة ولا بد من البحث عن تلك الادلة. والقول بالانجبار من حيث الدلالة بعمل المشهور غير صحيح.

الوجه الثالث : التمسك بقانون رفع الاضطرار. بتقريب أنّ المرفوع بحديث الرفع هو انتساب العمل الى صاحبه كما فصلناه في الاصول وعليه فالمحاذاة الحاصلة كأن لم تصدر عنهما للاضطرار فلا اثر له.

وما ذكر صحيح من حيث الكبرى إلاّ ان تطبيقه في محل البحث غير صحيح لاختصاصه بما اذا كان الاثر مترتباً على الشيء بالمعنى المصدري اي بلحاظ استناده الى الفاعل. واما اذا كان الاثر مترتباً عليه بالمعنى الاسم المصدري اي بلحاظ ذات الشيء كمانعية المحاذاة فلا يرتفع بحديث الرفع، والظاهر من الادلة ان المانعية اثر نفس المحاذاة وان حصلت من دون اختيار.

الوجه الرابع: التمسك بالحديث الوارد في عدة موارد: (ما من شيء حرمه اللّه الا وقد احله لمن اضطر اليه) بالتقريب الذي ذكرناه مراراً من أنّ المراد بالحلية ليس هو الاباحة وان الحلية ليس حكماً بنفسها وانما مفادها رفع عقدة الحظر. والمراد بالحظر كل ما هو ممنوع شرعاً سواء كان منعاً ذاتياً او عرضياً، فيشمل ادلة الاجزاء والشرائط والموانع. وقد استشهدنا لذلك بعدة روايات طبق فيها هذه القاعدة على مثل هذه الموارد.

وعليه فبموجب هذه القاعدة نلتزم بارتفاع المانعية للمحاذاة في حال الاضطرار.

الوجه الخامس: التمسك بقانون (لا تنقض السنة الفريضة) الوارد في ذيل حديث  لا تعاد. وقد ذكرنا مراراً ان الكبرى فيه هي هذه الجملة وان مفادها نفي الارتباطية المطلقة بين السنن والفرائض واثبات ان الارتباط بينها انما هو في حال عدم العذر. فاذا اتى بالفرائض وترك السنن عن عذر صحت صلاته او اي عمل آخر. وحيث ان اللامحاذاة ليس من الفرائض وانما هو من السنن فالاخلال به عن عذر لا يوجب بطلان الصلاة. وهذه القاعدة لا تخصّ الناسي كما ادعاه المحقق النائيني قدس سره بل يعم جميع الاعذار.

الصورة الثالثة : ان يحصل الاضطرار الى المحاذاة اثناء الصلاة فان كان في ضيق الوقت فلا اشكال في صحة الصلاة لما عرفت من صحتها اذا كان الاضطرار الى ايقاعها باجمعها في حال المحاذاة فكيف بايقاع بعضها فيها. وأمّا ان كان في سعة الوقت فهل تبطل الصلاة ام لا؟

يمكن القول بصحتها نظراً الى الوجهين الاخيرين من الوجوه المذكورة ولكن يمكن الاشكال في ذلك بان الاضطرار في هذه الحال لا يصدق الا بضميمة القول بحرمة قطع الصلاة وليس له دليل إلاّ الاجماع وشموله للقطع لعذر غير ثابت. مضافاً الى ان مقتضى اطلاق دليل المانعية بطلان الصلاة فلا يحصل الاضطرار لان دليل حرمة القطع لو شمل فانما يشمل الصلاة الصحيحة دون الباطلة.

والجواب عنه ان المعتبر في تطبيق قانون (لا تنقض السنة الفريضة) هو الاضطرار في نفس الفريضة لصدق الكبرى المذكورة اذا رفعنا اليد عن ما اتينا به من الفرائض من جهة الاضطرار الى الاخلال بالسُنن. ولذا نرى الفقهاء يتمسكون بالقاعدة في صورة نسيان احدى السُنن ولو في سعة الوقت.

نعم يتوقف التمسك بقاعدة (لا تنقض) على دخوله الركوع ثم حصول الاضطرار الى المحاذاة واما اذا كان قبله فهو مشكل من جهة ان تكبيرة الاحرام وان كان ركناً بمعنى بطلان الصلاة بالاخلال بها سهواً بموجب رواية خاصة إلاّ ان كونها من فرائض اللّه لم يدل عليه دليل ولا يستفاد من الركنية ذلك فان الفريضة عنوان خاص لا يصدق الا على ما ورد في الكتاب العزيز او صرّح بكونه فريضة في الروايات. وثبوت الارتباطية المطلقة لا يلازم كونه فريضة.

هذا كله في الاضطرار.

واما لو كانا جاهلين بالحكم فقد ذكر المحقق النائيني قدس سره على ما في تقريرات العلامة الآملي ان مقتضى اطلاق الادلة وان كان الالتزام بالمانعية حتى في صورة الجهل كما نلتزم به في سائر الموانع الا ان في المقام خصوصية تنشأ من مناسبة الحكم والموضوع وتقتضي الاختصاص بالعالم. ثم قال: ان مناسبة الحكم والموضوع وان لم يكن دليلاً مستقلاً في نفسه الا انه يوجب الانصراف في بعض الحالات ومنها هذا المورد.

