مكتب سماحة السيد مرتضى المهري

الاستصحاب - القسم الثالث


التنبيه السابع

في استصحاب الامور التدريجية

والبحث يقع تارة في الاُمور غير قارة الذات كالزمان واخرى في الاُمور قارة الذات إذا تقيدت بالزمان فهنا موضعان من البحث:
الموضع الاول:
البحث في الامور غير القارة ونذكر الزمان من باب المثال ويعلم من ذلك حكم غيره من الاُمور التدريجية. والزمان يطلق على معينين:
الأول: الآن السيّال وقالوا لا اشكال في وجوده وأنّ راسمه هو الحركة التوسطية كحركة الشمس بين المشرق والمغرب بمعنى كون الشمس بين المبدأ والمنتهى فانه موجب لتحقق النهار وهذا ليس امراً تدريجياً إذ يصدق على كل آن من آنات النهار أن الشمس بين المبدأ والمنتهى إلا ان هذا الزمان له وجود ممتد باعتبار تعدد الآنات لا انه امر امتدادي. فهذا المعنى لا اشكال في صحة استصحابه وهو من قبيل القسم الثالث من القسم الثالث من الكلي فان النهار وهو الآن السيال يوجد بطلوع الشمس ويتحقق في ضمن افراد متعددة كما ذكرناه في الحمرة مع اختلاف افرادها في الشدة والضعف.
الثاني: الأمر التدريجي وراسمه الحركة القطعية كمجموع اكوان الشمس بين المبدأ والمنتهى الموجب لتحقق النهار. وهذا من الكميات قال السبزواري (والكم ما بالذات قسمة قبل) فهو قابل للقسمة الى آنات.
وبعبارة اُخرى الزمان قد يلاحظ على نحو الكلي وقد يلاحظ على نحو الكل فالأول هو المعنى الاول حيث يقال لكل آن من آنات كون الشمس بين المبدأ والمنتهى أنه نهار وبقاء هذا القسم بتحقق الآنات المتلاحقة. والثاني هو المعنى الثاني فالنهار على هذا الاطلاق اسم لمجموع الساعات المحصورة ولا يتحقق الا بتحقق المجموع وهو قابل للقسمة بخلاف الأول فان الآن كالنقطة غير قابل للقسمة.
والمشهور بين الفلاسفة ان المعنى الثاني أمر وهمي لا واقعية له وانه نظير ما يرتسم في الخيال من الدائرة بالنقطة الجوالة مع انه ليس في الواقع إلا نقطة وكذا ما يرتسم فيه من الخط المستقيم بقطرة المطر. والزمان بمعنى الكم الامتدادي أمر يرتسم في الخيال بامتداد وجود الآن السيال وهو الموجود في الواقع الخارجي فقط .
ولكن صدر المتألهين والسبزواري قالا بانه امر واقعي موجود بالوجود الانتزاعي ومنشأ انتزاعه الآن السيال والموجود قد يكون موجوداً بوجود ما بحذائه وهو الأمر المتأصل وقد يكون موجوداً بوجود منشأ انتزاعه وهو الأمر الانتزاعي.
والذي يمكن ان نذكره دليلاً للقول المشهور امران:
الأول: ان كل آن من الآنات نسبته الى الزمان بالمعنى الثاني نسبة الجزء الى الكل وان كان انقسامه الى الاجزاء انقساماً بالقوة لا بالفعل فانه كم متصل يقبل القسمة. والكل لا يوجد بوجود جزئه وليس كالكلي حيث يوجد بوجود فرده فان الجزئية من شؤون المغايرة ولذا قالوا انها تنافي الحمل فلا يقال للخل انه سكنجبين مثلاً فان أساس الحمل هو الاتحاد الوجودي. ولا يقال للآن من آنات النهار انه نهار بالمعنى الثاني بل يقال بعض النهار ولو أطلق فهو من قبيل المجاز في الاسناد.
الثاني: انا لو سلمنا ذلك كما سلمناه في الكليات غير التدريجية ولكنه لا يتم في الاُمور التدريجية وذلك لان الكل يوجد بوجود جميع اجزائه فالمعتبر هو الاجتماع فاذا وجد الخل والعسل مثلا وجد السكنجبين والجزء ان لوحظ بحيال ذاته يعبر عنه بالجزء وان لوحظ بما انه معروض للوحدة يعبر عنه بالكل فالأول مع قصر النظر على حدوده الخاصة والثاني مع قطع النظر عنها. وهذا لا يتم في الاُمور التدريجية لعدم امكان اجتماع اجزائها في الوجود وهو المعتبر في تحقق الكل.
والجواب عن الأول: ان الكل لو لم يوجد بوجود جزئه لزم ان يقال ان الانسان ليس موجوداً بل الموجود هو الحيوان والناطق وكذا في المركبات الاعتبارية فيقال ان العسكر ليس موجوداً وانما الموجود هم الجنود. والصحيح ان الجزء قد يلاحظ لا بشرط فيقبل الحمل وقد يلاحظ بشرط لا فلا يقبل ولذا قالوا: ان الجنس والفصل يلاحظان لا بشرط ولذلك يحملان على النوع فان لوحظا بشرط لا عبر عنهما بالمادة والصورة.
توضيحه: أن هذين القيدين (لا بشرط وبشرط لا) تارة يطلقان في مجال الحمل وتارة في مجال اعتبار الماهية والاطلاقان متغايران وقد اشتبه الأمر على بعض الأعاظم والمراد من اللابشرطية في مجال الحمل قطع النظر عن حدّه وعن كونه بحيال ذاته فان الشيء اذ الوحظ بحدّه لا يقبل الحمل والاتحاد حتى مع جنسه وفصله فالانسان بحدّه مغاير للحيوان بحدّه لتغاير الحدّين، واذا لوحظ بما انه قابل للانسجام مع الحيوان كان هو اللا بشرط فيصح الحمل والاتحاد. والجزئية وان كانت تنافي الحمل إلا انه ليس مطلقاً بل بلحاظه بشرط لا فان لوحظ لا بشرط اي لا بحدّه الخاص يحمل على الكل ويتحد معه والا فكيف يحمل الجنس والفصل على النوع وبالعكس؟! والحمل عمل نفسي وليس إخبارا بالاتحاد الوجودي بين شيئين فحسب بل هو لحاظ الشيئين بنحو الكثرة في الوحدة فان لوحظا بنحو الكثرة لا يقبل الحمل وان صرحنا بالاتحاد الوجودي كما اذا قلت زيد متحد وجوداً مع الانسان فان هذا لا يعتبر حملاً.
والجواب عن الثاني: ان اجتماع الاجزاء على نحوين: اجتماع زماني واجتماع امتدادي فالأول كاجتماع الاُمور غير التدريجية في زمان واحد. والثاني اجتماع الاجزاء بحيث لا يتخلل بينها ما يضرّ بوحدتها على التفصيل الآتي في الوحدة، فكما يقال ان الكل غير التدريجي يوجد بوجود الاجزاء مجتمعة كذلك يقال في الكل التدريجي بوجوده باجتماع  الاجزاء اجتماعا امتداديا، فإن المقياس ليس هو الإجتماع الزماني فحسب بل اعم منه ومن الاجتماع الامتدادي. ومن هنا نرى العرف والعقلاء يعتبرون النهار بالمعنى الثاني موجوداً.  وهذا ليس من الاُمور الوهمية بل هو من قبيل التكثر في الادراك فان الامر الواقعي الواحد يتصور بوجوه متعددة كما ذكرناه في الفرق بين المعني الاسمي والحرفي من أن الاختلاف بينهما انما هو بلحاظ المعنى مع اللف والاندماج فيكون حرفاً وبدونه فيكون اسماً وكذلك الزمان فإن الموجود الخارجي واحد ولكن اللحاظ مختلف. وكما أن وجود الفرد وجود للكلي بالعرض كذلك وجود كل جزء من اجزاء الأمر التدريجي وجود للكل التدريجي بالعرض فالتكبيرة في الصلاة مثلاً ان لوحظت بحيال ذاتها فهي تكبيرة فقط وان لوحظت باعتبار تلاحق الاجزاء الصلاتية فهي صلاة.
ويتبين مما ذكرنا ان الاشكال خاص بوجود الزمان ومفاد (كان) التامه فما ذكره السيد الخوئي ايده الله من عطف مفاد (ليس) التامة عليه غير صحيح فان عدمه ليس تدريجياً.
وحيث  ذكرنا ان وجود الكل التدريجي هو وجود الجزء بلحاظ  الكثرة في الوحدة فلابد من تفسير الوحدة. والكلام يقع في ثلاث جهات:
الجهة الأولى: ان الوحدة في الاُمور التدريجية على قسمين اتصالية واعتبارية . فالاُولى كما في الزمان إذ لا انفصال فيه خارجاً والاتصال الوحداني مساوق للوحدة الشخصية فالوحدة هنا وحدة حقيقية وإنّما الكثرة اعتبارية باعتبار تقسيم الزمان الى الساعات والآنات فإنه أمر اعتباري والثانية ان تعتبر المتكثرات بدون اتصال امراً واحداً كالصلاة فانها مركبة من مقولات مختلفة وكذلك الكلام المتصل فانه وان كان من مقولة واحدة الا ان اجزاءه منفصلة بعضها عن بعض بالسكوت بل الكلمة الواحدة يمتاز بعض حروفها عن بعض فالوحدة هنا اعتبارية والكثرة حقيقية بعكس القسم الأول.
الجهة الثانية: ان الوحدة الاتصالية راسمها وجود واحد متصل وهو واضح وأما الوحدة الاعتبارية فهي دائرة مدار الاعتبار وهو دائر مدار المصالح والمفاسد والمناسبات، فقد يعتبر علم الطب مثلاً علماً واحداً إذا كان قليل المباحث وقد يعتبر علوماً متعددة إذا تكثرت المباحث ولذا قلنا بإن وحدة العلوم وكثرتها بحسب المصالح.
ومصححات الوحدة الاعتبارية اي مصححات الاعتبار فيها كثيرة، فقد يكون اعتبار الوحدة لوحدة العنوان كقراءة القرآن مثلاً ولذا لو قرأ بعدها الشعر متصلاً بها لا يعتبر المجموع قراءة واحدة لاختلاف العنوان. وقد يكون بوحدة الداعي والغرض فيعتبر الكلام واحداً إذا كان الداعي إليه هو الموعظة مثلاً فإذا تحول بعد ذلك الى كلام علمي اعتبر متعدداً وإن كان متصلاً به. وقد يكون من جهة وحدة المقتضي الطبيعي له كالدم السائل من المرأة الحائض فإنه يعتبر حيضاً مادام من العرق الخاص فان تبدل العرق الى عرق آخر كان استحاضة وان كان الدم متصلاً لاختلاف المقتضي الطبيعي له.
الجهة الثالثة: ان المركبات التدريجية قد لا تقبل إلا القسم الأول من الوحدة وقد لا تقبل إلا الثاني وقد تقبل الأمرين. فالأول كالزمان فإنه لا يقبل الوحدة الاعتبارية إذ لابد من كون الاعتبار مخالفاً للأمر التكويني وهو واحد تكويناً كما انه لا يصح اعتبار الاسدية للاسد الواقعي وانما يصح ذلك في الرجل الشجاع. والثاني كالتكلم لحدوث الفصل القطعي الضروري بين اجزائه والثالث كالسفر فإذا تحرك من بلد الى بلد ولم يتوقف في الطريق كان سفراً واحداً بالوحدة الاتصالية وان توقف ولكن كان الغرض واحداً اعتبر سفراً واحداً وان تكثر في الحقيقة.
ومن هنا يتبين امران :
الأول : أن ما ذكره المحقق الخراساني قدس سره من أن تخلل العدم في المركبات التدريجية إذا لم يكن له اثر عند العقلاء لا يضر بالاستصحاب صحيح، وان اعتراض السيد الخوئي ‹ايده الله› كما في مباني الاستنباط غير وجيه فان نظره الى نوعي الوحدة وأنّ تخلل العدم قد يضرّ بالوحدة كما في الاُمور الاتصالية كالزمان أو ما هو موضوع للحكم بما انه واحد بالوحدة الاتصالية كالسفر إذا اشترط فيه عدم التوقف. وقد لا يضر بالوحدة وهي الوحدة الاعتبارية طبعاً فهو لا يقول بأن الوحدة الاتصالية محفوظة وان توقف سيلان الدم مثلاً كما ربما يتوهم.
الثاني: ان ما ذكره المحقق النائيني قدس سره من ان السفر يتعدد اذا تعدد الغرض ولا يجري فيه الاستصحاب لكونه من القسم الثاني من القسم الثالث من الكلي والدم يتعدد إذا تعدد المقتضي له صحيح أيضاً لما ذكرناه. واعتراض السيد الخوئي ‹أيده الله› بان الوحدة تدور مدار الاعتبار سواء تعدد الداعي والمقتضي ام لا غير وارد لما عرفت من احتياج الاعتبار الى مصحح.
المقام الثاني
فيما كان المأمور به مقيداً بالزمان ويقع البحث في موردين:
المورد الأول: في الشك في بقاء الزمان بنحو الشبهة المصداقية.
والزمان يلاحظ على وجهين:
الوجه الأول: ان يلاحظ مقداراً لامتداد العمل فلا يكون بنفسه قيداً له بل القيد هو المرئي به وهو الامتداد الذي هو من شؤون الفعل وصفاته. والزمان حينئذ مقياس للكمية وهو بهذا المعنى من مقولة الكم كالمتر الذي يلاحظ مقداراً لمساحة القماش مثلاً كما أنك لو طلبت قماشاً بقيمة كذا فان القيمة المخصوصة لم تلاحظ بنفسها جزءً للمطلوب وإنما لوحظت بما انها مقياس ومرآة لمقدار القماش المطلوب. ومثال هذا القسم : زر الحسين عليه السلام ساعة واحدة مثلاً.
الوجه الثاني: ان يلاحظ بنحو الظرفية نحو زر الحسين عليه السلام يوم عرفة فانه ليس مقياساً ومحدداً بل المقصود ارتباط الزيارة بيوم عرفة ارتباطاً ظرفياً وــ بعبارة ادق ــ ارتباط الزيارة وتقيدها بمقارنة يوم عرفة. وهيئة العمل بالنسبة الى هذا الزمان من مقولة متى.
اما في الوجه الاول فلا يختلف الحال بين ان يكون الزمان عنواناً بسيطاً نحو صم في النهار، او مركباً نحو زر الحسين عليه السلام ساعة واحدة، فإن كلاً منهما لتحديد الوقت وامد الفعل فاذا شككنا في انتهاء الامد المعتبر تجب ادامة الصوم والزيارة لان الاصل عدم انتهاء الامد، فان الساعة الواحدة مثلاً مرآة لمقدار الزيارة المطلوبة وليست معتبرةً بنفسها فتجب الزيارة بمقدار يعلم تحقق المطلوب كما انه اذا شككنا في تحقق الامساك المعتبر اي من الفجر الى الليل تجب ادامته. ويمكن استصحاب بقاء الساعة الواحدة وعدم حدوث الليل أو بقاء النهار. ولا اشكال في صحة هذا الاستصحاب. والظاهر ان هذا القسم خارج عن محل الكلام.
واما الوجه الثاني وهو ان لا يكون تحديداً للكمية ومرآة لمقدار الامتداد بل هو ظرف مقارن للعمل نحو تجب الصلاة في النهار مثلاً فهل يمكن اجراء الاستصحاب اذا شككنا في بقاء النهار أم لا؟
وهذا القسم ينقسم الى قسمين:
القسم الأول: ان يكون الزمان مأخوذاً على نحو النعتية نحو تجب عليك الصلاة النهارية، فلا اشكال في ان مجرد استصحاب بقاء النهار لا أثر له لما ذكر في الأصل المثبت من ان استصحاب الوجود المحمولي لا يثبت الوجود النعتي ولابد من احراز اتصاف الصلاة بوقوعها في النهار. نعم اذا كان متصفاً بكونه في النهار سابقاً كما اذا شرعنا فيها كذلك يمكن استصحاب هذه الصفة اما ان لم يكن بنحو كان الناقصة مسبوقاً كما اذا شرعنا بها في زمان الشك لا يفيد الاستصحاب . فهذا القسم أيضاً خارج عن محل الكلام. ومن هنا يتبين ان جواب المحقق الخراساني لا يجدي في المقام فان محل الكلام هو القسم الثاني .
القسم الثاني : ان يلاحظ الزمان لا على وجه النعتية بل على وجه الظرفية نحو صلّ في النهار. فهل يمكن اجراء استصحاب بقاء الزمان واثبات وقوع الصلاة في النهار أم لا؟ وهذا يليق بكونه محلاً للبحث. والظاهر جريان الاستصحاب.
ومنشأ الاشكال فيه ان الواجب ملحوظ مرتبطاً بالزمان بنحو الظرفية. والاستصحاب يثبت بقاء النهار وتحقق الصلاة وجداني إلا ان الظرفية لا يمكن احرازها بذلك فان اثباتها يتوقف على حجية الاصل المثبت، خصوصا بناءاً على ما ذكرنا من عدم الفرق بين الحرف والاسم الا بالاجمال والتفصيل.
وهناك طرق لحلّ الاشكال:
الطريق الأول: ما ذكره المحقق العراقي من جريان الاستصحاب التعليقي في المقام . والمستصحب هو كون هذا العمل بحيث لو تحقق قبل زمان الشك لكان في النهار قطعاً .
والجواب ان الاستصحاب التعليقي غير جار اولاً وعلى تقدير جريانه مختص بالاحكام دون الموضوعات ثانياً كما سيأتي ان شاء الله تعالى.
الطريق الثاني : ما ذكره جماعة من الاعاظم من أن الزمان المستصحب ملحوظ بنحو (كان الناقصة) وان هذه الصلاة وقعت في زمان قطعاً ونستصحب كون هذا الزمان متصفاً بالنهارية كما ذكره السيد الخميني ‹أيده الله› أو نستصحب تحقق النهار فيه كما ذكره السيد الحكيم قدس سره في المستمسك في باب الصوم وفي باب اليتمم في ضيق الوقت.
ومبنى الرأي الأول ان الزمان امد موهوم وينقسم الى قطع وهذه القطع كالنهار والليل وشهر كذا وسنة كذا كلها نعوت للزمان فاذا قلت في النهار أي في زمان متصف بالنهارية فالمستصحب أمر مركب من الوصف والموصوف يحرز أحدهما بالأصل والآخر بالوجدان.
ومبنى الرأي الثاني أن ظرف العمل هو الامد الموهوم وهو أيضاً ظرف للنهار. فقوله صم في النهار أي صم في زمان فيه النهار فالمستصحب هو كون النهار في هذا الزمان.
والسؤال يقع في أن النهار والليل ونظائرهما هل هي اسام لقطع من الزمان أم أوصاف لها؟ ومعنى الأول ان قطعة من الزمان اسمها الليل واُخرى اسمها النهار وهكذا ومعنى الثاني ان ذلك من قبيل الصفة والموصوف فالزمان تعرضه الليلية والنهارية وغير ذلك فهل النظر العرفي يؤيد الأول أم الثاني؟ وهل بين الزمان والنهار مغايرة الوصف والموصوف أم مغايرة الظرف والمظروف ام ان النهار اسم لقطعة من الزمان ؟
ولعل القائل بالظرفية لاحظ ان كون الشمس بين الحدين امر واقع في النهار فظن انه الزمان مع ان الزمان ليس هو حركة الشمس وإنما هي محددة للزمان ومبينة له كالساعة والزمان أمر آخر وراء ذلك. وكذلك القول بالوصفية مع ان هذه الاسامي الموضوعة لقطع الزمان لم تلاحظ بنحو الوصفية على الظاهر بل بعضها لم يعلم معناها أيضاً كاسامي أيام الاسبوع في الفارسية مثلاً ولا أقل من ان يقال ان الوصفية لا شاهد لها.
وكيف كان فقد اعترض الشيخ قدس سره على هذا الوجه وتبعه المحقق النائيني قدس سره والسيد الخوئي ‹أيده الله › بأن هذا الزمان متى كان نهاراً حتى يستصحب فان النهار وصف لقطعة خاصة. والحاصل أن كون هذا الزمان نهاراً ليس له حالة سابقة حتى يستصحب وكذا كون النهار في هذا الزمان.
وقال بعض الاعاظم: لا تسمع هذه الدعوى نظراً الى ان هذا الكلام يستلزم انكار الوجود الامتدادي للزمان فانه لو كان ممتداً لم يكن له حال واستقبال.
والجواب ان مقتضى الامتداد ليس عدم تقسيمه الى حال واستقبال وذلك لان تقدم كل شيء وتأخره بالزمان وتقدم الزمان وتأخره بنفسه والزمان الملحوظ كمّاً ــ كما هو المفروض ــ ينقسم الى اجزاء متقدمة وحالية واستقبالية والصلاة لم تقع في مجموع هذه القطع بل في قطعة خاصة فلابد في استصحاب النهارية فيها ان تكون مسبوقة بهذا الوصف.
الطريق الثالث: وهو مقتضى التحقيق في المقام ان الحروف التي تمثل ارتباط المعاني الاسمية بعضها ببعض تختلف من حيث المفاد فقد يكون مفاد الحرف تجمع الشيئين في الزمان فحسب وقد يكون مفاده مضافاً الى ذلك نوعاً من انواع الارتباط الخاص. فالأول نحو لا صلاة الا بطهور، فان الباء لا يفيد الا اعتبار مقارنة الصلاة للطهور في الزمان. والثاني كقولك زيد في الدار فانه لا يفيد التجمع في الزمان فحسب بل يفيد الظرفية ايضاً وكذا زيد على السطح فانه يفيد الاستعلاء وهكذا فان كان مفاد الحرف محض التجمع يكفي استصحاب الطرفين في اثبات المطلوب فاذا شك في بقاء الطهارة نستصحب الطهارة ويتحقق كون الصلاة بطهور ولا يحتاج الى اكثر من تحقق الصلاة واتصاف المصلي بالطهارة إذ لا ارتباط بين الصلاة والطهارة أزيد من التجمع الزماني والاستصحاب يفيد بقاء الطهارة في الزمان فلا يكون من الأصل المثبت.
وان كان مفاد الحرف ارتباطاً آخر وراء التجمع الزماني فاذا استصحبنا بقاء زيد وعلمنا ان زيداً لو كان لكان على السطح أوفي الدار فالاستصحاب لا يثبت عنوان الاستعلاء أو الظرفية فاثبات كون زيد في الدار لا يتم الاعلى القول بالاصل المثبت .
إنما الكلام في ان كلمة (في) المستعملة في الظرف الزماني هل هو كالظرف المكاني فيكون من القسم الثاني أم لا بل هو من القسم الأول؟
الصحيح أن الظرفية الزمانية ليست في الحقيقة الاتقارن الشيئين في الزمان.
وربما يقال: إن العلوم الادبية والعقلية متفقة على ان الزمان والمكان ظرفان وأن الظرفية معنىً عام ينقسم إليهما.
ولكن الواقع أن الظرفية في الزمان تعبير أدبي والزمان راسمه الحركة لا حركة الشمس فان الزمان موجود وان لم تكن الشمس موجودة بل الظاهر ان راسمه الحركة الذاتية في الأشياء وكيف كان فالزمان ليس شيئاً يقع فيه شيء آخر.
وأساس فكرة كون الزمان ظرفاً بهذا النحو المتعارف هو تصور الزمان عند العرف تصوراً زمكانياً بمعنى تأثير التغير المكاني في تصور التغير الزماني، فان تسمية قطع الزمان بالاسماء المختلفة ابتدأت بالليل والنهار لانهما أول ما لاحظه الانسان البدائي من ظاهرة التغير الزماني فسمّى زمان غروب الشمس إلى طلوعها ليلاً وبالعكس نهاراً. والليل في اللغة بمعنى السواد ولعل النهار بمعنى الضياء. وهذا التعبير البدائي انما نشأ من ملاحظة سواد المكان في هذا الوقت وبياضه. وكذلك الربيع والخريف مثلا فان التغير انما حدث في حيوية الأرض وخصوصية المكان ولكنهم سموا الزمان ربيعاً وخريفاً. وأما في سائر القطع التي نشأت تسميتها من التمدن وزيادة الحاجة كأيام الاسبوع وعدد الاشهر وأرقام السنين فلم تكن فيها ملاحظة المكان لعدم تغير فيها.
إذن فالتفكر البدائي الذي هو الأساس في الافكار البشرية كان بالنسبة الى الزمان تفكراً زمكانياً. ومن هنا استعملت (في) بنحو العناية والتوسع في جميع الازمنة والا فالزمان أمد موهوم لا يقبل الظرفية.
المورد الثاني: في الشبهة الحكمية. وتنقسم الى ثلاثة اقسام:
القسم الأول: أن يكون الشك في بقاء القيد وهو الزمان بنحو الشبهة الحكمية.
القسم الثاني: ان يكون القيد مقطوع العدم ولكن يحتمل انشاء حكم آخر فيما بعده.
القسم الثالث: أن يكون الشك في أن الزمان أخذ على نحو وحدة المطلوب أو تعدده. فعلى الأول لا يبقى الحكم بعد انتهاء الزمان ويبقى على الثاني.

تفصيل البحث في الاقسام الثلاثة:

القسم الأول من الشبهة الحكمية: وهو على نحوين فإن الشبهة الحكمية مفهومية وغير مفهومية، فالأول نحو (صلّ في النهار) مع الشك في أن النهار الى الغروب أم الى زوال الحمرة وكالشك في أن نصف الليل يتحقق باعتبار كون الليل الى الفجر أم الى طلوع الشمس. والشك في هذه الصورة ينشأ من اجمال النص. وأما الشبهة غير المفهومية فهي ربما تنشأ من تعارض النصين كتعارض الادلة في كون منتهى وقت العشاء نصف الليل أو طلوع الفجر وربما تنشأ من فقدان النص كما اذا كان الدليل لبياً فأخذ بالقدر المتيقن.
ثم ان الاستصحاب تارة يراد إجراؤه في القيد وتارة يراد إجراؤه في الحكم.
أما استصحاب القيد فان اريد به الزمان نفسه فلا يتصور في الشبهات غير المفهومية أي ما يكون الشك فيه من جهة فقدان النص أو تعارض النصين، فان الشك في كون منتهى وقت الصلاة مثلا هل هو نصف الليل أو طلوع الفجر لا يمكن دفعه باستصحاب الزمان وليس هنا زمان متيقن الحدوث ومشكوك البقاء فنستصحبه وهذا واضح.
وأما في الشبهات المفهومية فالصحيح عدم امكان استصحاب الزمان فان الشك انما هو في الحكم ومنشأه الشك في وضع كلمة النهار مثلاً وانه هل يمتد الى زمان الغروب أو زوال الحمرة والشك في الحكم سيأتي الكلام فيه والشك في وضع الكلمة لا يمكن فيه اجراء الاستصحاب كما لا يخفى .
وان اريد بالقيد الوقت بما انه من حدود الحكم فمرجع الاستصحاب فيه الى استصحاب الحكم نفسه وسيأتي الكلام فيه.وان اريد به استصحاب الوقت الواقعي الذي هو قيد للحكم فلا يجري لان الوقت الواقعي مجهول والاشارة لا يوجب العلم والا كان كل جاهل بسيط عالماً كما ذكرنا تفصيله في استصحاب الفرد المردد.
وأما استصحاب الحكم فقد فصّل الشيخ والمحقق الخراساني بين ما اذا أخذ الزمان ظرفاً للحكم فيجوز استصحابه وما إذا أخذ قيداً له فلا يجوز استصحابه فان القيد مكثّر فلا تتحد القضيتان .
واعترض عليهما المتأخرون بوجوه:
الوجه الأول: ما ذكره السيد الخوئي ‹أيده الله› وهو أن هذا التفصيل لا وجه له فان محل البحث هو صور كون الزمان قيداً فما معنى تقسيمه الى ما هو قيد وظرف فان المتعلق بالزمان اما مطلق فلا دخالة للزمان فيه وأما مقيد وهو المقسم في كلامهما فما معنى تقسيمه أيضاً الى مقيد وظرف.
ويمكن ان يضاف اليه اشكال لزوم تقسيم الشيء الى نفسه والى غيره .
والجواب: ان الكلام وان كان فيما اذا كان المأمور به مقيداً بالزمان في القضيه اللفظية إلا انك قد عرفت في أول البحث عن المقام الثاني ان الزمان في هذا القسم قد يلاحظ مقياساً لامتداد العمل فلا يكون هو في الواقع قيداً بل مرآة لقيد في القضية اللبية والقيد هو نفس الامتداد وقد يلاحظ بما هو قيد بنفسه. ولعل نظر الشيخ والمحقق الخراساني في التقسيم إلى الظرفية والقيدية هو هذين القسمين فان الظرف قد يكون محدداً كالمكيال وقد لا يكون كذلك كالدار فالمراد بالظرف في كلامهما هو ما كان الظرف فيه محدداً وخارجاً والمظروف قيداً وداخلاً. والحاصل أن الزمان قد يكون تحت دائرة الطلب ولا يتوقف فعلية الحكم على حضوره وهذا هو المراد بكون الزمان ظرفاً وقد يكون فوق دائرة الطلب ويتوقف فعلية الحكم على حضوره وهو المراد بكونه قيداً.
وأما ما اضفناه من الاشكال فجوابه أن المراد بالمقسم هو المقيد في القضية اللفظية ومرحلة الاثبات والمراد بالمقيد في القسم هو المقيد في مرحلة الثبوت.
فظهر أن هذا التفصيل وجيه فان الشك لو كان في الزمان على نحو الظرفية كما لو شك في وجوب زيارة الامام الحسين عليه السلام ساعة أو ساعتين كان الوجوب ذا فردين طويل وقصير فيجري استصحاب القسم الثاني من الكلي. وأما لو كان الشك فيه على نحو القيدية كالشك في وجوب صلاة العشاء الى نصف الليل أو الى طلوع الفجر فالواجب مردد بين الصلاة المقيدة بالزمان الطويل والمقيدة بالزمان القصير وحينئذ فالقيدان متغايران ولا يجري الاستصحاب فان مرجع الشك الى الشك في أن الوجوب المنشأ هل هو المقيد بهذا القيد أم بذاك فان المفروض ان الزمان هو القيد واقعاً لا مثل المثال السابق الذي كان الزمان فيه مرآة للقيد والاصل عدم جعل وجوب المقيد بما بعد نصف الليل والمقيد بما قبله منتف قطعاً ولا يجري استصحاب وجوب الصلاة قبل نصف الليل لان المفروض ان الزمان قيد والقيد مكثر فاسراء الوجوب من المقيد باحد القيدين الى المقيد بالآخر إسراء للحكم من موضوع الى موضوع آخر الا اذا كان القيد في نظر العرف واسطة في الثبوت بلا خصوصية فيه كالتغير في نجاسة الماء وأما في ما نحن فيه فليس القيد كذلك والترديد بين القيدين يوجب الشك في وحدة القضيتين لانهما متحدتان ان كان الوجوب مقيدا بطلوع الفجر ومتغايرتان ان كان مقيدا بانتصاف الليل وحيث انه مردد بينهما فنشك في وحدة القضيتين, واجراء الاستصحاب حينئذ تمسك بالعام في الشبهة المصداقية.
الوجه الثاني: ما ذكره المحقق النائيني وهو ان مرجع الشك في صورة الظرفية الى الشك في ان المقتضي للوجوب يقتضي دوامه الى هذا الزمان ام لا ؟ والشك في المقتضي لا يجري فيه الاستصحاب على مسلكه ومسلك الشيخ.
والجواب عنه أولاً ان الحق هو جريان الاستصحاب في موارد الشك في المقتضي كما مرّ. وثانياً ان المورد ليس من الشك في المقتضي لما حققناه في محله من ان الحكم محدّد بالامتثال وان الاطاعة مسقطة للحكم والحكم مغيىً بها واذا اطعنا وجوب الزيارة الى ساعة نشك في تحقق المسقط والغاية لاحتمال كون الغاية هي الساعتين فنستصحب الحكم. نعم هذا الاشكال يتوجه لو قلنا بجريان الاستصحاب في صورة كون الزمان قيداً.
الوجه الثالث: ان الشك لو كان في موارد الظرفية لم يدخل في القسم الثاني من استصحاب الكلي بل يدخل في استصحاب الفرد المردد. والوجه فيه ان الفرق بينهما انما هو في كون الاثر للجهة الجامعة أو للفرد فعلى الأول يكون من استصحاب الكلي وعلى الثاني يكون من الفرد المردد، والمستصحب هنا هو الوجوب، والأثر المترتب عليه هو وجوب الاطاعة عقلاً وهو ليس أثراً للجهة الجامعة وهو مطلق الوجوب بل لكل فرد منه. وقد ذكرنا في استصحاب الفرد المردد ان أحدهما لو كان مقطوع الارتفاع لا يجري الاستصحاب.
والجواب عنه أولاً أن الاثر للجهة الجامعة وقلّما يكون الاثر للفرد وان كان الموضوع مأخوذاً على وجه العموم خصوصاً في الاحكام العقلية فان الحد الاوسط فيها في احكام الافراد من قبيل الواسطة في العروض وموضوع الحكم هو نفس الكلي ولذا قيل بان مرجع الحيثيات التعليلية في الاحكام العقلية الى الحيثيات التقييدية.
وثانياً : ان الشك في كون الوجوب ممتداً الى هذا الزمان أم لا لا يوجب تعدد الحكم في مرحلة الفعلية ولا يتغير الوجوب الى امر آخر بل هو امتداد لذلك الوجوب الأول وان كان العنوان في مرحلة التصور متعدداً .
الوجه الرابع : وهو اشكال مشترك الورود في كثير من الموارد وهو ما ذكره السيد الخوئي ‹أيده الله› من معارضة  الاستصحاب في الاحكام الكلية في مرحلة المجعول باستصحاب عدم الجعل.
وقد ذكرنا عنه أجوبة في باب التفصيل بين الاحكام والموضوعات فراجع.
والصحيح في المقام ان الزمان لو أخذ ظرفاً (حسب مصطلح الشيخ على ما اوضحناه) ومرآة للقيد الواقعي وهو الامتداد فان كان التكليف وجوبياً جرى استصحاب القسم الثاني من الكلي والاعتراضات غير واردة كما بيّـنّا. وان كان التكليف تحريمياً كما اذا شككنا في حرمة الجلوس الى ساعة أو الى ساعتين فالجلوس قبل امتداده الى ساعتين مشكوك الحرمة والاصل البراءة وبعد امتداده الى ساعتين يقطع بحصول المحرم على التقديرين.
وأما لو أخذ الزمان قيداً فان كان التكليف تحريمياً كما اذا شككنا في وجوب الجلوس المقيد بكونه الى الزوال أو المقيد بكونه الى الغروب فالجلوس الى الزوال محرم قطعاً والشك انما هو في الزائد ولا يجري هنا استصحاب الحرمة لانه من القسم الثاني من القسم الثالث من استصحاب الكلي وذلك لان الحرمة منحلة بحسب تعدد مصاديق الجلوس في كل آن الى احكام تحريمية مستقلة لكل منها اطاعة وعصيان ومع زوال كل فرد من التحريم بزوال الزمان المقدّر فيه الجلوس يتحقق فرد آخر منه بحدوث الزمان الآخر خلال الوقت المنتهي الى الزوال وبعد انتهاءه يشك في حدوث فرد آخر بحدوث الوقت ما بعد الزوال واستصحاب الحرمة المتحققة في ضمن ذلك الفرد مع القطع بزواله داخل في القسم المذكور. هذا مضافاً الى ان القيد مكثر كما بيّـنّا فالترديد بين القيدين يوجب الشك في وحدة القضيتين.
وان كان التكليف وجوبياً فالصحيح ما ذكره الشيخ قدس سره من عدم جريان الاستصحاب لان الزمان كما انه قيد للمتعلق (الجلوس) كذلك قيد للوجوب فوجوب الجلوس المقيد بكونه الى الزوال مغاير للوجوب المقيد الى الغروب فلا تتحد القضيتان. وان شك في دخالة القيد في الهيئة كفى في عدم الجريان الشك في اتحاد القضيتين بل هو كذلك حتى لو شك في كون مثل هذا القيد مكثراً للقضية.
القسم الثاني من الشبهة الحكمية: ان يعلم وجوب الجلوس الى زمان معين بنحو الظرفية أو القيدية ويعلم بانتفائه بالامتثال إلا انه يحتمل تحقق وجوب آخر للجلوس في الزمان الذي بعده. ويظهر من كلام المحقق النائيني ان مورد عدم الجريان في كلام الشيخ هو هذا القسم. وقد بيّـنّا مورد كلام الشيخ قدس سره.
والاستصحاب في هذا القسم لا يجري لانه من القسم الثاني من القسم الثالث من استصحاب الكلي مضافاً الى اشكال تعدد القضيتين انما الكلام في الاستصحاب العدمي وليس له اثر عملي اذ لو لم يجر كفى جريان اصالة البراءة. وكيف كان فالظاهر ان مورد الكلام هو اعتبار الزمان بنحو القيدية وانه لا كلام في جريانه بناء على الظرفية.
قال المحقق النائيني ان استصحاب العدم لا يجري في المقام لا في مرحلة الجعل ولا في مرحلة المجعول اما الأول فلان استصحاب عدم الحكم الانشائي لا يفيد في مرحلة الفعلية وهو موضوع وجوب الاطاعة. واما استصحاب عدم المجعول أي عدم الحكم في مرحلة الفعلية فلان وجوب الجلوس بعد الزوال وعاؤه بعد الزوال، وعدم كل شيء بديل وجوده فوعاء عدمه أيضاً بعد الزوال، وعدم الوجوب بهذا القيد ليست له حالة سابقة وبدون هذا القيد معلوم الانتقاض بوجوبه قبل الزوال.
والجواب عنه ان هذا يتوقف على كون التوقيت قيداً للوجود فيكون قيداً للعدم أيضاً ولكن يمكن ان يكون قيداً للماهية فلا مانع من استصحاب عدم تعلق الوجوب بالجلوس بعد الزوال .
القسم الثالث من الشبهة الحكمية: أن يكون الشك في أن الزمان أخذ على نحو وحدة المطلوب فلا يبقى الحكم بعد اقتضاء الزمان المخصوص أو على نحو تعدد المطلوب فيبقى. وهذا البحث عبارة اُخرى عن البحث عن أن القضاء هل هو بأمر جديد أو بالأمر الأول. وتفصيل الكلام فيه في ذيل البحث عن الموسع والمضيق. ونذكر هنا ثلاث صور من انحاء تعدد المطلوب.
الصورة الاُولى: ان يتعلق أمر بالطبيعي لا بشرط وأمر آخر به بشرط شيء كالأمر بالصلاة مطلقا والأمر بها في الاوقات المعينة، فهذا يفيد تعدد المطلوب مع تعدد الطلب استقلالاً، ولا اشكال فيه عقلاً، فان زال الوقت يبقى الأمر الاول. ولكن الكلام في أن تعدد الأمر بهذا النحو مستقلاً مستهجن عند العقلاء للزوم اللغوية فان الأمر بالحصة يغني عن الأمر بالطبيعي. وهذا هو الوجه في حمل المطلق على المقيد في مثل (اعتق رقبة) و(اعتق رقبة مؤمنة) وعدم الاخذ بظهورهما في الأمر الاستقلالي.
ولو سلّم صحة ذلك عرفاً فهنا ينشأ بحث آخر وهو أن الأمر بالحصة هل يشتدّ باندكاك الأمر بالطبيعي فيه فان متعلق الوجوبين هو الحصة أم لا؟ وقد فصلنا القول في محله وذكرنا أن الاشتداد بالاندكاك في الامور الاعتبارية مستحيل وان اشتداد الأمر الاعتباري انما يكون باعتبار المعتبر إيّاه شديداً واما الاشتداد الانفعالي (الاوتوماتيكي) غير معقول فيه فان اشتداده كاصله تابع للجعل.
ويمكن أن يقال إن مراد من قال بذلك أيضاً هذا المعنى المعقول من الاشتداد وأنّ تكرر الأمر يكشف عن الجعل بنحو التأكيد. ولكن هذا القول يستلزم خروج المورد عن محل الكلام فان مقتضى ذلك ان يكون الجعل في الواقع جعلاً واحداً مؤكداً للحصة فلا يبقى وجوب الطبيعي بعد الوقت. مضافاً إلى أن الطريق العقلائي للجعل المؤكد ليس هو الأمر بالطبيعي بعد الأمر بالحصة.
وفي هذه الصورة اذا شككنا في أن الأمر هل تعلق بالحصة المقيدة بالوقت فقط أم ان امراً آخر تعلق بالطبيعي أيضاً فهل يجري الاستصحاب بعد الوقت أم لا؟
مقتضى القول بالاندكاك والاشتداد هو جريان الاستصحاب إذ مرجع الشك الى ان الوجوب بعد انتهاء الوقت هل انتفى رأساً أم تبدل الى مرتبة ضعيفة منه فيجري استصحاب القسم الثالث من القسم الثالث من الكلي. واما بناء على بطلان هذا المبنى كما بينّاه فلا يجري الاستصحاب لان الأمر بالمقيد كان وزال قطعاً والشك في تعلق امر آخر بالطبيعي معاصراً لزمان تعلق الأمر بالمقيد وهذا من القسم الثاني من القسم الثالث من استصحاب الكلي ولا يجري.
الصورة الثانية: ان يتعلق أمر بالطبيعي وأمر آخر بالتقيد نحو (يجب عليك الصلاة) و(ليكن هذه الصلاة في وقت كذا) وهذه الصورة خال من الاشكال العرفي فان اتينا بها في الوقت فقد اطعنا الأمرين وان لم نفعل الى ان خرج الوقت سقط الأمر الثاني وبقي الأمر الأول لانه كان واجباً في واجب.
وفي هذه الصورة لو شككنا في ان المجعول هو الأمر بالحصة فقط أم أن هناك أمران بهذا النحو المذكور دار الأمر بين كون الواجب مطلقاً أو مقيداً بالوقت فان الأمر لو تعلق بالحصة فقط كان الواجب مقيداً بالوقت ولو تعلق بهذا النحو المذكور كان الواجب مطلقا وفي مثل ذلك لا يجري الاستصحاب لانه من مصاديق الشبهة المصداقية لقوله (لا تنقض..) لعدم احراز وحدة القضيتين لاحتمال التقييد والقيد مكثر.
الصورة الثالثة: ما ذكره المحقق الخراساني في باب الموسع والمضيق. وفي تفسير مراده اختلاف. وما نختاره في ذلك هو أن الأمر متعلق بالطبيعي بشرط شيء الا ان الشك في كيفية التقييد فانه قد يكون مقيداً لاصل الطلب وقد يكون مقيداً لشدته وذلك لان روح الحكم ملاكه فان كان المقيّد بالخصوصية دخيلاً في اصل الملاك فلا يتعدد المطلوب. وان كان دخيلاً في شدة الزاميته ولو احتمالاً كان القضاء بالأمر الأول والمطلوب متعدداً.
والجواب عنه ان الحكم الالزامي الشديد امر بسيط لا ينحل الى الزام وشدته فان شدة الالزام انما يأتي من قبل شدة الحكم الجزائي المترتب عليه. ولو سلمنا فالشك لو كان في ارتفاع الشدة أو أصل الحكم فهو من قبيل القسم الثالث من القسم الثالث من استصحاب الكلي فيجري ولو كان الشك في أن الأمر هل تعلق بالمقيد أو بهذا النحو القابل للبقاء لم يجر الاستصحاب من جهة أن الشك في القيد والقيد مكثر فلا يحرز وحدة القضيتين.