وهذا ان صحّ استناده الى المحقق النائيني فجوابه اوضح من ان يخفى فان الانصراف له مناشئ عقلائية وشروط مذكورة في الاصول وهي مفقودة في المقام.

والصحيح في المسألة ان الجاهل ان كان جاهلاً بالحكم وقاصراً كما اذا اخطأ المجتهد او قلّد مجتهداً لم يصب الواقع فهو مورد قاعدة (لا تنقض) وان كان جاهلاً مقصراً لا تشمله القاعدة سواء كان متردداً أو غير متردد. وان كان جاهلاً بالموضوع فصلاته صحيحة لعدم وجوب الفحص.

الصلاة في الكعبة

المسألة 30: الاحوط ترك الفريضة على سطح الكعبة وفي جوفها اختياراً ولا بأس بالنافلة بل يستحب أن يصلي فيها قبال كل ركن ركعتين وكذا لا بأس بالفريضة في حال الضرورة وإذا صلى على سطحها فاللازم أن يكون قباله في جميع حالاته شيء من فضائها ويصلي قائما والقول بأنه يصلي مستلقيا متوجها إلى بيت المعمور أو يصلي مضطجعا ضعيف.

 

هذه المسألة مورد للنقاش عند علماء العامة والخاصة فذهب ابو حنيفة والشافعي الى الجواز مطلقاً سواء كانت نافلة او مكتوبة وذهب مالك الى جوازها في النوافل فقط وذهب ابن حنبل ومحمد بن جرير الطبري على ما في الخلاف إلى عدم الجواز مطلقاً وذهب المشهور من علمائنا إلى الجواز مطلقاً والظاهر منهم هو اتيان الصلاة بالنحو المتعارف. وذهب جماعة منهم الشيخ قدس سره الى عدم جواز المكتوبة فقط. واما النوافل فلا اشكال في جوازها في الكعبة، بل يستفاد من بعض روايات باب الحج استحباب اتيان النافلة في الكعبة بنحو خاص مذكور فيها. ويظهر من كلام المحدث الكاشاني وصاحب الحدائق القول بجواز المكتوبة مستلقياً مومياً.

ويقع الكلام اولاً في مقتضى القاعدة في المقام :

ذكرنا في باب القبلة انها هي عين الكعبة. والظاهر من ادلة وجوب الاستقبال هو كون المصلي خارجها متوجهاً اليها والظاهر انه لا يصدق الاستقبال اذا كان المصلي داخلها غير متوجه إلاّ الى جدرانها من الداخل (123) واما قوله تعالى: فولوا وجوهكم شطره. فالظاهر ان المراد بالشطر هو الجانب وليس له اطلاق يشمل الداخل في الكعبة ايضاً.

وقد يقال بان الخارج منها لا يستقبل الا جزءاً منها والداخل ايضاً يستقبل جزءاً منها فما هو الفرق بينهما؟!

والجواب ان هذا لا يوجب اطلاقاً في الدليل بحيث يشمل الشطر للجزء الداخل من الكعبة ويصدق الاستقبال. واما ان اريد بذلك القياس فهو باطل عندنا وان اريد تنقيح المناط فهو ليس قطعياً اذ يمكن ان يكون المناط هو صدق التعظيم وهو لا يصدق لمن يستقبل الكعبة بجزء ويستدبرها بجزء لو لم نقل بمانعية الاستدبار والا فهو مبطل.

وقال المحقق الهمداني قدس سره (ان الظاهر من الاستقبال هو كون المصلي خارجاً منها فهو لا يصدق على الداخل إلاّ ان دليل شرطية الاستقبال لا اطلاق له يشمل الداخل ايضاً والاطلاقات جارية مجرى الغالب . لا يقال : لو كان كذلك صحت صلاة الداخل وان لم يستقبل جزءاً منها بان استقبل الباب مفتوحاً بحيث لا يواجه جزءاً منها وذلك لان بطلان الصلاة حينئذ ثابت بالاجماع).

والجواب عنه ان انكار الاطلاق او حمله على الغالب لا وجه له والمجمعين ايضاً لا مدرك لهم إلاّ التمسك بالاطلاقات كما هو الملاحظ من كلماتهم عامة وخاصة.

والكلام ثانياً في مقتضى الادلة.

وقد استدل الشافعية والحنفية على جواز الصلاة فيها بالآية المباركة: (وعهدنا الى ابراهيم واسمعيل ان طهّرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود) (124).

استدل بها الفخر الرازي في تفسيره والجصّاص في آيات الاحكام.

وتقريب الاستدلال انّ المراد بالطائفين واضح والمراد بالعاكفين اما الاعتكاف المصطلح او الساكنون عندها او من اقبل اليها لا يصرف عنها وجهه كما في تفسير الرازي والمراد بالركع السجود المصلون. فامر اللّه تعالى بتطهير البيت للمصلين وهذا ظاهر في اعداده للصلاة فيه او عنده فهو مطلق يشمل صلاة الداخل . وقد قبل صاحب الحدائق رحمه اللّه هذا الاطلاق الا انه ادعى تقييده.

والجواب عنه بوجوه:

الاول: ان تطهير البيت قد يراد به خصوص الداخل وقد يراد به خصوص الخارج وقد يراد به الامران معا ولا بد في تعيين احدها من القرينة. والظاهر في ما وضع للتوجه اليه ولم يوضع للدخول ـ كما ان النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم لم يدخلها الا في حجة الوداع ـ هو تطهير الخارج ويشهد له ذكر الطائفين والعاكفين. والمحتملات التي تذكر في المراد بالتطهير تؤيد هذا المعنى ايضاً فمنها تطهيرها من دماء قرابين المشركين ومنها تطهيرها من الاصنام المعلقة على جدرانها.