التنبيه الثامن

في الاستصحاب التعليقي

وقد ابتدأ البحث فيه من القرن الثالث عشر فقال جماعة كالسيد بحرالعلوم بجريانه وجماعة كصاحب الرياض بعدمه واختار الأول الشيخ والمحقق الخراساني وجماعة ممن تأخر عنهم واختار الثاني المحقق النائيني والسيد الخوئي وجماعة.
ومورد هذا البحث هو ان موضوع الحكم لو تحقق فاقداً لبعض الشرائط ثم حصل تبدل في حالة الموضوع وشك في انه بعد هذا التبدل هل يترتب عليه الحكم لو وجدت الشرائط أم لا ؟ وقد مثلوا له بعصير الزبيب فان عصير العنب اذا غلا يحرم فهل هذا الحكم التعليقي اي ترتب الحرمة على الغليان باق بعد حصول الزبيبية أم لا ؟
ووجه الالتزام به ان الحكم له ثلاث مراحل: الانشاء والتعلق بالشخص والفعلية. والأول هو ما يجعله الشارع أو أي مقنن آخر بعد فرض موضوع جامع للشرائط وهذه المرحلة واقعية قطعاً. والثاني أن يكون الموضوع محققاً ولو فاقداً لبعض الشرائط كتحقق العصير قبل الغليان فالحكم وان لم يكن حنيئذ فعلياً الا ان انطباق الموضوع في الخارج يقتضي تعلق الحكم به تقديرياً. والثالث ان يتحقق الموضوع بجميع شرائطه. فان شك في بقاء الحكم في المرحلة الاولى كان مورد استصحاب عدم النسخ وسيأتي ان شاءالله تعالى. وان شك فيه في المرحلة الثانية كان من الاستصحاب التعليقي. وان شك فيه في المرحلة الثالثة كان من الاستصحاب التنجيزي. وحيث إن استصحاب عدم النسخ اجماعي مع انه ابعد من فعلية الحكم عن المرحلة الثانية فيعلم منه أن فعلية الحكم ليس دخيلاً في الاستصحاب بل قوامه فعلية اليقين والشك.
ووجه عدم الالتزام به ان الحكم كما يتعلق بالموضوع يتعلق بالشرائط فما لم تتحقق الشرائط باجمعها لا يتحقق الحكم فالحكم في المرحلة الثانية أمر فرضي منا لا فرض شرعي ولا يلتزم العقلاء بوجود هذه المرتبة من الحكم. ومنشأ توهم جريانه هو الفرق بين التعبير الوصفي: (العصير المغلي حرام) والتعبير الشرطي: (العصير إذا غلا يحرم) ووجه الفرق أن الأول ليس في مضمونه موضوع وشرط الا بتحليل منّا، والثاني في مضمونه موضوع وشرط فالتحليل داخل في أصل الجعل.
وهذا الفرق غير صحيح وذلك لأن القضية الشرطية على قسمين: ثلاثية وثنائية والقسم الأول يتركب من موضوع وحكم وشرط نحو: (زيد أن جاءك فاكرمه) وهذه الجملة تحتوي على المفهوم: (زيد ان لم يجئك فلا تكرمه) وفي مثل هذه الجملة ارتباطان: ارتباط للحكم بالموضوع وارتباط لهذا الارتباط بالشرط. والذي يبرز الارتباط الثاني اداة الشرط وظاهره أن المعلق عليه في القضية اللفظية هو المعلق عليه في القضية اللبية ومن هنا ينفي الارتباط بغير المذكور فتنشأ القضية المفهومية اذ لو كان الارتباط ثابتا بين ارتباط الحكم والموضوع وأمر آخر لكان المعلق عليه في الواقع أحد الأمرين وهو خلاف ظاهر التعليق في اللفظ بأحدهما معينا.
وأما القسم الثاني فالاداة فيه لا تمثل الاربط المحمول بالموضوع نحو (إن وجد العالم العادل وجب إكرامه) فليس هنا ارتباطان ولذلك فليس للجملة مفهوم إذ منشأه في القسم الأول الارتباط الثاني وهو مفقود في هذا القسم ولذا لو كان الارتباط ثابتا بين الحكم وأمر آخر أيضاً نحو (ان وجد العالم الهاشمي وجب اكرامه) لم يقتض ذلك تعلق الحكم بأحد الأمرين بل يكون الحكم انحلالياً بالنسبة الى الموضوعين فان موضوعية كل منهما لا تنافي موضوعية الآخر. وحكم القضية الشرطية في هذا القسم حكم القضية الحملية.
والتعبير الشرطي في المقام (العصير اذا غلا يحرم) من القسم الأول فهو يفيد ارتباطين: ارتباط الحرمة بالعصير وارتباط هذا الارتباط بالغليان فالنتيجة أن الحرمة لا توجد في ظرف عدم الغليان لما عرفت من كيفية افادة المفهوم.
ومن هنا تبين ان المرحلة الثانية للحكم أمر وهمي فان مقتضى القضية الشرطية نفي مطلق الارتباط بين الحكم والموضوع في حال فقدان الشرط بخلاف التعبير الوصفي: (العصير المغلي حرام) فانه لا ينفي الحرمة عن العصير غير المعلي فانتخاب  التعبير الشرطي ليس الا لافادة نفي الارتباط بين الحرمة والعصير غير المغلي.
وأما توهم جعل الحرمة التعليقية وانه مقتضى القضية الشرطية فهو خطأ يتبين وجه الاشتباه فيه مما ذكرنا حيث ان مقتضى القضية الشرطية ليس الا ايجاب الارتباط بين الحكم والموضوع في صورة وسلب الارتباط بينهما في صورة أخرى واما جعل الارتباط بين الموضوع والحكم التعليقي في غير صورة الشرط فهو أمر خيالي وليس وراء الحكم الواقعي شيء غير الخيال.
وقد يتوهم أن مقتضى القضية الشرطية جعل الملازمة والسببية.
وقد ذكرنا جواب هذا التوهم سابقاً في الاحكام الوضعية ومحصله أن الملازمة والسببية ونظائرهما لا تقبل الجعل وان التعبير بمثل (جعلت هذا سبباً أو جزءاً أو شرطاً) تعبير ادبي لا قانوني وان هذه الأمور مما ينتزعه العقل ولا فرق في منشأ انتزاعه بين التعبيرين (الشرطي والوصفي) وان الملازمات العقلية كالتنافر بين الضدين وحصول الاربعة من ضم اثنين الى اثنين منشؤها نفس الأمر والمراد به ما يحلله العقل من ذات الأمر الخارجي.
هذا ويمكن الانتصار للقول بجريان الاستصحاب التعليقي بوجوه:
الوجه الأول: أن منشأ انكاره هو ما ذكره المحقق النائيني من أن الشروط ترجع الى الموضوع ولا ترجع شيء منها الى الهيئة وأن البرهان قائم على ذلك وحيث ان هذا ليس صحيحاً وان بعض الشروط كما نحن فيه ترجع الى الهيئة وان البرهان غير تام والمدعى خلاف الفهم العرفي فالاستصحاب التعليقي لا اشكال فيه.
والجواب: أن منشأ انكاره ليس ذلك بل هو ما ذكرنا وما نسب الى المحقق النائيني والسيد الخوئي وان كان ظاهر كلامهما في المقام إلا أن العلامة الكاظمي ذكر في الحاشية ما يرفع هذا التوهم وقد سمعنا من السيد الخوئي في الفقه ما يؤيد ما ذكرناه.
الوجه الثاني: ما ذكره السيد الحكيم في المستمسك ومحصله أن مبنى الانكار هو عدم الاعتناء بلسان الدليل وعدم الفرق بين التعبيرين السابقين مع انه يجوز الاستصحاب إذا قال: (إذا وجد النهار فامسك) ولا يجوز إذا قال: (صم في النهار) مع ان مفادهما واحد. ولو كان المناط في جريان الاُصول القضايا اللبية لم يبق لها مورد فالغليان في ما نحن فيه ليس هو الدخيل بحسب النظر الدقيق بل هو الاسكار بل الخبث النفسي بنظر أدق.
والجواب يعلم مما ذكرنا من الفرق بين التعبيرين وان مبنى انكار الاستصحاب التعليقي هو العمل بمقتضى القضية الشرطية. وأما استصحاب الزمان فقد ذكرنا جريانه في المثال الثاني أيضاً وهو ملتزم به. وأما ما ذكره اخيراً فهو خلط بين الملاكات والموضوعات ولو قلنا بأن المناط هو القضية اللبية فانما ندعيه في الموضوع دون الملاك.
الوجه الثالث: ما ذكره المحقق العراقي من أن الانكار يبتني على كون الحكم أمراً فرضياً ولو اقتضى ذلك منع جريان الاستصحاب لاقتضاه في اجراء الاستصحاب للاحكام الكلية بالنسبة الى المجتهد بطريق أولى فان الموضوع هناك بتمام اجزائه تقديري كاستصحاب النجاسة في الماء المتمم كراً بطاهر.
والجواب: ان الفرق واضح بين المقامين فالحرمة هنا تقديرية لا واقعية له والنجاسة هناك واقعية ولكن وعاء استصحابها مقدم على وعاء تحققها وقد ذكرنا انه لا يعتبر في الاستصحاب كون المتيقن والمشكوك في زمان الاستصحاب بل قد يتقدمان وقد يتأخران وانما الملاك هو تقدم المتيقن في وعائه على المشكوك والمفروض أن المجتهد يستصحب الحكم بلحاظ تحقق الموضوع فيما بعد ولكن النجاسة المتقدمة على الشك في وعائها أمر واقعي لا تقديري.
الوجه الرابع : ما ذكره بعض الاعاظم من أن المعتبر في الاستصحاب هو فعلية اليقين والشك دون فعلية المتيقن فيكفي كونه تقديرياً ومنشأً للأثر والحرمة التقديرية في المقام أثره الحرمة الفعلية بعد الغليان.
والجواب: أن الوجود التقديري ليس من انحاء الوجود حتى ان الفلاسفة حيث ذكروا مراحل للوجود من الخارجي والذهني والخطي والرسمي واللفظي والخيالي مع أن بعضها من نسج الخيال لم يعدّوا منها الوجود التقديري. والتعبير عنه بالوجود تعبير أدبي لا واقعية له نظير الحكم الاقتضائي الذي عدّه المحقق الخراساني من مراحل الحكم فمرحلة الوجود الاقتضائي ليس وجوداً الا بالاعتبار الادبي مضافاً إلى أن ما نحن فيه أبعد من الوجود الاقتضائي فان الموضوع ليس مقتضياً للحكم. وأما ترتب الوجود الفعلي على الوجود التقديري فسيأتي الكلام فيه.
ثم ان الاستصحاب التعليقي معارض دائماً باستصحاب تنجيزي وهو استصحاب حلية العصير قبل الغليان حلية تنجيزية قطعية. وقال الشيخ قدس سره ان الاستصحاب التعليقي مقدم على التنجيزي وقد ذكر الاعلام لتقدمه وجوهاً سواء منهم من وافقه في أصل الجريان ومن خالفه.
والصحيح أنه لا يتقدم فهذا اشكال على أصل جريان هذا الاصل. والصحيح أن المستصحب هو عدم الحرمة لان الحلية غير مجعولة عندنا الا فيما كان مسبوقاً بالحرمة أو في مورد توهم الحرمة كما ذكرناه مراراً وهذا الاستصحاب استصحاب شخصي لا اشكال فيه. ولو اردنا استصحاب الحلية مع فرض مجعوليتها فهو أيضاً جار لان الحلية الموجودة قبل الغليان اما مطلقة أو مغياة بعدم تحقق الغليان فالشك في تحقق الكلي في ضمن فرد طويل أو قصير ويجري استصحاب القسم الثاني من الكلي.
وأما الوجوه التي ذكروها في بيان تقدم الاستصحاب التعليقي فهي كما يلي:
الوجه الأول: ما ذكره السيد الخوئي ‹أيده الله› كما في مصباح الاُصول وهو أن استصحاب الاباحة استصحاب للكلي ومن شروط استصحاب الكلي أن لا يكون أحد الفردين ثابتاً والآخر منتفياً بالاصل ولذا لم يجر استصحاب الحدث إذا أحدث أحد بالحدث الاصغر ثم رأى بللاً مشتبهاً بالمني ثم توضأ فان الحدث الاصغر يجري استصحاب وجوده والاكبر يجري استصحاب عدمه فلا يمكن استصحاب كلي الحدث وكذلك كلي الاباحة في المقام فان الاباحة المغياة محرزة بالاصل وعدم الاباحة المطلقة محرزة بالاصل أيضاً.
والجواب أولاً: ان هذا الشرط لا دليل عليه وقد ذكرنا في مثال الحدث وفاقاً له ان عدم جريانه من جهة احراز الرافع جزءاً بالاصل وجزءاً بالوجدان. ومجرد اثبات أحد الفردين ونفي الآخر بالاصل لا يرفع العلم الوجداني بتحقق الكلي وهذا خلط بين استصحاب الفرد المردد والقسم الثاني من الكلي.
وثانياً: ان اثبات الاباحة المغياة بالاصل لا وجه له فانه ان أريد به اثبات الاباحة قبل الغليان فهو مقطوع به وان أريد اثبات عدم الاباحة بعد الغليان فهو من الاصل المثبت.
وثالثاً: ان استصحاب الاباحة لو كان مشكلا فلا اشكال في استصحاب عدم الحرمة لأنه ليس مغيّا بالغليان لعدم كونه مجعولاً.
الوجه الثاني: ما ذكره السيد الخوئي ايضا على ما في مباني الاستنباط وهو موافق لما نقل عن المحقق العراقي من ان استصحاب الحرمة المعلقة يوجب التعبد بالحرمة بعد الغليان وهذا يقتضي كون الاباحة مغياة بالغليان فلا يبقى شك في عدم بقاء الاباحة السابقة بعد تحقق الغليان.
والجواب: ان اثبات كون الاباحة مغياة باستصحاب الحرمة المعلقة لا يكون الا بالاصل المثبت. وقد تنبّه لذلك بعض الاعاظم ولكنه اعتذر بان ذلك داخل في ما ذكره صاحب الكفاية من التلازم في وعاء الاعتبار. وقد مرّ الكلام في الجواب عنه في التنبيه الأول مضافاً الى امكان العكس فان استصحاب الاباحة أيضاً ينفي الحرمة.
الوجه الثالث: ما ذكره المحقق النائيني قدس سره وهو ان الشك في الاباحة مسبب عن الشك في الحرمة المعلقة فان جرى الاستصحاب فيها ارتفع الشك في الاباحة الفعلية والأصل السببي مقدم على المسببي. ثم اعترض على نفسه بأن السببية ليست شرعية. واجاب بان اشتراط كون السببية شرعية خاص بالموضوعات دون الاحكام إذ لا يمكن فيها هذا الشرط إذ تلزم لغوية جعل الحكم ان لم يستلزم نفي ضده.
والجواب: ان وجه تقدم الاصل السببي هو أنه لو جرى وكان الترتب شرعياً تحققت الملازمة بين اعتبار العلم بالسبب واعتبار العلم بالمسبب فلا يجري الاصل المسببي والأمر ليس كذلك في عكسه. والأحكام والموضوعات في ذلك سواء. واللغوية انما تلزم لو كان استصحاب الحرمة التعليقية ثابتاً بدليل خاص.
الوجه الرابع: ما ذكره بعض الاعاظم وهو نظير ما ذكره المحقق النائيني إلا أنه حاول اثبات الترتب الشرعي بين الحرمة التعليقية والحرمة الفعلية بعد الغليان بدعوى أن الشك هنا ليس متعدداً وإنما الشك في انه مباح أو حرام فاستصحاب الحرمة التعليقية أثره الحرمة الفعلية بعد كالغليان فلا يبقى مجال لتوهم الاباحة.
والجواب: ان الحرمة التقديرية والفعلية ان كانا مجعولين بجعل مستقل فهو غير معقول ولو سلم فلا دليل على الملازمة الشرعية بينهما بل الملازمة بينهما من المدركات العقلية فاثبات الحرمة الفعلية باستصحاب الحرمة التعليقية لا يخلو من شبهة اثبات. وان كانا مجعولين بجعل واحد وانما الاختلاف بالاعتبار فلا يوجد هنا تلازم شرعي.

التنبيه التاسع

في استصحاب عدم النسخ

وقبل البحث عنه لابد من ذكر امور:
الأمر الأول: أن الذي تبين لنا من ملاحظة الآيات والروايات وخصوص قوله تعالى (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ..) هو أن الشريعة الاسلامية هي شريعة جميع الانبياء والمرسلين عليهم السلام وأن كل ما أتى به نوح وابراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام لم يكن مختلفاً عما جاء به نبينا محمد صلى اللّه عليه وآله وسلّم في الخطوط الاصلية وأن الاختلاف في بعض الخصوصيات انما نشأ من اختلاف الامم في التمدن والتطور الموجب لاختلاف حاجاتهم وأن ما جاء به محمد صلى اللّه عليه وآله وسلّم انما هو الاسلام بالمعنى الاتم الاكمل وليس ديناً جديداً ناسخاً لجميع ما في الشرايع السابقة بل هو دين الانبياء كلهم وكلهم بشروا به ودعوا اليه. ففي المعارف الاعتقادية كانت دعوتهم جميعاً الى توحيد الله تعالى والعلم بصفاته المقدسة كما وصف نفسه، وفي الشرايع كانت دعوتهم جميعاً الى الصلاة والصوم والزكاة وحتى الحج ايضا وفي الامور الاجتماعية كانت دعوتهم جميعا الى حرمة اكل المال بالباطل وحرمة نكاح المحارم وحرمة الخمر الى غير ذلك من الدعوات التي يشترك فيها جميع الانبياء عليهم الصلاة والسلام.
والحاصل ان الشرايع كلها واحدة في الخطوط الاصلية ودعائم الدين. والاسلام بالمعنى الخاص مكمل لتلك الشرايع. ومن هنا يعلم الوجه فيما أمر الله به نبيه صلى اللّه عليه وآله وسلّم من اتباع ملة ابراهيم عليه السلام في اكثر من موضع من القرآن الكريم منها قوله تعالى (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) ويظهر الوجه ايضا في الروايات الواردة في الصوم والحج وبيان كيفيتهما في الشرايع السابقة بل نرى في تضاعيف الروايات اهتمام الائمة عليهم السلام ببيان وحدة الشريعة السماوية.
وأما وجود النسخ في الشرايع فمما لاكلام فيه وقد بينا أن الوجه فيه هو احتياج الاُمم حسب تطورها وتكاملها وانتهى ذلك الى الاسلام بالمعنى الخاص فنسخ ما كان من الأحكام لا تلائم وضع الأمة وأما سائر الأحكام فهي امتداد للشرايع السابقة ولا ينافي ذلك أفضلية نبينا صلى اللّه عليه وآله وسلّم على سائر الأنبياء.
ويتبين بما ذكرنا ان ما نقل عن المحقق النائيني قدس سره من ان الاحكام السابقة اذا لم يمضها النبي الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلّم لا تعتبر من الدين غير صحيح ومثله القول بان جميع الاحكام السابقة منسوخة وان ذلك مقتضى افضليته صلى اللّه عليه وآله وسلّم.
الأمر الثاني: ان النسخ موجود في الشرايع السابقة وفي احكام شريعتنا ايضا الى ان اُكمل الدين كما في الآية المباركة (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ..) وقد ورد في الروايات أن احاديث النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم تحتوي ايضا على الناسخ والمنسوخ والخلط بينهما هو الذي أوقع العامة في كثير من الاخطاء وقد ورد في الروايات ان النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم كان يغسل رجله ويمسح خفه قبل نزول سورة المائدة واشتبه الامر على بعض الناس فلم يعلموا انه منسوخ. وقد يقال ان النسخ لم يقع في القرآن الكريم ولكنا ذكرنا تفصيل الجواب عنه في مبحث حجية الكتاب.
الأمر الثالث: أن بعض الامور يشبه النسخ فيوجب الاشتباه ولكنها ليست منه وان كانت من حيثية بحثنا مشاركة له.
(منها): الاحكام التي يجعلها النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم والائمة عليهم السلام باعتبار ولايتهم تبعا للمصالح المتغيرة وحفظا للمجتمع الاسلامي من الركود فالانحطاط. وهذه الاحكام واجبة الاطاعة كما قال تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ..). ولا تعتبر هذه الاحكام ناسخة لوقوعها في منطقة الفراغ. وقد ورد في الروايات أنا لا نحرم ما أحله الله ولا نحل ما حرمه الله. وليس المراد بمنطقة الفراغ خلو المورد عن الحكم الشرعي بل كل ما كان الحكم الاصلي فيه غير مناقض للحكم الثانوي كما لو أمر الامام بالسفر مع أنه مباح ابتداء، وكمالو فرضنا كون الحكم بالقصر في السفر تخييريا الا أن جماعة ممن كانوا يخالفون الائمة عليهم السلام جعلوا الاتمام شعاراً لهم فيكون امرهم بوجوب القصر تعيينا في قبالهم امرا في منطقة الفراغ. وكذلك النهي التحريمي عن المكروهات مثلا.
وهذه الاحكام لا توجب النسخ لبقاء الحكم الأصلي الا ان الواجب اطاعة هذا الحكم ما لم يغيره الامام تبعا لتغير المصالح نظير ما يوجبه المتعاقدان على انفسهما فانه وان كان واجب الوفاء الا انه لا يرفع الحكم الاصلي ويجب ان يكون ذلك ايضا في منطقة الفراغ (المؤمنون عند شروطهم الا شرطا حلل حراما او حرم حلالا).
و(منها): الأوامر والنواهي التي ينشئها الوالي المنصوب من قبل الإمام كمالك الاشتر رضوان الله عليه فإن حكمه واجب الاطاعة وان لم يكن ناسخاً للحكم الاولي.
(ومنها): ما سنّه النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم من الجزئية والشرطية المكملة لفرائض الله تعالى. فهذه أيضاً ليست من النسخ. وكل ما عدّه المحقق النائيني قدس سره من متممات الجعل ــ ولو فرضنا صدورها من النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم ــ لا يعدّ نسخاً ولكنها تجب اطاعتها وقد عدّت سنن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم في الروايات عدلاً لفرائض الله.
ثم ان البحث عن استصحاب عدم النسخ يشمل هذه الاحكام أيضاً حتى لو كانت صادرة عن الولاة المنصوبين.
الأمر الرابع: ان الأحكام بجميع أنواعها من الأصلية والموقتة إذا شك في نسخها فإن كان هناك إطلاق ازماني أخذ به وكذا ان كان هناك دليل خاص يدل على امتداد الحكم أو دليل عام كقوله تعالى (وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ..) وكقوله عليه السلام: (حلال محمد صلى اللّه عليه وآله وسلّم حلال ابدا الى يوم القيامة وحرامه حرام ابدا الى يوم القيامة) وقوله عليه السلام: (خذوا به حتى يبلغكم عن الحيّ) وقوله عليه السلام : (خذوا بالاحدث).
وان لم يكن شيء من ذلك فإن قانون العقلاء يحكم بوجوب الأخذ بالحكم الأول. ولذا عدّ المحدث الاسترابادي رحمه الله استصحاب عدم النسخ من الضروريات وليس المراد به أن شمول أدلة الاستصحاب له ضروري بل المراد أن عدم النسخ بنفسه اصل ضروري عند العقلاء سواء كان الاستصحاب حجة أم لا وسواء جرى استصحاب عدم النسخ أم لا فإن العقلاء يعتبرون القانون الصادر نافذ المفعول ما لم يصل خلافه ولا يعتنون باحتمال تبدل القانون فهذا أصل برأسه كما ذكره السيد الحكيم قدس سره في أصالة القدرة.
إذن فالبحث عن جريان الاستصحاب في عدم النسخ بحث علمي بحت.
وهناك مناقشات على استصحاب عدم النسخ وهي كما يلي:
المناقشة الأولى: ان النسخ في الأحكام بالمعنى الشامل لاحكام الولاة أيضاً كما ذكرناه على قسمين:
القسم الأول: النسخ الحاصل من البداء. وهو تنبه المقنن لعدم صلاحية الحكم واشتباهه من أول الأمر وهذا القسم لا يتصور في أحكام الله تعالى.
القسم الثاني: النسخ بمعنى بيان محدودية الحكم من أول الأمر.
فاذا شككنا في النسخ بالمعنى الأول حيث يمكن ذلك كان مجرىً للاستصحاب وهو استصحاب عدم البداء ولكنه خارج عن محل بحث الباحثين فإنهم خصصوا البحث في احكام الله تعالى. واذا شككنا في النسخ بالمعنى الثاني كان مرجع الشك الى أن الحكم المجعول محدود أم مطلق. فهل يجري هنا استصحاب الحكم أم لا ؟
الجواب انه إذا كان الحكم في مرحلة الانشاء شاملاً لجميع الازمان كان توسعة عرضية وان كان الامتداد في وعاء الخارج طوليا فإن المتفرقات في وعاء الزمان مجتمعات في وعاء الحكم فإذا شككنا في امتداد الحكم بالنسبة لزمان خاص يجري استصحاب عدم الجعل فإن ثبوت الحكم لمدة مائة سنة مثلاً مجعول قطعاً ولكنه بالنسبة لما بعدها مشكوك فالأصل عدمه. وعلى هذا فإن قلنا بان الحكم لها امتداد قانوني في اعتبار العقلاء وان كان اصل تحققه آنياً فاذا شككنا في امتداد الحكم جرى استصحاب بقائه إلا انه يعارض استصحاب عدم الجعل فيتساقطان وان انكرنا امتداد الحكم كان الاستصحاب العدمي بلا معارض. وبذلك يظهر ان استصحاب عدم النسخ لا يجري أو يكون معارَضا دائما.
والظاهر أن القوانين لها امتداد زماني وبقاء في الاعتبار ولذا ورد في القرآن الأمر باتباع ملة ابراهيم عليه السلام فإن الاتباع يتوقف على البقاء. ويشهد له أيضاً الحكم بالفسخ في العقود فإنه يتوقف على بقاء الأمر المنشأ. فالحق هو معارضة الاستصحاب الوجودي في الأحكام باستصحاب عدم الجعل في مقام الانشاء.
وهذه المناقشة لا مدفع لها.
المناقشة الثانية: ما ذكره صاحب الفصول قدس سره وهي أن جعل الحكم بالنسبة لجماعة من المكلفين مقطوع به وبالنسبة لجماعة اُخرى مشكوك فيه وحيث ان المكلف هو موضوع الحكم فاستصحاب بقاء الحكم المجعول لتلك الجماعة من قبيل اسراء الحكم من موضوع الى آخر.
وأجاب عنه الشيخ قدس سره بوجهين سيأتي أحدهما في ذيل المسألة والوجه الآخر هو أن ذلك انما يصح لو كانت الأحكام مجعولة بنحو القضية الخارجية حيث ان الموضوع حينئذ هو الكثرات الموجودة خارجاً ولكنها مجعولة بنحو القضية الحقيقية والموضوع فيها هو العنوان بأي وجود تحقق فاذا قلنا للفرد بإنه يجب عليه الحج فإن ذلك من باب أن الموضوع الحقيقي وهو عنوان المستطيع واسطة في العروض وحينئذ فالموضوع واحد في القضيتين والاستصحاب جار.
واعترض عليه السيد الخوئي ‹أيده الله› بان الشك في أصل جعل الحكم بنحو يشمل هذه الجماعة لاحتمال اختصاصه بذلك الزمان.
وهذا كلام صحيح ولكنه غير وارد على الشيخ فإنه بيان للاشكال الأول أي شمول الجعل بحسب التوسعة العرضية لهذا الزمان ولكن مورد اشكال صاحب الفصول وجواب الشيخ هو بعد تسليم عدم ورود الاشكال الأول ومرجع الاشكال الى أن الامتداد المزعوم للقانون في نظر العقلاء صوري لاختلاف الموضوع. ومرجع الجواب الى أن الموضوع هو الطبيعي فالامتداد حقيقي.
المناقشة الثالثة: ما ذكره المحقق النائيني قدس سره على ما في أجود التقريرات وهو اشكال مختص باستصحاب الشرايع السابقة فلا يشمل عدم النسخ في سائر الأحكام التي مر ذكرها في المقدمات ومحصل الاشكال أن الأحكام الشرعية في الشريعة الاسلامية إما أن تكون ناسخة لجميع احكام الشرايع السابقة وأن ما كان فيها مشابهاً لتلك الأحكام فإنما هو من قبيل جعل الحكم المماثل وليس امتداداً لتلك الأحكام فهذه الشريعة جديدة بتمام المعنى وإما أن تكون ناسخة لبعض الأحكام وممضية للبعض الآخر. فإن قلنا بالأول فعدم جريان الاستصحاب واضح وان قلنا بالثاني فاستصحاب بقاء حكم من الشرايع السابقة لا يجري إلا اذا ثبت الامضاء في هذه الشريعة والاستصحاب لا يثبت الامضاء الا على القول بالأصل المثبت.
وأجاب السيد الخوئي ‹أيده الله› عن الشق الأول من الترديد بأنه غير معقول فإن إلغاء حكم وجعل حكم مماثل له لغو وقبيح ولا يعقل صدوره من الحكيم وعن الشق الثاني بان ادلة الاستصحاب كافية في الامضاء. وأضاف السيد البجنوردي قدس سره بأن مرجع الاستصحاب الى جعل الحكم المماثل وهذا بالطبع امضاء لتلك الأحكام.
والصحيح ان الشق الأول معقول ولكنه مخالف للأدلة ولعل منشأ القول بكون هذه الشريعة ناسخة لجميع أحكام الشرايع السابقة هو ما ذكره المحقق الخراساني قدس سره في الكفاية في مبحث الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي من أن الموحى الى النبي والملهم للوصي ليس إلا الأحكام الاقتضائية بمعنى المصالح والمفاسد وأما الأحكام المولوية فهي صادرة من النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم ولعل هذا هو الوجه في ما يرى في كلماتهم من ذكر الصلاة بعد كلمة الشارع المقدس. وعليه فالمطاع في كل اُمة هو النبي وهو المشرع للاحكام جميعها إما بربط الشخصية أو بجعل الحكم الجزائي كما مر تفصيله في محله وكيف كان فهو رابطة بين المولى والعبيد. وحينئذ فكيف يعقل متابعة النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم مع انه أفضل الانبياء لهم فيما شرعوه من أحكام فيكون مطيعاً لمن هو أدنى منه مرتبة فلابد من أن تكون الأحكام احكاماً جديدة يشرعها نبينا صلى اللّه عليه وآله وسلّم.
وهذا ليس مستحيلاً إلا أن الكلام في صحته وان الأحكام هل هي صادرة من الانبياء عليهم السلام فالاطاعة في الشريعة هي اطاعة الرسول أم ان الانبياء وان كانت لهم الولاية في جعل الأحكام الموقتة إلا أنهم من جهة أخرى مبلغون عن الله تعالى وان الشريعة السماوية واحدة بخطوطها الأصلية ومشرعها هو الله تعالى؟ وقد عرفت تفصيل ذلك في المقدمة الاولى. وما ذكره المحقق الخراساني يستلزم مالا يلتزم به ولا يمكن الالتزام به فإن مقتضى ذلك ان تكون الاوامر والنواهي الواردة في القرآن الكريم صادرة عن النبي الأكرم صلى اللّه عليه وآله وسلّم مع أن كون القرآن بتمامه منزلا من الله تعالى من ضروريات الدين.
واما الشق الثاني فلو سلمنا ان الحكم المجعول من قبل الله تعالى الممتد الى هذا الزمان يحتاج الى امضاء من النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم فاستكشاف الامضاء من أدلة الاستصحاب لا معنى له فإن الاستصحاب لا يتكفل إلا التوسعة في الكشف وبقاء المتيقن وأما امضاء الحكم المحتاج الى الامضاء فلا ربط له بالاستصحاب فإن مرجع التوقف على الامضاء الى ان المتيقن جزء الموضوع ولا شك ان استصحابه لا يثبت الجزء الآخر.
والصحيح ان الأحكام الالهية لا معنى لتوقفها على امضاء النبي فإن مقتضى الشق الثاني أن يكون الأحكام من قبل الله تعالى ولا يعقل توقفها على امضاء النبي الذي هو عبد من عبيده وذلك لان معنى التنفيذ والامضاء قد يكون جعل الحكم المماثل فإذا قال الشارع يجب الوفاء بالنذر كان مرجعه الى جعل الوجوب لما أوجبه الناذر على نفسه وان عبر عنه بالامضاء فإن اُريد من الامضاء في المقام هذا المعنى فهو راجع الى الشق الأول وان اريد به التنفيذ والامضاء بالمعنى الحقيقي بأن يكون الحكم غير نافذ المفعول الا به فهو غير معقول في أحكام الله تعالى.
ثم ان الشيخ الانصاري سلك طريقاً آخر لاستصحاب الشرايع السابقة ليسلم من هذه الاشكالات وهو أن أحكام الشريعة السابقة ثابتة في حق مدرك الشريعتين قطعاً إما بنحو الفعلية إذا تحقق الموضوع والشرائط وإما بنحو التعلق بالشخص كما ذكرناه في الاستصحاب التعليقي فاذا شك في بقاء الحكم له بعد ورود الشريعة اللاحقة يستصحب ويثبت ذلك بالنسبة إلينا أيضاً بضميمة قانون الإشتراك في التكليف.
والجواب عنه: ان الإشتراك ثابت في الأحكام الواقعية والظاهرية إلا انه لا يفيد في المقام لا بلحاظ الأحكام الواقعية ولا بلحاظ الأحكام الظاهرية. أما الأول فلان اثبات الحكم الواقعي بالنسبة إلينا باستصحاب مُدرك الشريعتين له لايتم الا على القول بالأصل المثبت فإن الملازمة ليست شرعية إذ لم يرد دليل شرعي يجعل ثبوت الحكم لمُدركهما موضوعاً لثبوت الحكم لنا. وأما الثاني فلان مقتضى الإشتراك حينئذ ليس إلا أن كل من تحقق لديه ما تحقق لمدرك الشريعتين من شرائط استصحاب الحكم ثبت له الحكم والمفروض عدم تحقق الشرائط لنا.

 

التنبيه العاشر

في أصالة تأخر الحادث

مورد هذا البحث ما اذا ترتب اثر على تأخر شيء عن شيء فهل هناك اصل يثبت هذا التأخر؟ حكي عن بعض القدماء أن أصالة تأخر الحادث اصل عقلائي برأسه كما ادعي ذلك في أصالة العدم أيضاً. ولكن هذا مما لا شاهد عليه. فلابد من البحث في جريان الاستصحاب واثبات تأخر الحادث به.
ويلاحظ هنا أن التقدم والتأخر أمران اضافيان فصدق كل منهما يتوقف على ملاحظته بالقياس الى امر آخر. والمقيس إليه قد يكون زماناً وقد يكون زمانياً والثاني على قسمين:
الأول: أن يكون المقيس والمقيس إليه كلاهما دخيلين في الحكم ونصطلح له أصالة تأخر الحادث في الموضوعات المركبة. الثاني: أن يكون أحدهما دخيلاً فقط ونصطلح له أصالة تأخر الحادث في الموضوعات البسيطة. فالأول كاسلام الوارث فإنه إذا تقدم على موت المورث أو القسمة ورث المال وإلا فلا والموضوع هنا مركب من اسلام الوارث وموت المورث أو القسمة. والثاني كالشك في تقدم الحدث على الطهارة وتأخره في مسألة تعاقب الحالتين فإن الموضوع للحكم بصحة الصلاة هو الطهارة ولعدمها هو الحدث لا ان المجموع منهما موضوع الحكم. وفي هذين القسمين قد يكون الأمران مجهولي التاريخ وقد يكون أحدهما معلوم التاريخ والآخر مجهوله.
ولابد ان يتقدم البحث عن تفاصيل هذه الاقسام بحث آخر وهو أن الأثر إذا كان مترتباً على العنوان الإنتزاعي من التقدم والتأخر والتقارن سواء كان المقيس إليه زماناً أو زمانياً هل يمكن اثباته بالاستصحاب أم لا. وهذه التقسيمات التي ذكرناها لا دخالة لها في مثل ذلك اصلاً بمعنى أنه لا يختلف الحكم في هذا المبحث بين كون المقيس إليه زماناً أو زمانياً والموضوع مركباً أو بسيطاً . وإنما هذه التقسيمات تختص بما إذا كان الأثر مترتباً على ذات الشيئين المشكوك فيهما التقدم والتأخر أو التقارن.
وعليه فالبحث في مقامين أحدهما في موارد ترتب الأثر على العنوان الإنتزاعي والآخر في موارد ترتب الأثر على ذات المقيس والمقيس إليه.
والوجه في تقسيم البحث الى مقامين ما ذكرناه في مبحث الأصل المثبت من عدم امكان اثبات العناوين الانتزاعية باستصحاب منشأ الانتزاع أو مصححه فلابد من اجراء الاستصحاب في نفس العنوان الانتزاعي ولذا احتجنا الى المقام الأول وأما لو قلنا بأن استصحاب منشأ الانتزاع أو مصححه يكفي في اثبات العنوان الانتزاعي فلا حاجة الى البحث عن المقام الأول بل يكفي المقام الثاني عن ذلك.
المقام الأول: في ما إذا شك في التقدم والتأخر والتقارن وكان موضوع الأثر نفس الامر الانتزاعي وله ثلاث صور:
الصورة الاُولى: أن يكون أحدها مأخوذاً بنحو كان التامة موضوعاً للحكم كما إذا قال المشرع: (إذا تحقق تقدم اسلام الوارث على موت المورث ورثه) ولا اشكال ــ بناءً على عدم جريان الأصل المثبت ــ في عدم جريان الأصل الوجودي فيه بل يجري فيه أصالة عدم تحقق التقدم بلا مانع. ومن هنا يعلم أن مفاد ليس التامة إذا كان موضوعاً للحكم جرى الاستصحاب فيه بلا اشكال.
نعم قد يكون هذا الاستصحاب موردا لمعارضة استصحاب اخر فيما إذا كان المورد مورداً للعلم الاجمالي كما إذا علمنا اجمالاً بأن أحد الوارثين من الوالد والولد مثلاً مات قبل الآخر ولا نعلم بالمتقدم فاستصحاب عدم تقدم أحدهما معارض باستصحاب عدم تقدم الآخر وحيث ان موضوع الارث هو عدم تقدم موت الوارث مثلاً فالأصلان يتساقطان ونحكم بعدم التوارث بخلاف ما إذا احتملنا التقارن فلا يقع التعارض بينهما.
وكذا إذا كان لكل من تقدم الشيء وتأخره أثر شرعي والمفروض العلم بعدم التقارن فاستصحاب عدم التقدم يعارض استصحاب عدم التأخر بلا فرق بين كون المقيس إليه زماناً أو زمانياً. ومثله ايضا إذا كان كل من التقدم والتأخر والتقارن موضوعاً للأثر.
والحاصل أن ما ذكرناه من جريان الاستصحاب العدمي بلا اشكال انما هو مع قطع النظر عن المعارضة في صورة العلم الاجمالي.
الصورة الثانية: أن يكون أحد العناوين الثلاثة موضوعاً للحكم بنحو كان الناقصة كما إذا قال المشرع: (إذا كان اسلام الوارث متقدماً على موت المورث يرثه) فلا اشكال هنا في عدم جريان الاستصحاب الوجودي لعدم تقدم الحالة السابقة وانما الكلام في جريان الاستصحاب العدمي وهو يبتني على جريان الاستصحاب في الاعدام الازلية بدعوى ان الاسلام قبل تحققه لم يكن متقدماً على الموت فنستصحب عدم التقدم بعد التحقق. وقد ذكرنا بعض الكلام فيه في البحث عن اللباس المشكوك في الفقه. والصحيح جريان الاستصحاب فيه.
الصورة الثالثة: ان يكون أحد العناوين موضوعاً للحكم بنحو الموجبة المعدولة المحمول كما إذا قال: (إذا كان موت المورث غير مسبوق باسلام الوارث فلا يرث) فالاستصحاب الوجودي بمعنى استصحاب عدم المسبوقية بنحو العدم النعتي يتوقف على جريان الأصل المثبت فإن النعتية ليست لها حالة سابقة وإنما الحالة السابقة للعدم المحمولي (المسبوقية لم تكن) وللسالبة بانتفاء الموضوع (الموت لم يكن مسبوقاً قبل تحققه) واثبات العدم النعتي باستصحاب العدم المحمولي أو السالبة بانتفاء الموضوع يتوقف على حجية الأصل المثبت. وأما الاستصحاب العدمي بمعنى استصحاب عدم كون الموت غير مسبوق فهو من الاستصحاب في الاعدام الازلية ويجري بناءً على ما هو التحقيق.
المقام الثاني: فيما إذا شك في أحد العناوين الثلاثة مع كون الأثر مترتباً على ذات المستصحب دون الأمر الانتزاعي والبحث فيه كما أشرنا اليه يقع في ثلاث مباحث:
المبحث الأوّل: أن يكون المقيس إليه هو الازمنة التفصيلية وله قسمان:
القسم الأول: أن يكون الزمان بنفسه دخيلاً في الحكم كما إذا كان الأثر مترتباً على تحقق الاسلام قبل يوم عرفة مثلاً.
القسم الثاني: أن لا يكون الزمان بنفسه دخيلاً بل باعتبار تحقق جزء من الموضوع فيه كما إذا علمنا بتحقق جنابة وشككنا في تقدمها على يوم الجمعة وتأخرها عنه لا لخصوصية ودخالة ليوم الجمعة بل لتحقق الصلوات المشروطة بالطهارة فيه وهي موضوع الأثر.
والاستصحاب جار في القسمين بلا اشكال. وقد ذكر صاحب الكفاية في هذا المقام مطلباً نحن في غنىً عن البحث عنه بعد تقديم المقام الأول وهو أن هذا الاستصحاب هل يثبت أحد العناوين الثلاثة إذا ترتب عليها أثر شرعاً أم لا؟ وقد تمسك في اثباتها بوجوه مرّالكلام في توضيحها أولاً بحيث لا يرد عليه بعض الاعتراضات وفي الجواب عنها ثانياً في مبحث الأصل المثبت.
المبحث الثاني: أن يكون المقيس إليه امراً زمانياً والموضوع مركباً وهو على قسمين فإن الحادثين قد يكونان مجهولي التاريخ وقد يكون أحدهما مجهول التاريخ والآخر معلومه.
القسم الأول: أن يكون الحادثان مجهولي التاريخ ولهذا القسم صور أهمها صورتان نذكرهما بعكس الترتيب الذي في الكفاية لسبب:
الصورة الاُولى: أن يكون الموضوع مركباً من وجود أحدهما وعدم الآخر ويكون العدم ملحوظاً بنحو العدم المحمولي وليس التامة فهل يمكن اجراء الاستصحاب العدمي واحراز الموضوع بضميمة احراز الجزء الآخر بالوجدان أم لا؟
اختلف الشيخ والمحقق الخراساني في ذلك وتبع كلا منهما جماعة فذهب الشيخ واتباعه إلى جريان الاستصحاب في نفسه لولا التعارض وذهب المحقق الخراساني واتباعه الى عدم جريانه في نفسه. فالكلام في جهتين:
الجهة الاُولى: في امكان احراز الموضوع باستصحاب الامر العدمي واحراز الجزء الآخر بالوجدان كما إذا كان الموضوع موت المورث وعدم اسلام الوارث ونحن نعلم بكليهما الا اننا نشك في المتقدم منهما والمتأخر فهل يجري استصحاب عدم الاسلام في نفسه الى زمان الموت أم لا؟ فذهب الشيخ الى جريانه وتبعه جماعة ثم حصلت شبهة لدى الاعلام في ذلك فقيل ان أول من ابدى الشبهة الميرزا الشيرازي وقيل هو الشيخ راضي قدس سرهما وهو من اساتذة السيد صاحب العروة والمحقق الخراساني.
الجهة الثانية: في ان الاختلاف بين قول الشيخ والمحقق الخراساني هل له ثمرة عملية أم هو بحث علمي بحت؟ بمعنى ان هذا الاستصحاب مورد للمعارض دائماً فاما ان لا يجري أو يجري ويسقط بالتعارض.
أما الكلام في الجهة الاولى فقد ذكر الشيخ واتباعه انا نعلم بعدم تحقق الاسلام وموت المورث في زمان ولنفرضه يوم الخميس مثلاً ثم علمنا بتحققهما يوم السبت مثلاً إنما الشك في تقدم أحدهما على الآخر فلا نعلم ان الاسلام حدث يوم الجمعة والموت يوم السبت ام العكس فإذا كان العكس تحقق الموضوع المطلوب وحينئذ فنجري استصحاب عدم الاسلام الى الزمان الواقعي الذي مات فيه المورث والموت محرز بالوجدان فيتحقق الموضوع.
ونفى المحقق الخراساني واتباعه جريان هذا الاستصحاب في نفسه ولبيان وجهه عدة تقارير:
التقرير الأول: ما ذكره المحقق الخراساني بنفسه وهو أن الاستصحاب لا يجري لعدم اتصال زمان اليقين بالشك. وحيث ان كلامه مجمل في المقام كسائر الموارد فلا بد من توضيحه ونحاول هنا تقريره على وجه يندفع بعض اعتراضات المتأخرين عليه التي منها ما اورده السيد الخوئي في مباني الاستنباط ومنها ما أورده السيد الحكيم في المستمسك في الجزء الثاني – مبحث الوضوء.
وتوضيح ذلك يتم بالتنبيه على امور ثلاثة:
الامر الأول: أن لدينا في هذا المقام ثلاثة أزمنة: زمان العلم بعدم تحقق شيء منهما وهو يوم الخميس في المثال السابق. وزمان الشك في أنه زمان حدوث الاسلام أو الموت وهو يوم الجمعة فيه. وزمان العلم بتحققهما وهو يوم السبت. ووعاء التعبد بالاستصحاب العدمي أي عدم الاسلام مردد بين الجمعة والسبت للعلم بعدمه يوم الخميس والمطلوب هو استصحاب عدم الاسلام الى زمان الموت واقعاً وزمانه مردد بين الجمعة والسبت.
الامر الثاني: أن من شرائط جريان الاستصحاب اتصال زمان اليقين بالشك وليس المراد اتصال زمانهما بالمعنى الظاهر من اللفظ فقد ذكرنا في محله أن الشك واليقين زمانهما واحد وانما الاختلاف في زمان متعلقهما بل المراد اتصال زمان القضية المتيقنة بالمشكوكة بمعنى أنه لا يفصل بين الزمان الذي نعلم الآن بتحقق المستصحب فيه والزمان الذي نشك في بقائه فيه علم وجداني أو تعبدي بخلاف القضية المتيقنة أي علم بعدم بقاء المستصحب. وذلك لانه حينئذ ليس من نقض اليقين بالشك بل نقض له باليقين كما إذا علمنا بعدالة زيد يوم الخمس وشككنا فيها يوم السبت ولكن علمنا أو قامت البينة على عدم عدالته يوم الجمعة فلا يمكن استصحاب العدالة السابقة. وهكذا الكلام فيما إذا احتملنا تحقق قضية متيقنة وجدانا أو تعبداً بين الزمانين وذلك لان التمسك بقوله عليه السلام (لا تنقض..) حينئذ تمسك بالعام في الشبهة المصداقية له ولا يقول به أحد.
انما الكلام في امكان الشك في تحقق القضية المتيقنة بينهما وهذا هو الذي يدعيه المحقق الخراساني وهذا ما نبينه في الامر الثالث.
الامر الثالث: أن هناك مسالك مختلفة في العلم الاجمالي وقد ذكرناها في عدة مواضع منها في مبحث استصحاب الفرد المردد. ومسلك المحقق الخراساني فيه ــ بناءً على تفسيرنا لعبارته أن العلم الاجمالي له كشفان: كشف ذاتي يذعن به العقل وكشف عقلائي. أما  الكشف الذاتي فهو متعلق بالجامع الانتزاعي اي عنوان (أحدهما) وهذا المكشوف لا يترتب عليه أثر لا عند الشرع ولا عند العقلاء فان الاثر مترتب على النجس في الشرع مثلاً لا على عنوان أحدهما والنجس ليس إلا أحد الاناءين واقعاً. وأما الكشف العقلائي فحقيقته أن العلم وان تعلق ذاتاً بالجامع الانتزاعي (أحدهما) ألا أن هذا العنوان لم يلاحظ بنحو الموضوعية بل بنحو المرآتية بخلاف المأخوذ في الواجب التخييري على مسلكنا فان عنوان أحدهما مأخوذ على نحو الموضوعية. وأما في هذا المقام فهذا العنوان حدّ للعلم لا للمعلوم بمعنى أن العقل ينتزعه ويجعله مرآة والمرئي به هو الواقع وانما يعيّن الواقع ويكشف عنه بضميمة الاشارة العقلائية فالمكشوف ذاتاً وان كان الجامع إلا أن العقلاء يعتبرون هذا العلم بضميمة الاشارة كاشفاً عن الواقع بنفسه. ومن هنا ذكر الشيخ في ذيل حديث قاعدة الحلية (كل شيء حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه) أن المعرفة بالشيء قد تكون بعينه وبعنوانه الواقعي وقد تكون بعنوان آخر يشير إليه. ومن هنا أيضاً ذكر المحقق الخراساني في أقسام الوضع والموضوع له أن تصور الموضوع له حال الوضع قد يكون بذاته وقد يكون بوجهه. وهذا مذكور في المنطق أيضاً. وهو المراد من قولهم: الكلي وجه للفرد. وقولهم: تصور الشيء بوجهه تصوره بوجه.
والحاصل أن الفرق بين العلم التفصيلي والعلم الاجمالي هو أن الموضوع في  الأول متصور بذاته وفي الثاني بوجهه وعنوانه فالمكشوف بالعلم الاجمالي بحسب الكشف العقلائي هو نفس الواقع. ويعبر عن هذا الكشف بالكشف الناقص.
وبناءً على هذا فالشبهة المصداقية في المكشوف بالكشف الذاتي غير معقول ولكنه بالنسبة للمكشوف بالكشف العقلائي ممكن نظير ما يقال من اشتباه الحجة باللاحجة وأما اشتباه العلم الوجداني باللاعلم فغير معقول. والمدعى في المقام هو الشبهة المصداقية للمعلوم بالعلم الاجمالي بحسب الكشف الناقص.
قال المحقق الخراساني: (الأمر السابع: أنه قد عرفت كون القطع التفصيلي بالتكليف الفعلي علة تامة لتنجزه لا يكاد تناله يد الجعل اثباتاً أو نفياً فهل القطع الاجمالي كذلك؟ فيه اشكال لا يبعدان يقال: إن التكليف حيث لم ينكشف به تمام الانكشاف وكانت مرتبة الحكم الظاهري معه محفوظة جاز الاذن من الشارع بمخالفته احتمالاً بل قطعاً).
والمستفاد من هذه العبارة أن العلم الاجمالي من هذه الجهة حكمه حكم الامارة وكشفه كشف ناقص فيمكن أن يلغيه الشارع ويمكن أن ينفذه.
بعد تبين مبنى صاحب الكفاية نطبقه على ما نحن فيه ونقول: إنا نعلم اجمالاً بحدوث الاسلام إما يوم الجمعة وإما يوم السبت وهذا الحدوث مكشوف لنا قطعاً ولكنا لا نعلم وقت هذا المكشوف فان كان وقته الواقعي يوم الجمعة كان هو المكشوف بالعلم الاجمالي وان كان وقته يوم السبت كان هو المكشوف وموضوع البحث هو الحدوث لا التحقق حتى يقال: انه يوم السبت معلوم تفصيلاً فالعلم الاجمالي منحل.
وحينئذ فالمراد في المقام هو استصحاب عدم الاسلام المعلوم يوم الخميس الى الزمان الواقعي لحدوث الموت فان كان الوقت الواقعي له هو يوم الجمعة امكن الاستصحاب لاتصال زمان اليقين بالشك فان زمان اليقين هو يوم الخميس وزمان الاستصحاب هو يوم الجمعة. وأما إذا كان وقته الواقعي يوم السبت لم يمكن الاستصحاب لان زمان اليقين الذي هو يوم الخميس لم يحرز اتصاله بزمان الاستصحاب وهو يوم السبت لاحتمال تحقق القضية المتيقنة بحدوث الاسلام يوم الجمعة وذلك للعلم الاجمالي بحدوثه إما يوم الجمعة وإما يوم السبت وقد عرفت أن الحدوث متيقن ومكشوف ولكنه مشكوك الوقت وهو بوقته الواقعي مكشوف بضميمة الاشارة العقلائية فيحتمل أن يكون المكشوف أي القضية المتيقنة يوم الجمعة ويحتمل أن يكون يوم السبت وعلي الاحتمال الأول لا يتصل زمان اليقين بزمان الشك ولابد في جريان الاستصحاب من احراز الاتصال وإلا كان تمسكاً بالعام في الشبهة المصداقية.
وبهذا البيان تبين أن الاعتراض عليه بانه يبتني على سراية العلم الى الاُمور الخارجية والمحقق في محله خلافه كما في المستمسك غير وارد عليه. وكذلك الاعتراض بأن ذلك يبتني على امكان الشبهة المصداقية في الصفات النفسية وهو غير معقول كما في مباني الاستنباط.
والجواب عما ذكره المحقق الخراساني بهذا التوضيح الذي ذكرناه هو منع المقدمة الثالثة فإن الكشف العقلائي المدعى في العلم الاجمالي ممنوع ولا أقل من منع اطلاقه. والمعلوم بالعلم الاجمالي هو الكلي وهو لا يحكي الا عما يطابقه لا عما ينطبق عليه. وجعله مرآة لشيء وضم الاشارة الوهمية اليه لا يوجب كونه مكشوفاً. وإلاّ لكان الجاهل البسيط عالماً فان كل جاهل بسيط يعلم اجمالاً بتحقق أحد الأمرين أو الاُمور من الحقائق العلمية والحوادث التاريخية. ويلزم منه أيضاً وجوب الاحتياط لو تردد الامر بين الحرمة والاباحة مثلاً لكون الحرمة مكشوفاً واقعاً مع أن تنجز العلم الاجمالي يتوقف على كون الطرفين تكليفاً الزامياً.
التقرير الثاني: وهو يتوقف على مقدمتين:
المقدمة الاُولى: أن الاستصحاب إذا كان مجراه جزءاً من الموضوع فلابد في جريانه من كون الجزء الآخر محرزاً بالوجدان أو بالتعبد والافاحراز جزء الموضوع بنفسه لغو لا أثر له.
المقدمة الثانية: أن الجزء الآخر في محل الكلام ليس له محرز فإن المحرز لموت المورث إما أن يكون العلم التفصيلي وإما أن يكون العلم الاجمالي. أما العلم التفصيلي فهو محقق في المقام الا ان ظرف الموت المعلوم بالعلم التفصيلي هو يوم السبت وهو يوم العلم بتحقق الاسلام أيضاً فليس هو زمان الاستصحاب فلا يفيد فيما ذكرناه من احراز الجزء الآخر في وعاء الاستصحاب. وأما العلم الاجمالي بحدوث الموت إما في يوم الجمعة وإما في يوم السبت فهو إنما يفيد إذا كان كل من طرفي الترديد مورداً للأثر وإلا فهو ليس إلا كالشبهة البدوية كما إذا علمنا باباحة شيء وحرمة آخر. وهو في المقام ليس كذلك فان الموت لو كان يوم السبت لا أثر له إذ لا فائدة في احراز الجزء الآخر خارج وعاء الاستصحاب كما عرفت نعم طرفه الآخر وهو الموت يوم الجمعة له هذا الأثر. إذن فعدم جريان الاستصحاب انما هو لعدم تحقق شرطه.
والجواب عنه: ان المقدمة الثانية ممنوعة فان الجزء الآخر لوحظ فيها القياس الى الازمنة التفصيلية وهو خارج عن محل البحث.
توضيح ذلك: أن تقسيم الزمان قد يكون بملاحظة الاسامي التي جعلت لقطع خاصة منه كيوم الأحد والسبت مثلاً وقد يكون بملاحظة الحوادث الواقعة فيه كزمان ميلاد المسيح عليه السلام وزمان هجرة الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلّم فنقول مثلا: ان زمان ميلاد المسيح قبل زمان الهجرة وان لم نعلم تفصيلاً وقت شيء منهما والأول يسمى بالزمان التفصيلي والثاني بالزمان الاجمالي. وحينئذ فإذا استصحبنا عدم الاسلام الى زمان موت المورث كان هذا الزمان بملاحظة هذا الحادث معلوماً عندنا وقابلاً للتعريف فيكون وقوع الموت في ذلك الزمان معلوماً بالوجدان فنستصحب عدم الاسلام الى ذلك الزمان الواقعي وهو زمان حدوث الموت.
التقرير الثالث: ان المعتبر في الاستصحاب هو صدق البقاء على التعبد بتحقق شيء أو عدمه واما إذا لم يصدق البقاء فلا يكون استصحاباً وان امكن ذلك بأمر تعبدي آخر. وعليه فلابد في استصحاب عدم الاسلام في المقام ان يصدق عليه الحكم ببقاء عدم الاسلام المتيقن السابق فان كان موت المورث في يوم السبت لا يصدق الحكم بالبقاء واقعاً لتخلل الاسلام بين يوم الخميس ويوم الموت الذي هو يوم السبت. و ان كان موت المورث في يوم الجمعة كان استصحاب عدم الاسلام الى يوم الجمعة ابقاءاً للمتيقن السابق وحيث إنا لا نعلم زمان الموت فصدق البقاء مشكوك فلا يجري الاستصحاب.
والجواب عنه هو الجواب عن الوجه السابق فان هذا الاشكال أيضاً يبتني على ملاحظة الازمنة التفصيلية وأما استصحاب عدم الاسلام الى زمان الموت واقعاً يصدق عليه الابقاء بلا اشكال. ومورد البحث قياس المستصحب الى أمر زماني لا الى نفس الزمان التفصيلي.
التقرير الرابع: وهو مطابق لما ذكره السيد الحكيم ونسبه الى المحقق العراقي ونحن نذكره بتصرف وتوضيح.
وهو أن الاستصحاب يتكفل لبيان امتداد الشيء ولا يثبت تقارن الشيئين ابتداءً إلا أنه قد يفيده إذا كان التعبد بالامتداد كافياً في ثبوت المقارنة.
توضيح ذلك: أنا إذا شككنا في مقارنة الأمرين فتارة لا نشك في الامتداد اصلاً كما إذا علمنا ببقاء الطهارة خمس ساعات مثلاً وشككنا في تحقق الصلاة في هذه الساعات الخمس وعدمه فالشك في المقارنة موجود ولكن لا شك في الامتداد وهنا لا اشكال في عدم إمكان اثبات المقارنة بالاستصحاب. وتارة يكون الشك في المقارنة ناشئا من الشك في الامتداد كما إذا شككنا في بقاء الطهارة الى زمان الصلاة ولا شك في كفاية الاستصحاب حينئذ في اثبات واقع المقارنة لما ذكر في مباحث الاستصحاب في الاُمور الزمانية من امكان اثبات المعنى الحرفي إذا لم يكن مفاده أزيد من التجمع الزماني والمفروض أن واقع المقارنة هو الموضوع لا عنوانها. وتارة يكون الشك في المقارنة مقارناً للشك في الامتداد ولكنه ليس ناشئاً منه فلا يكفي في ثبوتها اثبات الامتداد وحينئذ لا يجري الاستصحاب.
وما نحن فيه من هذا القبيل فان عدم الاسلام مشكوك في مقدار امتداده وفي مقارنته لموت المورث ولكن مقدار امتداد عدم الاسلام المحتمل لو اثبتناه بالاستصحاب لا يكفي في ثبوت المقارنة إذ غاية امتداده نهاية يوم الجمعة ويحتمل حدوث الموت يوم السبت فالامتداد لا يثبت المقارنة وأكثر من هذا المقدار لا يمكن استصحابه للعلم بتبدله بالوجود.
والجواب عنه: أن ما ذكر صحيح إلا أن المقام من القسم الثاني وذلك لان المفروض أن المقيس إليه هو الزمان الاجمالي والحاق ما نحن فيه الى القسم الثالث يبتني على القياس الى الازمنة التفصيلية ولذا ورد في الاشكال ان غاية امتداده نهاية يوم الجمعة مع أن المعتبر كما ذكرناه في الجواب عن الاشكال الثاني والثالث هو لحاظ زمان تحقق الموت اجمالاً ولا دليل على اختصاص الاستصحاب بالتعبد بالبقاء بالنظر الى الازمنة التفصيلية وكما يشمل (لا تنقض اليقين بالشك) صورة العلم بعدم الاسلام يوم الخميس والشك فيه يوم الجمعة كذلك يشمل صورة العلم به قبل موت زيد بيوم مثلاً والشك فيه قبيله بساعة وإن لم نعلم ساعة موته فان الملاك وهو صدق نقض اليقين بالشك موجود في المقامين ولا دخالة للعلم بالزمان تفصيلاً في ذلك. وكذلك يشمله الدليل العقلائي.