الثاني: انه لو سلمنا كون المراد تطهير الداخل كما يستفاد من بعض روايات الحج الدالة على استحباب دخولها نظيفاً مع الاستشهاد بهذه الآية إلاّ أنّ تطهير داخل البيت للطائفين والعاكفين والمصليّن لا يدل على تطهيره لاجل هذه الاعمال فإذا قيل مثلاً لموظف المتحف: نظف المتحف اليوم للاعبي كرة القدم فلا يتوهم منه أنهم سيلعبون في المتحف وإنما يقصد تنظيفه واعداده لزيارتهم. فتطهير البيت للطائفين ليس إلاّ لاجل دخولهم فيه واداء عمل آخر من دعاء وغيره ويشهد له ذكر الطائفين والعاكفين مع انهما لا يتحققان داخله.

الثالث: انه لو سلمنا دلالتها على جواز الصلاة فلا نسلم اطلاقها بالنسبة للفريضة والنافلة لعدم كونها في مقام البيان من هذه الجهة مع ان النوافل ليست مشروطة بالقبلة على المشهور.

واستدل ايضاً بالروايات وهي كما يلي:

الرواية الاولى : رواية محمد بن مسلم عن احدهما عليهما السلام قال: لا تصلح (لاتصح) (لا تصل) (تصلح) صلوة المكتوبة في جوف الكعبة (125)

اما سندها فلا اشكال فيه انما الكلام في المتن والكلام من جهتين:

الجهة الاولى: ان مبدأ الحديث حسبما نقل هو لا تصلح ولا تصلّ ولكن صاحب الوسائل نقله بلفظ (تصلح) وقال: (اقول: لفظة لا غير موجودة في النسخة التي قوبلت بنسخة الشيخ وهي موجودة في بعض النسخ وعلى تقدير وجودها فهي محمولة على الجواز وما تقدم على الكراهة). وهذا جمع منه رحمه اللّه بين النسخ كما ذكره في كتابه من ان اختلاف النسخ كاختلاف القراءات زعماً منه انها جميعاً متواترة .

وكيف كان فالمحتملات ثلاثة :

الاول: (لا تصل) ومفاد الحديث حينئذ هو البطلان ظاهراً وذلك إمّا لدلالته على فقدان الشرط وهو الاستقبال كما ذكرنا او لدلالته على مانعية الاستدبار.

الثاني: (لا تصلح) ومفاده الكراهة كما ذكره الشيخ في الاستبصار.

الثالث : (تصلح) فيدل على الجواز صريحاً.

والثالث غير معتمد لان المقابلة لا تدل على عدم السقوط مع عدم العلم بضابطية المقابل فلا يقاوم النسخ المعروفة مضافاً الى ان الشيخ جمع بين الروايات بحمل روايات النهي على الكراهة ولذا حمل لا تصلح كما ذكرنا عليها فلو كانت هناك نسخة تصلح في تهذيبه لكان الاولى التمسك بها.

واما الآخران فيحتمل ان يكون احدهما نقلاً للآخر بالمعنى ويحتمل التصحيف كما احتمله صاحب مفتاح الكرامة.

وكيف كان فالترديد بينهما يوجب عدم الدلالة على الفساد.

الجهة الثانية : الكلام في ذيل الحديث فان صاحب المنتقى وصاحب الوافي وصاحب الحدائق نقلوا عن كتاب الحج من التهذيب انه (زاد: واما اذا خاف فوت الصلاة فلا بأس ان يصليها في جوف الكعبة). ومن المشاكل هو التمييز بين ذيل الاحاديث وكلام صاحب الكتاب في الكُتب الاربعة.

والصحيح ما صنعه صاحب الرسائل من نقله الرواية الى الحّد الّذي ذكرناه .

الرواية الثانية: صحيحة معاوية بن عمار عن ابي عبداللّه عليه السلام قال: لا تصل المكتوبة في الكعبة فان النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم لم يدخل الكعبة في حج ولا عمرة ولكنه دخلها في الفتح فتح مكة وصلى ركعتين بين العمودين ومعه اسامة بن زيد(126).

والكلام فيها من جهات:

الجهة الاولى: ان التعليل في ذيل الرواية هل هو زيادة من الرواة او صادر من الامام عليه السلام؟

الظاهر انه من الرواية لانها منقولة بطريقين مع هذه الزيادة ولم يثبت كون معاوية بن عمار من الفقهاء الذين يزيدون التعليلات وان احتمل ذلك من جهة ان هذا الاستدلال كان مشهوراً في تلك الاوساط وقد استدل به مالك لنفس المدعى. ومعاوية بن عمار روى عدم دخول النبي في الكعبة إلاّ في حجة الوداع وروى استحباب ركعتين فيها في كتاب الحج، فيحتمل ان يستشهد بما رواه هناك تعليلاً لما رواه هنا (127). ومع ذلك فلا شاهد على كون الذيل من الراوي ولا يبعد كونه ذيلاً للرواية.  