تكملة:
ذكرنا في تقرير اشكال المحقق الخراساني كيفية امكان الشك في اتصال القضية المتيقنة بالمشكوكة على مسلكه وقد ذكر المحقق النائيني وجهاً في تصوير ذلك ومحصل ما ذكره أنه لو كان لنا إناءان نعلم تفصيلاً بنجاستهما ثم حصل لنا علم اجمالي بطهارة أحدهما فهو على ثلاث صور:
الصورة الاُولى: أن يكون العلم بالطهارة مجملاً من جميع الجهات كما إذا اخبرنا من نعلم صدقه بطهارة أحدهما. وحينئذ فلا مانع من اجراء استصحاب النجاسة في كل منهما مع قطع النظر عن المعارضة.
الصورة الثانية: أن يكون العلم بالطهارة مبينا من جميع الجهات قبل عروض الاجمال كما إذا رأينا إصابة المطر لأحدهما معيناً ثم اشتبه بالآخر فحصل العلم الاجمالي.
الصورة الثالثة: أن يكون العلم بالطهارة مبيناً من جهة ومجملاً من جهة كما إذا علمنا بإصابة المطر للاناء الشرقي ولم نميزه حال العلم ثم اشتبه الشرقي بالغربي.
وفي هاتين الصورتين لا يجري استصحاب النجاسة لانهما موردان للشبهة المصداقية لقوله عليه السلام: (لا تنقض اليقين بالشك).
والكلام هنا في تفسير كلام المحقق النائيني في هذا المقام. وقد ذكر الاعلام من تلامذته لذلك وجهاً ونحن نذكر وجهاً آخر.
أما ما ذكروه فهو أن زمان اليقين ليس متصلاً بزمان الشك لفصل زمان العلم بالطهارة على أحد الوجهين بينهما والمعتبر في جريان الاستصحاب أن لا يفصل بين وعاءي اليقين والشك زمان لا يكون زمان العلم ولا الشك وهذا الشرط غير حاصل في المقام لان كلا منهما وان علمنا بنجاسته سابقاً إلا انه يحتمل أن يكون متعلق العلم بالطهارة في الزمان المتوسط فلا يحرز اتصال زمان اليقين بالشك واجراء الاستصحاب حينئذ تمسك بالعام في الشبهة المصداقية.
ولو كان هذا هو مقصوده فيرد عليه اعتراضان:
الاعتراض الأول: أن القطع بكون المستصحب متعلقاً للعلم بخلاف الحالة السابقة في أحد الازمنة المتوسطة لا يضر بالاستصحاب فضلاً عن احتماله فإذا علمنا بعدالة زيد يوم الخميس ثم علمنا بفسقه يوم الجمعة وشككنا يوم السبت بنحو الشك الساري في بقاء عدالة يوم الخميس بمعنى اننا نحتمل الاشتباه في فسق يوم الجمعة فلا اشكال في جريان الاستصحاب ولا يضر هذا القطع المتوسط لعدم بقائه في وعاء الاستصحاب والمقام من هذا القبيل فان القطع بالطهارة قد ارتفع بحصول الاشتباه بينهما.
الاعتراض الثاني: ان هذا لو تمّ فانما هو في الصورة الثانية دون الثالثة إذ لم يمرّ في هذه الصورة زمان نقطع بطهارة هذا الاناء الذي هو مورد الاستصحاب ولا فرق بين العلم بطهارة الاناء الشرقي مع عدم تمييزه والعلم بطهارة أحدهما مع عدم تمييزه كما في الصورة الاُولى. ووضوح الاعتراض الثاني يشهد أن هذا ليس مقصود المحقق النائيني قدس سره.
وأما ما يظهر لنا من ملاحظة كلماته في ابواب متفرقة هو أن مراده أمر آخر وراء ذلك.
بيانه ان مسلك المحقق النائيني في العلم الاجمالي هو أنه على قسمين:
الأول: أن يكون متعلق العلم هو عنوان أحدهما ولا يكون للعلم ارتباط بالخارج.
الثاني: أن يكون العلم الاجمالي مرتبطاً بالخارج بوجه.
ومثال القسم الأول الصورة الاُولى من الصور الثلاث التي ذكرناها ومثله ايضا ما إذا تواتر اجمالاً وجود عالم في الدار مثلاً بأن اخبرنا به جماعة كثيرة وكل منهم اخبرنا بوجود أحد من العلماء غير ما ذكره الآخرون فمقتضى تجمع الإحتمالات في المحور الواحد المعبر عنه بالتواتر الاجمالي هو العلم بوجود عالم في الدار ولكن هذا العلم لا يتعلق بأمر واقعي في الخارج بل بالعنوان الاجمالي.
والقسم الثاني هو مورد اشتباه المعلوم بغيره والصورة العلمية فيه مرتبطة بأمر واقعي في الخارج ولابد من الالتزام حينئذ بانكشاف الواقع وذلك لان الصورة العلمية في هذه الصورة ليست كالصورة السابقة متعلقة بالعنوان الاجمالي ابتداءً بل هي مرتسمة عن الواقع الخارجي وحاكية عنه وانما نشأ الاجمال من اشتباه ذي الصورة بغيره فيصح عقلاً أو عرفاً القول بان ما اعلم بنجاسته قد اشتبه علي ولا يمكن لي تمييزه والعلم الاجمالي في القسم الاول يحقق قضية منفصلة مانعة الخلو تقول اما هذا نجس أو ذاك ولا مانع من نجاستهما. وفي القسم الثاني يحقق قضية منفصلة حقيقية وهي أن الاناء الذي رأيت المطرقد أصابة إمّا هذا أو ذاك ولا يمكن الاجتماع لوحدة المعلوم كما لا يمكن الخلو.
وبهذا البيان يعلم الوجه في تحقق الشبهة المصداقية في المقام ويعلم أيضاً امكان تحقق العلم الاجمالي في موارد الدوران بين الاقل والأكثر في قبال من زعم عدم امكانه بدعوى أن الاقل متيقن وما زاد عنه مشكوك فإن ذلك انما يتم في الصورة الاُولى وأما إذا علمنا بان كل آنية في الجانب الشرقي قد أصابه المطر ولم نعلم انها ثمانية أم عشرة لا يصح القول بأن طهارة الثمانية معلومة وطهارة الزائد عليها مشكوكة فان مقتضى تعلق العلم الاجمالي حينئذ بالواقع ان ثمانية أوانٍ متعينة ممتازة قد أصابها المطر لا أن عدد الثمانية متيقن وما زاد مشكوك.
ومن هنا يعلم الوجه في ما ذكره القدماء من وجوب القطع بالفراغ أو الظن اذا شك في مقدار الفوائت من الصلاة للعلم الاجمالي بوجوب احد المقدارين أو المقادير ولا ينحل العلم بالتيقن بالاقل لارتباط العلم بالواقع الخارجي وسبق العلم بمقداره أولاً ثم عرض الاجمال من جهة الكثرة. وقد حكم بذلك جماعة من المتأخرين واحتاط بعضهم منهم المحقق البهبهاني في حاشية المدارك والسيد بحر العلوم في المصابيح وصاحب العروة والمحقق النائيني ولعل السيد البروجردي احتاط في ذلك أيضاً.
وتبين بذلك ان هذه الفكرة ليست مختصة بالمحقق النائيني بل لها جذور في فقه القدماء. وقد بيّن المحقق المذكور هذا الوجه في مسألة قضاء الفوائت وفي مسألة وجوب الفحص عن المخصص إذا كان ما احرز من الاحكام بمقدار المعلوم بالاجمال لعدم انحلال العلم الاجمالي نظراً الى ان المعلوم بالاجمال معنون بما هي مدونة في الكتب المعتبرة وقد بينا ان مثل هذا العلم الاجمالي لا ينحل بالعلم التفصيلي بالاقل. ومثّل لذلك مثالاً خارجياً وهو أن المدين اذا سجل ديونه في قائمة ولم يجمعها وتيقن انها بالغة الفاً مثلاً وشك في الزايد فمقتضى عدم تحقق العلم الاجمالي جواز اتلاف القائمة وكفاية دفع المتيقن.
والحاصل أن اساس الفكرة عند المحقق النائيني هو أن المعلوم بالاجمال إذا كان مسبوقاً بعلم تفصيلي ولو بعنوان يمنع من جريان الاستصحاب في نفسه من جهة عدم اتصال زمان اليقين بالشك.
وقد تبين بما ذكرنا ان هناك وجوها من الفرق بين هذين القسمين من العلم الاجمالي:
الأول: ان القسم الأول يتقوم بمنفصلة مانعة الخلو والقسم الثاني يتقوم بمنفصلة حقيقية.
الثاني: ان اشتباه المعلوم بالاجمال بغيره ممكن في القسم الثاني دون الأول فإن نسبة الصورة العلمية إليهما في الأول على سواء.
الثالث: أن الترديد  بين الاقل والاكثر في المعلوم بالاجمال في القسم الأول غير معقول لانحلال العلم الاجمالي لتيقن الأقل والشك في الأكثر ولكنه معقول في القسم الثاني فان المعلوم بالاجمال معين بعنوانه ومشكوك في كميته كما إذا علم بإصابة المطر لكل اناء شرقي وشك في كميته. ومن هنا ذهب المحقق النائيني الى وجوب القطع بالفراغ في قضاء الفوائت كما ذكرنا.
الرابع: أن قيام الحجة التفصيلية على ثبوت الحكم الالزامي في مقدار المعلوم بالاجمال يوجب انحلال العلم الاجمالي في القسم الأول دون القسم الثاني فان قيام البينة على نجاسة أحد الاناءين في القسم الثاني لا يوجب تعين المعلوم بالاجمال الذي هو معلوم بعنوانه بخلاف القسم الاول إلا اذا قامت البينة على أن هذا الاناء هو الاناء الذي علمت نجاسته أولاً أو قامت على نجاسة هذا وعدم نجاسة الآخر. والحاصل أنه لابد في انحلاله من تبدل المعلوم بالاجمال الى المعلوم بالتفصيل.
وهناك وجوه اخرى من الفرق غير هذه الوجوه.
ولو فرضنا عدم ارادة المحقق النائيني هذا الوجه الذي ذكرناه كما هو مقتضى فهم تلامذته فيما رأينا فلا أقل من كون هذا الوجه محتملاً في نفسه.
وتفصيل الجواب عن هذا الوجه قد ذكرناه في موارد متعددة ومحصّله أن العلم الاجمالي لا يكشف إلا عن الجامع ولا ربط له بالواقع أصلاً وكون منشئه هو العلم التفصيلي لا يستوجب ذلك لامرين:
الأول: ما أوضحناه مراراً من أن الصورة الارتسامية لا تحكي عما أخذت منه وانما تحكي عما تطابقه. وكذلك جميع الصور فاذا أخذت صورة من آلة مصنوعة لترسم على كل علبة من علبها فان الصورة حينئذ لا تحكي عن تلك الآلة المصوَّرة وانما تحكي عما في العلبة. وكذا الصورة الارتسامية في الذهن المأخوذة من زيد مثلاً انما يحكي عن الكلّي إلاّ أنّ الكلي قد يكون ذا أفراد متعددة وقد ينحصر في فرد ولذلك يتوقف العلم بالجزئيات بما أنها جزئيات على ضمّ الاشارة الوهمية مع التمييز والا فالصورة صورة للكلي وما أخذ منه ليس إلا مقدمة وجودية لها.
وعليه فالعلم الاجمالي وان كان منشؤه الصورة الارتسامية عن أمر واقعي إلا أنه لا ربط لها بالعلم فان الصورة بعد التصوير لا يحكي إلاّ عن الجامع وانما تحكي عن الواقع ما دام التمييز وذلك بضم الاشارة أيضاً وأما بعد التمييز فلا تعتبر الصورة علماً تفصيلياً لانقطاع الارتباط النفسي بين الصورة والواقع الخارجي كما انه لا يحكي عما يطابقه أيضاً اذا انقطع الارتباط النفسي بينه وبينها وانما يحكي عن الكلي.
الثاني: ان العلم الاجمالي ــ كما ذكرناه في محله ــ يتحقق اذا كان حدّ العلم مغايراً لحدّ الواقع فحدّ العلم هو العنوان الانتزاعي (أحدهما) ولا يمكن أن يكون هذا العنوان حدّاً للواقع وهذا العنوان الانتزاعي قد يكون متعلق العلم ابتداءً بنفسه وقد يكون العلم به ناشئاً عن تعلق العلم بامر واقعي واشتباهه بغيره فالمعلوم بالاجمال هو عنوان أحدهما والعلم بالواقع ليس الامبدأً لوجوده فلا ربط للعلم الاجمالي بالواقع وكون أحدهما الواقعي مبدأً لتعلق العلم بعنوان أحدهما لا يوجب اختصاصه به وكونه مرآة له.
والذي يوضح ذلك انا لو رأينا قطرة دم مثلاً أصابت أحد الاناءين بعينه ثم اشتبه بالآخر وكان ما أصابه في الواقع ماء رمان مثلاً ولكن قطرة من بول أصابت أحدهما لا بعينه ونحن لم نعلم به فلا يقال أن العلم الاجمالي مخالف للواقع لأن مبدأ حصوله مخالف له بل هو مطابق للواقع لانه لا يحكي إلا عن الجامع الانتزاعي وهو يتحقق بتحقق كل واحد من الفردين.
هذا تمام الكلام في الجهة الاُولى من المسألة.
الجهة الثانية: في بيان الثمرة لخلاف الشيخ والمحقق الخراساني. اذ قد يقال بان هذا البحث ليس له ثمرة عملية لان استصحاب عدم موت المورث مثلا الى زمان اسلام الوارث لو كان جاريا في حد ذاته فانه معارض دائما باستصحاب عدم اسلام الوارث الى زمان موت المورث. وهذا ما ذكره الشيخ قدس سره وذهب كثير من الاعلام الى تحقق الثمرة للخلاف وان لم يذكر بعضهم هذه المسألة مستقلةً إلا أنه يظهر ذلك من مطاوي كلماتهم.
ومرجع البحث الى أن إجراء الأصل العدمي في كل موضوع مركب من أمرين عدمي ووجودي واحراز الموضوع بضميمة احراز الجزء الآخر بالوجدان هل هو معارض دائماً باصل في الجانب الآخر أم في خصوص ما اذا كان للاصل الآخر أثر مضاد لأثر هذا الأصل؟ فذهب الشيخ الى الأول وذهب الآخرون الى الثاني وأن هناك موارد ليس فيها تعارض أما مورد المعارضة فمثاله الشك في تقدم موت كل من المتوارثين وتأخره كالأب والإبن فإن لعدم موت كل منهما الى زمان موت الآخر أثر وهو إرثه من ماله. وأما عدم المعارضة فله أمثلة كثيرة:
منها: الشك في تقدم موت كل من الأخوين وتأخره مع كون أحدهما ذا ولد دون الآخر فإن استصحاب عدم موت ذي الولد الى زمان موت الآخر له أثر وهو الارث وأما استصحاب عدم موت الآخر لا أثر له لأن طبقته متأخره عن طبقة الولد فلا يرث.
ومنها: ما إذا أجاز المرتهن في بيع الراهن داره مثلاً ثم رجع في اجازته وشك في تأخر الرجوع عن البيع فيصح أو تأخر البيع عنه فلا يصح فقالوا بجريان استصحاب عدم رجوع المرتهن الى زمان البيع ولا يعارضه استصحاب عدم البيع الى زمان الرجوع.
ومنها: الشك في تقدم الصلاة على الحدث وتأخره عنه فنستصحب عدم تحقق الحدث الى زمان الصلاة فتترتب عليه صحتها ولا اثر لاستصحاب عدم الصلاة الى زمان الحدث.
ومنها: أنه لو كان الماء قليلاً ثم لاقى النجاسة وأصبح كراً وشككنا في المتقدم منهما والمتأخر فاستصحاب عدم الكرية الى زمان الملاقاة يوجب الحكم بنجاسة الماء بلا معارض.
ونحن نجعل مورد البحث هذا المثال الأخير.
أما على مسلك المحقق الخراساني فاستصحاب عدم الكرية الى زمان الملاقاة لا يجري في نفسه فلابد من ملاحظة الاُصول المتأخرة عنه رتبة كقاعدة الطهارة. وأما بناءً على مسلك الشيخ فقد يقال بأن هذا الاستصحاب يجري ولابد من الحكم بالنجاسة. ولكن المستفاد من كلامه هو سقوط هذا الاستصحاب بالتعارض مع استصحاب عدم الملاقاة الى زمان الكرية وهذا الأصل ينفي موضوع النجاسة. والكلام في أن هذا الأصل ونظائره من الاُصول النافية في موضوعات الأحكام ومتعلقاتها هل يجري دائماً فيعارض الأصل المثبت للتكليف أم هو مختص ببعض الموارد كما ذكرنا.
ولابد قبل البحث من ذكر مقدمة:
وهي أن موضوع الحكم كالنجاسة في محل البحث أو متعلق الحكم كالصلاة إذا شك في تقدم الحدث عليها وتأخره من الاُمور المركبة والتركب في المقام على قسمين:
القسم الأول: أن يكون موضوع الحكم أو متعلقه عنواناً متحداً بالوحدة الاعتبارية ملحوظاً فيه نحو ترابط بين الاجزاء لا مجرد تجمعها في الزمان.
القسم الثاني: أن يكون موضوع الحكم نفس الاجزاء بوصف تجمعها في الزمان سواء كانا عدميين أو وجوديين أو مختلفين.
أما في القسم الأول فقد ذكرنا سابقاً أن إثبات العنوان الانتزاعي المأخوذ موضوعاً بنحو كان التامة أو ليس التامة بإجراء الاستصحاب في أحد الاجزاء واحراز الآخر بالوجدان أو التعبد غير ممكن إلا على القول بالأصل المثبت بل يجري استصحاب عدم هذا العنوان.
وأما في القسم الثاني فلا إشكال في الجملة في امكان احراز الموضوع باجراء الاستصحاب في أحد الجزءين واحراز الآخر بالوجدان كما انه لا اشكال في امكان نفي الموضوع باستصحاب نقيض احد الجزءين في الجملة أيضاً ولذا قلنا إن استصحاب الطهارة الى زمان الصلاة يكفي في الحكم بصحتها لأن المطلوب هو التجمع الزماني فقط ووقوع الصلاة حال الطهارة من لوازم هذا الاستصحاب لا من لوازم المستصحب حتى يتوقف على حجية الاصل المثبت. وفي هذا القسم لا تجري أصالة عدم المركب فان المركب ليس امراً آخر وراء الاجزاء بخلاف القسم الأول فان المركب الاعتباري يجري فيه استصحاب العدم. وكما تتعدد الاجزاء في هذا القسم كذلك نقائضها، وكما يكفي في احراز الموضوع احراز أحد الجزءين بالوجدان والآخر بالأصل كذلك يكفي في احراز عدمه استصحاب أحد نقيضيهما فيكفي في الحكم ببطلان الصلاة استصحاب عدم الطهارة إذا كانت مسبوقة بالعدم وكذلك يكفي في الحكم بطهارة الماء القليل استصحاب عدم الملاقاة. وذلك لأن الصلاة في الأول والنجاسة في الثاني مركب من أمرين واستصحاب العدم في أحدهما يكفي في نفي المركب.
وفي محل البحث استصحابان: استصحاب عدم الكرية الى زمان الملاقاة واستصحاب عدم الملاقاة الى زمان الكرية. ومقتضى الأول ثبوت النجاسة باحراز أحد جزءي موجبها وهو الملاقاة بالوجدان واحراز الآخر وهو القلة بالاستصحاب. ومقتضى الثاني الطهارة بنفي أحد جزءي الموضوع وهو الملاقاة بمعنى أنه يثبت عدم تحقق الملاقاة في طول مدة القلة، إلا أن الكلام في جريان الأصل الثاني ومنشأ الشبهة أنّ الملاقاة الموجبة للنجاسة هل أخذت بنحو صرف الوجود موضوعاً لها أو بنحو مطلق الوجود.
والضابط في رفع الشك في مثل هذه الموارد هو ملاحظة القرائن في تعيين أحدهما وذكرنا سابقاً أن الشيء لو أخذ متعلقاً للأمر فلابد من أن يكون بنحو صرف الوجود إذ لا يمكن ايجاد جميع افراد الطبيعي فان الطبيعي كلما أخذت فيه القيود لا يخرج عن كونه كلياً قابل الانطباق على افراد متعددة وكلما تحقق في الخارج من افراده لا يوجب ضيقاً في مفهومه بحيث لا يمكن تحقق فرد آخر يقبل الانطباق عليه فلابد ان يكون المطلوب هو ايجاد فرد منه فقط وهذا واضح. وكذا الحال لو كان الطبيعي مورداً للإخبار فان قولنا ضرب زيد لا يمكن ان يحمل على مطلق الوجود لعدم امكان تحقق جميع افراده. والأمر بالعكس في النواهي فانها تحمل على مطلق الوجود لنفس القرينة العقلية فان الممكن هنا هو ترك المجموع والا فترك بعض الافراد ضروري كما ذكرنا.
وقد يتوهم ان المتعين في ايجاب الملاقاة للنجاسة هو صرف الوجود فان أول الملاقاة توجب النجاسة والملاقاة الثانية لا توجب شيئاً فإن المتنجس لا يتنجس فالمؤثر هو صرف الوجود. ولكن من الممكن أخذ الطهارة في موضوع التنجس وحينئذ تؤخذ الملاقاة بنحو مطلق الوجود فنقول: كل طاهر إذا لاقى نجساً في أي وقت يتنجس فيكون خروج صورة ملاقاة المتنجس للنجاسة خروجاً موضوعياً. وأما الملاقاة فتعتبر بنحو مطلق الوجود أي يكون المؤثر منها كل نحو من الملاقاة وارداً أو موروداً قليلاً أو كثيراً الى غير ذلك من انحاء الملاقاة وفي كل زمان من الازمنة ومع كل نجس من الاعيان النجسة أو المتنجسة.
والظاهر أن المتعين هو أخذ مطلق وجود الملاقاة. وذلك لأن منشأ القول بتعين صرف الوجود هو الكبرى المتقدمة (المتنجس لا يتنجس) وهي لا تقتضي كون الملاقاة بنحو صرف الوجود موجبة للنجاسة إذ قد تكون الماء القليل نجساً قبل الملاقاة من جهة اُخرى كالتغير. ويتصور ذلك بوجهين: (أحدهما) أن يكون الماء القليل جزءاً من كرّ سابقاً فينحصر تنجسه في التغير فاذا تنجس به ثم انفصل عنه فهو متنجس من غير جهة الملاقاة. (الثاني) أن يكون الماء وإن كان قليلاً قد تغير بالمجاورة بناءاً على كونه موجباً للنجاسة كما هو الاحوط. وبعد ملاحظة كون الموضوع مطلق وجود الملاقاة لا يبقى مجال للاشكال في الاستصحاب بأنه من الأصل المثبت لامكان اجراء استصحاب عدم تحقق كل ملاقاة في كل زمان من الأزمنة الى زمان تحقق الكرية.
ولو تنزلنا عن ذلك وسلمنا أن الموضوع هو صرف وجود الملاقاة فهل يجري استصحاب عدمها الى زمان الكرية أم لا؟
قد يتوهم عدم جريانه من جهة أن ما يمكن اجراء الأصل فيه هو حصة واحدة من الملاقاة وهي الملاقاة بين الحدين (من زمان القلة الى زمان الكرية) وحيث ان سائر الحصص مقطوعة العدم يثبت عدم تحقق صرف وجود الملاقاة وهذا من أوضح مصاديق الأصل المثبت، ولذا قالوا بعدم امكان نفي صرف وجود الكلي في استصحاب القسم الثاني من الكلي مع أن الفرد الطويل يجري فيه أصالة العدم وغيره مقطوع العدم.
والجواب عنه أنا نستصحب عدم صرف وجود الملاقاة الى زمان الكرية ولا نريد اثبات عدم صرف الوجود باستصحاب عدم الفرد من الملاقاة. وما ذلك الا نظير استصحاب عدم الملاقاة الى زمان معين حيث يكون أصل الملاقاة مشكوكاً. وهذا الاستصحاب جار بلا شبهة وما نحن فيه مثله أيضاً لا فرق بينهما من جهة لزوم المثبتية وعدمه.
ثم ان السيد الخوئي ‹أيده الله› اعترض على الشيخ في استصحاب عدم الملاقاة الى زمان الكرية بوجهين أحدهما نقضي والآخر حلّي:
أما النقضي فهو أن لازم ذلك عدم صحة الصلاة إذا شك في بقاء الطهارة لمعارضة استصحاب الطهارة الى زمان الصلاة باستصحاب عدم الصلاة مع الطهارة أو في زمان الطهارة وهذا لا اشكال في فساده من جهة أنه مورد صحيحة زرارة. وأما الحلي فبان متعلق الاستصحاب لو كان عدم الملاقاة بذاتها فهو متيقن الحدوث وإن كان عدم الملاقاة بوصف كونها في زمان القلة فلا أثر له إذ المفروض أن الموضوع ليس امراً خارجاً عن ذات الجزءين (الملاقاة والقلة) فلا يعتبر عنوان التقيد والتوصيف والاجتماع فلابد من كون مجرى الاستصحاب ذات الملاقاة وقد عرفت إنه لا يجري.
وقد ذكر هذا الاشكال رداً على الشيخ في مبحث خيار العيب إذا شك في تقدم العيب على الفسخ وتأخره.
والجواب أما عن النقض فبان الصلاة في مورد صحيحة زرارة معلومة التاريخ والشيخ قدس سره لا يقول بجريان استصحاب العدم في معلوم التاريخ فلا يكون هذا نقضا عليه. ولكن سيأتي ان استصحاب العدم في معلوم التاريخ جار أيضاً ولكن جريانه في مورد الصحيحة يتوقف على العلم بوقوع حدث مجهول التاريخ ليستصحب عدم وقوع الصلاة الى زمان الحدث وهو غير مفروض في مورد السؤال في الصحيحة فالاستصحاب في مورد الصحيحة لا يجري الا في الطهارة. نعم لو كان المفروض تحقق حدث مجهول التاريخ وتحقق صلاة معلوم التاريخ فاستصحاب الطهارة أو عدم الحدث الى زمان الصلاة يعارَض باستصحاب عدم الصلاة الى زمان الحدث بناءاً على مسكنا لصحة التعبد بامتداد عدم الصلاة في زمان الطهارة الى اول زمان تحقق الحدث.
وأما الجواب عن الحلّ فبالنقض والحل.
أما النقض فبان استصحاب عدم الكرية الى زمان الملاقاة مورد لهذا الاشكال أيضاً فان متعلق الاستصحاب إن كان عدم ذات الكرية فهو معلوم التحقق وإن كان عدم الكرية مقيداً بزمان الملاقاة فلا أثر له إذ المفروض كون الموضوع ذا جزءين.
وأما الحلّ فبان متعلق الاستصحاب هو عدم ذات الملاقاة الى زمان الكرية ولكن وعاء الامتداد ليس هو وعاء اليقين بحدوث الملاقاة وحدوثها قبل تحقق الكرية مشكوك وليس المستصحب هو الملاقاة مقيدة بالقلة حتى يرد الاشكال بالخروج عن محل الكلام.
هذا تمام الكلام في الصورة الاُولى من مجهولي التاريخ في الموضوعات المركبة وكان المفروض فيها أن الموضوع مركب من وجود شيء وعدم آخر بنحو العدم المحمولي ومفاد ليس التامة.
الصورة الثانية: أن يكون الموضوع مركباً من وجود شيء وعدم آخر بنحو العدم النعتي ومفاد ليس الناقصة كما لو فرضنا كون الموضوع للنجاسة هو الملاقاة بوصف كونها في زمان عدم الكرية فيقع الكلام في امكان اثبات الموضوع بالاستصحاب تارة وفي امكان نفيه به تارة اُخرى.
أما اثبات الموضوع به فلا اشكال في عدم امكانه فإن عدم الكرية وإن كانت له حالة سابقة إلا أنها بنحو العدم المحمولي ومفاد ليس التامة واجراء الأصل في العدم المحمولي لاثبات العدم النعتي من الاُصول المثبتة وقد مرّ الكلام في عدم جريانها وانها تبتني على القول بأن هذه الفروق من التكثرات الادراكية وأن الحقيقة فيها أمر واحد فلا مانع من استصحاب العدم بنحو السالبة المحصلة وان كان الموضوع من قبيل الموجبة المعدولة المحمول مثلاً وكذا العكس. ولكن قد بينا هناك فساد هذا القول ونظائره.
واما نفي الموضوع بالاستصحاب فلا مانع منه بناءً على جريان الاستصحاب في الاعدام الازلية كما هو الحق فإن الملاقاة قبل تحققها لم تكن موصوفة بوقوعها في زمان عدم الكرية فنستصحب هذا العدم بعد تحققها أيضاً.
ثم ان السيد الخوئي ‹أيده الله› نسب الى صاحب الكفاية القول بعدم جريان الأصل النافي في المقام وأظهر عجبه منه إذ هو قائل بالاستصحاب في الاعدام الازلية. ولابد من ملاحظة أن نسخ الكفاية تختلف في ذلك ففي النسخة المحشى بحاشية المشكيني لم يتعرض للاصل النافي أصلاً وفي نسخة حقائق الاُصول تعرض له وقال بجريانه فلعل السيد الخوئي لاحظ النسخه الاولى فقط واستظهر من عدم التعرض القول بعدم الجريان.
وإلى هنا انتهى كلامنا في مجهولي التاريخ من الموضوعات المركبة.
القسم الثاني: أن يكون أحد الحادثين معلوم التاريخ والآخر مجهوله وله صورتان:
الصورة الاُولى: أن يكون الموضوع مركباً من أمر وجودي وآخر عدمي على وجه النعتية والكلام فيها هو الكلام في الصورة الثانية من القسم الأول، فراجع.
الصورة الثانية: أن يكون الموضوع مركباً من أمر وجودي وآخر عدمي من دون لحاظ الاتصاف بينهما فيكون الامر الوجودي مأخوذاً بمفاد كان التامة والامر العدمي مأخوذا بمفاد ليس التامة والمفروض أن أحدهما معلوم التاريخ والآخر مجهوله. والكلام تارة في استصحاب عدم الجزء المجهول التاريخ واُخرى في عدم الجزء المعلوم تاريخه.
ومثال الاول انا لو فرضنا أن زمان الكرية معلوم ولنفرضه أول الزوال مثلا وزمان الملاقاة مردد بين كونها قبل الزوال أو بعده فهل يجري استصحاب عدم الملاقاة الى زمان الكرية أم لا؟ فيكون البحث في استصحاب عدم الجزء المجهول تاريخه.
والأكثر يقولون بجريانه. والوجوه التي ذكرناها في تقرير عدم جريان الاستصحاب في مجهولي التاريخ لاتجري هنا الا الوجه الأول. وذلك لان الوجه الثاني يبتني على عدم احراز الجزء الآخر لا بالتفصيل ولا بالاجمال والمفروض في المقام أنه معلوم بالتفصيل. والوجه الثالث يبتني على كون المورد من الشبهة المصداقية للبقاء والمقام ليس من هذا القبيل للعلم بزمان الاستصحاب تفصيلاً. والوجه الرابع يبتني على كون الامتداد غير مثبت لعنوان المقارنة وهو يثبتها في المقام للعلم بتاريخ الآخر تفصيلاً. وأما الوجه الاول فيجري في المقام كما هو واضح بالمقايسة ولكن المحقق الخراساني الذي هو صاحب الوجه الأول لم يذكره في هذا القسم وقال بجريان استصحاب مجهول التاريخ هنا. وأما بناءاً على مسلكنا فهو جار هنا بطريق اُولى.
وأما استصحاب عدم الجزء المعلوم التاريخ أي عدم الكرية في المثال السابق الى زمان الملاقاة فالأكثر على عدم جريانه. وهؤلاء بعضهم قالوا بعدم جريان الاستصحاب في مجهولي التاريخ أيضاً لاحد الوجوه المتقدمة هناك فذكروا نفس الوجوه في المقام أيضاً فان الملاك في تلك الوجوه موجود هنا أما الوجه الأول فواضح وأما سائر الوجوه فلان مرجعها جميعاً الى عدم العلم التفصيلي بالزمان الذي ينتهي فيه أمد الاستصحاب وهو موجود في المقام لعدم العلم بزمان الملاقاة تفصيلاً. وإنما الكلام مع من كان يقول بجريان الاستصحاب هناك فذهب بعضهم الى عدم الجريان هذا وبعضهم الى جريانه وهو الاقوى.
والوجه في جريانه هو ما ذكرناه من الجواب عن الاشكالات الاربعة التي ذكرناها في استصحاب مجهولي التاريخ وهو أنا لا نحتاج في الاستصحاب إلا الى العلم بالزمان الذي نستصحب فيه الشيء بوجه والزمان هنا وإن لم يكن معلوماً بالقياس الى الازمنة التفصيلية للعلم تفصيلاً بحصول الكرية أول الزوال ولكنه معلوم بالقياس الى الحادث الآخر فلا مانع من اجراء الاستصحاب فنشير الى الزمان الواقعي الذي وقع فيه الملاقاة ونستصحب عدم تحقق الكرية إليه. واليقين والشك قد يتعلقان معا بأمر واحد ولكن من جهتين مختلفتين فيمكن مثلا أن نعرف زيداً بشخصه ولا نعرفه بانه ابن عمرو او بكر مثلا.
وقد ذكر المحقق النائيني وجوهاً للاشكال في ذلك ونحن نذكرها ونذكر كلّ وجه يمكن أن يقال في المقام.
الوجه الأول: هو النقض بمورد صحيحة زرارة كما تقدم وقد بينا انه يختص بالقول بجريان الاستصحاب في معلوم التاريخ وذكرنا أيضاً ان جواب السيد الخوئي لا يرفع الاشكال. والمحقق النائيني اشار الى هذا النقض في طيّ كلماته. والجواب عنه ظهر مما تقدم.
الوجه الثاني: ان مقتضى ما ذكرناه في توضيح كلام المحقق النائيني في تصوير الشبهة المصداقية لليقين عدم جريان هذا الاستصحاب وذلك لان عدم الكرية قد انتقض يقيناً بحصول الكرية في أول الزوال ويحتمل أن تكون الملاقاة قد حصلت بعد الزوال فاستصحاب عدم الكرية الى زمان الملاقاة لا يجري لاحتمال عدم اتصال اليقين بالشك فالتمسك بقوله عليه السلام (لا تنقض..) تمسك بالعام في الشبهة المصداقية.
وتقدم الجواب عنه أيضا.
الوجه الثالث : ما ذكره المحقق النائيني على ما في تقريرات الشيخ محمد على الكاظمي وهو ــ بتوضيح منا وزيادة ــ أن المستصحب ان كان عدم الكرية في زمان الملاقاة بنحو القيدية فليست له حالة سابقة وان كان بنحو الظرفية بان يشار الى الزمان الواقعي للملاقاة فهو استصحاب لعدم الكرية بالنظر الى الزمان وانما جعلت الملاقاة مشيرة إليه. وحينئذ فيشكل بعدم حصول زمان نشك فيه ففيما قبل الزوال نعلم بعدم الكرية وفيما بعده نعلم بالكرية فأمد الاستصحاب هو الزمان التفصيلي وعنوان الملاقاة مشير إليه كالعنوان المعلوم بالاجمال المشير الى الامر الواقعي والازمنة التفصيلية ليس فيها مورد للشك في الكرية ولا يمكن للمعلوم بالاجمال أن يعين أمراً واقعياً والا لخرج عن كونه مجملاً فلو جرى هذا الاستصحاب لجرى في الفرد المردد فان الفرد الواقعي هناك معلوم بالعنوان الاجمالي.
والحاصل أن هذا العنوان الذي جعلتموه مشيراً الى الزمان الذي ينتهي فيه أمد الاستصحاب ان كان معيّناً ومبيّنا له فلابد من القول بجريان الاستصحاب في الفرد المردد أيضاً وإلاّ فكيف يمكن الاستصحاب الى أمد مجهول.
والجواب عنه تارة بالنقض واُخرى بالحل.
أما النقض فباستصحاب عدم الكرية الى زمان الملاقاة في مجهولي التاريخ وهو يقول به فإن نفس الإشكال وارد هناك بلا فرق الافي كون زمان الكرية أيضاً مجهولاً ومن الواضح أن هذا لا يقتضي كون هذا العنوان الاجمالي معرفاً ومعينا للواقع.
وأمّا الحلّ فبأنّ استصحاب الفرد المردد إنما يقال فيما إذا كان المتيقن معلوماً بعنوان اجمالي والمتيقن في المقام معلوم بالتفصيل وإنما الترديد في زمان بقائه فلا ربط له باستصحاب الفرد المردد. ثم أن الزمان أيضاً ليس معلوماً بعلم اجمالي فان العلم الاجمالي هو المتعلق بالعنوان الانتزاعي (أحدهما) والزمان فيما نحن فيه معلوم تفصيلاً ولا ترديد فيه إلا أن المعرف للزمان تارة يكون اسامي لقطع منه وتارة يكون الحوادث الواقعة فيه كميلاد المسيح عليه السلام وهجرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم.
وقد يتوهم امكان ادخال البحث في استصحاب الفرد المردد بتقريب آخر وهو ان المعلوم مردد بين عدم الكرية المنتهية فيما قبل الزوال وعدم الكرية المنتهية فيما بعده فالمتيقن مردد بين الفردين والمستصحب هو عنوان أحدهما مع ان أحد فرديه مقطوع الزوال والآخر مقطوع البقاء.
والجواب عنه أولاً ان الاختلاف في الغاية لا يكثر الافراد فلا يقال للموجود الواحد باعتبار انتهائه الى غاية إنه مغاير لنفسه باعتبار انتهائه الى غاية اُخرى. وثانياً أن الكلام في عدم الكرية ولا ميزفي الأعدام فلو فرضنا امكان تكثير الفرد بالغاية فهو مختص بالموجودات ولا يمكن القول به في الاعدام.
فظهر مما ذكرنا ان الاستصحاب يجري في معلوم التاريخ أيضاً.
وتحصل أن استصحاب عدم الكرية الى زمان الملاقاة واستصحاب عدم الملاقاة الى زمان الكرية يجريان ويتعارضان في جميع الصور ويتساقطان طبعاً فيصل الدور الى قاعدة الطهارة.
هذا تمام الكلام في المبحث الثاني وهو أن يكون المقيس إليه امراً زمانياً والموضوع مركباً.
المبحث الثالث: أن يكون المقيس إليه أمراً زمانياً والموضوع بسيطاً بمعنى أن الموضوع ليس مركباً من وجود أحد الأمرين وعدم الآخر كما إذا كانا متضادين كالطهارة والحدث إذا شك في المتقدم منهما والمتأخر فإن الموضوع للأثر هنا ليس مركباً من وجود أحدهما وعدم الآخر بل كل منهما موضوع للأثر فالمراد استصحاب أحدهما معينا ليترتب عليه أثره. وكذلك في الطهارة والنجاسة الخبثيتين.
وأصول الاقوال هنا ثلاثة:
القول الأول: أن الأصلين يجريان ويتعارضان ويتساقطان من أجل عدم امكان التعبد بالضدين فيصل الدور الى الأصل المتأخر كقاعدة الاشتغال في المثال الأول إذا أراد الصلاة وكاصالة البرائة إذا أراد مسّ كتابة القرآن وكقاعدة الطهارة في المثال الثاني. وهذا هو المشهور.
القول الثاني: التفصيل بين معلوم التاريخ ومجهوله. فاذا كان أحدهما معلوم التاريخ جرى استصحابه دون مجهول التاريخ وإذا كانا مجهولي التاريخ لم يجر شيئ منهما ففي الأول يرجع الى حكم معلوم التاريخ وفي الثاني الى الاُصول المتأخرة. وهذا هو الذي ذكره المحقق الخراساني تبعاً للميرزا الشيرازي أو الشيخ راضي قدس الله اسرارهم.
القول الثالث: ما ذكره المحقق الحلي قدس سره وهو البناء على ضد الحالة السابقة.
وهنا أقوال فرعية يظهر الكلام فيها ضمناً.
وقبل البحث لابد من الاشارة الى الفروق بين هذا المبحث والمبحث السابق. والفرق الاساس بينهما هو أن الترديد المانع من جريان الاستصحاب أو المتوهم مانعيته في البحث السابق إنما هو في وعاء التعبد وظرف الشك وهو في هذا المبحث في وعاء اليقين والقضية المتيقنة. ففي المبحث السابق كان المستصحب عدم الاسلام الى زمان موت المورث وحيث إن زمان الموت لم يكن معيناً حدث الترديد في وعاء الاستصحاب وكان هذا الترديد مؤثراً في عدم جريان الأصل الآخر. ولكن الترديد هنا في القضية المتيقنة فإذا كان متطهراً وشك في زمان حدوث الحدث هل هو قبل الزوال أو بعده فان المتيقن مردد بين زمانين.
ويتفرع على هذا فروق بين المبحثين.
الفرق الأول: أن شبهة كون الاستصحاب من استصحاب الفرد المردد لم يكن لها وجه في المبحث السابق ولكنها واضحة في هذا المبحث فان مرجع استصحاب الفرد المردد الى كون القضية المتيقنة معلومة بالاجمال. وهو كذلك في المقام لأن الترديد هنا في القضية المتيقنه كما ذكرنا بخلاف المبحث السابق.
الفرق الثاني: ان الاستصحاب هنا ملحوظ بلحاظ الازمنة التفصيلية لأن المراد استصحاب الوضوء الى الزمان الحاضر وهو زمان الصلاة ولكنه في المبحث السابق ملحوظ بلحاظ زمان الحادث الاخر.
الفرق الثالث: ان الاشكال في المقام مختص بمجهول التاريخ سواء كان الامران مجهولي التاريخ أم كان أحدهما معلومه وذلك لأن الترديد الذي هو منشأ الاشكال إنما هو في وعاء المتيقن والترديد في هذا الوعاء مختص بمجهول التاريخ ولكن الاشكال في المبحث السابق مختص بمعلوم التاريخ لأن الترديد في وعاء التعبد الذي هو ظرف تحقق الحادث الآخر فالاشكال يختص بما اذا كان الحادث الاخر مجهول التاريخ وهو مورد العلم بتاريخ المستصحب واما استصحاب مجهول التاريخ فلا اشكال فيه للعلم بوعاء تعبده وهو زمان الحادث الآخر الذي هو معلوم التاريخ إلا اذا كانا مجهولي التاريخ فلا يختص الاشكال بأحدهما.
والصحيح من الاقوال هو الأول لعدم الاشكال في جريان استصحاب كل من الطهارة والحدث كما سيأتي والمفروض ان كلاً منهما معلوم الحدوث ومشكوك البقاء.
وأما القول الثاني فلتقريبه وجوه:
الوجه الأول: ان الاستصحاب لا يجري في مجهول التاريخ لانه من قبيل استصحاب الفرد المردد لما عرفت من أن وعاء القضية المتيقنة مردد بين وعاءين فهو معلوم بالاجمال ولا يجري فيه الاستصحاب اما مطلقا أو فيما إذا كان أحدهما مقطوع الارتفاع.
توضيحه: أن الشك بعد ما كان في زمان حدوث الحدث مثلاً فاما ان نقصد استصحاب نفس الحدث الواقعي أو أحد الحدثين. أما الأول فليس بمتعلق لليقين لأن متعلقه هو الأمر الجامع بينهما وقد ذكرنا مراراً انه لا يحكي عن الواقع. وأما الثاني فهو مورد للاشكال الذي نقلناه عن المحقق النائيني في التنبيه الذي افردناه للبحث عن استصحاب الفرد المردد وهو أنه لا يبقى الشك في المعلوم بالاجمال إذا كان أحد الفردين مقطوع الارتفاع بل الشك في بقاء أحدهما معينا فلا تتحد القضيتان.
والجواب عنه أولاً: أن الترديد من حيث الزمان لا يوجب تعدد الهوية الشخصية واستصحاب الفرد المردد يختص بما اذا كانا فردين دون ما اذا كان المعلوم فرداً واحداً وكان الشك في عوارضه.
وثانياً: أن الأثر مترتب على الكلي في المقام لا على الفرد فهذا الاستصحاب داخل في القسم الثاني من الكلي إذ الفرق بينه وبين استصحاب الفرد المردد ان الأثر على الأول مترتب على الجهة الجامعة وعلى الثاني على الفرد.
والحاصل أن الاستصحاب في المقام إما انه من استصحاب الشخص ان قلنا بعدم تعدد الهوية الشخصية أو القسم الثاني من الكلي ان قلنا به.
الوجه الثاني: أن الاستصحاب في مجهول التاريخ مورد للشبهة المصداقية لقوله عليه السلام (لاتنقض..) وذلك لان الحدث واقعاً ان كان قبل الزوال في المثال السابق فهو منتقض بضده وهو متيقن أيضاً وان كان بعده فهو غير منتقض وحيث انه محتمل للأول فيحتمل كونه مورداً لنقض اليقين باليقين فلا يجري الاستصحاب.
والجواب أولاً بالنقض في استصحاب معلوم التاريخ فإن نفس الاشكال وارد هناك لأن الحدث لو كان متأخراً فالطهارة المعلومة التاريخ منقوضة قطعاً بالحدث وهو متيقن أيضاً.
وثانياً بالحل وهو أن منشأ هذا التوهم أن ما ينطبق عليه عنوان المعلوم معلوم فالحدث قبل الزوال وهو مكشوف بالعلم يحتمل نقضه بالأمر المتيقن. وليس كذلك فان ما ينطبق عليه عنوان المعلوم ليس معلوماً والشيء يحكي عما يطابقه لا عما ينطبق عليه والمعلوم هنا هو عنوان أحد الحدثين وهذا العنوان وان صدق على كل واحد منهما إلا انه لا يكشف عنه بل يكشف عن نفس العنوان الانتزاعي وهو مشكوك البقاء وليس مورداً لاحتمال انتقاضه بالمتيقن. بل هو كذلك حتى لو قلنا بان المعلوم هو طبيعي الحدث لا العنوان الانتزاعي فإنه أيضاً لا يحكي عن الفرد وانما يحكي عن الكلي.
الوجه الثالث: ان ظاهر (لا تنقض) أو منصرفه هو خصوص الموارد التي لا يكون فيها ترديد في القضية المتيقنة بلحاظ الازمنة التفصيلية. وقد عرفت أن ما نحن فيه الترديد في نفس القضية المتيقنة. ومفاد الاحاديث أن ما تيقنت بحدوثه في زمان معين لا تنقضه بالشك. وليس لنا فيما نحن فيه زمان معين نشير اليه ونحكم بوقوع الحادث فيه.
والجواب عنه ان دعوى الانصراف والظهور لا وجه له ولا يسمع دعوى الانصراف بلا شاهد مع اطلاق الدليل. ومقتضى الادلة من الروايات وبناء العقلاء عدم الفرق بين الأزمنة التفصيلية والاجمالية بالنسبة لحدوث المتيقن. مضافاً الى أن هذا لا يمكن الالتزام به فاذا شك في زمان الوضوء انه في أي ساعة توضأ مع العلم بان وضوءه لا يلبث أكثر من ساعة فيحتمل ان يكون وضوءه قبل وقت الصلاة بساعة ونصف فلا يكون متطهراً أو قبل نصف ساعة فهو متطهر ولا اشكال حينئذ في استصحاب الوضوء مع أنه غير متيقن في شيء من الازمنة التفصيلية لا بالنسبة الى الزمان المتقدم بساعة ونصف ليحكم بانتقاضه ولا بالنسبة الى المتقدم بنصف ساعة ليحكم ببقائه. وكذا لا اشكال في الاستصحاب اذا أراد الصلاة وهو لا يعلم بزمان حدوث وضوئه أصلاً مع احتمال الانتفاض.
الوجه الرابع: ان حقيقة الاستصحاب هو ابقاء ما كان أو التوسعة في الكشف بقاءً وعنوان البقاء لم يعلم صدقه في استصحاب مجهول التاريخ فان الحدث في المثال السابق إذا كان قبل الزوال فهو منتقض بالوضوء جزماً وانما احتمال البقاء في صورة كونه بعده وحيث إن كلا منهما محتمل فلا نعلم بصدق عنوان البقاء عليه. وبعبارة اُخرى: المستصحب كلي الحدث وله فردان أحدهما مقطوع الارتفاع والآخر على تقدير حدوثه غير متصل بزمان حدوث الأول للعلم بالطهارة وقت الزوال.
والجواب عنه: ما مر بيانه من أن الترديد بين الزمانين لا يوجب تعدد الهوية الشخصية فالاستصحاب شخصي والشك في بقاء الفرد من جهة الشك في تحققه في أحد الزمانين والقطع ببقائه على تقدير وبزواله على تقدير آخر فهو محتمل البقاء ومنشأ الشك الشك في زمان حدوثه.
وأما القول الثالث فلبيانه وجهان، اجمالي وتفصيلي:
أما البيان الاجمالي الذي أشار إليه المحقق الحلي قدس سره فهو أنا لو علمنا بالحالة السابقة على المتعاقبين فنحن نعلم بانتقاضها فإذا علمنا بالحدث السابق فلا اشكال في انتقاضه سواء تقدم الحدث أو الطهارة وأما الطهارة منهما فهي حالة مقطوعة الحدوث ومشكوكة البقاء فيستصحب وأما الحدث مشكوك الحدوث لاحتمال وقوعها عقيب الحدث السابق.
وأما البيان التفصيلي فهو أن ضد الحالة السابقة يجري فيه الاستصحاب سواء كان معلوم التاريخ أو مجهوله وأما الحالة الموافقة لها فلا يجري فيها الاستصحاب سواء كانت معلومة التاريخ أو مجهولته. أما ضد الحالة السابقة كالوضوء في المثال السابق فاذا كان مجهول التاريخ وكان تاريخ الحدث معلوماً جرى استصحاب الوضوء وذلك لانه من قبيل استصحاب القسم الاول من الكلي ان قلنا بأن الزمان لا يوجب تعدد الهوية ومن قبيل استصحاب القسم الثاني ان قلنا بايجابه له. وإنما لم نقل بالاستصحاب الشخصي لأن الاثر مترتب على الجهة الجامعة . وأما اذا كان الوضوء معلوم التاريخ فلا اشكال في جريان استصحابه لانه من القسم الأول وليس فيه ترديد بين الفردين.
وأما الحالة الموافقة للحالة السابقة فلا يجري فيها الاستصحاب أما اذا كانت مجهولة التاريخ كما اذا توضأ أول الزوال وشك في أن الحدث  كان قبل الزوال أو بعده فلانه من القسم الثاني من القسم الرابع من استصحاب الكلي الذي ادعاه السيد الخوئي ‹أيده الله› وانكرناه بعد تقسيمه الى قسمين وهو أن يعلم بوجود كلي في ضمن فرد وانتفاء ذلك الفرد ثم علمنا بتحقق عنوان كلي آخر وشككنا في تحققه في ضمن ذلك الفرد الأول فيكون زائلاً أو في ضمن فرد آخر فيكون باقياً.
والوجه في دخول المسألة في هذا القسم هو أن الحدث الحاصل يحتمل انطباقه على نفس الحالة السابقة على الحالتين بان يكون النوم الحاصل مثلاً تحقق عقيب الحدث السابق فالحدث الكلي المتحقق انما ينطبق على الحدث السابق والنوم اللاحق لا يوجب حدثاً. والمفروض أن الحدث السابق معلوم الارتفاع.
والاستصحاب في هذا القسم لا يجري لوجهين:
الوجه الأول: ان المستصحب لو كان الحدث المتقيد بالنوم فهو لا أثر له بل الاثر لذات الحدث وان كان المستصحب هو ذات الحدث فهو معلوم بالاجمال للشك في زمان حصوله وانه قبل الزوال أو بعده وهذا العلم الاجمالي منحل للعلم بالحدث قبل الزوال إما بالنوم وإما بالحالة السابقة على الحالتين. نعم الحدث المتقيد بالنوم معلوم اجمالاً وغير منحل إلا انه ليس موضوعاً للأثر.
والجواب أن المستصحب هو ذات الحدث الا انه معلوم تفصيلا بعنوانه والنوم هو العنوان المعرّف له فليس الحدث معلوماً بالاجمال لما ذكرناه مراراً من أن المعلوم بالاجمال هو المتقوم بالعنوان الانتزاعي كأحدهما وهو هنا متقوم بالعنوان المعرّف فهذا معلوم تفصيلاً ولكن المعلوم تفصيلاً قد يكون مبيّنا بجميع جهاته وخصوصياته وقد يكون مبيّناً بعنوانه. والمقام من هذا القبيل.
الوجه الثاني: ان حقيقة الاستصحاب هو الابقاء تعبداً فلابد من أن يكون المتيقن أمراً قابلاً للبقاء التعبدي وليس في المقام حدث مقطوع به غير الحدث السابق على الحالتين وهو غير قابل للبقاء للعلم بارتفاعه والحدث الآخر غير معلوم لاحتمال تعاقب الحدثين.
والجواب ان الاستصحاب ليس تصرفاً في الاُمور الخارجية تعبداً بل هو تصرف في الصور النفسية وتوسعة للمنكشف والحدث بعنوان السابق على الحالتين معلوم تحققه وزواله والحدث بعنوان النوم معلوم تحققه ومشكوك زواله. وهذا المقدار كاف في الاستصحاب.
وأما الحالة الموافقة للحالة السابقة إذا كان معلوم التاريخ كما إذا علم بكونه نائماً وقت الزوال وشك في وقت الوضوء فالوجه في عدم جريان الاستصحاب فيها هو الوجه الثاني فان الحدث الواقعي المعلوم هو الحدث السابق على الحالتين ولم يعلم حدث غيره بل يمكن نفي غيره بالأصل فيحكم بانتفاء الكلي. وأما الوجه الأول فلا يأتي هنا لعدم الترديد.
والجواب عنه ظهر مما قدمناه. والحكم بانتفاء الكلي لانتفاء أحد فرديه قطعاً والآخر بالأصل لا يتم الا على القول بالأصل المثبت كما مر بيانه في استصحاب القسم الثاني من الكلي. فتبين بذلك البيان التفصيلي لكلام المحقق والجواب عنه.
ثم إن بعض الاعاظم وافق المحقق إلا فيما كان الموافق للحالة السابقة معلوم التاريخ فقال بجريان الاستصحاب حينئذ فيهما وتعارضهما ووافق المشهور في النتيجة.
والاشكال انما هو في تقريبه لعدم جريان الاستصحاب في مجهول التاريخ وهو أنه ان اريد استصحاب الفرد من الحدث فهو لا يجري لدورانه بين ما هو مقطوع الارتفاع وما هو مشكوك الحدوث وان اُريد استصحاب الكلي فهو لايجري لعدم اتصال الفرد الأول بالثاني وانفصالهما بتحقق الوضوء بينهما فلا يصدق الابقاء.
والظاهر ان ما ذكره يرجع الى الوجه الرابع للقول بعدم الجريان في مجهول التاريخ مطلقاً وقد مر ذكره فالجواب عنه هو الجواب المتقدم مضافاً الى ان الاشكال لا يختص بمجهول التاريخ الموافق للحالة السابقة بل يجري في المخالف لها أيضاً فلا وجه للتفصيل الذي ذكره. ولا يحتمل أن يكون مراده استصحاب القسم الثاني من القسم الثالث من الكلي فانه يختص بما اذا شككنا في الفرد الثاني مع العلم بتحقق الفرد الأول . والمقام من قبيل استصحاب القسم الثاني من الكلّي .