الجهة الثانية: ان بيان عدم دخول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم الكعبة الا في الفتح ليس لبيان عدم جواز دخولها اذ هو مستحب بل يظهر من بعض الروايات في كتاب الحج انه واجب للصرورة بل المراد بيان عدم تعدد الواقعة عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم فلا يحتمل ان يكون قد صلى الفريضة في بعضها حتى يبحث عن الناسخ والمنسوخ كما ذكره علماء العامة.            

واما وجه عدم دخوله صلى اللّه عليه وآله وسلّم مع ما ورد في الروايات من انه حجّ عشرين مرة هو ان كل ذلك كان قبل الهجرة ولا ريب ان البيت في ذلك الزمان كان بيد المشركين وكان احد المناصب المتعلقة به هو منصب الحجابة فلم يكن يسمح بدخوله الا لافراد معدودين. وسواء دخل وصلى في ذلك الزمان ام لم يصل لا اثر له في الحكم في ما بعد الهجرة لان منشأ الاشكال هو استقبال القبلة ولم تكن الكعبة قبلة في ذلك الزمان فلا مانع من دخولها والتوجه الى بيت المقدس.

الجهة الثالثة: ان بيان دخول اسامة معه مع ان بلالاً وطلحة ايضاً كانا معه انما هو لملاحظة وهو ان العامة رووا المنع عن الصلاة مطلقاً فيها عن اسامة فرووا عنه انه قال لم يصل النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم وانما كبّر الى جهات البيت ورووا عن بلال انه صلّى فالمراد بيان ان اسامة ايضاً شاهد صلاته صلى اللّه عليه وآله وسلّم رداً عليهم.

والعجيب ان الشافعي نقل الروايتين وما قبلهما وجمع بين الطائفتين بان الاثبات يتقدم على النفي فالتقديم لرواية بلال. وهذا  الكلام انما يصح في ما اذا لم تكن الواقعة امراً محسوساً واضحاً اذ لا يحتمل ان يكون اسامة معهم ولم ير صلاته صلى اللّه عليه وآله وسلّم مع وحدة الواقعة.

الجهة الرابعة: في بيان كيفية الاستدلال بهذا التعليل وهو يبتني على بيان مقدمتين:

المقدمة الاولى: ان الصلاة المشروطة بالقبلة لا تصح في الكعبة بمقتضى القاعدة كما ذكرناه في اول المبحث.

المقدمة الثانية: ان ما صلّاه  النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم كانت نافلة فاما ان نلتزم بعدم اشتراط الاستقبال في النافلة مطلقاً كما هو المحتمل وإمّا ان نلتزم به في موارد خاصة كمورد المشي والركوب وهذا مجمع عليه عند العامة والخاصة. ولعل هذا المورد من تلك الموارد. فلا يقتضي جواز النافلة جواز الفريضة لامكان التفكيك بينهما في وجوب الاستقبال اما مطلقاً او في بعض الموارد التي يحتمل ان يكون منها هذا المورد.

ومن هنا تبين وجه النظر في ما اورده الشافعي على هذا الاستدلال في كتاب الام في ذكر موارد الخلاف بينه وبين مالك.

قال في باب الصلاة في الكعبة من ابواب الخلاف في جواب من قال له: فانا نقول يصلّى فيه النافلة ولا يصلى فيه المكتوبة (قال في جوابه): (هذا القول في غاية الجهل ان كان كما قال من خالفنا: لا تصل النافلة ولا تصل المكتوبة. وان كان كما رويتم فان النافلة لا تصلح في الارض الا حيث تصلح المكتوبة ولا المكتوبة الا حيث تصلح النافلة. او رأيت المواضع التي صلى بها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم النوافل: حول المدينة وبين المدينة ومكة والمحصّب ولم يصل هنالك مكتوبة ايحرم ان يصلّى هنالك مكتوبة وان صلاة النافلة في موضع من الارض تدل على ان المكتوبة تجوز فيه). (128)

ومحصل الاشكال ان الفرق بين النافلة والمكتوبة ليس الا في حالة المشي والركوب والا فحيث تجوز النافلة تجوز المكتوبة فصلاة النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم النافلة في البيت تدل على جواز المكتوبة ايضاً.

والجواب هو منع الكبرى وهو انه متى جازت النافلة جازت الفريضة لانفكاكهما في وجوب الاستقبال اما مطلقاً او في الجملة.

ومن هنا ظهر ان التعليل في الرواية لو كان من الامام عليه السلام لكان كالتصريح بعدم جواز الفريضة في الكعبة نظراً الى بيان التفكيك بينها وبين النافلة من حيث اشتراط الاستقبال.

الرواية الثالثة: ما رواه الحسين بن سعيد عن الحسن بن علي بن فضال عن يونس بن يعقوب قال: قلت لابي عبد اللّه عليه السلام: اذا حضرت الصلاة المكتوبة وانا في الكعبة افاصلي فيها قال: صلّ (129).

واطلاقها يقتضي صلاة المختار فيها وهي صريحة في الجواز.

الرواية الرابعة: ما رواه الشيخ عن احمد بن الحسين (بنقل التهذيب) او احمد بن الحسن (بنقل الوافي) عن علي بن مهزيار عن محمد بن عبد اللّه بن مروان قال رأيت يونس بمنى يسأل ابا الحسن عليه السلام عن الرجل اذا حضرته صلاة الفريضة وهو في الكعبة فلم يمكنه الخروج من الكعبة فقال: استلقى على قفاه وصلى ايماءً وذكر قول اللّه تعالى اينما تولوا فثم وجه اللّه(130).

وهذه الرواية ضعيفة سنداً اما احمد بن الحسن فان كان هو ابن فضال فلم يعهد منه رواية عن علي بن مهزيار واما احمد بن الحسين فان كان هو الازدي الذي رتب مشيخة احمد بن محمد عيسى فهو ايضاً ليس له رواية عن علي بن مهزيار . واما محمد بن عبد اللّه فلم يوثق وليس له رواية غير هذه ولم يفت احد بموجب هذه الرواية، ولو صحت لدلت على عدم جواز الصلاة المكتوبة في الكعبة اختياراً.

الرواية الخامسة: ما رواه الكليني عن علي بن محمد عن اسحاق بن محمد عن عبد السلام بن صالح عن الرضا عليه السلام قال في الرجل الذي تدركه الصلاة وهو فوق الكعبة قال: ان قام لم تكن له قبلة ولكنه يستلقي على قفاه ويفتح عينيه الى السماء ويعقد بقلبه القبلة التي في السماء البيت المعمور.. الحديث(131)

وقد عمل بهذه الرواية جماعة من الفقهاء وادعى الشيخ الاجماع عليه في الخلاف. وهي وان كانت واردة في سطح الكعبة إلاّ أنّه لا يختلف حكم سطحها عن جوفها لان الكعبة قبلة من تخوم  الارض الى عنان السماء.

علي بن محمد واسحاق بن محمد

وهذه الرواية ضعيفة جداً. اما علي بن محمد فمجهول. واما اسحاق بن محمد فهو الذي قال فيه النجاشي: (وهو معدن التخليط له كتب في التخليط). وقال ابن الغضائري : (انه كان فاسد المذهب كذاباً في الرواية وضاعاً للحديث لا يلتفت الى ما رواه ولا ينتفع بحديثه وللعياشي معه خبر في وضعه للحديث مشهور والاسحاقية تنسب اليه)(132).

والعجيب من الكليني والشيخ وغيرهما كيف اعتمدوا على هذه الرواية مع هذا السند وهذا المتن المخالف لروايات العامة والخاصة مع ما فيها من الغرابة من جعل البيت المعمور في السماء قبلة يجوز استقبالها في الصلاة.

وكيف كان فمرجع اقوال علماء الامامية الى قولين:

احدهما ما ذهب اليه الشيخ في الخلاف وفي بعض مواضع النهاية والقاضي والمحقق البهبهاني واحتاط بموجبه المصنف قده وهو عدم جواز الصلاة المكتوبة فيها .

واستدل الشيخ قده بالاجماع ولعل منشأ دعوى الاجماع هو ورود هذا الحكم في كتاب التكليف الذي هو كتاب فقه الرضا لتفصيل ذكرناه مراراً من ارجاع اكثر الاجماعات الى ذلك.

وهذا واضح الضعف .

ويمكن الاستدلال برواية معاوية بن عمار المتقدمة وتعارضها رواية يونس ولكنها مردودة على مسلك الشيخ قدس سره من عدم جواز العمل باخبار الفطحية ونظائرها اذا خالف روايات اصحابنا وحسن بن علي ويونس بن يعقوب فطحيان. وحملها الشيخ قدس سره على الضرورة ولكن هذا الحمل كسائر محامل التهذيب ليس الا للتجنب عن طرح الرواية مهما امكن  وإلاّ فهو ضعيف في نفسه لظهور الرواية في اول الوقت حيث يقول حضرت الصلاة وانا في الكعبة.

ولكن الشيخ في بعض كتبه افتى بالكراهة.

ويمكن ان يقال ان الروايتين تتعارضان والمرجع ما استفدناه من الاطلاقات وهو المنع عن الصلاة فيها.

واما رواية محمد بن مسلم فلم يتبين ان صدرها (لا تصلح) او (لاتصل).

ويمكن حمل رواية معاوية بن عمار على الكراهة بقرينة رواية يونس بدعوى ان التعليل ليس من الامام عليه السلام.

واما ان قلنا بان التعليل من الامام عليه السلام كما هو الظاهر فقد عرفت انه كالنص في الحرمة فتعارض رواية يونس. إلاّ انها اكثر طريقاً واصحّ سنداً مع تأيدها بالاطلاقات التي هي المرجع لو تساقطتا بالتعارض كما ذكرنا.

فالالتزام بالجواز بموجب رواية يونس مشكل كما ان الفتوى بعدم الجواز لا يخلو من اشكال لاحتمال كون التعليل في رواية معاوية منه. فالاحتياط الذي ذكره المصنف قدس سره في محله.

واما الصلاة على سطح الكعبة فالكلام فيها هو الكلام في الصلاة  في جوفها فان القبلة ليست هي الكعبة فقط بل هي القبلة من تخوم الارض الى عنان السماء.