التنبيه الحادي عشر

إذا خصص عام في قطعة من الزمان بالنسبة لبعض الافراد وشك في ما بعد أن ذلك الفرد محكوم بحكم العام أو الخاص فهل هو مورد للتمسك بعموم العام أو استصحاب حكم المخصص.
مثال ذلك قوله تعالى (اوفوا بالعقود) فان مفاده لزوم كل عقد في كل آن. وقد خصص ذلك بأدلة الخيار الدالة على عدم لزوم العقد في فترة من الزمان فمنها ما تدل على تخصيصه من أول الامر كدليل خيار المجلس ومنها ما تدل عليه بعد مدة كدليل خيار العيب والغبن بناء على أن ظهور العيب والغبن شرط شرعي لثبوت الخيار فالكلام في أنه بعد زوال الخيار هل يتمسك بعموم اوفوا بالعقود فيكون لازماً أو يستصحب حكم المخصّص فيكون جايزاً؟
والكلام انما هو بناء على جريان الاستصحاب في الاحكام الكلية وأما بناء على رأي السيد الخوئي ‹أيده الله› من عدم جريان الاستصحاب فيها فلاوجه للبحث أصلاً. ولابد أن يختص البحث بما اذا لم يكن الزمان مقوّماً في دليل التخصيص والا فلا اشكال في عدم جريان الاستصحاب لعدم اتحاد القضيتين.
ومن هنا يعلم أن محور البحث هو جواز التمسك بالعموم اللفظي في مثل ذلك وليس البحث بحثاً استصحابياً غاية الأمر انه في صورة عدم جواز الرجوع الى العموم يصل الدور الى الاصول العملية والاستصحاب في مقدمتها فان تم اركانه جرى والا فالمورد مجرى لسائر الاصول المتأخرة فمحل البحث هو مباحث العام والخاص وانما نذكره هنا تبعاً للاعلام .
وكيف كان فقد ذهب المحقق الثاني قدس سره الى جواز التمسك بالعام حينئذ مطلقاً وتبعه جمع من المحققين. وفي المقام تفاصيل تنشأ من انحاء الاعتراض على المحقق الثاني ونحن نقتصر بذكر الاعتراضات ومنه يعلم وجوه التفصيل.
أما بيان وجه ما ذهب اليه المحقق الثاني فهو أنه في مثل ذاك يستفاد من العموم كاوفوا بالعقود شمولان شمول افرادي وشمول ازماني فمفاده وجوب الوفاء بكل عقد مستمراً أي في كل زمان. ومنه يعلم ان الشمول الازماني متأخر رتبة عن الشمول الافرادي واذا ورد تخصيص لبعض الافراد في بعض الازمنة فتختلف الموارد فقد يكون مورداً للتمسك بالعموم الافرادي وقد يكون مورداً للتمسك بالاطلاق الازماني. فاذا كان المخصص وارداً في أول أزمنة تحقق موضوع العام كخيار المجلس وشككنا في أن عدم وجوب الوفاء بعقد البيع هل يختص بما قبل الافتراق أم هو مستمر كان مرجع البحث الى ان عقد البيع هل هو خارج عن دليل اوفوا بالعقود بلحاظ الشمول الافرادي أم لا؟ وذلك لان عقد البيع اذا قلنا باستمرار عدم لزومه فلازمه عدم شمول دليل وجوب الوفاء له اصلاً فيكون تخصيصاً افرادياً. وإن قلنا باختصاص عدم اللزوم بما قبل الافتراق فلازمه التقييد الازماني للعام وأما أصل وجوب الوفاء فهو ثابت للبيع الا انه يبتدئ من زمان الافتراق. وفي مثل ذلك يرجع في زمان الشك الى العموم الافرادي فيحكم على البيع باندراجه تحت وجوب الوفاء وتحقق لزوم العقد بعد الافتراق وذلك لان التخصيص الازماني مقطوع به فيبقى الشك في التخصيص الافرادي وخروج البيع عن دليل اللزوم رأساً فنتمسك بأصالة العموم فيه.
ويلاحظ أن التمثيل بخيار المجلس انما يتم بناءً على ثبوته بالاجماع لا بدليل (البيعان بالخيار ما لم يفترقا فاذا افترقا وجب البيع) فانه يدل على الانقطاع.
وأما اذا كان المخصص وارداً في خلال ازمنة تحقق موضوع العام كخيار العيب والغبن بناءً على أن ظهورهما شرط في الخيار شرعاً فان العقد لازم حينئذ قبل الظهور وجايز بعده ثم نشك في أنه مستمر أم يختص بأول الزمان بمعنى أن يكون الخيار فورياً فيسقط بعدم المطالبة وهذا يختص بالتقييد الازماني وليس هنا تخصيص افرادي فان العقد داخل في وجوب الوفاء في فترة من الزمان قطعاً وهو قبل ظهور العيب والغبن. وفي مثل ذلك يرجع في زمان الشك الى الاطلاق الازماني.
وقد اعترض عليه بوجوه:
الاعتراض الأول: ما ذكره الشيخ قدس سره من أن الزمان قد يكون مكثراً للفرد وقد لا يكون فعلى الأول لا اشكال في الرجوع الى الاطلاق اللفظي وعلى الثاني لا يصح ذلك فاذا قال المولى أكرم كل عالم في كل يوم وعلمنا بعدم وجوب اكرام زيد العالم في يوم من الايام ثم شككنا في وجوبه بعده فالقول بعدم وجوب الاكرام حينئذ تخصيص زائد في العام الدال على أن وجوب كل يوم فرد من افراد الوجوب واما اذا كان من قبيل اوفوا بالعقود الذي لم يلاحظ فيه كون الزمان قيداً فلا وجه للتمسك بالاطلاق فان خروج الفرد في زمان أو الى الابد لا يوجب زيادة تخصيص في العام.
والجواب عنه ان هذا الكلام لا يتم في شيء من الوجهين السابقين. أما الصورة الاولى فلان الامر فيها دائر بين التخصيص الافرادي وعدم التخصيص رأسا كما عرفت واما الصورة الثانية فلان دخول الفرد في العام قطعي الا ان الامر دائر بين تقييد في الاطلاق الازماني كثيراً أو قليلاً وأما تخصيص العام فلا يوجد هنا قطعاً .
ولعل مراد الشيخ الفرق بين العموم الاستغراقي والمجموعي فيجوز التمسك بالاول في صورة الشك دون الثاني وان اوفوا بالعقود من الثاني. وقد ذكرنا في محله عدم الفرق بينهما من جهة اصالة العموم لان مرجعها الى اصالة التطابق بين المراد الجدي والمراد الاستعمالي وهو جار فيهما وانما الفرق بينهما كثرة الحكم بالانحلال في الأول ووحدته في الثاني.
الاعتراض الثاني: ما ذكره المحقق الخراساني بعد ذكر تفاصيل لا يرتبط بالبحث وبعد تسليم قول الشيخ في ما اذا كان الزمان مكثراً وتسليم قول المحقق الثاني في ما اذا كان الزمان غير مكثر وكان مورد التخصيص من أول ازمنة تحقق موضوع العام فينحصر اعتراضه في صورة كون الزمان غير مكثر وكون التخصيص متخللاً بين أزمنة الموضوع كمورد خيار العيب والغبن بناءً على اشتراط ظهورهما.
وحاصل ما ذكره في الكفاية وحاشية الرسائل يتوقف بيانه على مقدمة وهي أن كثرة الحكم تابعة لتكثر الموضوع ولا يعقل تكثر الحكم بدون تكثر الموضوع فدليل اوفوا بالعقود لا يمكن أن يتكفل لاثبات فردين من اللزوم لعقد واحد وانما يثبت احكاماً متعددة بحسب تعدد العقود فلكل عقد لزوم واحد.
وحينئذ فالمفروض في محل البحث ثبوت اللزوم للعقد في أول الامر فهذا فرد من اللزوم لفرد من العقد ثم يأتي وعاء التخصيص وعدم اللزوم فان ثبت بعد ذلك لزوم آخر بعد انتفاء اللزوم الاول فلابد ان يتكفله دليل آخر ولا يمكن اثباته بالدليل الاول والالزم اما وحدة المتعدد واما تعدد الواحد وذلك لانه اما ان يعتبر هذا العقد الواحد متعدداً ليثبت لكل منهما فرد من اللزوم وإما أن يعتبر هذا الحكم المتعدد واحداً وهو غير ممكن اذ لا يمكن ان يكون هذا اللزوم استمراراً وجودياً للّزوم الاول لتخلل النقيض ولا يمكن ان يتخلل نقيض الشيء الواحد بين اجزاء وجوده والانفصال مساوق للتعدد كما أن الاتصال مساوق للوحدة الشخصية وهكذا الكلام فيما اذا قال: اكرم كل عالم في يوم السبت ثم علمنا بعدم وجوب اكرام زيد وقت الزوال وهذا الاشكال لا يجري فيما اذا كان التخصيص من أول الامر لعدم لزوم تخلل النقيض فلا مانع من التمسك بالأصل اللفظي هناك.
والجواب عنه: ان الموارد على قسمين ففي مثل المثال الثاني أي أكرم كل عالم في يوم السبت ــ بمعنى أن يكون إكرام كل عالم في مجموع هذا اليوم واجباً فلو تركه في آن من آناته عصى فاطاعته واحدة وعصيانه واحد ــ نلتزم بأنه اذا ورد تخصيص على إكرام عالم وقت الزوال فالقول بوجوب اكرامه بعده لا يستلزم تعدد الحكم. ولا ينافي الوحدة هنا تخلل النقيض وذلك لان الاحكام المترابطة ــ بمعنى أن يكون الحكم الواحد متعلقاً بامور كثيرة ــ ليست الوحدة فيها منافية لكثرة المتعلق بل وحدتها تابعة لوحدة الملاك والحكم الجزائي المترتب عليها. ولذا لو صرّح من أول الامر بوجوب الاكرام قبل الزوال وبعده بساعة بنحو يكون المجموع موضوعاً للحكم لا يتوهم فيه تعدد الحكم لتخلل النقيض كالأمر بالصلاة مع تفرق اجزائها وأوضح منه الامر بالحج فالوحدة هنا وحدة تنشأ من وحدة الحكم وانفصال وعاء العمل لا يوجب تعدد الحكم وانما يوجب الانفصال التعدد اذا كانت الوحدة وحدة اتصالية. هذا كله فيما اذا كان الحكم امراً متعلقا بالذمة.
واما اذا كان الحكم من اوصاف الموجود الخارجي كالعقد المتصف باللزوم فلا يمكن الالتزام بما ذكرناه في القسم السابق من وحدة الحكم بوحدة الملاك بل الحكم هنا متعدد الا انا نلتزم بتعدد الحكم ووحدة الموضوع ولا دليل على وجوب وحدة الحكم اذا اتحد الموضوع وانما يقال ذلك من جهة عدم اقتضاء الموضوع الواحد أكثر من حكم واحد غالباً فاذا اقتضى الوضع الالتزام بتعدد الحكم مع وحدة الموضوع كما فيما نحن فيه فلا مانع عقلي من الالتزام به. والمقتضي له في المقام هو الجمع بين الادلة فان مقتضى اوفوا بالعقود هو ثبوت اللزوم لكل عقد في جميع الازمنة ومقتضى دليل الخيار هو عدم اللزوم في زمان فلولا دليل الخيار كان اللزوم امراً واحداً لان الاتصال الوحداني مساوق للوحدة الشخصية الا ان مقتضى الجمع بين الدليلين هو الالتزام بتحقق فردين من اللزوم.
الاعتراض الثالث : ما ذكره بعض الاعاظم وحاول دفعه وهو مختص بالقسم الاول مما ذكرنا أي ما اذا كان التخصيص من أول الأمر.
وحاصله أن التمسك باصالة العموم في هذه الصورة يشكل بمعارضة لازم اصالة الاطلاق وذلك لان مفاد العموم الا فرادي هو ثبوت اللزوم لكل فرد من افراد العقد ومفاد الاطلاق الازماني ان كل ما ثبت له لزوم فهو مستوعب لجميع الأزمنة ولازمه بعكس النقيض ان كل ما لم يثبت له لزوم في جميع الازمنة فليس له لزوم اصلاً فمقتضى العام هو ثبوت اللزوم بعد زمان التخصيص ومقتضى الاطلاق بلازمه عدم اللزوم ولوازم الاصول اللفظية حجة.
وهذا نظير ما يقال من ان مقتضى عكس النقيض هو ترجيح التخصص اذا دار الامر بينه وبين التخصيص فاذا قال كل عالم يجب إكرامه كان عكسه كل من لم يجب إكرامه فليس بعالم فاذا ورد لا تكرم زيداً نحكم بموجب هذا العكس أنه ليس بعالم أيضاً.
والجواب عنه على ما ذكروه هناك أن التمسك بأصالة العموم انما هو في مورد الشك في المراد لا الشك في كيفية الاراد‌ة.
وهو ذكر هذا الجواب أخيراً مضافاً الى جوابين آخرين في المقام.
ولكن هذا الجواب لا يصح في المقام حتى لو قلنا به في مسألة دوران الامر بين التخصيص والتخصص مع أنه هناك أيضاً غير مفيد.
والفرق بين المقامين ان الشك هناك في كيفية الارادة كما ذُكر والا فخروج زيد عن وجوب الاكرام معلوم بخلاف المقام فإن الشك في المراد فإن مقتضى العام هو ثبوت اللزوم ومقتضى الاطلاق بلازمه عدم اللزوم.
وأما جوابه الثاني فهو أن اللازم في المقام لا يمكن التمسك به لانه فرع ثبوت الملزوم وهو غير ثابت فانه عبارة عن استيعاب اللزوم لجميع الازمنة إذا ثبت لزوم في وقت والمفروض العلم بعدم الاستيعاب لخروج أول الازمنة عن اللزوم قطعاً كما هو المفروض بل يلزم من وجود اللازم عدم الملزوم قال: لانه موضوعه ومع رفعه يرفع الحكم فيلزم من وجوده عدم الوجود .
ولكن هذا الجواب لا ينطبق أيضاً لان الملازمة بين الأصل والعكس انما هو ملازمة بين القضيتين من حيث الكبرى لابعد الانطباق في الخارج وليس المقصود التمسك باصالة الاطلاق وتطبيقه في المقام ثم التمسك بلازمه بل نتمسك بلازمه ابتداءً ولا حاجة في ثبوت موضوع اللازم خارجاً من ثبوت موضوع الملزوم لان الملازمة ليست الابين الكبريين.
والاشكال ليس بمهم اصلاً حتى يحتاج الى تجشم الاجابة عنه لان مقتضى الاطلاق الازماني هو الاستيعاب لجميع الازمنة بعد ثبوت أصل اللزوم وعكسه عدم اللزوم أصلاً إذا لم يكن مستوعباً لجميع الازمنة بعد ثبوت أصل اللزوم والمفروض في المقام عدم ثبوت أصل اللزوم من أول الامر وليس مقتضى الاطلاق هو ثبوت الاستيعاب وان لم يثبت اللزوم ابتداءً أي قبل تحقق موضوعه فلا منافاة بين العام والمطلق بلازمه.
هذا مضافاً الى ما ذكرناه في مسألة التخصيص والتخصص من أن بناء العقلاء في التمسك بأصالة العموم وأصالة الاطلاق هو ثبوت الحكم في الموارد المشكوكة لا نفيه عن بعض الموارد والاُصول العقلائية لابد من الاخذ بها بحدودها العقلائية فالاخذ بعكس النقيض فيها خارج عن حدود الأصل العقلائي فمقتضى أصالة الاطلاق هو استيعاب اللزوم لجميع الازمنة إذا ثبت أصله وأما انتفاء أصله إذا انتفى الاستيعاب فليس مورداً لنظر العقلاء في هذا الأصل.
الاعتراض الرابع: ما ذكره المحقق النائيني قدس سره وقد بناه على خمس مقدمات مع تطويل وتفصيل ولا يهمنا في المقام الا ذكر مقدمتين منها.
الاُولى: المقدمة الرابعة وهي أن استمرار الحكم على قسمين فقد يكون الاستمرار فوق دائرة الحكم وقد يكون تحتها أما الأول فكقول المولى الخمر حرام بالحرمة المستمرة ومعنى كونه فوق دائرة الحكم أن الحكم مأخوذ في موضوع الاستمرار فمرجعها الى قضيتين المحمول في الاولى موضوع في الثانية (الخمر حرام ــ الحرمة مستمرة) فالاستمرار من شؤون الحكم. والثاني كقوله : الخمر في كل زمان حرام ومعني كونه تحت دائرة الحكم أن الاستمرار أخذ في موضوع الحكم بمعنى أنه لاحظ شرب الخمر مستمراً وحكم عليه بالحرمة ونعبر عن الاول أيضاً بالاستمرار الأصلي للحكم وعن الثاني بالاستمرار التبعي له وذلك لانه بالاصالة استمرار في مرحلة الموضوع.
الثانية: المقدمة الخامسة وهي ان بين هذين القسمين فرق ثبوتي وفرق اثباتي. أما الفرق الثبوتي فهو أن جعل أصل الحكم واستمراره في القسم الأول لابد أن يكون بجعلين ولا يمكن جعلهما بجعل واحد وهو في القسم الثاني لابد ان يكون بجعل واحد.
بيان ذلك: أن المجعول في القسم الأول متعدد فان المحمول في القضية الاُولى وهي الخمر حرام موضوع في القضية الثانية وهي الحمرة مستمرة فلابد من كون الجعل أيضاً متعدداً بخلاف المجعول في القسم الثاني فانه امر وحداني وهو نفس الحرمة وانما الاستمرار أخذ في الموضوع.
وأما الفرق الاثباتي فهو أن رفع الشك بالتمسك بالأصل اللفظي في القسم الأول غير ممكن إذا كان الشك في أصل الحكم فاذا شككنا في أصل الحرمة لايمكن التمسك بالعموم فان مقتضى الحكم باستمرار الحرمة هو أن الحرمة متى ما وجدت فهي مستمرة لأن مرجع القضايا الحملية الى القضايا الشرطية والقضية الشرطية انما تدل على تحقق التالي بتحقق المقدم ولاتدل على تحقق المقدم وعليه فاذا شككنا فيما نحن فيه في أصل تحقق اللزوم بعد خيار المجلس لا يمكن التمسك بالأصل اللفظي لاثباته وهذا بخلاف القسم الثاني فان القضية المجعولة حينئذ هو (شرب الخمر في كل زمان حرام) وهو لا يتوقف إلا على تحقق الموضوع فمتى ما تحقق تبعته الحرمة فاذا شككنا في تحقق الحرمة نتمسك بالأصل اللفظي لاثباته.
قال: و(اوفوا بالعقود) من القسم الاول بمعنى انه يدل على ثبوت اللزوم لكل عقد ثم الاستمرار لكل لزوم وذلك لانه ليس له متعلق كشرب الخمر حتى يكون الاستمرار مأخوذاً في الموضوع فليس هنا فعل للمكلف حتى يلاحظ في كل زمان ويحكم عليه باللزوم. قال: وهذا مراد الشيخ قدس سره وقد غفل عنه من اعترض عليه.
هذا وقد علق السيد الخوئي ‹أيده الله› على الفرق الثبوتي المذكور انه كلام متين الا انه يختص بما إذا كان الشك في النسخ ومرحلة الجعل فإن الجعل الأول لا يمكن أن يتكفل بيان استمرار الحكم أيضاً بل لابد من بيانه بجعل آخر كقوله عليه السلام (حلال محمد صلى اللّه عليه وآله وسلّم حلال الى يوم القيمة...). وأما في مرحلة المجعول فلا مانع من جعل الحكم المستمر كما هو الحال في جعل الملكية المستمرة والزوجية الدائمة.
ولكن الظاهر أن جعل استمرار الحكم بجعل مستقل لا يمكن مطلقا كما ذكره المحقق الاصفهاني قدس سره وان اختلفنا معه في الوجه والبيان.
وذلك لان الجعل الثاني ان كان اخباراً عن الاستمرار فمعناه ان الحكم بالجعل الأول مجعول مستمراً إلا أن الجعل الثاني لبيان ذلك وان كان انشاءً فهو ليس انشاءً للاستمرار واقعاً بل هو انشاء لحكم جديد في أمد جديد فاذا قال آجرتك هذا الدار سنة ثم قال مددت الاجارة لسنتين فهذا الجعل الثاني وان كان بحسب الظاهر انشاءً للتمديد والاستمرار الا انه بحسب الاعتبار الادبي ونحن لا نمنع الجعل الادبي ولكنه بحسب الاعتبار القانوني ليس الا جعلاً لاجارة جديدة مدتها سنة ثانية. وبذلك ظهر وجه النظر في الفرق الثبوتي.
وأما الفرق الاثباتي ففيه انه لا يفيد فيما ذكره أما إذا كان التخصيص من أول الامر وأردنا اثبات أصل اللزوم بعد زمان الخيار فلأنّ المرجع في التمسك بالأصل اللفظي لاثبات اللزوم ليس قضية (اللزوم مستمر) حتى يتوهم أن القضية لاتثبت موضوعها بل هو قضية (كل عقد لازم) وأما إذا كان التخصيص في الوسط فالمرجع لاثبات اللزوم وان كان هو الاطلاق الازماني الا أن اصل الثبوت معلوم قبل تحقق الخيار فالأصل لاحاجة إليه لاثبات أصل اللزوم وإنما نحتاج إليه لاثبات استمراره في جميع الأزمنة حتى فيما بعد ورد التخصيص أو التقييد.
هذا في الحكم الوضعي وأما الحكم التكليفي فقد بينا سابقا أنه فيما قبل التخصيص وما بعده أمر واحد لا تعدد فيه في قبال قول المحقق الخراساني فالأمر  فيه أوضح.
فظهر أن الحق ما ذكره المحقق الثاني قدس سره من أن المرجع هو العام في جميع الموارد إلا أنه لو فرضنا ان العام صرّح فيه بالاستمرار الزماني ولكن بقيد الاتصال فاذا ورد مخصص في الوسط لا يمكن الرجوع الى العام لعدم امكان اثبات الاتصال وهذا بخلاف الاطلاق اذ لا يثبت الا أصل الاستمرار الزماني.

التنبيه الثاني عشر
في بيان المراد بالشك

الظاهر أن المراد بالشك هو ما يقابل اليقين لا خصوص الإحتمال المساوي لاحتمال الخلاف فكل احتمال لم يصل الى حد اليقين شك في المقام وعليه فيجري الاستصحاب وان ظن بالخلاف.
ولكن يمكن ان يتوهم ان هذا ينافي ما ذكرناه في وجه حجية الاستصحاب. وذلك لان الوجه الأول مما تمسكنا به هو بناء العقلاء وقلنا ان بناءهم يعتمد على الإطمينان الاحساسي والمصالح الاجتماعية فيدور الاستصحاب مدار الإطمينان فلا يكون حجة إذا كان الظن على خلافه والوجه الثاني الذي تمسكنا به هو الأخبار وهي تشتمل على لفظ اليقين والشك والمتبادر من الشك هو الإحتمال المتساوي الطرفين.
والجواب عنه يعلم مما ذكرناه هناك من الفرق بين الإطمينان الاحساسي والإطمينان الادراكي فإن الإطمينان الادراكي يعتمد على غلبة درجة الإحتمال رياضياً والإطمينان الاحساسي لا يعتمد الاعلى الانفعال النفسي وإستقرار النفس وبينهما عموم من وجه فإن النفس قد لا يفارقها القلق مع العلم بالأمر وقد يطمئن النفس لدرجة ضعيفة من الإحتمال حسب المحاسبة الرياضية.
وعليه فلا منافاة بين حصول الإطمينان الاحساسي بالاستصحاب مع عدم حصول الظن بل وحصول الظن بالخلاف. نعم لو كان الإحتمال المخالف للاستصحاب موجباً للاطمينان الادراكي الشخصي لا يجري الاستصحاب لان الإطمينان الشخصي حجة عندنا كما سيأتي في بيان معارضة الاستصحاب مع الامارات العقلائية.
وأما ما ذكر من أن الشك في الأخبار محمول على الإحتمال المتساوي الطرفين فالجواب عنه أن هذا مصطلح المنطقيين والا فالمصرح به في كتب اللغة ان الشك في قبال اليقين كما في الصحاح والقاموس ومجمع البحرين بل في الاخير انه متفق عليه بين أهل اللغة.
هذا مضافاً الى ان نفس الروايات تشهد على ذلك ففي صحيحة زرارة الاولى: (قلت فان حرك في جنبه شيء وهو لا يعلم ؟ قال: لا ) وهذا امارة غير معتبرة على النوم موجبة للظن به ومع ذلك حكم الإمام عليه السلام بعدم الاعتناء به. ثم إنه عليه السلام جعل اليقين غاية للحكم فما لم يصل الإحتمال المخالف الى درجة اليقين يجري الاستصحاب.
وفي صحيحته الثانية: (فإن ظننت انّه قد أصابه ولم اتيقن ذلك فنظرت فلم أرفيه شيئاً) . فإن عدم الرؤية اعم من أنه باق على ظنه أو أنه قد إرتفع فيشمل صورة بقاء الظن بالخلاف وقد حكم الإمام عليه السلام بجريان الاستصحاب. واوضح منه ذيلها : (فانك لا تدري لعله شيء اوقع عليك) ومن الواضح أنه احتمال موهوم أبداه الإمام عليه السلام لإجراء الاستصحاب.
هذا تمام الكلام في تنبيهات الاستصحاب.