واما النهي الوارد في رواية شعيب بن واقد الطويلة التي تشتمل على نواهي النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم فهي غير معتبرة سنداً فان شعيباً لم يذكر في كتب الرجال عندنا وذكره الذهبي في ميزان الاعتدال ولم يوثقه وفي سنده ايضاً حمزة بن محمد العلوي وهو ايضاً لم يوثق وكونه من مشايخ الصدوق لا يوجب توثيقاً وهو يرويه عن عبد اللّه بن محمد بن عيسى الابهري وهو ايضاً غير مذكور في الرجال . وهو يرويه عن محمد بن زكريا الجوهري البصري الذي قيل فيه انه وجه من وجوه اصحابنا في البصرة وهو يرويه عن شعيب عن الحسين بن زيد ذي الدمعة وهو وان بالغ في تجليله المحدث النوري إلاّ انه لم يوثق. وقال النوري ان ابن ابي عمير روى عنه مع انه ذكر تاريخ وفاته سنة 135 وابن ابي عمير لا يروي عن الامام الصادق عليه السلام ووفاته سنة 148 ووفاة ابن ابي عمير سنة 217 فكيف يروي عنه.

 

 
 


(1 ) في التعليقة الشريفة (لا دليل يعتد به على اشتراطها فيه ولكن مع ذلك فالاحوط لزوما رعايتها..) عودة
(2 ) الوسائل ب3 من مكان المصلي ح1 عودة
(3 ) راجع الوسائل ب1 من الرهن. عودة
(4 ) الوسائل ب 56 من أحكام المساجد حـ1. عودة
(5 ) الوسائل ب102 من المزار حـ1. عودة
(6 ) الوسائل ب56 من احكام المساجد حـ2. عودة
(7 ) الوسائل ب17 من آداب التجارة ح2. عودة
(8 ) الوسائل ب3 من مكان المصلي حـ1 . عودة
(9 ) الوسائل ب3 من ابواب الانفال حـ6. عودة
(10 ) / عن أبي اسامة زيد الشحام عن أبي عبدالله عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله وقف بمنى حين قضى مناسكها في حجة الوداع ـ إلى أن قال : ـ فقال : أي يوم أعظم حرمة؟ فقالوا: هذا اليوم فقال: فأي شهرأعظم حرمة؟ فقالوا: هذا الشهر قال: فأي بلد أعظم حرمة؟ قالوا: هذاالبلد قال: فان دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى يوم تلقونه فيسألكم عن أعمالكم ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم قال: اللهم اشهد ألا من كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها فانه لا يحل دم امرئ مسلم ولا ماله إلا بطيبة نفسه ولا تظلموا أنفسكم ولا ترجعوا بعدي كفارا. الوسائل ج29 ص11 عودة
(11 ) ولكنه دام ظله علق على المتن بانه لا يعد تصرفا مطلقا حتى من المستولي على العين غصبا وغايته الانتفاع وهو غير محرم في نفسه عودة
(12 ) الوسائل ب 8 من وجوب الخمس ح5 عودة
(13 ) الوسائل ب12 من زكاة الانعام حـ1. عودة
(14 ) الوسائل ب2 مما يجب منه الخمس ح5. عودة
(15 ) الوسائل ب3 من الانفال حـ5. عودة
(16 ) الوسائل ب3 من الانفال حـ9 و 10. عودة
(17 ) الوسائل ب5 من الانفال حـ4. عودة
(18 ) الوسائل ب4 من الانفال حـ6. عودة
(19 ) الوسائل ب31 من ابواب الدين والقرض حـ5 عودة
(20 ) الوسائل ب28 من احكام الوصايا حـ1. عودة
(21 ) الوسائل ب13 من ابواب الدين والقرض حـ2. عودة
(22 ) الوسائل ب40 من الوصايا حـ1. عودة
(23 ) الوسائل ب10 من أبواب موانع الارث حـ1. عودة
(24 ) الوسائل ب29 من أحكام الوصايا حـ1. عودة
(25 ) نفس المصدر حـ2. عودة
(26 ) الوسائل ب1 من القصاص في النفس حـ3. عودة
(27 ) الوسائل ب3 من الانفال حـ6. عودة
(28 ) راجع ص135. عودة
(29 ) الوسائل ب8 من بيع الثمار حـ12. عودة
(30 ) نفس المصدر حـ2. عودة
(31 ) (30) نفس المصدر حـ3. عودة
(32 ) ورد في التعليقة عند قول المصنف: يجب قطعها (بمعنى انه لا يجوز له البقاء واتمامها كما انه ان عصى واتمها لم يجتزئ بها على الاحوط ، ومثلها في عدم الاجتزاء ما اذا اتمها في حال الخروج ــ ولو مع التوبة ــ أو اتمها فيما بعده وان فرض عدم فوت شيء من شؤون صلاة المختار بذلك بما فيه المولاة المعتبرة بين اجزاء الصلاة). عودة
(33 ) ورد في التعليقة عند قول المصنف يجب القطع (اذا بان له ذلك في السجدة الاخيرة أو بعدها فله اتمام الصلاة حال الخروج ولا يضره فوات الجلوس والاستقرار مع عدم الاخلال بالاستقبال ، واذا بان له قبل ذلك فله اكمالها بعد الخروج اذا لم يستوجب شيئاً من المبطلات كالالتفات وفوات الموالات ، ولو اتمها قبل الخروج فالبطلان مبني على الاحتياط المتقدم) . عودة
(34 ) ورد في التعليقة عند قول المصنف: بل الاقوى وجوب القطع (يجري فيه ما تقدم في المسألة السابقة) والوجه شمول قاعدة لا تنقض للمقام عودة
(35 ) الاسراء 78. عودة
(36 ) جامع الاحاديث جـ4 ص226 حـ627. عودة
(37 ) صرّح في بعض روايات الباب بان السبب هو الاضرار بالصلاة راجع التعليقة على حـ3 من نفس الباب في الوسائل طبعة الاسلامية.فالرواية في نقل التهذيب هكذا (قَالَ سَأَلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ يُسَافِرُ فَيَرْكَبُ الْبَحْرَ قَالَ يُكْرَهُ رُكُوبُ الْبَحْرِ لِلتِّجَارَةِ إِنَّ أَبِي كَانَ يَقُولُ إِنَّكَ تُضِرُّ بِصَلَاتِكَ هُوَ ذَا النَّاسُ يَجِدُونَ أَرْزَاقَهُمْ وَ مَعَايِشَهُم‏)التهذيب ج6 ص 380 عودة
(38 ) جامع الاحاديث جـ4 ص612 جـ1876. عودة
(39 ) (39) جامع الاحاديث جـ4 ص614 حـ1886. عودة
(40 ) جامع الاحاديث جـ4 ص 613و 614 حـ1883 و حـ1887. عودة
(41 ) (41) ص 615  حـ 1189. عودة
(42 ) جامع الاحاديث جـ4 ص600 حـ1835. عودة
(43 ) (43) نفس المصدر حـ1837. عودة
(44 ) جامع جـ4 ص599 حـ1833. عودة
(45 ) (45) نفس المصدر حـ1842. عودة
(46 ) (46) جامع جـ4 ص600 ح1836. عودة
(47 ) (47) جامع جـ4 ص240 حـ682 آخر الحديث. عودة
(48 ) جامع جـ4 ص400 حـ1271 صدر الحديث. عودة
(49 ) جامع الاحاديث جـ4 ص401حـ1274. عودة
(50 ) (50)  نفس المصدر ح1273 عودة
(51 ) جامع الاحاديث جـ4 ص402 حـ1279. عودة
(52 ) راجع جامع الاحاديث جـ4 ص396 ح1259 فما بعد. عودة
(53 ) جامع الاحاديث جـ5 ص80 حـ2435. عودة
(54 ) جامع جـ5 ص55 حـ2365. عودة
(55 ) جامع جـ5 ص121 حـ2568. عودة
(56 ) (56) الوسائل باب 3 من ابواب القراءة ح1 عودة
(57 )       (57) الوسائل باب 22 من ابواب صلاة الجنازة ح 2 عودة
(58 ) آل عمران 191. عودة
(59 ) جامع جـ5 ص72 حـ2405. عودة
(60 ) جامع جـ4 ص617 حـ1898. عودة
(61 ) يمكن ان يقال المفروض في السؤال عدم التمكن من القيام لا السجود الا انه ذكر للاضطراب نوعين لا يتمكن في احدهما حتى من السجود ولعل جواب الامام عليه السلام ليس في هذه الصورة باعتبار أن الذي لا يتمكن من السجود لا يتمكن من القيام منحنياً بطريق اولى فلعل المراد تقدم القيام اذا تمكن منه ولو منحنياً على الجلوس مع فرض تمكنه من السجود فلا يكون دليلاً على تقدم القيام موميا على الجلوس ساجداً. عودة
(62 ) جامع جـ5 ص76 حـ2421. عودة
(63 ) ( لعل عدم ذكرالامام عليه السلام للجلوس من جهة وضوحه مع فرض عدم التمكن من القيام. ثم ان الاحتمال الثاني هو الظاهر من النفي فان نفي الاجتماع بمعنى تمكنه من كل منهما منفرداً يحتاج الى قيد زائد مفقود. عودة
(64 ) جامع جـ5 ص71 باب 1 من ابواب القيام والنية. عودة
(65 ) الروايات التي يستفاد منها هذا المعنى بوجه مطلق بحيث لا يختص الحكم بالمريض كلها ضعيفة. مضافاً الى ان ظاهرها انها في مقام بيان تقدم القيام على الجلوس فقط وليست في مقام بيان تقدمه على الركوع والسجود ولو شك فليس لنا اصل يثبت كونها في مقام البيان من هذه الجهة بعد احراز عدم كونه في مقام الاهمال رأساً ولو سلمنا اطلاقها فيمكن تقييدها بالروايات الدالة على اهمية الركوع والسجود فتدل تلك الروايات على عدم تقدم القيام على الجلوس ان استوجب تركهما. عودة
(66 ) جامع جـ4 ص616 حـ1892. عودة
(67 ) جامع ج4 ص 618 ح1904. عودة
(68 ) يمكن ان يقال ان الايماء في السفينة ليس الا من جهة شدة الاضطراب وهي تمنع من القيام ايضا فالمراد بوجوب القيام غير هذه الصورة فليس لها اطلاق ولو كان مطلقا جرى فيه الكلام المتقدم ومنه يعلم الحال في الروايات التالية. عودة