 

الخاتمة

ويقع البحث في الخاتمة عن اُمور:
الأمر الأول: ان المعتبر في الاستصحاب هو وحدة القضيتين المتيقنة والمشكوكة وهذا مما لا كلام فيه سواء كان مستند الاستصحاب بناء العقلاء أو الأخبار فان بناء العقلاء على البقاء وصدق عنوان النقض يختصان بصورة كون المشكوك فيه هو نفس المتيقن.
 ولكن الشيخ الانصاري قدس سره اعتبر احراز بقاء الموضوع أيضاً تبعاً لبعض من تقدم عليه والبحث يقع في جهتين:
الجهة الاُولى: في اعتبار احراز بقاء الموضوع.
الجهة الثانية: في أن الميزان في الوحدة المعتبرة هل هو النظر العرفي أو النظر الدقيق العقلي أو لسان الدليل.
أما في الجهة الاُولى فلا بد اولا من بيان المراد بالموضوع فانه يطلق تارة في قبال المحمول وتارة بمعنى المحل المستغني عن الحال كقولهم العرض يتقوم في وجوده بالموضوع وتارة بمعنى المعروض وهو المراد هنا فان موضوع الاستصحاب قد لا يكون موضوع القضية في قبال المحمول الذي هو المعنى الاول كما إذا ترتب الأثر على عدالة زيد فيستصحب ولكن الموضوع الذي لابد من احرازه في الاستصحاب هو نفس زيد وهو معروض المستصحب مع أن موضوع القضية عدالة زيد. والفرق بينه وبين المعنى الثاني ان الموضوع هناك موضوع للعرض وفي المقام قد لا يكون عرض أصلاً بل يكون المستصحب عارضاً للموضوع والعارض غير العرض فقد يطلق على الوجود أيضاً كما قال في المنظومة (ان الوجود عارض المهية) فالموضوع هنا هو معروض المستصحب.
واعتبر الشيخ تقرره في وعائه سواء كان ذهنا كموضوع الوجود فإن وعاء عروضه الذهن كما قال (ان الوجود عارض المهية تصورا واتحدها هوية) أو خارجاً كقولك زيد قائم فان الموضوع هنا هو زيد الخارجي.
والذي يمكن ان يستدل به على هذا الاعتبار اما مطلقا أو في الجملة وجوه:
الوجه الأول: ما يستفاد مما ذكره المحقق العراقي وهو أن الشيخ لا يقول بجريان الاستصحاب في الشك في المقتضي وإذا شك في بقاء الموضوع لم يحرز المقتضي.
والجواب عنه: هو ما ذكرناه من الجواب عن التفصيل بين الشك في المقتضي والشك في الرافع مع غض النظر عما في الاستدلال من الاشكال على فرض تسليم أصل التفصيل.
الوجه الثاني: ما ذكره المحقق الخراساني بنحو الإحتمال وهو أن الآثار المترتبة على قسمين فان بعضها يتوقف على وجود الموضوع كوجوب الاكرام والاقتداء وبعضها لا يتوقف عليه كجواز تقليده فان حجية الرأي لا يتوقف على بقاءه ففي هذا القسم يجوز الاستصحاب اذا شك في بقاء الموضوع بخلاف القسم الأول إذ لا معنى لاستصحاب العلم مثلاً لاثبات وجوب الاكرام مع فرض الشك في بقاء زيد.
وهذا الكلام وان كان صحيحاً في نفسه إلا انه لا يكون دليلاً لمدعى الشيخ اذ هو يدعي اعتبار احراز بقاء معروض المستصحب واما اعتبار وجود ما يتوقف عليه ترتب الاثر فهو خارج عما نحن فيه ولا يختص بمعروض المستصحب فاذا كان المترتب على استصحاب بقاء زيد وجوب اكرام عمرو توقف الاستصحاب على وجود عمرو لتوقفه على الاثر الشرعي المتوقف على وجوده. فهذا الوجه لا يفيد اذ النسبة بينه وبين المدعى عموم من وجه فإن مفاده هو وجوب احراز ترتب الاثر وهو قد يتوقف على معروض المستصحب وقد لا يتوقف.
الوجه الثالث: ان المستصحب على قسمين: القسم الأول ما لا يكون معروضه مأخوذاً في لسان الدليل كما اذا كان الأثر مترتباً على العدالة بنحو كان التامة وحيث ان وجودها يحتاج الى معروض فنقول لابد في الاستصحاب حينئذ من بقاء الموضوع وهو زيد فاعتبار بقاء الموضوع حينئذ منشؤه عدم امكان تحقق العدالة بدونه لانها من الاعراض المتقومة بالموضوعات فاستصحاب العدالة مع عدم احراز بقاء زيد غير معقول فان تحققه بدون موضوعه غير معقول وتحققه في ضمن موضوع آخر غير معقول أيضاً لاستلزامه انتقال العرض من موضوع الى آخر وهو مستحيل لاستلزامه كون العرض آناما بلا موضوع وهو آن الانتقال مضافا الى اختلاف القضيتين حينئذ لتغاير العرض القائم بزيد مع العرض القائم بغيره وقد تقرر لزوم اتحادهما.
والجواب عنه: ان الاستصحاب اما توسعة في الكشف بقاءً أو ابقاء لما كان. اما على الاول فالاستصحاب تصرف في الصور الذهنية لا الاُمور الخارجية وحقيقته الحكم بتوسعة الانكشاف فكما كان الشيء منكشفا حدوثاً كذلك هو منكشف بقاءاً فالعدالة المتيقنة سابقاً منكشفة بالاستصحاب لا انها باقيةبالاستصحاب فالاستصحاب توسعة في اليقين لا ابقاء للعدالة.
واما بناء على كونه ابقاءً لما كان فلا حاجة ايضاً الى احراز بقاء موضوع المستصحب فان المتوقف على الموضوع هو وجود العرض تكويناً اما لكون الموضوع من علل قوام العرض وإما لكونهما وجوداً واحداً ينسب الى الجوهر تارة والى العرض الذي هو حدّ من حدود الجوهر اخرى كما ان الماهيات الطولية المتحققة في ضمن فرد واحد وجودها من هذا القبيل بمعنى ان الوجود الواحد ينسب الى الماهية الشخصية تارة والى كل ماهية مما هي فوقها تارة اخرى وهذا هو الحق كما ذكرناه في باب المشتق.
وكيف كان فالمتوقف على الموضوع هو وجود العرض تكوينا لا وجوده اعتباراً. ولذا قلنا ان الاستصحاب لا يثبت لوازم الوجود مطلقا لانها لازمة للشيء بوجوده التكويني لا الاعتباري فالحكم ببقاء العدالة اعتباراً لا يتوقف على بقاء زيد.
القسم الثاني: ان يكون العرض مأخوذاً في لسان الدليل بنحو كان الناقصة. وحينئذ فقد يكون طرف النسبة ذات الموضوع كما اذا قال: الرجل اذا كان عادلاً فاكرمه وقد يكون طرف النسبة صفة من الصفات كما اذا قال: اذا كان العالم عادلاً فاكرمه.
اما في الصورة الاولى فلا اشكال في توقف الاستصحاب على بقاء الموضوع وذلك لانه جزء الموضوع للاثر الشرعي اذ المفروض ان موضوع الاثر الشرعي هو وجود الرجل واتصافه بالعدالة سواء كان الشك في العدالة من جهة الشك في بقائه او من جهة اخرى بحيث لو كان باقياً أيضاً لشك في عدالته الا أن الكلام في ان الاستصحاب هل يفيد في احراز بقاء ذات الرجل أم لابد من احرازه بالوجدان؟ فاذا أردنا استصحاب العدالة لابد من احراز الموضوع بالوجدان ولا يكفي فيه الاستصحاب.
قد يقال ان استصحاب بقاء وجود الرجل لا يفيد في المقام و ذلك لان استصحاب العدالة بدون احراز الرجل لا يفيد لعدم اتحاد القضيتين فأن القضية المعلومة هي ثبوت العدالة للرجل الموجود لان الاعراض لا تعرض ذوات الماهيات بل تعرض الماهيات الموجودة والقضية المشكوكة هي ثبوت العدالة لذات الرجل لان وجوده مشكوك فيه فثبت أنه لابد من احراز وجود الرجل ولابد من احرازه بالوجدان فان احرازه بالاستصحاب لا يفيد في اتحاد القضيتين لان اتحادهما ليس من آثار استصحاب وجود الرجل شرعاً فلا يتم الا على القول بالأصل المثبت هذا مضافاً الى ان استصحاب جزء الموضوع المركب انما يصح فيما اذا كان الجزء الآخر محرزاً اما بالوجدان أو بالاصل في عرض هذا الجزء لا في طوله فان احراز العدالة بالاستصحاب لو كان مع احراز ذات الرجل بالوجدان ترتب عليه الاثر وأما لو كان مع احراز ذات الرجل بالاستصحاب فان جري كل منهما في عرض الآخر ترتب الاثر ايضاً واما ان كان جريان احدهما متفرعاً على جريان الآخر لم يترتب الاثر لان الاستصحاب الأول بلا اثر في حين جريانه لان الأثر للمركب فلا يجري حتى ينضم إليه الأصل الآخر في رتبته ويترتب الأثر. والمقام من هذا القبيل فان استصحاب عدالة الرجل متوقف على وجوده فلابد من احراز وجوده بالوجدان واما اجراؤه مقدمة لاستصحاب العدالة فهو من الأصل المثبت فان بقاء العدالة ببقاء الرجل أو اتحاد القضيتين ببقاء الرجل ليس من آثاره الشرعية. وكذلك الكلام في احراز العدالة باستصحاب ذات الرجل اذا كان منشأ الشك في بقائها الشك في بقائه.
والجواب عنه ــ مع قطع النظر عما في هذه التقسيمات من الاشكال ــ أنه لا مانع حينئذ من استصحاب الموضوع المركب وهو الرجل الموجود العادل والمفروض انه بقيد كونه عادلاً له حالة سابقة. ونظير هذا الاشكال وارد في استصحاب العدم الازلي ومن هنا ذهب بعض الاعاظم الى عدم جريانه.
بيانه ان المرأة في قولنا (المرأة اذا لم تكن قرشية ترى الدم الى خمسين) طرف لنسبة سلبية ناقصة ونسبة ايجابية تامة ولحاظ النسبة الاولى لا يتوقف على وجود المرأة لان السلب اعم من سلب الموضوع ولكن لحاظ النسبة الثانية يتوقف على وجودها. وعليه فالموضوع في هذه القضية هو المرأة الموجودة فاذا أردنا اثبات عدم القرشية باستصحاب عدمها الازلي لم يمكن لان القضية المتيقنة هي ماهية المرأة التي ليست بقرشية والمشكوكة التي هي موضوع الاثر موضوعها المرأة الموجودة فلا يمكن اثبات السالبة بانتفاء المحمول باستصحاب السالبة بانتفاء الموضوع. وهذا عكس ما نحن فيه فان موضوع المتيقنة هناك هو ذات المرأة وموضوع المشكوكة هو المرأة الموجودة وفيما نحن فيه بالعكس فموضوع المتيقنة هو الرجل الموجود وموضوع المشكوكة هو ذات الرجل والوجه في عدم الجريان في المقامين واحد وهو عدم اتحاد القضيتين بلحاظ أخذ الوجود في أحدهما.
ويلاحظ أن ما ذكرناه هنا من الجواب لا يجري في استصحاب العدم الازلي فان الموضوع المركب ليس له حالة سابقة ولكنا دفعنا الاشكال في محله بتعدد اللحاظ بمعنى ان المرأة في النسبة السلبية تلاحظ بلا قيد الوجود وفي النسبة الايجابية بقيده فالموضوع هو ماهية المرأة لا بقيد الوجود الا اننا حين نحكم عليها برؤية الدم نلاحظها موجودة.
ولكن بعض الاعاظم التزم بالاشكال في استصحاب العدم الازلي واجاب في المقام بان الوجود بحسب الفهم العرفي ملحوظ بنحو الحيثية التعليلية أو القضية الحينية لا بنحو الحيثية التقييدية. وهذا الجواب لو تم كان دافعاً للاشكال في استصحاب العدم الازلي أيضاً فان الموضوع هناك ليس المرأة الموجودة بنحو التقييد بل بنحو الحيثية التعليلية أو القضية الحينية فتتحد القضيتان الا ان هذا الجواب محل تأمل فان موضوع الاعراض عقلاً وعرفاً هو الماهية الموجودة لا نفس الماهية كما ذكر في الفلسفة أيضاً. والفلسفة القديمة عندنا انعكاس للمفاهيم العرفية لا علم بحقائق الاشياء كما زعموا. وقد ذكروا ان اللوازم منها ما هو لازم للماهية ومنها ما هو لازم للوجود بل ذهب بعضهم الى أن لازم الماهية هو لازم الوجودين.
وأما في الصورة الثانية وهي كون صفة في لسان الدليل محمولاً على صفة اُخرى كقوله: اذا كان العالم عادلاً فأكرمه والمفروض الشك في بقاء كل منهما فيمكن فرضها بنحو لا يجري فيها الجواب السابق وذلك بأن يقال ان الرجل كان عادلاً ولكنه في أول أزمنه تحقق العلم مشكوك العدالة وهو الآن مشكوك العلم أيضاً فالموضوع المركب لم يكن متحققا في زمان أصلاً. ولا يمكن استصحاب العدالة مستقلاً واستصحاب العلم مستقلاً ليترتب عليه الأثر وذلك لان العدالة المعلومة كانت وصفاً لذات الرجل لا للعالم وموضوع الأثر هو العالم العادل واستصحاب عدالته وعلمه بدون الارتباط لا يثبت العنوان المرتبط الا بالأصل المثبت. ولو فرضنا كون كل منهما مسبوق الوجود فيأتي فيه الاشكال المتقدم.
والجواب عنه : أن العالم في المثال ليس معروض المستصحب واقعاً وان كان في ظاهر القضية موضوعاً فان العرف لا يرى العلم والعدالة أمرين طوليين أحدهما يعرض الآخر بل يراهما عرضيين يعرضان ذات المتصف بهما ولولا ذلك لم يجر الاستصحاب في كثير من الموارد فاذا شككنا في بقاء الاطلاق في الماء بالمعنى الاعم اذ يحتمل انقلابه الى غير الماء بسلب الاطلاق فالذي نعلم به هو الغسل بهذا المايع واستصحاب اطلاقه لا يثبت انا غسلنا المتنجس بالمايع المطلق الابالاصل المثبت. وكذا اذا لاقى شيء شيئاً متنجساً بالاستصحاب فيمكن أن يقال ان الملاقى هو الجسم واستصحاب نجاسته لا يثبت ملاقاة الجسم المتنجس.
والجواب هو ما ذكرنا من أن العرف لا يرى في هذه الموارد عناوين طولية مقيدة بل عناوين عرضية مركبة وهذا الجواب هو الظاهر من كلمات المحقق النائيني قدس سره.
ولكن بعض الأعاظم لم يرتض هذا القول وقال ان مورد النزاع هو ان العالم بما أنه عالم اذا كان عادلاً كذا.
وهذا النحو من التقييد مع انه لم يذكر في الكلمات ولم يرد في الادلة لم يعلم لاعتباره وجه صحيح ثبوتاً ولم يعلم ان المراد به الحيثية التعليلية أو التقييدية.
فظهر مما ذكرنا ان اعتبار بقاء الموضوع في الاستصحاب كما ذكره الشيخ بجميع شقوقه لا وجه له.
الجهة الثانية: في أن المعتبر في اتحاد القضيتين هل هو النظر العرفي او لسان الدليل او الدقة العقلية؟ والمراد بالدقة العقلية المفاهيم الفلسفية القديمة ويمكن أن يضاف إليه طرق الاستكشاف الحديثة والاتحاد يحصل بين القضيتين باتحاد الثابت والمثبت له ولا يقدح الاختلاف في العوارض. وحيث ان الغالب من موارد الاختلاف بين لسان الدليل والنظر العرفي هو الشبهات الحكمية والغالب من موارد الاختلاف بين الدقة العقلية والنظر العرفي هو الشبهات المصداقية عندنا فنقسم المبحث الى مبحثين:
المبحث الأول: في موارد الاختلاف بين لسان الدليل والنظر العرفي.
والبحث في مقامين:
المقام الأول: في الفرق بينهما في تشخيص المثبت له. ويتلوه البحث عن أن مقتضي الادلة هو اعتبار لسان الدليل في ذلك أو النظر العرفي.
لا اشكال في أن لسان الدليل وهو قضية لفظية يكشف عن قضية لبية . فربما يكون الموضوع في القضيتين واحد وقد يختلف الموضوع فيهما ويستكشف ذلك بالمناسبات والقرائن. فاذا قال مثلاً (الرجل اذا كان مجتهداً يجوز تقليده) فلسان الدليل مركب من ثلاث اجزاء: الموضوع والمحمول والشرط، فالقضية ثلاثية، فان كان المعتبر لسان الدليل كان الموضوع هو الرجل والشرط ليس الا ما علق عليه الحكم بمعنى ان ارتباط المحمول بالموضوع لا يتحقق الا في هذه الصورة. وكذلك اذا قال (الخبر اذا كان المخبر به ثقة يجب الأخذ به). ولكن العرف لا يوافق التثليث بل يحكم بموجب المناسبات والمرتكزات العقلائية ان الموضوع هو الرجل المجتهد وخبر الثقة لا عنوان الرجل أو الخبر باعتبار انه يرى ان الحكم باتّباع الرأي لا يناسب الرجولية وانما يناسب المجتهد والحكم بوجوب الأخذ لا يناسب الا الوثوق بالمخبر.
وقد يتوافق النظر العرفي ولسان الدليل بمعنى ان العرف يرى ان الموضوع في القضية اللفظية هو الموضوع في القضية اللبية كما اذا قال (التراب احد الطهورين) أو قال (المجتهد يجوز تقليده) فان الموضوع في لسان الدليل هو التراب والمجتهد ولا يرى العرف هنا مناسبة توجب الحكم على خلاف أصالة التطابق بين القضية اللفظية واللبية.
ولكن بعض الاعاظم جعل مورد التوافق مورداً للاختلاف بدعوى أن التراب لو تبدل الى خزف أو آجر فان كان المعتبر هو لسان الدليل فالموضوع ليس باقياً لعدم صدق التراب وأما لو كان المعتبر هو النظر العرفي فهو باق وذلك لأن الاختلاف في نظر العرف ليس في الصورة النوعية بل في العوارض فان الخزف ليس الا التراب المطبوخ المتماسك. ثم ذكر مورداً آخر للاختلاف وهو أنه لو قال مثلاً (أكرم كل عالم) وشككنا في بقاء وجوب الاكرام بعد سلب العلم منه بالنسيان مثلاً فمقتضى التقيد بلسان الدليل هو عدم وجوب الاكرام لعدم صدق الموضوع ومقتضى النظر العرفي هو بقاء الوجوب بدعوى أن الموضوع في نظرهم هو ذات زيد بعد صدق عنوان العالم فنقول هذا كان واجب الاكرام سابقاً والآن أي في ظرف الشك يجب اكرامه أيضاً.
 ولكن الصحيح ان العرف لا يري بقاء الموضوع في الموردين اما في المثال الأول فما ذكره من أن الصورة النوعية لم تتبدل وانما تبدلت العوارض وان كان صحيحاً في نفسه الا ان المعتبر في بقاء الموضوع ليس بقاء الصورة النوعية وذلك لان بعض الامور وان لم تكن مؤثرة في الصورة النوعية الا انها مقومة للعنوان وقد ذكرنا تفصيل ذلك في مبحث الاستحالة من المطهرات. ومحصّله ان المعتبر في الاستحالة هو تبدل الصورة النوعية والمعتبر في البيع والاستصحاب هو بقاء العنوان المقوم وبينهما عموم مطلق فمثلاً اذا باع عبداً فبانت جارية فالاختلاف بينهما ليس اختلافاً في الصورة النوعية الا أن مقتضى اختلاف الاغراض المعاملية فيهما يوجب اختلاف العنوان المقوم للبيع فالبيع باطل لا جايز بخيار تخلف الشرط وكذلك في الدجاج والديك حيث تختلف الاغراض في تربيتها كما في القرى والارياف. وكذلك في الاستصحاب فاذا تغير العنوان المقوم لا يحكم بوحدة القضيتين عرفاً كتبديل التراب بالخزف نعم يحكم ببقاء الاستقذار العرفي والنجاسة الشرعية فان زواله يتوقف على تبدل الصورة النوعية كاستحالة الدم لبنا والمني حيواناً. والحاصل ان بعض الاُمور يعتبر مقوماً للعنوان وان لم يكن زواله مغيراً للصورة النوعية كاختلاف الجبن واللبن أو العبد والجارية وهذا هو الملاك في وحدة القضيتين في الاستصحاب أو وحدة المبيع والمقبوض وبعض الاُمور يوجب زواله تغير الصورة النوعية كاستحالة الدم لبنا وهذا هو الملاك في الطهارة.
واما في المثال الثاني فلما ذكرناه في مبحث الأصل المثبت من أن الأثر ليس للفرد وانما هو للكلي وان الذي يجب اكرامه هو العالم ووجود زيد في الخارج بالاضافة الى كل حد من حدوده وجود لذلك الحد وهو بالاضافة الى هذا الحد (العالم) يجب إكرامه . فان العالم اينما وجد وباي وجود تحقق يجب اكرامه.
ولكن يمكن ان يكون ما ذكره هنا ناشئا عما ذكره هو من الفرق بين العموم الاستغراقي والمطلق الشمولي خلافاً لغيره فقال: ان الموضوع في مثل أحل الله البيع هو نفس الطبيعة الا أنه بلحاظ الوحدة في الكثرة ولكنه في مثل أكرم العلماء هو نفس الافراد والكثرات. فلو أراد ذلك فيما نحن فيه فالجواب عنه ــ مضافا الى الاشكال في نفس المبنى كما ذكرنا تفصيله في محله ــ انه حتى لو فرضنا كون الموضوع هو الكثرات الا أنه ليس الملحوظ فيه الافراد بما هي هي بل باعتبار تحقق الطبيعة فيها.
المقام الثاني: في أن المدار في تشخيص المثبت له هو النظر العرفي لا لسان الدليل. وربما يتوهم ان المناط هو ظاهر لسان الدليل نظراً الى ان الشارع المقدس نهى عن نقض اليقين بالشك وهو دليل الاستصحاب فلابد في تحقق الاستصحاب من ملاحظة ما يراه الشارع نقضاً لليقين وعليه فالمعتبر هو ملاحظة ما جعله الشارع موضوعاً للحكم بموجب لسان الدليل.
والجواب عنه بوجهين اجمالي وتفصيلي:
اما الوجه الاجمالي فهو أنا لا ننكر وجوب ملاحظة ما جعله الشارع موضوعاً الا ان المدعى ان الدخيل في الاطاعة والعصيان هو القضية اللبية لا اللفظية واستكشافها يتوقف على مراعاة القضية اللفظية بضميمة القرائن الحالية والمناسبات والمرتكزات العقلائية.
وأما الوجه التفصيلي فهو أن دليل حجية الاستصحاب على ما ذكرنا هو بناء العقلاء والاخبار. والاول يبتني على الاطمينان الاحساسي والاستصحاب تصرف في الصور النفسية فما يثبت به بقاءاً هو ما أثر في النفس ثبوتاً وما وجده الانسان باحساسه وشعوره موضوعاً في مرحلة الثبوت هو الموضوع في مرحلة البقاء ولا اشكال في أنه في مثل (الرجل اذا كان عالماً فاكرمه) هو ذات الرجل بوصف العلم.
وأما الأخبار فان قلنا بأنها امضاء لحكم العقلاء وارشاد اليه فالكلام هو الكلام لان الملاك حينئذ هو الحكم المرشد إليه. وأن قلنا بأن الحكم فيها تأسيسي فلا اقل من الالتزام بأن العقلاء يرون المناسبة بين الحكم والموضوع واليه يشير قوله عليه السلام (ولا ينبغي لك ان تنقضي اليقين بالشك) ان لم نقل بأنه اشارة الى الارشاد الى الحكم العقلائي. وعليه فيدور الحكم حسب حدود التناسب العقلائي الملحوظ بين الحكم والموضوع ويكون نقض اليقين بالشك تابعاً لما يراه العقلاء نقضاً فليس امراً تعبدياً محضاً.
المبحث الثاني : في مواردالاختلاف بين النظر العرفي والدقة العقلية. والبحث في مقامين أيضاً:
المقام الأول: في الفرق بينهما وهو يظهر في موارد:
أحدها: ما ذكرناه في استصحاب الاُمور التدريجية وهو أن الوحدة قد تكون حقيقية وقد تكون اتصالية وقد تكون اعتبارية عرفية فالاُولى كالوحدة الشخصية والثانية كالزمان والحركات غير المنفصلة فانها أيضاً كالوحدة الحقيقية من جهة أن الاتصال الوحداني مساوق للوحدة الشخصية والثالثة كالتكلم والسفر اذا اعتبر واحداً من جهة وحدة الغرض مع تخلل الانفصال حقيقة ففي مثل ذلك يعتبر عند العرف أمراً واحداً وبالدقة العقلية اُموراً كثيرة منفصلة بعضها عن بعض. وقد ذكرنا هناك الضابط في تشخيص الوحدة  العرفية.
فمن هذه الجهة يكون النظر العرفي في الوحدة بين القضيتين أوسع من النظر العقلي وقد يكون بالعكس كما اذا قال المولى أكرم العالم فوجب اكرام زيد لكونه عالماً ثم شككنا في بقاء وجوب الاكرام فان استصحابه يجري بناءً على النظر الفلسفي وذلك لاتحاد القضيتين فان القضية المشكوكة هي زيد يجب اكرامه وهي عين القضية المتيقنة والعالم حد وسط لثبوت وجوب الاكرام لزيد ولا يمنع ذلك من تعلق الحكم واقعاً بزيد. ولا ينافي ذلك كون العارض ذاتياً لما ذكره السبزواري في حاشية الاسفار من أن مطلق الواسطة في العروض لا تنافي كون العارض ذاتياً والا يلزم ان لا يكون موضوع العلم مبحوثاً عنه في العلوم لأن موضوعات المسائل واسطة في العروض لثبوت محمولاتها لموضوع العلم. ومن هنا قال المحقق الخراساني ان الأثر لو كان للكلي يمكن اثباته للفرد بالاستصحاب وليس ذلك من الأصل المثبت. وذكرنا وجه الضعف فيه في مبحث الأصل المثبت من جهة منع ذلك عرفا وان وافق النظرة الفلسفية.
فتحصل ان مثل هذه الواسطة في نظر العرف يمنع من وحدة القضيتين وفي نظر الفلسفة لا يمنع فما قيل من أن النظر العرفي أوسع دائماً غير صحيح. وقدمرّ تفصيل هذا المطلب في مبحث الاصل المثبت حيث منعنا جريان الاستصحاب حتى في الوسائط الخفية.
ولعل بعض الاعاظم حيث ادعى في المبحث السابق مساعدة النظر العرفي لكون الموضوع ذات زيد كان نظره الى هذه النظرة الفلسفية.
ولكن الاعلام ذكروا للفرق بين النظر العرفي والنظر العقلي عدة موارد.
منها: ما ذكروه من ان النظر العقلي لو كان هو الملاك لم يجر الاستصحاب في شيء من الاحكام الشرعية لوجهين:
أحدهما ما ذكره السيد الخميني «أيده الله» وهو أن ما يدركه العقل أو يجعل في لسان الدليل علة للحكم هو الموضوع بحسب النظر العقلي الدقيق لان الحيثيات التعليلية مرجعها الى الحيثيات التقييدية مع ان الموضوع بحسب النظر العرفي هو ما يجعل في لسان الدليل موضوعاً مثال ذلك: ان يقول الشارع الخمر حرام ويكشف العقل بالدوران والترديد ان الاسكار هو العلة فهو الموضوع حقيقة أو يقول الشارع الرجل اذا كان عالماً فأكرمه فالعالم هو الموضوع حقيقة. والمراد بالحيثيات التعليلية ما يكون موضوع الأثر هو المتحيث وتكون الحيثية علة للحكم وبالحيثيات التقييدية ما يكون موضوع الأثر فيها نفس الحيثية.
والجواب عنه: هو ما ذكرناه في مبحث الأصل المثبت ان قولهم الحيثيات التعليلية مرجعها الى الحيثيات التقييدية انما هو في الأحكام العقلية العملية فان قيل ان العقل يحكم بأن ضرب الولد حسن لانه تأديب كان مرجعه ان التأديب حسن بل التأديب أيضاً حسن لانه احسان فالحكم العقلي الاولي ان الاحسان حسن. وأما الاحكام العقلية النظرية فليست الا انعكاساً عن الخارج وهي من المدركات العقلية لا منشئاتها كالقسم السابق وحينئذ فالادراك إنما يصح اذا كان مطابقاً للواقع فان جعل الشار ع الحكم على موضوع بعلة فالادراك الصحيح ان ينعكس الموضوع موضوعاً والعلة علة فان انعكس كان خطأً لا ادراكاً فلابد ان يميز بين الاحكام العقلية العملية التي هي من افعال العقل ومنشئاته والاحكام العقلية النظرية التي هي من انفعالاته وادراكاته.
الوجه الثاني ما ذكره السيد الخوئي «أيده الله» وهو ان الموضوع اذا كان مقيداً في لسان الدليل ثم زال القيد تغير الموضوع لتغاير ما هو بشرط شيء مع ما هو بشرط لا فان قال الماء اذا كان متغيراً كذا ثم زال التغير لا يمكن استصحاب حكمه. والفرق بينه وبين الوجه السابق ان الحيثية التقييدية هناك هو الموضوع في نظر العقل لا المتحيث والقيد هنا ليس موضوعاً وانما التقيد جزء الموضوع كما في المنظومة (تقيد جزء وقيد خارجي).
والجواب عنه : ان هذا انما يبتني على ما ذكره المحقق النائيني  في مبحث الواجب المشروط وهو أن القيود كلها ترجع الى الموضوع وان الحيثية التعليلية لا معنى لها. وهذا غير صحيح لأن القيد يرجع الى الحكم والعلة واسطة في ثبوته. وانكاره يبتني على ما ذكره المحقق النائيني من أن العلية اذا كانت ذاتية لزم ان تكون النجاسة المعلولة من الامور الذاتية لا الاحكام الشرعية واذا كانت بجعل الشارع لزم الجعل التأليفي بين الشيء وخارج المحمول الى آخر ما ذكره في مبحث الواجب المشروط وذكرنا الجواب عنه. وقد ذكرنا هناك ان هذه القيود ليست علة في الواقع حتى يبحث عن ذاتيته وجعليته وانما هي ظروف لجعل الحكم.
ومنها ما ذكره بعض الاعاظم وهو مورد تبدل الصورة النوعية فان العرف والعقل يختلفان فيه فاذا مات الكلب مثلاً فان الصورة النوعية بالنظر الدقيق العقلي غير باقية وشيئية الشيء بصورته لا بمادته والصورة النوعية الكلبية هي النفس الكلبية وهي غير باقية وانما الباقي جماد والقول بانه جثة الكلب مبني على المسامحة لانتفاء المضاف اليه وهو النفس الكلبية ولكن العرف يرى ان الكلب هو هذا الجسم وان حياته من العوارض فيرى الموضوع باقياً. نعم اذا تبدل الى ملح أو تحجر تنتفي عنه الصورة الكلبية عرفاً أيضاً.
والجواب عنه: انه لم يقم برهان على أن الصور النوعية هي النفوس حتى في الحيوانات والاختلاف بين الحقائق ليس مبتنياً على اختلاف الفصول والاجناس على ما يذكر في الفلسفة القديمة. والعلم الحديث قد اثبت ضعف الفلسفة القديمة عن تشخيص حقائق الكون. وفي رواية سليمان المروزي ان الله خلق خلقا مختلفاً باعراض وحدود.
هذا مضافاً الى ان موضوع الدليل انما يحمل على المعنى العرفي لا على مصطلح الفلاسفة أو غيرهم فالنزاع يجب أن يكون في هذا المقام لا في وحدة القضية المتيقنة والمشكوكة وخصوصاً في النجاسة فانها تعرض الجسم قطعاً حتى في نظر العقل ولا يتوهم ان يحكم العقل بأن معروض النجاسة هو النفس الكلبية.
ومنها: ما يقال من ان الشارع اذا حكم بنجاسة الدم مثلاً ثم زال عين الدم وبقي اللون فالعرف يحكم بعدم بقاء الموضوع لان الدم من الجواهر واللون من الاعراض. ولكن الفلسفة تقيم البرهان على ان هذا اللون هو عين الدم وذلك لاستحالة انتقال العرض من موضوع الى آخر فلا يتقوم اللون بالثوب مثلاً بدون وجود الاجزاء الدموية للزوم تحقق العرض بلا موضوع آناًما.
والجواب عنه: ان الفلسفة كما تقول باستحالة هذا تقول أيضاً بامكان تأثير العرض في شيء فيمكن ان يكون الباقي اثراً للعرض لا عينه فلا يلزم انتقاله من موضوع الى آخر كما أن الشمس توجب اسوداد وجه القصّار مع أن اشعة الشمس ليس فيها سواد فيمكن أن يكون اللون الباقي من تأثير الدم لا نفس لونه كما أنه يمكن أن يكون اللون الاحمر الباقي بعد غسل الحناء من تأثيره في البشرة لا بقاء العرض.
ومنها: ما يمكن أن يقال: أنه إذا قال المولى: الماء المتغير بالنجاسة نجس فالعرف يحكم بأن الموضوع هو الماء المتغير. ولكن الفلسفة لا تقبل ذلك فإن العرض لا يتقوم بالعرض والمتغير من الاعراض فلا يكون جزءً من مقوم العرض الآخر وهو النجاسة.
والجواب عنه: أن العرض قد يتقوم بالعرض نظير الكيفيات المختصة بالكميات. مضافاً الى أن النجاسة ليست من الاعراض بل هي من الاعتباريات وهي تعرض الاعراض كما تعرض الجواهر.
المقام الثاني : أن الميزان لتشخيص الموضوع هل هو النظر العقلي أم العرفي؟
يمكن أن يتوهم ان الميزان هو النظر العقلي لأن الالفاظ موضوعة للمعاني النفس الامرية فحكم العقل هو الميزان ولا يعتنى بما يراه العرف مصداقاً. فالنقض المنهي عنه هو ما يراه العقل نقضاً لليقين.
والجواب عنه: أن الاستصحاب يبتني على أحد أمرين بناء العقلاء والأخبار. أما الأول فليس فيه لفظ ومعنى وإنما هو بناؤهم على بقاء الحالة السابقة لامور نفسية واجتماعية فليس هنا عنوان النقض أو الوحدة أو غيرهما فالوحدة المعتبرة هنا من جهة أن الاطمينان الاحساسي الذي هو الاساس في الاستصحاب إنما يؤثر في بقاء الحكم للموضوع الذي رآه موضوعاً أولاً وشعرت به نفسه وتأثرت به.
وأما الأخبار فالوارد فيها كلمة النقض وهنا محل الكلام في أن المراد به المعني العرفي أو العقلي وحيث إن اللغة ظاهرة اجتماعية فلابد في فهم المراد من الالفاظ من مراجعة فهم المجتمع. ولكن ذكرنا سابقاً أن هذه الجملة وردت مورد الكنايات والاعتبارات الادبية فلا عبرة بكلمة النقض ولا بكلمة الوحدة كما توهم أما الوحدة فلانها لم ترد في رواية واما النقض فلما ذكرنا من أنه كناية عن اعتبار اليقين بالحدوث يقيناً بالبقاء وهذا الاستعمال من قبيل الاستعارة بالكناية فقد شبّه اليقين بالحدوث باليقين بالبقاء في النفس وهذا استعارة تخييلية ثم ذكر أحد لوازم كون اليقين يقيناً بالبقاء وهو عدم جواز نقضه بالشك لانه نقض لأمر متماسك الاجزاء وهي الحدوث والبقاء بأمر غير متماسك وهو الشك فالمجعول حقيقة هو المكني عنه وهو اعتبار اليقين بالحدوث يقيناً بالبقاء. ولا معنى للرجوع الى العرف في فهم معنى النقض كما لا معنى له في فهم معنى كثير الرماد اذا قيل زيد كثير الرماد بل المعتبر المعنى المكني عنه وهو الجود. وقد ورد جملة اليقين لا ينقض بالشك في كلمات الادباء كصاحب بن عباد فهي جملة مشهورة يؤتى بها كناية عن ما ذكرناه.