(69 ) جامع ج4 ص 617 حـ1895. عودة
(70 ) ص 615 ح 1889. عودة
(71 ) ص 613 حـ1883. عودة
(72 ) جامع جـ2 ص130 حـ1229. عودة
(73 ) يمكن ان يقال ان التوصيف بالحسن كالشهادة بوثاقة الرجال الذين لم يعاصرهم الشيخ . عودة
(74 ) جامع جـ4 ص350 حـ1231. عودة
(75 ) جـ1 ص64. عودة
(76 ) ومن ذلك ما ذكره النجاشي في ترجمة محمد بن عبد اللّه بن محمد بن عبيد اللّه بن البهلول: (وكان في اول امره ثبتاً ثم خلط ورأيت جل اصحابنا يغمزونه ويضعفونه (الى ان قال) رأيت هذا الشيخ وسمعت منه كثيراً ثم توقفت عن الرواية عنه الا بواسطة بيني وبينه)  المعجم جـ1 ص64. عودة
(77 ) وسائل ب12 من مكان المصلي حـ2. عودة
(78 ) وسائل ب12 من مكان المصلي ح1 عودة
(79 ) نفس الباب حـ5. عودة
(80 ) نفس الباب حـ4. عودة
(81 ) ب11 جـ10 من مكان المصلي. عودة
(82 ) نقل في الموسوعة الفقهية الكويتية في كلمة (المحاذاة) القول بالبطلان بشروط تسعة عن الحنفية. عودة
(83 ) جامع الاحاديث ج4 ص422 حـ 1343. عودة
(84 ) جامع الاحاديث ج4 ص422 ح 1342. عودة
(85 ) نفس المصدر ح 1345 عودة
(86 ) راجع ذيل الحديث السابق عودة
(87 )  الظاهر على تقدير كونه شبراً هو ما ذكره الشيخ واما احتمال كون المراد ارتفاع السترة فبعيد جداً اذ لا يصدق حينئذ ان بينهما شبراً وانما يصدق ان بينهما شيء ارتفاعه شبر. وعلى تقدير كونه ستراً يجب حمله على ظاهره وهو ما يستر الانسان لا على السترة بالمعنى المتقدم اذ لم يظهر من الشارع اصطلاح في ذلك بل لم يرد في روايات السترةالتعبير بها اصلا وانما ورد التعبير بقوله (يستتر) في عدة روايات ضعاف مع ان ظاهر روايات السترة هو الاستحباب والستر فيما نحن فيه واجب. عودة
(88 ) جامع جـ4 ص424 حـ1350. عودة
(89 ) جامع جـ4 ص424 حـ1351. عودة
(90 ) جامع جـ4 ص421 حـ1340. عودة
(91 ) نفس المصدر ح1341 عودة
(92 ) الوسائل ب5 من مكان المصلي حـ9. عودة
(93 ) جامع جـ4 ص422 حـ1348. عودة
(94 ) نفس المصدر حـ1346. عودة
(95 ) نفس المصدر حـ1355. عودة
(96 ) جامع جـ4 ص422 حـ1354 عودة
(97 ) نفس المصدر حـ1356. عودة
(98 ) جامع جـ4 ص422 حـ1354 عودة
(99 ) جامع جـ4 ص425 حـ1358في العلل وضع (وعن يسارك) بين قوسين ايذانا بانه نسخة وهو الصحيح عودة
(100 ) جامع جـ4 ص422 حـ1344. عودة
(101 ) جامع جـ4 ص421 حـ1338. عودة
(102 ) جامع جـ4 ص421 حـ1339. عودة
(103 ) جامع جـ4 ص269 حـ1336. عودة
(104 ) روايات المحمل لا خصوصية فيها بالاقتران في الحدوث. عودة
(105 ) جامع جـ4 ص420 حـ1333. عودة
(106 ) خصوصا بملاحظة أن الاطلاق يشمل ما لو كان الفاصل اقل من المقدار المجاز عودة
(107 ) جامع جـ4 ص422 حـ1345. عودة
(108 ) التقريرات: ج1 ص 373 عودة
(109 ) جامع جـ4 ص425 حـ1359. عودة
(110 ) حـ1360. عودة
(111 ) جامع جـ4 ص426 حـ1362. عودة
(112 ) المحلى جـ4 ص17. عودة
(113 ) جامع جـ4 ص423 حـ1348. عودة
(114 ) جامع جـ4  ص423  حـ1346. عودة
(115 ) ج2 ص 171 عودة
(116 ) ج1 ص658 عودة
(117 ) ج1 ص258 عودة
(118 ) ج1 ص116 عودة
(119 ) ب8 من مقدمات الحدود حـ2  . عودة
(120 ) جامع الاحاديث ج4 ص422ح1345 عودة
(121 ) راجع ذيل الحديث السابق عودة
(122 ) الوسائل ب6 من ابواب صفات القاضي ح52 عودة
(123 ) لعل منشأ عدم صدق التوجه والاستقبال حينئذ من جهة ان الاستقبال الى شيء إنّما يصدق اذا كان مستدبراً بالنسبة الى غيره واما اذا كان محاطاً بالشيء قبلاً ودبراً فلا يصدق الاستقبال . عودة
(124 ) البقرة:125 عودة
(125 ) جامع جـ4  ص586  حـ1788  وحـ1789 . عودة
(126 ) جامع جـ4  ص586  حـ1791 . عودة
(127 ) راجع الوسائل جـ9 ص372 ب36 من مقدمات الطواف ح1 و3 و4 . عودة
(128 ) الام ج7 ص 189 عودة
(129 ) جامع جـ4  ص587  حـ1796. عودة
(130 ) جامع جـ4  ص588  حـ1797  . عودة
(131 ) جامع جـ4  ص585  حـ1786 . عودة
(132 ) معجم الرجال جـ3  ص66 . عودة