قاعدة اليقين

الأمر الثاني مما يذكر في الخاتمة تبعاً للشيخ قدس سره هو الكلام حول قاعدة اليقين. وقد ذكرنا في اوائل مبحث الاستصحاب الفرق بينه وبينها وبين قاعدة المقتضي والمانع. وأن الذي يميز قاعدة اليقين عنهما هو أن الشك فيه متعلق بعين ما تعلق به اليقين حتى من جهة الحدوث والبقاء ولذا يعبر عنها بالشك الساري.
وهذه القاعدة في مرحلة الاثبات ترتبط بقاعدة الفراغ وبالاستصحاب بمعنى الاشتراك في الادلة فالبحث في مقامين:
المقام الأول: في ارتباطها بأدلة قاعدة الفراغ.
والكلام في جهتين:
الجهة الاُولى في بيان المراد من قاعدة الفراغ التي ترتبط بهذه القاعدة وبيان النسبة بينهما. والجهة الثانية في امكان الاستدلال على هذه القاعدة بأدلة قاعدة الفراغ.
أما في الجهة الاُولى فنقول: قاعدة الفراغ لها معنيان:
الأول قاعدة الفراغ الحقيقي. وهي أن يشك بعد العمل في صحته مع احراز الفراغ من العمل إما بالقطع كما اذا اتينا بالجزء الأخير وإما بفوات الموالاة فيما تعتبر فيه الموالاة مع الشك في الاتيان بالجزء الاخير وإما بحصول المنافي للعمل مع الشك في اتيان الجزء الاخير ايضا. وبأحد هذه الاُمور يحصل الفراغ الحقيقي.
الثاني: قاعدة الفراغ البنائي وهي أن يشك في صحة العمل بعد الفراغ مع القطع بصحته اثناء العمل.
وبينهما عموم من وجه. فاذا قطع بالفراغ الحقيقي مع عدم حصول القطع بالصحة اثناء العمل جرت القاعدة الاولى فقط. واذا شك في الجزء الاخير من دون قطع بالفراغ بحصول المنافي أو فوات الموالاة مع العلم بالصحة اثناء العمل كما اذا شك في صحة الغسل من جهة الشك في الجزء الاخير فلا يعلم بالفراغ لعدم اعتبار الموالاة وعدم العلم بالجزء الاخير والمفروض أنه كان عالماً بالصحة والتمامية اثناء الغسل فتجري القاعدة الثانية فقط.
واختلف الفقهاء فبعضهم يقولون باعتبار القاعدة الاُولى فقط وهو الاقوى وذهب آخرون الى اعتبار الثانية فقط ومنهم المحقق العراقي والسيد الحكيم قدس سرهما وذهب جماعة الى اعتبارهما معاً ومنهم الشيخ الطوسي في النهاية وصاحب الجواهر قدس سرهما.
والذي يرتبط بقاعدة اليقين منهما هو القاعدة الثانية والنسبة بينهما عموم مطلق لاختصاص قاعدة الفراغ البنائي بالشك الساري في صحة العمل بعد العلم بها وشمول قاعدة اليقين لها ولسائر موارد الشك الساري من مفاد كان وليس الناقصتين والتامتين.
وأما في الجهة الثانية فنقول: هناك روايتان استدل بهما على قاعدة الفراغ البنائي وهما رواية محمد بن مسلم ورواية فقه الرضا.
أما الاولى فهي ما رواه الصدوق بسنده عن محمد بن مسلم عن ابي عبد الله عليه السلام أنه قال (ان شكّ الرجل بعد ما صلىّ فلم يدر أثلاثاً صلى أم أربعاً وكان يقينه حين انصرف انه كان قد اتم لم يعد الصلاة وكان حين انصرف أقرب الى الحق منه بعد ذلك). ورواه ابن إدريس في مستطرفات السرائر نقلاً من كتاب نوادر المصنفين لمحمد بن على بن محبوب عن يعقوب بن يزيد عن ابن أبي عمير عن محمد بن مسلم إلا أن فيه: (أقرب منه الى الحفظ).
والكلام تارة في سندها واخرى في دلالتها:
أما سند الصدوق الى محمد بن مسلم فهو ضعيف في المشيخة لانه هكذا: علي بن أحمد بن عبدالله بن أحمد بن أبي عبد الله عن أبيه عن جده عن أحمد بن أبي عبدالله البرقي عن محمد بن خالد البرقي عن علاء بن رزين عن محمد بن مسلم. وعلي بن أحمد وابوه لم يوثقا.
ولكن المحدث النوري صحح السند بدعوى أن هذين الرجلين ليس لهما كتاب فالمستند إما أن يكون كتاب المحاسن للبرقي أو كتاب علاء بن رزين وللصدوق الى كتابيهما طرق صحيحة.
والجواب عنه: أن هذا كما انه محتمل كذلك يحتمل نقله عن كتاب محمد بن مسلم المسمى بأربع مائة مسألة وليس له اليه طريق غير هذا الطريق. مضافاً الى أن كتب البرقي أي اجزاء المحاسن كثيرة بعضها مشهورة وبعضها غير مشهورة فيمكن أن يكون المستند لهذه الرواية تلك الاجزاء غير المشهورة التي لا يصح التعويل عليها. وأما كتاب علاء بن رزين فنسخه متعددة ومختلفة بالزيادة والنقيصة ولعل هذه الرواية ليست الا في النسخة الواصلة إليه من هذا الطريق.
ويمكن دفع هذه الاحتمالات بقول الصدوق في أول الفقيه انه لا ينقل الا عن الكتب المشهورة فان كان من المحاسن كان من اجزائه المشهورة وان كان من كتب علاء كان من النسخ المشهورة وأما كتاب محمد بن مسلم فهو غير مشهور فلا ينقل عنه.
والجواب أنه يقول بعد دعوى نقله عن الكتب المشهورة وعدّها (وغيرها من الاصول والمصنفات التي طرقي اليها مذكورة في الفهرست) وبناء على هذه الجملة فلا يختص النقل بالكتب المشهورة. هذا مع انا نلاحظ نقله من الكتب غير المشهورة كثيراً كتفسير علي بن إبراهيم وكتاب العلل لفضل بن شاذان وقد اثبتنا عدم صحة اسناد الكتاب اليه.. الى غير ذلك.
واما نقل ابن ادريس فالكلام فيه من جهات ثلاث:
الجهة الاولى: النظرة العامة في كل ما يرويه في مستطرفاته وقد توهم صاحب الوسائل أن كلها متواترة لانه لا يعمل بالخبر الواحد والجواب عنه واضح فانه لم يظهر منه العمل بهذه الاخبار مضافاً الى انه لا يقتصر في العمل بالاخبار المتواترة. وهو لا ينقل الروايات مسندة وليس له طريق اليها وانما ينقلها بطريق الوجادة استنباطا منه ان الكتاب لفلان.
وقد يتوهم امكان اثبات صحتها من جهة كونه اهل خبرة في تشخيص خطوط المؤلفين.
والجواب عنه: انه كونه من أهل الخبرة في الحديث والرجال غير معلوم وقد حكى صاحب مفتاح الكرامة في باب صلاة الاستخارة عن العلامة انه قال بعد نقل عبارة عن ابن ادريس فيها اشتباهات رجالية كثيرة (انه قليل الاطلاع في الحديث والرجال) وهو كذلك فانه ينقل عن أبان بن تغلب ويوصفه بانه صاحب الباقر والصادق عليهما السلام ويروي في ضمن احاديثه ما يرويه هو عن معمر بن خلاد عن الرضا عليه السلام مع انه توفي في زمان الصادق عليه السلام ونظيره كثير في كتابه. والعجب من صاحب الوسائل انه كيف اعتمد على مثل هذا الكتاب واعجب منه انه صحح من عند نفسه في بعض الموارد وأبدل اسم أبان بن تغلب الى ابان بن عثمان.
الجهة الثانية: النظرة الخاصة في رواياته عن كتاب نوادر المصنف لمحمد بن على بن محبوب ويمكن القول بجواز الاعتماد عليها بالخصوص نظراً الى انه يقول: وجدتها بخط جدي أبي جعفر الطوسي قدس سره . ويؤيد ذلك ان السيد بن طاوس قدس سره وهو من أهل الخبرة نقل في كتاب الاقبال كثيراً عن كتاب نوادر المصنفين أو المصنف مدعيا أيضاً انه بخط جده أبي جعفر الطوسي وربما يوجب ذلك الاطمينان باعتباره. نعم يمكن الخدشة في ذلك أيضاً بان المعروف في كتب الرجال ان كتاب ابن محبوب اسمه الجامع ولم يذكروا له كتاباً باسم نوادر المصنفين او نوادر المصنف الا أن تعدد الاسم ممكن.
الجهة الثالثة: في الكلام في خصوص هذه الرواية بعد الفراغ عن صحة السند الى محمد بن على بن محبوب فانه يرويها عن يعقوب بن يزيد عن ابن أبي عمير عن محمد بن مسلم. والاشكال انما هو في نقل ابن أبي عمير عن محمد بن مسلم فان الاول من الطبقة السادسة ووفاته في سنة 217 والثاني من الطبقة الرابعة ووفاته حوالي سنة 150 فلا يمكن نقله عنه. وهذا لا يختص بهذه الرواية فنقل ابن أبي عمير عنه كثير ولا يختص به أيضاً فكثيراً ما ينقل رجال الطبقة السادسة غيره عن محمد بن مسلم فلابد من الالتزام بحذف الواسطة فتكون الرواية مرسلة.
ويمكن أن يقال بأن وسائط ابن أبي عمير عن محمد بن مسلم رجال موثقون كأبي أيوب الخزاز وحماد في غير هذه الرواية مع أنه لو كان غير معلوم الحال لابد من الاعتماد عليه بناءً على أن مراسيله معتبرة.
والجواب عنه: ان ذلك انما يصح في المراسيل بابهام الواسطة وأما في موارد حذف الواسطة فيحتمل كون الواسطة متعدداً ونحن لا نقول بوثاقة مشايخ مشايخه.
وكيف كان فاعتبار الرواية محل تأمل.
أما الكلام في دلالتها فالظاهر انها لا تدل على قاعدة الفراغ البنائي فضلاً عن قاعدة اليقين التي هي أوسع منها وذلك لان موردها هو خصوص ما اذا كان يقينه حين انصرف انه قد اتم صلاته فلا يشمل غير مورد قاعدة الفراغ الحقيقي ومبنى الفراغ البنائي على الصحة ان شك بعد اليقين بها وإن لم يكن متيقنا بالتمام. وأما ذيلها فهو بمنزلة التعليل ولا يظهر منه بيان قاعدة كلية فلا يستفاد منه كبرى قاعدة الفراغ فكيف بقاعدة اليقين.
ويمكن أن يقال: ان مستند فتاوى الائمة عليهم السلام اصول علم يرثونها كابر عن كابر كما صرحوا به في عدة روايات والاصل المعتمد عليه هنا احدى القاعدتين.
والجواب عنه: أن هذا المورد مورد انطباق قاعدة الفراغ الحقيقي أيضاً فيحتمل أن تكون هي الاصل في ذلك.  
وأما الرواية الثانية فهي رواية فقه الرضا (وكل سهو بعد الخروج من الصلاة فليس بشيء ولا اعادة فيه لانك قد خرجت على يقين والشك لا ينقض اليقين).
وهذه الرواية من حيث الدلالة لا اشكال فيها فان قوله والشك لا ينقض اليقين ظاهر في قاعدة الفراغ البنائي. واما من حيث السند فيمكن تصحيحها بعمل الاصحاب وقد نقل الشيخ في الرسائل عبارة جمع من القدماء المطابقة لهذه العبارة مما يدل على اعتمادهم عليها وان كان الشيخ لم ينقل عبارة فقه الرضا واكتفى بالرواية الاولى. ولكن المفيد قال في المقنعة: (فان عرض له شك فيه بعد فراغه منه وقيامه من مكانه لم يلتفت الى ذلك وقضى باليقين عليه). وهذه العبارة نقل لمفاد هذه الرواية. وقال الشيخ الطوسي بعد نقل قاعدة الفراغ الحقيقي: (فان انصرف من حال الوضوء وقد شك في شيء من ذلك لم يتلفت اليه ومضي على يقينه). وقد ذكر المحقق في نكت النهاية ان هذا اشارة الى قاعدة الشك الساري.. الى غير ذلك من عباراتهم الدالة على اعتمادهم على هذه الرواية مضافاً الى ما ذكرنا مراراً من اعتماد جمع من الاصحاب على هذا الكتاب في فتاواهم كعلي بن بابويه وابنه الصدوق والشيخان والسيد المرتضى قدس الله اسرارهم. وقد ذكرنا انه نفس كتاب التكليف للشمغاني كما ذكره السيد حسن الصدر في رسالة أفردها بهذا الصدد باسم (فصل القضا في كتاب فقه الرضا). وتفصيل الكلام في مبحث الاجماع.
ولكن ذكرها هناك مفصلاً عدم الاعتماد على هذا الكتاب وعدم كونه رواية عن المعصومين عليهم السلام وانما هو ما استفاده الشلمغاني من الروايات.
المقام الثاني: في ارتباط هذه القاعدة بالاستصحاب وأدلته. والبحث في جهتين:
الجهة الاولى: في البحث عن النسبة بين مجرى هذه القاعدة والاستصحاب والظاهر أن النسبة بينهما عموم من وجه ففي مورد تصادقهما قد يكونان متخالفين في الحكم وقد يكونان متوافقين. فاذا علمنا بعدالة زيد في يوم الجمعة وبقائها الى يوم السبت وشككنا يوم الاحد في بقاء عدالته يوم السبت بنحو الشك الساري فتجري فيه القاعدتان ونتيجتهما حكم واحد وهو بقاء العدالة لاستصحابها من يوم الجمعة ولسبق علمنا بها يوم السبت. واذا علمنا بها يوم الجمعة وبعدمها يوم السبت وشككنا فيها يوم الاحد بنحو الشك الساري بالنسبة الى العلم بالعدم يوم السبت فبمقتضى استصحاب عدالة يوم الجمعة نحكم بعدالته يوم السبت وبمقتضى قاعدة اليقين وسبق العلم بالعدم يوم السبت نحكم بعدمها. فهذا مورد تصادقهما مع التخالف في النتيجة .
وأما موارد قاعدة الاستصحاب دون قاعدة اليقين فاكثر من ان تحصى وهي جميع موارد الشك في البقاء مع بقاء العلم بالحدوث. وأما افتراق قاعدة اليقين فقد انكره بعضهم وادعى بعضهم ندرتها ويمكن ان تذكر له عدة موارد:
منها موارد استصحاب العدم الازلي بناءً على عدم جريانه فاذا علمنا بأن هندا قرشية ثم شككنا فيه بنحو الشك الساري فقاعدة اليقين جارية وأما الاستصحاب فليس له مجرىً في المقام الا في العدم الازلي وعلي القول بعدم جريانه في الاعدام الازلية يبقى المورد خاصاً بقاعدة اليقين.
ومنها : مورد تعاقب الحادثين فإذا علمنا بالوضوء ثم شككنا فيه بنحو الشك الساري وعلمنا بتحقق وضوء وحدث ولم نعلم المتقدم منهما والمتأخر فالاستصحابان لا يجريان إما لعدم اتصال زمان اليقين بزمان الشك كما هو رأي المحقق الخراساني وإما للتعارض كما هو رأي الشيخ وأما قاعدة اليقين فلا مانع من جريانها الا انه يبتني على أن يكون دليلها مغايراً لدليل الاستصحاب كما يدعيه بعض وذلك لأن دليل الاستصحاب وهو (لا تنقض اليقين بالشك) لا يشمل مورد التعارض بالذات كما نحن فيه بمعنى أنه لا ينعقد له ظهور بالنسبة الى هذا المورد وذلك لأن عدم امكان التعبد بالضدين كالقرينة المتصلة لعدم الشمول وحينئذ يشمل المورد دليل قاعدة اليقين بلا مانع. ولا يتوهم أن قاعدة اليقين تعارض مجموع الاستصحابين وذلك لأن توهم التعارض الاُصول الطولية أي المختلفة بالرتبة انما يكون في مورد التعارض بالعرض أي موارد العلم الاجمالي فان حجية الاصول هناك مسلمة إلا أن تنجيز العلم الاجمالي مانع من التمسك بالاُصول ولكن المانع في المقام هو تعارض الاستصحابين بالذات المانع من شمول دليل حجيتهما للمورد كما بينا فلا مانع من جريان قاعدة اليقين. وأما إذا قلنا بأن دليلها هو نفس دليل الاستصحاب وأن المستفاد من (لا تنقض اليقين بالشك) كلتا القاعدتين فالتعارض انما هو بالذات. وعدمُ امكان التعبد بالضدين كما يمنع من انعقاد الظهور للاستصحاب في مورديه هنا كذلك يمنع من ظهور شمول قاعدة اليقين للمورد.
فتحصل أن مورد تعاقب الحادثين يصح أن يجعل من موارد افتراق قاعدة اليقين إذا قلنا بمغايرة دليله لدليل الاستصحاب.
ومنها : كل مورد شك فيما يتقن به أولاً بنحو الشك الساري من دون العلم بالحالة السابقة كما إذا علمنا بالوضوء أول الزوال ثم شككنا فيه ولم نعلم بالحالة السابقة أصلاً فإنه مورد قاعدة اليقين فقط.
الجهة الثانية: في أن أدلة الاستصحاب هل تدل على حجية قاعدة اليقين أم لا؟ وهذه الادلة على قسمين: القسم الأول ما يدور الأمر فيها بين إرادة قاعدة اليقين فقط وإرادة الاستصحاب فقط والقسم الثاني ما يدل على الاستصحاب قطعاً وانما البحث في أنه يدل على القاعدة أيضاً مع دلالته على الاستصحاب ام لا يدل.
 أما القسم الأول فقد بحثنا عنه في اوائل بحث الاستصحاب ومنه ما روي عن امير المؤمنين عليه السلام (من كان على يقين فأصابه شك فليمض على يقينه) وقدمر الاشكال فيه سنداً ودلالة. ومنه رواية اسحاق بن عمار (اذا شككت فابن على اليقين، قلت هذا أصل قال: نعم). وقدمر الاشكال في دلالته وسنده أيضاً. ومنه ذيل صحيحة زرارة الثالثة (فان ظننت انه اصابه فنظرت فلم أر شيئاً قال: تغسله ولا تعيد. قلت ولم؟ قال: لانك كنت على يقين من طهارتك وشككت ولا ينبغي لك ان تنقض اليقين بالشك) وقدمرّ الاشكال في دلالته أيضاً.
وأما القسم الثاني فهو جملة (لا تنقض اليقين بالشك) فانها تدل على حجية الاستصحاب قطعاً وإنما الكلام في اطلاقه وشموله بالنسبة الى قاعدة اليقين. فذهب الشيخ والمحققان النائيني العراقي الى عدم امكانه ثبوتاً. وذهب جماعة من أعاظم العصر الى عدم مساعدة القرائن المحتفة بالكلام لارادة الاطلاق منها وان امكن ذلك ثبوتاً. وهنا احتمال ثالث وهو التمسك بالاطلاق بعد دفع الاشكالات. وعليه فالبحث في مقامين: مقام الثبوت ومقام الاثبات.
أما في المقام الأول: فالظاهر أن جعل الكبرى الواحدة المتكفلة لبيان القاعدتين لا اشكال فيه ثبوتاً بأن يحكم الشارع مثلاً بعدم الاعتناء بالشك بعد اليقين سواء كان متعلق اليقين متحداً مع متعلق الشك حتى في الزمان أو مختلفاً معه من هذه الجهة فيشمل القاعدتين. وبعبارة اُخرى لا يعتنى بالشك بعد اليقين سواء كان سارياً او طارئاً ولا محذور فيه عقلاً.
ولكن قد بين الشيخ والمحققان النائيني والعراقي وجوهاً للمنع عن ذلك. وقد تصدى لدفعه السيدان الخوئي والخميني «أيدهما الله» بما لا نحتاج الى ذكره والبحث عن خصوصياته بعد صحة أصل المدعى.
إلا أنه يمكن ان يستدل لما ذكره الشيخ بما لم يذكره في وجوه المنع وهو أن اليقين على مسلكه مستعمل في المتيقن ولذا ذكر أن المصحح للتعبير بالنقض هو كون المتيقن أمراً مبرماً ومن هنا ذهب الى عدم شمول دليل الاستصحاب لموارد الشك في المقتضي على ما مر تفصيله في اوائل الاستصحاب وعليه فان اريد من الدليل كلتا القاعدتين لابد ان يراد به المتيقن بلحاظ الاستصحاب ونفس اليقين بلحاظ قاعدة اليقين فان مورد النقض وعدمه فيها هو نفس اليقين فيلزم منه استعمال اللفظ في اكثر من معنى.
والجواب عنه أولاً: ان استعمال اللفظ في أكثر من معنى ليس مستحيلاً بل هو واقع ولذا لم نتعرض في محله لجواب أدلة الاستحالة وانما اكتفينا بذكر موارد الوقوع وأدل دليل على امكان الشيء وقوعه. وقد ذكر المرحوم الشيخ محمد رضا أبو المجد في رسالة له في ذيل كتابه وقاية الاذهان موارد عديدة لهذا الاستعمال. ومنها قول الشاعر: (أيّ المكان تريد ثم من الذي تمشي إليه اجبته المعشوقاً) فان المراد بالمعشوق مكان وهو قصر المتوكل بسامراء وانسان وهو حبيبه. نعم هو مخالف للمتعارف فلابد من اقامة قرينة عليه.
وثانياً: ان هذا الاشكال يبتني على أن يكون المستعمل فيه في المجازات غير ما وضع له فيختلف المستعمل فيه في المقام وهو غير صحيح بل المستعمل فيه دائماً هو نفس الموضوع له إلا أن التطبيق في النفس مختلف في موارد الحقيقة والمجاز ولذا يصح الاضراب في قولنا (زيد شجاع بل اسد). ويصح التعجب في قوله (قامت تظللني من الشمس ــ نفس اعز عليّ من نفسي . قامت تظللني ومن عجب ــ شمس تظللني من الشمس) فلو كان المراد من الأسد الشجاع لم يكن وجه للاضراب ولو كان المراد من الشمس الجسم الانساني المشار إليه لم يكن وجه للتعجب.
أما المقام الثاني فالقرائن على اختصاص الأدلة المعبرة بـ (لا تنقض اليقين بالشك بموارد الاستصحاب أربعة:
القرينة الأولى: قوله عليه السلام (ولا ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك ابدا) فانه اشارة الى أن القاعدة المراد تأسيسها قاعدة عقلائية فهو يمنع من انعقاد الاطلاق وذلك لما ذكرناه سابقاً من أن الاستصحاب أمر مرتكز عند العقلاء وأما قاعدة اليقين فليست قاعدة عقلائية.
والجواب عنه يتوقف على البحث في أن التناسب الملحوظ بين اجزاء الكلام هل يلاحظ باعتبار المعاني الاستعمالية أم المعاني الجدية؟
الصحيح أن الارتباط بين اجزاء الكلام إنما يلاحظ بحسب المعاني الاستعمالية سواء كان بلحاظ المعنى الجدي متناسباً أم لا؟ ولذا صح التعجب في الشعر السابق فانه لا يناسب المعني الجدي إذ لا عجب في تظليل جسم الانسان من الشمس وإنما يناسب المعنى الاستعمالي. وفي قولنا زيد كثير الرماد إنّما صح التعبير بالكثرة باعتبار المعنى الاستعمالي وأما المراد الجدي وهو الجود فلا يناسب الكثرة. وقد ذكرنا أن جملة لا تنقض اليقين بالشك من قبيل الاستعارات وأن المراد الجدي هو بيان اعتبار اليقين بالحدوث يقيناً بالبقاء وإذا امكن إرادة المعنى الأعم فيعتبر في المرحلة السابقة على الاعتبار الأدبي اعتباران: احدهما أن اليقين بالشيء باقٍ بنحو التوسعة في الكشف فينشأ منه الاستصحاب والآخر أن الكاشف باق فتنشأ منه قاعدة اليقين ثم يعبر بانه لا ينبغي أن تنقض اليقين بالشك ولا يلاحظ في تناسب (ينبغي) مع كلمتي اليقين والشك التناسب من جهة المعنى الجدي وهو إرادة المعنى الأعم من القاعدتين بل يلاحظ من جهة المعنى الاستعمالي. واليقين في المرحلة الاستعمالية مستعملة في معناها الحقيقي فتناسبه كلمة (لا ينبغي) أي لا يتيسر لك ان تنقض اليقين وهو أمر مبرم بالشك وهو أمر غير مبرم وان لم يناسب المعنى الجدي باعتبار ان قاعدة اليقين قاعدة مستحدثة فان المعنى الجدي حتى في الاستصحاب لا يناسبه التعبير من جهة أخرى وهو النقض إذ من يخالف الاستصحاب لا ينقض اليقين حقيقة فان المفروض أنه شاك فعلاً وإنما يناسب التعبير بالنقض مع المراد الاستعمالي من كلمة اليقين ويراد بالمجموع ابراز الاعتبار النفسي وهو أن اليقين بالحدوث يقين بالبقاء اعتباراً.
فتحصل أن مناسبة لا ينبغي إنما تلاحظ مع المعنى الاستعمالي لليقين وهو حاصل.
القرينة الثانية : وهي ما ذكره المحقق الخراساني في حاشيته على الرسائل وتبعه أكثر من تأخر عنه. وبيان ذلك ان كل ما أخذ موضوعاً لحكم في قضية فانما يلاحظ بالفعل كما هو مقرر في المنطق ومعنى ذلك أن الموضوع لابد أن يكون موجوداً في حال الجري والنسبة. وعليه فإذا قال لا تنقض اليقين بالشك وأراد الاستصحاب فقط فاليقين والشك موجودان بالفعل إلا أن متعلق اليقين الحدوث ومتعلق الشك البقاء ولكنه إذا أراد قاعدة اليقين فاليقين غير موجود في زمان الجري وإنما كان موجوداً وانعدم.
والجواب عنه يظهر مما تقدم. وذلك لان اليقين وان لم يكن باقياً بحدوده التكوينية إلا أنه غير معتبر وإلا لم يصح التعبير حتى في الاستصحاب فانه ليس باقياً فيه أيضاً وإنما المعتبر بقاؤه بحدوده الاعتبارية أي بعد اعتباره في النفس في المرحلة السابقة باقياً بنحو التوسعة في الكشف أو ابقاء الكاشف أو المعنى الأعم من الأمرين وهو بهذه الحدود الاعتبارية باقية في المقامين .
القرينة الثالثة : ما ذكره الشيخ قدس سره وتبعه السيد الخوئي «أيده الله» وهو أن جعل قاعدة اليقين لغو بلحاظ نسبتها مع نسبة الاستصحاب.
توضيحه: أن دليل القاعدة لو كان مغايراً لدليل الاستصحاب امكن التمسك بقاعدة اليقين سواء كانت النسبة عموماً من وجه أو عموما مطلقاً ولا يلزم منه محذور اللغوية وذلك لأن النسبة ان كانت عموماً مطلقاً يبقى للاستصحاب موارد كثيرة وان كانت عموماً من وجه دخلت المسألة في التعارض بالعموم من وجه ومن مرحجات ذلك الباب أن يكون المجمع بحيث لو أدخل تحت أحدهما لم يبق للآخر مورد إلا نادراً فلابد من ادخاله تحت الآخر وقد عرفت ان مسلك القوم أن مورد افتراق قاعدة اليقين نادر فلابد من ادخال مورد الاجتماع أيضاً في دليل قاعدة اليقين إلا أن أدلة قاعدة اليقين المستقلة مخدوشة إما سنداً وإما دلالة كما مرّ. وأما ان كان دليل القاعدة متحداً مع دليل الاستصحاب كما هو المفروض وقلنا بأن النسبة بينهما عموم من وجه ففي مورد توافقهما لا أثر لقاعدة اليقين وفي موارد تخالفهما يتعارضان ويتساقطان فلا أثر أيضاً لها وفي مورد افتراقها يصح التمسك بها إلا أنها موارد نادرة وقد ذكر السيد الخوئي على ما في مباني الاستنباط أن حمل المطلق على الفرد النادر قبيح.
ولا يخفى أن ما ورد في مباني الاستنباط من تعارضهما في مورد التخالف وتساقطهما غير صحيح لما مر آنفا من أن عدم امكان التعبد بالضدين كالقرينة المتصلة الدالة على عدم شمول الدليل لموارد التعارض بالذات إذا كان الدليل المتكفل لبيان القاعدتين واحداً كما هو المفروض.
والجواب عن هذه القرينة أن قبح حمل المطلق على الفرد النادر إنما هو في ما إذا قلنا بأن المراد بالمطلق خصوص الفرد النادر من جهة شدة التخالف بين مقام الإثبات ومقام الثبوت بحيث يستهجن عرفاً ذكر المطلق وإرادة هذا الفرد كاستهجان تخصيص الأكثر . وأما إذا قلنا بأن المطلق يشمل الفرد النادر أيضاً فلا قبح فيه أصلا. والمدعى أن قوله عليه السلام (لا تنقض) يشمل بجامع واحد كلتا القاعدتين وقد ذكر السيد الخوئي نظير ذلك في (رفع مالا يعلمون) حيث التزم بما هو الصحيح من جريان استصحاب عدم التكليف وان بقي لجريان البراءة الشرعية مورد نادر لما هو المسلم عندهم من تقدم الاستصحاب على البراءة حتى في صورة التوافق وسيأتي الكلام فيه البحث الآتي ان شاء الله تعالى.
القرينة الرابعة: وهذا هو الوجه المختار ويتوقف بيانه على مقدمتين:
المقدمة الاُولى: أن مرجع التمسك بالاطلاق اللفظي الى التمسك باصالة التطابق بين القضيتين اللبية واللفظية بحسب الحدود بعد التطابق بحسب الموضوع فاذا ورد في القضية اللفظية (اعتق رقبة) لابشرط واحتملنا أن يكون الموضوع في القضية اللبية هو الرقبة لا بشرط فيطابق اللفظ أو بشرط شيء أو بشرط لا فأصالة التطابق يقتضي الأخذ بنفس الموضوع المذكور في القضية اللفظية فمبنى التمسك بالاطلاق اللفظي هو إحراز وحدة الموضوع بذاته في القضيتين ثم التمسك بأصالة التطابق من حيث حدود الموضوع بينهما. وكذلك الكلام في الإطلاق من جهة المحمول. وهذا بخلاف التمسك بالاطلاق المقامي فإنه لا يتوقف على احراز الماهية المشتركة كما ذكرنا في الاطلاق اللفظي فإذا قال: (أكرم زيداً واخاه وعمراً وأخاه وبكراً) فبقرينة كونه في مقام بيان تفصيل من يجب إكرامه نستكشف عدم وجوب إكرام أخي بكر. هذا والاطلاق المدعى في المقام هو من القسم الأول.
المقدمة الثانية: أن احدى الظواهر الاجتماعيّة المتأصلة هي بيان المقاصد بنحو الاستعارة والكناية. وهذا أمر مشترك في جميع الحضارات. والقضية اللفظية تخالف القضية اللبية في هذه الموارد إذ المفروض أن المتكلم لم يصرّح بمقصوده. وهذا أمر ترغب إليه النفوس البشرية وله اُصول في النفس ولا يختص ذلك بالكنايات الأدبية بل حتى التلقينات النفسية المذكورة في علم الطب النفسي من هذا الباب أيضاً فيصور الانسان المريض نفسه بمظهر الانسان الصحيح للتأثير في النفس. بل ومنه الاحلام أيضاً فانها عبارة عن تجلي الاُمور الواقعية في النفس بغير صورها الاصلية فيظهر العلم مثلاً بصورة شرب اللبن.
ثم ان الاعتبارات الأدبية تختلف بحسب اختلاف الحضارات البشرية فكان التعبير بالحمار مثلاً في بعض الحضارات السابقة دالاً على تحمل المشاق والصبر والمقاومة ومن هنا وصف مروان الخليفة الأموي بالحمار ثم اصبح هذا التعبير دالاً على البلادة والحمق. ومن هنا كانت التعابير الأدبية حاكية عن ثقافة المجتمع وحاكية عن وضعها الإجتماعي ولذا قيل إن قول الإمام أميرالمؤمنين عليه السلام (أما والله لقد تقمصها ابن أبي قحافة وإنه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى ينحدر عني السيل ولا يرقى الى الطير) يدل على نوعية بيئته والمنطقة التي كان يعيش فيها وانها كانت منطقة جبلية وهي مكة المكرمة. وعليه فلا يلاحظ التناسب بين المعنى الحقيقي والكنائي بحسب ذوقنا وثقافتنا بل لابد من ملاحظة التناسب بينهما في زمان صدور الكلام وطريقة التعبير آنذاك.
إذا عرفت ذلك فنقول: قضية (لا تنقض اليقين بالشك) من هذا القبيل بمعنى أن القضية اللفظية مغايرة للقضية اللبية فإن المراد الجدي لم يتعلق بنفس اليقين والشك فإن من يخالف الاستصحاب أو يخالف قاعدة  اليقين لا ينقض يقيناً بشك بل المراد الجدي إما هو بيان اعتبار اليقين باقياً وان شك فيه فيكون قاعدة اليقين أو بيان اعتبار اليقين بالحدوث يقيناً بالبقاء فيكون الاستصحاب أو بيان الأمرين بجامع. وانما يعلم هذا المراد الجدي بدلالة الاقتضاء بعد العلم بعدم إرادة المعنى الاستعمالي وهو النهي عن نقض اليقين بالشك أي الوسوسة والقلق النفسي كما في بعض الروايات.
اذا تبين أن القضية اللفظية هنا مخالفة للقضية اللبية تبين أن لا مجال للتمسك بالاطلاق اللفظي لاختصاصه كما عرفت بصورة اتحاد القضيتين موضوعاً ومحمولاً وكون الشك في أخذ كل منهما (لا بشرط) أو (بشرط شيء) أو (بشرط لا) .
وحينئذ فلابد أن يكون المراد الجدي أحد الاُمور الثلاثة: قاعدة اليقين أو الاستصحاب أو المجموع منهما ولابد في تعيينه من مواجعة التعابير المشابهة في المجتمع الذي صدر فيه هذا القول. ومن المعلوم أن الاستصحاب مراد من هذه الجملة بقرينة ورودها في موارد لا يحتمل الا الاستصحاب كما هو مورد روايات الباب فهو متيقن وإرادة غيره غير معلومة فلا وجه للقول به تمسكاً بالاطلاق أو بمجرد تناسبه مع إرادة المجموع أو إرادة خصوص القاعدة.


الأمر الثالث مما يذكر في الخاتمة
تقدم الامارات على الاُصول

والاقوال فيه ثلاثة:
القول الأول: التقدم مطلقاً كما هو الرأي المشهور بين المتأخرين.
القول الثاني: تقدم الامارة المخالفة دون الموافقة كما هو المستفاد من بعض كلمات صاحب الكفاية واخترناه سابقاً.
القول الثالث: التعارض وعدم تقديم أحدهما على الآخر كما هو ظاهر كلام السيد بحرالعلوم في مبحث استصحاب حكم المخصص على ما حكاه الشيخ.
ثم القائلون بالتقديم اختلفوا في انه من باب التخصيص أو الورود أو الحكومة. ولابد قبل البحث من توضيح هذه المصطلحات وله بيان اجمالي وتفصيلي.
أما البيان الاجمالي فهو أن الحكم إذا ثبت بدليل لفظي كقوله أكرم العلماء فقد يخرج منه بعض الافراد وقد يدخل فيه أفراد أخر. وكل من هذا الخروج والدخول له اقسام. فالخروج قد يكون تكوينياً وقد يكون تعبدياً. والتكويني قد يكون بلا معونة من التعبد وقد يكون بمعونة منه والتعبدي قد يكون بلسان المعارضة وقد يكون بلسان المسالمة.
فإن خرج فرد من العموم خروجاً تكوينياً بلا معونة من التعبد يعبّر عنه بالتخصص كخروج الجاهل من العامّ المذكور.
وان خرج بمعونة منه يسمى بالورود التضييقي كخروج الخبر الواحد مثلاً  عن عموم القاعدة العقلية القاضية بقبح العقاب بلا بيان خروجاً تكوينياً لأنه بيان واقعاً إلا أن كونه بياناً يتوقف على دليل حجيته فهو بمعونة من التعبد.
وان خرج خروجاً تعبدياً بلسان المعارضة يعبّر عنه بالتخصيص كما إذا قال أكرم كل عالم ثم قام الدليل على ثبوت حكم مضاد أو مناقض لبعض أفراد العالم كقوله: لا يجب أكرام العالم الفاسق أو يحرم إكرام العالم الفاسق.
وان خرج  خروجاً تعبدياً بلسان المسالمة يعبّر عنه بالحكومة التضييقية كما إذا قال في المثال السابق العالم الفاسق ليس عالماً. فالنتيجة العملية متحدة مع نتيجة التخصيص إلا أنه تعبير أدبي ونفي للحكم بلسان نفي الموضوع والسرّ في اختياره أن الحكم الأوّل قد تركز في اذهان المكلّفين اما بلحاظ التناسب العرفي الوثيق بين الموضوع والحكم واما بلحاظ الاهتمام به في الاعلام بحيث يصعب عليهم قبول نفيه عن بعض الأفراد بالصراحة فيختار الشارع الحكيم طريقاً لبيان مقصوده لا يجرح عواطفهم وشعورهم تجاه الحكم الأول.
وأما دخول فرد في العام فقد يكون تكوينياً بلا معونة من التعبد وهذا ليس له اسم خاص كما إذا أصبح الجاهل عالماً.
وأما الدخول التكويني بمعونة من التعبد فيعبّر عنه بالورود على وجه التوسعة كأدلة حجية الحجج بالنسبة الى حكم العقل بحسن العقاب مع البيان.
وأما الدخول التعبدي المحض فيعبر عنه بالحكومة على وجه التوسعة كما إذا قال بعد قوله أكرم العلماء: المتقي عالم. وهذا أيضاً تعبير أدبي ينتخبه المشرع للتأثير في العواطف والمشاعر العمومية بالنسبة الى الحكم الأول والاستفادة منها في جعل الحكم الثاني فهو في الحقيقة جعل للحكم بلسان جعل الموضوع. ونظير هذا كثير في الاعتبارات الادبية ولا يختص بالتشريعيات فمنه قولك زيد أسد فان شهرة الاسد بالفتك وخوف الناس منه أصبح سبباً لتأثير هذا الاسم في مشاعرهم فيستفيد منها المتكلم للتعبير عن فتك أحد وشجاعته.
فتبين أن الحكومة التضييقية ليس إلا بياناً لأوسعية مقام الاثبات عن مقام الثبوت وأن العموم ليس بمراد واقعاً ولكن الحكومة على وجه التوسعة جعل لحكم جديد ولكنه بلسان جعل الموضوع.
وأما البيان التفصيلي فيتم في ضمن مباحث:
المبحث الأول في الفرق بين التخصيص والحكومة على وجه التضييق والكلام في جهات:
الجهة الاولى: أن التخصيص يتوقف على وجود قضية لفظية يتكفل لبيان الحكم على عنوان عام ووجود قضية اُخرى أو دليل عقلي يتضمن بيان انتفاء الحكم عن بعض الافراد ولكن الحكومة على وجه التضييق على ثلاثة أقسام:
القسم الأول ما يشارك التخصيص في الظاهرة المذكورة وهو ما تبين من البيان الاجمالي ويسمى بالحكومة الواقعية.
القسم الثاني ما لا يتوقف على وجود قضية عامة ليتكفل الدليل الحاكم بيان أوسعية مقام الاثبات عن مقام الثبوت بل قد لا يكون هناك عام أصلاً كقوله عليه السلام (كل شيء لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه) وقوله صلى اللّه عليه وآله وسلّم (رفع ما لا يعلمون) بناءً على ما فسرناه به من أن الحكم الثابت في الواقع اذا لم يصل إليكم ما يثبته فوجوده كعدمه.
فالمعتبر في القسم الأول أن يكون هناك قضية عامة والمعتبر في الثاني أن لا يكون لنا دليل يثبت الحكم. وهذا القسم من الحكومة يسمى الحكومة الظاهرية وهي تنزيل الحكم الموجود في الواقع غير الثابت بدليل منزلة عدمه وهي مفاد هاتين القاعدتين (كل شيء حلال..) و(رفع مالا يعلمون). والسرّفي هذا التشريع أيضاً هو التأثير في المشاعر النفسية وذلك لأن محتمل الحرمة لو تكرر من المكلف إرتكابه بلا معذّر شرعي يستوجب تجرؤه على المحرمات المنجّزة فانشاء المعذر الشرعي في هذه الموارد لمنع جرأته على المحارم.
فظهر أن الفرق بين الحكومة الواقعية والحكومة الظاهرية أن الأولى تنفي الحكم واقعاً بلسان نفي الموضوع والثانية تنفي الحكم تنزيلاً فهو نفي لاثر الحكم ــ وهو التنجز ــ بلسان نفي الحكم.
وتبين بذلك أن لاوجه لما استشكله بعض الاعاظم على المحققين من أنه لا وجه لتقسيم الحكومة الى واقعية وظاهرية إذ لا أثر لهذا التقسيم ولابد في التقسيم من اختلاف الاقسام من حيث الآثار.
القسم الثالث: ما ليس فيه تنزيل كما كان في القسمين السابقين فإن القسم الأول تنزيل للعالم مثلاً منزلة الجاهل والقسم الثاني تنزيل للحكم منزلة عدمه فمرجعها في الحقيقة الى سلب حد الطبيعي عن بعض افراده اعتبارا بخلاف هذا القسم فإنه كالتخصيص نظير قوله صلى اللّه عليه وآله وسلّم (لا ضرر ولا ضرار) فإن مفاده انتفاء الحكم الذي ينشأ منه الضرر على ما قويناه تبعاً للشيخ فليس فيه تنزيل لتقوّم الحكومة التنزيلية بوجود الحكم واقعاً والمفروض أن مفاده نفي الحكم واقعاً. والفرق بينه وبين التخصيص أن المخصص لا ينظر الى الدليل العام وفي الدليل الحاكم هنا يلاحظ الدليل المحكوم.
والحاصل أن القسم الأول والثالث من الحكومة التضييقية كل منهما يختص بظاهرة من ظواهر التخصيص دون الآخر وبذلك يظهر الفرق بين الثلاثة. فالقسم الأول يشارك التخصيص في إخراج فرد من افراد الطبيعي عن الحكم العام الثابت بقضيّة لفظية إلا أن أحدهما بلسان نفي الحكم والآخر بلسان نفي الموضوع. والقسم الثالث يشارك التخصيص في أنه نفي للحكم لا من جهة التنزيل إلا أن الدليل المخصص لا ينظر الى العام فإن قوله لا تكرم العالم الفاسق ليس فيه ملاحظة لقوله أكرم العلماء والدليل الحاكم يلاحظ الحكم الثابت بالدليل المحكوم فينفيه فان قوله صلى اللّه عليه وآله وسلّم (لا ضرر ولاضرار) يلاحظ كل حكم ضرري من الأحكام الثابتة بالأدلة العامة فينفيه.
الجهة الثانية أن الحكومة التضييقية المشتملة على التنزيل قد يكون تصرفاً في عقد الوضع إما في موضوع الحكم كقوله الفاسق ليس عالماً وإما في متعلقة كقوله لا ربا بين الوالد والولد وقد يكون تصرفاً في عقد الحمل وهو ينحصر في القسم الثاني لما بيناه من أن القسم الثالث لا يشتمل على التنزيل نعم ان قلنا بأن القسم الثالث يشتمل على تنزيل أيضاً فقاعدة لا ضرر ولا حرج مثال للتصرف في عقد الحمل كما قيل. وأما التخصيص فليس إلا نوعاً واحداً.
الجهة الثالثة: أن المخصص قد يكون لفظاً وقد يكون دليلاً عقلياً بمعنى أن العقل قد يدرك بأن مقام الاثبات أوسع من مقام الثبوت فإذا قال الشارع (يجب الاستهلال) يدرك العقل بأن هذا الحكم لا يشمل المكفوفين فهو كاشف عن هذا الأمر وليس هذا تصرفاً في موضوع حكم الشارع. وهذا المخصص يسمى مخصصاً لبياً.
وأما الحكومة  على وجه التضييق فلا اشكال في تحققها في الأدلة الشرعية وأما العقل فلا يعقل في أحكامها الحكومة التضييقية فإنها كما عرفت تعبير أدبي عن التخصيص والعقل ليس إلا مدركاً لواقع التخصيص وليس له اختلاف في التعبير حتى يلاحظ تناسب الحال ويصرّح تارة ويرمز أخرى.
إنّما الكلام في أن الأحكام العقلائية الممضاة من الشارع هل لها قابلية الحكومة على وجه التضييق أم لا ؟ وقد ذهب بعض الاعاظم أنها كالاحكام العقلية ليست لها قابلية الحكومة. ولذا اعترض على المحققين قولهم بأن الامارات مقدمة على الاُصول بالحكومة التضييقية مع أنّ حجيتها من باب بناء العقلاء.
ولكن الصحيح أن العقلاء لو سلمنا بناءهم على حجية خبر الثقة مثلاً واعتبروها كالعلم وامضى الشارع هذا الحكم العقلائي كان هذا الحكم حاكماً على دليل حجية الاستصحاب مثلاً. والمنع عن ذلك يستند الى الخلط بين حكم العقل وحكم العقلاء وقد عرفت وجه عدم حكومة الاحكام العقلية وأما الاحكام العقلائية فلا مانع من أن تكون مشتملة على اعتبار نفسي فهم يدركون أن العلم هو الاحتمال الجزمي 100% وأن خبر الثقة لا يفيد ذلك الجزم والقطع ولكنهم لمصالح اجتماعية يعتبرون في أنفسهم خبر الثقة علماً والتنزيل لا يتوقف على البيان اللفظي وإنما يتقوم بالاعتبار النفسي. وقد ذكرنا أن الكنايات والاعتبارات الأدبية مبرزة للإعتبارات النفسية وهي كما يمكن أن تبرز باللفظ كذلك يمكن أن تبرز بالفعل والاعتبارات الأدبية ليست إلا تجليا للاُمور بغير صورها الواقعية إما في منطقة اللاشعور كما في الاحلام إن لم تكن مرتبطة بما وراء الطبيعة ومن إلقاءات الملائكة وإما في منطقة الشعور كاعتبار خبر الثقة علماً. والانسان بما إنه موجود منطقي لا يعتقد بأنها علم لأنه يرى أن احتمال الخلاف فيها موجود ولكنه بما انه موجود احساسي يعتبرها علماً. والجري العقلائي ليس هذه الحركة المحسوسة في المجتمع فحسب وإنما هو مسبوق بعمل نفسي لابد من ملاحظته في كل مورد.
الجهة الرابعة: أن التخصيص يتوقف على ملاحظة النسبة بين المخصص والعام وأما الحكومة التضييقية فلا تتوقف على كون الدليل الحاكم اخص من المحكوم سواء في ذلك ما يشتمل على التنزيل وما لا يشتمل كدليل لا ضرر بناءً على ما ذكرناه في محله من أنه ليس تصرفاً في عقد الحمل كما ذكره المحقق النائيني واتباعه.
الجهة الخامسة: أن بعض الأدلة تأبى التخصيص بملاحظة شدة تناسب الحكم والموضوع فيها عرفاً أو تأكيد الشارع في بيانها كقوله تعالى (إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا..) أو قوله صلى اللّه عليه وآله وسلّم (لا ضرر ولا ضرار) وكقوله تعالى (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ). وفي هذه الموارد يلجأ الشارع الى الحكومة والحكومة لا مانع منها في هذه الموارد إذ لا تمس الشعور العرفي تجاه الحكم الأول.
وبهذا الوجه اجبنا عن الإعتراض الذي ذكره بعض الاعاظم ردّاً على الشيخ في قوله بأن (لا ضرر) نفي للتسبيب الى الحكم الضرري. فاعترض عليه بأن تعبير لا ضرر حينئذ يأبى عن التخصيص مع أنا نرى بالضرورة ورود التخصيص عليه كثيراً في أحكام الخمس والزكاة والجهاد وغيرها. فاجبنا عنه بأن هذا التعبير لا يأبى الحكومة على وجه التضييق لو سلمنا كون هذه الاحكام ضررية وتفصيله في محله.
الجهة السادسة: أن المحقق النائيني ذكر فرقاً آخر بين التخصيص والحكومة على وجه التضييق على ما نقل في أجود التقريرات وهو أنا لو شككنا في التخصيص يجوز التمسك بالعام وأما لو شككنا في الحكومة لا يجوز التمسك به لأنه تمسك بالعام في الشبهة المصداقية إذ لا فرق في ذلك بين احتمال انتفاء المصداق تكويناً أو تعبداً.
ولكن في هذا الوجه تأمل فإن الموضوع محمول على المصاديق التكوينية ولا فرق بين التخصيص والحكومة في بيان أوسعية مقام الاثبات عن الثبوت ولا أثر لاختلاف التعبير من هذه الجهة. والعرف يقضي بالتمسك بالعام ما لم يثبت الأوسعية المذكورة مطلقاً.
المبحث الثاني : في بيان الفرق بين الورود التضييقي والمجموع من التخصيص والحكومة التضييقية.
ذكرنا أن الورود التضييقي نفي للموضوع تكويناً بمعونة من التعبد وذلك لا يتوقف على كون الدليل المورود ذا مقامين مقام الاثبات ومقام الثبوت بخلاف التخصيص والحكومة التضييقية فإنهما يتكفلان لاثبات أوسعية مقام الاثبات عن مقام الثبوت.
ويتفرع على ذلك أن الدليل المورود قد يكون قضية عقلية وقد يكون قضية شرعية فالأول كالمثال الذي ذكرناه وهو ورود أدلة حجية الحجج على دليل قبح العقاب بلا بيان والثاني كما إذا شرع في القانون أن كل مواطن له حق الانتخاب في المجلس التشريعي ثم شرع في قانون آخر أن كل من تجسس لدولة اجنبية مثلاً تسلب عنه الجنسية وحينئذ لا يحق له الانتخاب طبعاً إلا أن ذلك يتوقف على كون الموضوع في الدليل العقلي أو الشرعي المورود ملحوظاً بحدوده الاعم من الحدود الاعتبارية والتكوينية وإلا فلو كان موضوع قبح العقاب بلا بيان البيان التكويني أو موضوع حق الانتخاب المواطن التكويني لم يكن أثر للدليل المثبت للبيان أو النافي للمواطنة اعتباراً.
وأما التخصيص والحكومة التضييقية فيختصان بالأحكام التشريعية فإن الاحكام العقلية ليس لها مقامان بل مقام الثبوت فيها عين مقام الاثبات وهو حضورها في النفس ولذا قالوا إن الاحكام العقلية لا تقبل التخصيص فليس المراد منه أن الأحكام العقلية واسعة الشمول بل هي بسعتها وضيقها حاضرة عند النفس فلا معنى لتخصيصها.
المبحث الثالث: في الفرق بين الورود على وجه التوسعة والحكومة على وجه التوسعة.
الورود التوسعي كما ذكرنا عبارة عن ايجاد الموضوع تكويناً بمعونة من التعبد ولابد كما عرفت من كون الموضوع في الدليل المورود اعم من المعنى الاعتباري والتكويني. وأما الحكومة التوسعية فهي عبارة عن انشاء حكم جديد بلسان تحقق الموضوع ولابد في الحكومة على وجه التوسعة من كون الموضوع ملحوظاً بحدوده التكوينية والمحمول حكماً قابلاً لجعل المماثل له وكلاهما ممكنان في الأحكام الشرعية أما الورود كما إذا شرع في المثال السابق (أن كل من ولد على ارض الوطن يعتبر مواطناً). وأما الحكومة فامثلتها كثيرة. وأما في الاحكام العقلية فلا اشكال في امكان الورود فيها كأدلة حجية الحجج بالنسبة الى حسن العقاب مع البيان بناءً على أن الموضوع للحكم العقلي هو البيان بالمعنى الاعم من التعبدي والتكويني.
إنّما الكلام في امكان الحكومة في الاحكام العقلية فيما إذا كان الموضوع موضوعاً تكوينياً. وقد أنكره السيد الخوئي ↔أيده الله≈ على ما يستفاد من مباني الاستنباط حيث ادعى أن تقدم الامارات على الاستصحاب من باب الحكومة. ثم اعترض على نفسه بأن الشك مأخوذ في حجية الامارات كما هو مأخوذ في حجية الاستصحاب ايضا فما وجه تقديمها عليه؟ وأجاب بأن الشك في الاستصحاب مأخوذ في لسان الدليل فلا مانع من رفعه بدليل حجية الامارة ولكنه في الامارة مأخوذ بحكم العقل حيث يحكم بعدم امكان جعل الامارة لمن كان عالماً وجداناً بالخلاف. فلا يعقل تقدم دليل حجية الاستصحاب عليه وإلا تلزم الحكومة في الاحكام العقلية.
وفي هذا تأمل والحق التفصيل بين الاحكام العقلية فما كان منها لا تناله يد الجعل وكان الموضوع فيها ملحوظاً بحدوده التكوينية فلا يمكن فيها الحكومة ولا الورود كالمنجزية والمعذرية للقطع بناءً على اختصاصهما بالقطع التكويني وعدم امكان جعلهما تعبداً ابتداءً أما عدم امكان الورود فيها لأن الموضوع تكويني وأما عدم امكان الحكومة فيها لعدم امكان جعل المنجزية والمعذرية ابتداءً فانها من مختصات القطع ومن المدركات العقلية الواقعية فلا تخضع للتعبد ابتداءً ومن هنا اعترض على المحقق الخراساني في قوله بجعل المنجزية والمعذرية في الامارات. وأما إذا كان الحكم العقلي مما يمكن جعله تعبداً فلا مانع من الحكومة فيها. وله مثالان:
الأول: حكم العقل بتقييد موضوعات الاحكام الشرعية بالقدرة. وهو المعبر عنه بالمخصص اللبي فان العقل يدرك أن كل حكم شرعي واقعي لا يشمل العاجز لعدم امكان ايجاد الداعي والزاجر فيه وهو الغرض من جعل الاحكام الشرعية. ومرجع ذلك الى درك العقل تضييق الحكم الشرعي لئلا يشمل العاجز. ولا مانع حينئذ من اعتبار الشارع بعض القادرين عاجزاً كمن كان الحكم بالنسبة إليه حرجياً مثلاً فإن مرجع ذلك الى تحديد دائرة الحكم الذي انشأه أكثر مما حدّده العقل وهذا لا ينافي التحديد العقلي.
الثاني: حكم العقل في موارد جعل الحجية للامارات شرعاً بتقيده بعدم كون المكلف عالماً بالخلاف لعدم امكان تعبده بالامارة حينئذ ولا مانع في مثل ذلك من اعتبار الشارع من قامت عنده البينة مثلاً عالماً فان ذلك يرجع الى تضييق مورد حجية سائر الامارات أكثر من التضييق العقلي.
كما إنه لو كان الحكم العقلي في المثالين ايجابياً كما لو حكم بان الحكم الشرعي خاص بالقادرين اوحجية الامارات خاصة بالشاك.. فلا مانع ايضا من اعتبار الشارع من كان في حرج غير قادر ومن قامت عنده البينة غير شاك إذ لا فرق بين الصيغة الايجابية والصيغة السلبية والمناط هو المؤدى وإن كانت الحكومة في الأولين على وجه التوسعة وفي الثانيين على وجه التضييق.
فظهر مما ذكرنا امكان جعل الحكومة في حكم العقل بعدم امكان جعل الامارة للعالم بالخلاف فان موضوعه العالم بالمعنى الاعم من الوجداني والتعبدي وما نسب الى السيد الخوئي ↔أيده الله≈ في مباني الاستنباط من أن الموضوع هو العالم الوجداني وأن العقل يجوز جعل الامارة لمن كان عالماً بالخلاف تعبداً غير صحيح فإن ذلك يقتضي امكان التعبد بالنقيضين مع أنه يمكن الورود حينئذ.
ثم اعلم أن هذه الاُمور اُمور عقلائية وان لم تكن عندهم هذه المصطلحات فالمهم في تشخيص هذه المعاني الدقة في الترجمة الحرفية لافكار العقلاء فلا يهمنا إذا كان بعض ما ذكرناه مخالفاً لما ذكره الاُصوليون أو بعضهم فاننا لسنا بصدد ترجمة مصطلحاتهم مع اختلافهم في بيانها وإنما المقصود بيان هذه المعاني حسب مرتكزات العقلاء.
الى هنا انتهينا من توضيح هذه المصطلحات فلنشرع في بيان تقدم الامارات على الاستصحاب والبحث تارة في الامارات المخالفة لمؤدى الاستصحاب وتارة في الموافقة له فالبحث في مقامين:
المقام الأول: في الامارة المخالفة لمؤدى الاستصحاب ولها صور أربع:
الصورة الاُولى: ان تكون كل من الامارة والاستصحاب مما بنى على حجيته العقلاء كما هو المختار في الاستصحاب ومختار جماعة في خبر الثقة وفي هذه الصورة لابد من مراجعة العقلاء في كونهما مرتبين وان أيّاً منهما مقدم عندهم فإنا نرى أنهم يقدمون الاقرار على اليد والبينة على الاقرار فإذا كان الاستصحاب مثلاً معتبراً عندهم بشرط عدم قيام البينة أو اخبار الثقة فلا يبقى موضوع لحجية الاستصحاب  في مورد خبر الثقة على خلافه.
ويدور أمر هذا التقدم بين الورود والتخصّص من جهة الترديد في الأمر المرتكز عند العقلاء فإذا كان مناط حكمهم أن اليقين بالحدوث يعتبر باقياً الى زمان قيام الحجة فهو من الورود لأن حجية الاستصحاب معتبرة حينئذ بشرط لا أي بشرط عدم قيام الحجة فبعد قيامها لا يبقى موضوع الاستصحاب تكويناً بمعونة من التعبد العقلائي وإن كان مناط حكمهم عدم الاعتناء بالاحتمال الادراكي المخالف لليقين فهو من التخصص لأن المفروض أن المخالف هنا امارة وليس مجرد الاحتمال الادراكي.
الصورة الثانية: أن يكون الاستصحاب حجة عقلائية والامارة حجة بالتعبد الشرعي كخبر الثقة على مسلك بعضهم والبينة على مسلكنا في بعض الموارد وفي هذه الصورة لا اشكال في ورود دليل حجية الامارة على الاستصحاب لأن موضوع حجيته هو عدم قيام الحجة.
الصورة الثالثة: أن يكون الاستصحاب حجة تعبدية والامارة حجة عقلائية بحيث يعتبرون تلك الامارة علماً عرفياً كموارد اليد والفراش مع عدم قيام المدعي أو التشكيك في النسب فيخبرون بموجبهما بل يحلفون وان كان الأخبار والحلف حراماً بغير علم إذ يرون الأمر معلوماً ولا يشمل دليل حرمة العمل بالظن هذه الموارد ولا يعتبر نقض اليقين بمثل ذلك نقضاً بالشك فدليل حجية الامارة عند العقلاء مقدم على دليل الاستصحاب بالورود.
وهذه الصور الثلاث ليست مورداً للنقاش وإنما الكلام في الصورة الرابعة وهي أن تكون الاستصحاب حجة تعبدية والامارة حجة تعبدية شرعية إما تأسيساً أو امضاءً لحكم العقلاء ولكن لا تكون من القسم السابق وهنا مورد الخلاف.
وقد ذهب المحقق الاصفهاني الى تقدم الامارة بالورود وتبعه بعض الاعاظم. وتقريبه أن المراد باليقين في أدلة الاستصحاب هو الحجة وبالشك هو اللاحجة فمفاد الأدلة (لا تنقض الحجة باللاحجة) إما بتنقيح المناط القطعي أو بمناسبة الحكم والموضوع ويدل على ذلك القرائن الخارجية والداخلية. أما الاُولى فهي أنه لا اشكال في جريان الاستصحاب في مؤديات الامارات ولو كان المراد باليقين خصوص العلم لم يجر الاستصحاب في موارد قيام سائر الحجج مع عدم العلم الوجداني. وأما الثانية فلان مورد بعض روايات الاستصحاب هو الطهارة الحدثية والخبثية ولا يحصل العلم الوجداني في اغلب مواردهما بل يبتني احرازهما على قيام الحجة كأصالة الصحة وقاعدة الفراغ وأصالة الطهارة وغيرها.
وقد ذكرنا الجواب عن ذلك في مبحث جريان الاستصحاب في مؤدى الامارات وحاصله أن العلم الوجداني او الاطمئنان على الاقل يحصل في موارد الطهارة الحدثية والخبثية قطعاً وان كان قابلاً للزوال بتشكيك المشكك وليس المراد باليقين الصفة الثابتة في النفس التي لا تزول بالتشكيك مضافاً الى ان الالتزام بذلك يستلزم عدم جريان الاستصحاب في ما إذا كان المتيقن جزءً من الموضوع لعدم صدق الحجة عليه بمعنى ما يحتج به المولى على العبد وبالعكس إذ لا أثر له في مرحلة اليقين وإنما الأثر في مرحلة الاستصحاب. وأما القرينة الخارجية فقد ذكرنا الجواب عنه مفصلاً هناك وبينا امكان جريان الاستصحاب في مؤدى الامارات مع إرادة الحجة من اليقين.
ويمكن تقريب الورود بوجه آخر هو الصحيح وهو أن قوله عليه السلام (لا تنقض اليقين بالشك) فيه احتمالان:
الاحتمال الأول: ما ذكرناه مراراً من انه من قبيل الاستعارة بالكناية فالقضية الواقعية مستبطنة وهو أن اليقين بالحدوث يعتبر كاشفاً في مرحلة البقاء أيضاً ويكون المراد الاستعمالي من لفظ اليقين اليقين بحدوده الاعتبارية ومن الشك القلق النفسي وعبر به عن الاحتمال الادراكي وان كان قوياً والمعتبر حينئذ في حدود اعتبار الاستصحاب هو القضية الواقعية وهي مضمرة فلا يمكن الأخذ باطلاقها والقدر المتيقن منها أن الاحتمال غير المعتبر لا يعتنى به بالنسبة الى كاشفية اليقين في مرحلة البقاء. وقوله (فإن حرك في جنبه شيء وهو لا يعلم) يدل على عدم الاعتناء بالاحتمال غير المعتبر وان كان قوياً. وأما الاحتمال الناشئ من الامارة الشرعية أو العقلائية المعتبرة فلم يعلم شمول دليل الاستصحاب لعدم الاعتناء به وأن يكون اليقين كاشفاً عن البقاء حتى في قباله. فاذا قام الدليل المعتبر على خلاف الاستصحاب كان من الورود التضييقي لوصول اليقين الى حدّه التكويني بمعونة التعبد.
الاحتمال الثاني: أن يكون المراد بقوله (لا تنقض) عدم الاعتناء بالاحتمال المخالف للحالة السابقة بما أنه احتمال إدراكي وأما إذا كان الاحتمال الادراكي مدعماً بالحجية التعبدية من الشارع فالدليل قاصر عن شموله فلابد من الالتزام بالورود أيضاً.
وهذا الوجه مما أشار إليه المحقق الخراساني في حاشيته على الرسائل ولكن المحقق الاصفهاني والسيد الخوئي اعترضا على هذا المسلك بوجهين:
الوجه الأول: أن عدم نقض اليقين لو كان بداعي الشك صح ما ذكر من الفرق بين كون الاحتمال مدعماً بالحجية وعدمه ولكن الممنوع هو نقض اليقين حال الشك سواء كانت هناك امارة شرعية أم لم تكن.
وزاد في مباني الاستنباط أنه لو كان كذلك لأمكن القول بعدم شمول الدليل إذا استدعى زيد مثلاً نقض اليقين بالشك.
الوجه الثاني: أن شاهد التعميم ظهور الروايات في حصر الناقض في اليقين لقوله عليه السلام (ولكن تنقضه بيقين آخر). وهذا الوجه يأتي على الاحتمال الأول أيضاً .
والجواب أما عن الوجه الأول فبأن ظاهر الباء السببية فالمفاد ان اليقين لا ينقض بسبب الشك وليس المناط حال الشك كما توهم. وأما استدعاء زيد فلا وجه لذكره لأن الكلام في عدم جواز نقض اليقين بما يليق به الناقضية. والحاصل أن اليقين محدود تكويناً بحصول الشك فيرتفع عند حدوثه إلا أن الاعتبار الشرعي أو العقلائي يقضي بعدم محدودية اليقين بهذا الحد التكويني فيبقى يقين اعتباري حتى بعد هذا الشك . وهذا الاعتبار في خصوص موارد الاحتمال الادراكي الخالص مسلم وأما في قبال الحجة الشرعية فلا دليل عليه .
وأما عن الوجه الثاني فبأن الظاهر أن منشأ التوهم هو توهم كون الجملة مبدوّة بـ(إنما) وهي اداة الحصر وقد نقل الرواية في أوائل مبادي الاستنباط هكذا (وإنما تنقضه بيقين آخر) مع أن الجملة في الرواية غير مبدوة بها وإنما هي مبدوّة بـ(لكن) وهي لا تفيد الحصر. وذكر خصوص اليقين ناقضاً في الرواية إنما هو من جهة خصوصية في مورد السؤال وهو أن قيام الامارة على انتقاض الوضوء أمر غير متعارف فينحصر ناقضه باليقين.
ثم ان الشيخ ذهب الى أن تقديم الامارات على الاستصحاب من باب الحكومة وتبعه عليه المحقق النائيني والسيد الخوئي وجماعة وهذا يبتني على كون الامارة علماً تعبداً. وقد مرّ اشكال السيد الخوئي فيه بأن الشك مأخوذ في دليلهما فلا وجه للتقديم ومرّ جوابه عنه. ومرّ جوابنا عن جوابه.
وهنا احتمال ثالث وهو أن يكون التقديم من باب التخصيص وهو مما لابد من الالتزام به بعد فساد القول بالحكومة والقول بأن المراد باليقين والشك الحجة واللاحجة وبعد عدم تسليم ما ذكرنا من الوجهين في الورود تمسكاً باطلاق الدليل وبعد العلم بأن حجية الامارات لو كانت مقتصرة على غير موارد قيام الاستصحاب على خلافها لم يبق لها الا موارد نادرة.
ويبقى الاشكال في هذا القول بأن التعبير في دليل الاستصحاب (لا ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك) آب عن التخصيص بمناسبة الارتكاز العرفي الموافق له. وهنا ملاحظة وهي أن إباء التعبير عن التخصيص إنما هو فيما إذا كان الممنوع النقض بسبب الشك وأما بناءً على ما ذكره السيد الخوئي من ان الممنوع النقض في حال الشك فهو أمر تعبدي لا يوافقه الارتكاز العرفي فلا مانع حينئذ من التخصيص.
هذا تمام الكلام في المقام الأول.
المقام الثاني: فيما إذا كانت الامارة موافقة للاستصحاب فهل تتقدم عليه أم لا؟
ظاهر من تقدم على الشيخ هو عدم التقدم ولذا كانوا يتمسكون بالأصل في عرض الدليل وانقلب الأمر بعد التحول الذي أوجده الشيخ في المباني الاصولية حتى ذكر المحقق الخراساني أن من مفاسد القول بالحكومة لزوم اعتبار الأصل والامارة في عرض واحد إذا كانا متوافقين فاعتبر هذا من المفاسد المسلّمة.
ولابد من ملاحظة ما ذكر في ملاك التقدم في صورة المخالفة لنرى هل يشمل صورة الموافقة أم لا؟
أما التخصيص فلاوجه للالتزام به في صورة التوافق لان التخصيص خاص بموارد تعارض الدليلين في مرحلة الجري العملي.
وأما الحكومة التضييقية فقد عرفت أن المحقق الخراساني يرى أن لازمها عدم التقدم حين التوافق إلا أن القائلين بها يقولون بالتقدم وذلك لأن الشك وهو أحد ركني الاستصحاب يرتفع بموجب دليل الامارة الذي اعتبرها علماً فلا يبقى موضوع الاستصحاب.
وأما قول المحقق الخراساني فيمكن تأييده بأن الحكومة على وجه التضييق تشترك مع التخصيص في بيان أوسعية مقام الاثبات عن مقام الثبوت ففيما لا يجوز التخصيص لا تجوز الحكومة فقوله (العالم الفاسق ليس بعالم) لا يكون حاكماً على قوله (لا تكرم الفساق) لعدم التخالف في مرحلة الجري العملي.
ولكن يمكن الخدشة فيه بأن الحكومة لو كانت دائرة مدار لزوم التخصيص صح ما ذكر وأما لو كانت دائرة مدار امكانه فلا فان التخصيص ممكن في المقام وان لم يكن لازماً إذ لا ريب في امكان تضييق الشارع دائرة اعتباره بمخصص متصل كما إذا قال (لا تنقض اليقين بالشك إلا فيما إذا كانت امارة موافقة أو مخالفة) وإنما الكلام في أنه إذا ورد مخصص منفصل فهل هناك ملزم للتخصيص أم لا؟
وللزوم التخصيص موردان:
المورد الأول: اشتمال الدليل الخاص بموضوع لحكم مناقض أو مضاد لما اشتمل عليه الدليل العام الشامل لذلك الموضوع فبقرينة عدم امكان التعبد بالضدين أو النقيضين نحكم بالتخصيص سواء كان في الأحكام الواقعية كاكرام العلماء أو الظاهرية كحجية الامارات.
المورد الثاني: اختلاف القضيتين من حيث المؤدّى والنتيجة بحيث يوجب تحير المكلف وان لم يكن موضوع القضيتين واحداً كما ذكرناه في وجه تخصيص دليل الامارة لدليل الاستصحاب بناءً على التخصيص فإن موضوع الدليلين مختلف فهو في الأول خبر الثقة مثلاً وفي الثاني اليقين إلا أنهما في مرحلة الجري العملي إذا تخالفا يوجبان تحير المكلف فنلتزم بالتخصيص لزوماً.
والحكومة دائماً من قبيل الأول إذ هو تصرف في الموضوع فلابد من وحدته في القضيتين فقوله (لا تنقض اليقين بالشك) بناءً على مسلك الحكومة  محكوم بدليل الامارة من جهة رفع موضوعه وهو الشك فلا حاجة الى التخالف في مرحلة النتيجة والجري العملي كالصورة الثانية حتى يقال بعدم التخالف في محل الكلام.
وأما تقدم الامارة في موارد التخالف بناءً على الوجه الأول للورود فيقتضي عدم تقدمها عند التوافق وذلك لأن مبناه على أن المراد باليقين والشك الحجة واللاحجة فصدر الكلام يدل على أن الحجة لا تنقض باللاحجة على الخلاف وذيله على أنها تنقض بالحجة على الخلاف ومن الواضح عدم شموله لمورد تحقق الحجة على الوفاق.
وأما بناءً على كون الاستصحاب حجة عقلائية فلا مانع عند العقلاء من البناء على ثبوت الملكية لزيد مثلاً باعتبار البناء على الحالة السابقة وباعتبار كونه مقتضى اليد معاً ولا منافاة بينهما.
وأما تقدمها بناءً على الوجه الأول مما ذكرناهما في تقريب الورود فيمكن انكار جريان الاستصحاب في مورد الامارة الموافقة لأن توسعة القضية المضمرة في النفس ليشمل هذا المورد غير معلوم كمورد المخالفة.
وأما تقدمها بناءً على الوجه الثاني منهما فالتمسك باطلاق لا تنقض لدفع احتمال خلاف الحالة السابقة في مورد الموافقة محل تأمل.
وكيف كان فالصحيح عندنا هو حجية الاستصحاب عند العقلاء وأن الروايات مرشدة اليها فالحق هو تقدم الامارة عليه في صورة المخالفة وجريانه معها في صورة الموافقة.

الأمر الرابع
مما يذكر في الخاتمة

في بيان وجه تقدم الاستصحاب على سائر الاصول العقلية والشرعية فالكلام في مقامين:
المقام الأول : في تقدمه على الاُصول العقلية وهي ثلاثة البرائة العقلية والاحتياط العقلي والتخيير بناءً على كونه أصلاً مستقلاً كما هو الصحيح لاعلى ما ذكره السيد الخوئي من رجوعه الى البراءة. فهنا ثلاثة مباحث:
المبحث الأول في تقدمه على البراءة العقلية:
الجدير بالتقديم أن الاختلاف في جريان البراءة العقلية وعدمه ليس من جهة حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان حتى يقال ان الاستصحاب بيان فان هذه القاعدة لا يختلف فيها العلماء وانما النزاع صغروي وهو أن احتمال التكليف هل ينجزه أم لا؟
وقد ذهب الى تنجيزه والقول بالاحتياط العقلي الشيخ المفيد والشيخ الطوسي قدس سرهما والمتأخرون يقولون بالبراءة العقلية.
والبحث في المقام طويل وتفصيله في محله إلا أنه لابد من بيان المسلك المختار وهو أن البشر بالنسبة الى مقاصده الشخصية إذا كان هناك محبوب لزومي أو مكروه لزومي وكان احتمال الوصول الى الأول والابتعاد عن الثاني بسلوك طريق خاص 100% أي يكون مقطوعا فلا اشكال في أنه يسلك ذلك الطريق لولا الموانع وأما إذا كان درجة الاحتمال اقل من ذلك فان كان المحتمل مهمّا كما إذا كان في الاناء سم مهلك فلا اشكال انه يبتعد عنه وان كان الاحتمال 5% ما لم يكن منشؤه الاوهام. وأما إذا كان المحتمل غير مهم إلا أنه لزومي أيضاً فإذا كان الاحتمال قوياً كما إذا كان بدرجة 90% يهتم به أيضاً. ومن هنا ظهر أن الاحتمال بنفسه قد ينجّز في المقاصد الشخصية وهذه المحاسبة بين أهمية المحتمل ودرجة الاحتمال قد يجريه الانسان في أعماله بصورة ارتكازية غير شاعر بالتفاصيل.
ثم ان امتثال الاوامر الالهية بالنسبة الى أفعال الانسان من قبيل الغايات والمقاصد فلابد فيه من ملاحظة هذا القانون إلا أن الكلام في الصغرى وهو أن الاوامر الالهية جميعها هل هي بمنزلة المقاصد المهمة جداً حتى يجب الاهتمام بها بالاحتمال الضعيف ما لم يكن موهوماً أو أنها من قبيل المقاصد المتوسطة الاهمية فنلاحظ ما كان منها قد دل الدليل على اهميتها جداً فينجزه الاحتمال الضعيف وما لم يدل الدليل على اهميته فلا ينجزه الا الاحتمال القوي وان لم يكن علماً.
ولتحقيق الامر لابد من ملاحظة ان وجوب الاطاعة في التكاليف المولوية الالهية هل هي من قبيل ربط الشخصية أو من قبيل استبطان الوعيد على الترك بنحو اللف والاندماج وقد ذكرنا تفصيل ذلك في مبحث الاصل المثبت وذكرنا ان الحق هو الثاني وأن التكاليف المولوية الالهية إنما يجب امتثالها لاندماج الاحكام الجزائية فيها بنحو اللف ويلاحظ في شدة الجزاء وخفته تناسب العمل للجزاء وقوة الدواعي النفسية اليه فربّ عمل بملاحظة مفسدته يستحق جزاءً ضعيفاً إلا أن تشديد الجزاء بملاحظة شدة ميل الانسان إليه ورب عمل يستحق جزاءً شديداً إلا أن عدم الرغبة اليه يقتضي جعل جزاء خفيف من جهة كفايته في ايجاد الرادع في نفس المكلف. ثم ان بعض الاحكام الجزائية لم تدون فالمحكم فيها هو العرف والعادة وبعضها مدونة كاحكام الحدود والديات وغيرها وكالعقوبات الاخروية فهذه الاحكام الجزائية تحدد الوعيد.
ثم ان العقل يحكم بأن المعتبر في موضوع الحكم الجزائي أن يكون المكلف مقصراً في عدم انفعاله بالأمر الالهي وهو يتحقق بكون الحكم قابلاً للتأثير فإذا كان معلوماً فلا اشكال في أنه يوجب تحقق وازع معاكس للدواعي النفسية في المكلف فيتحقق موضوع الحكم الجزائي إذا خالف الأمر لأن التقصير منه وكذا إذا كان المحتمل مقطوع الاهمية أو كان الاحتمال قوياً كما مرّ.
بناءً عليه فان كانت الاحكام الشرعية من قبيل ربط الشخصية فلابد من تنزيلها منزلة المقاصد المهمة للبشر وذلك لأن الحكم يرتبط بشخصية الباري جل وعلا فمخالفة كل حكم يعتبر هتكاً لمقامه الشامخ ولا فرق بين الاحكام حينئذ وأما إذا كانت من قبيل الوعيد على الترك كما هو الصحيح فإن قطعنا باهمية أحد التكاليف فالاحتمال ما لم يكن موهوماً ينجزه وإلا فلا بد من الاحتمال القوي.
فتبين أن الأصل الاولي في الاحكام الشرعية هو البراءة العقلية ما لم يعلم اهمية المحتمل أو يصل الاحتمال الى درجة قوية. وأما الأمر الاحتياط فقد يكون واجباً نفسياً وقد يكون لبيان اهمية المحتمل وقد يكون لتقوية الاحتمال. وأوامر الشارع المتعلقة بالاحتياط من قبيل بيان اهمية المحتمل ويمكن للشارع تقوية الاحتمال بجعل العلم التنزيلي فيتحقق موضوع الحكم الجزائي.
هذا هو حقيقة البراءة العقلية وحاصلها أن البراءة هي إدراك العقل لعدم تنجيز الاحتمال ما لم يصل الى درجة قوية تكويناً أو بتنزيل الشارع. وحيث ان الاستصحاب من موارد تقوية الاحتمال شرعاً وعرفاً فلا اشكال في تقدمه على البراءة العقلية.
وتفصيله أن البراءة العقلية ان كان المراد بها هو إدراك العقل لعدم منجزية الاحتمال فالاستصحاب المثبت للتكليف لا ينافيه أصلاً وان كان المراد بها هو النتيجة الحاصلة من عدم تنجيز الاحتمال وهو الترخيص في العمل باعتبار عدم تنجيز الاحتمال وعدم وجود دليل على التكليف فالاستصحاب وارد عليها لانه دليل على التكليف بمعونة من التعبد.
وأما الاستصحاب النافي للتكليف فربما يتوهم لغوية اعتبارها في مورد حكم العقل بالبراءة العقلية.
ولكن الصحيح أنه وان لم يؤثر في مرحلة العمل إلا ان الغاءه مناف للحكمة وذلك لوجوه ثلاثة: أولاً ان الاستصحاب كما ذكرنا مراراً له منشأ نفسي في المشاعر البشرية فالغاءه جرح لمشاعر هم بلا موجب وبلا فائدة مترتبة عليه وثانياً ان ابقاء الاستصحاب له مصلحة تربوية للمكلفين وهو أن ترك المكلف للتكليف المحتمل مع بقاء احتماله يوجب جرأته على المحارم الواقعية وأما لو كان تركه من جهة حكم العقلاء وامضاء الشارع بعدم وجود التكليف واقعاً فلا يترتب عليه هذه المفسدة وثالثاً أن الاستصحاب يوجب استقراراً لنفس المكلف واطمينانا له بعدم العقاب وذلك لأن العقل كما يدرك قبح العقاب بلا بيان كذلك يدرك اقبحية العقاب مع بيان عدم التكليف والاستصحاب بيان لعدم التكليف.


المبحث الثاني في تقدمه على الاحتياط العقلي:
والاحتياط العقلي يتحقق في موردين مورد العلم الاجمالي ومورد أهمية المحتمل.
أما مورد العلم الإجمالي فلابد من أن يكون محل الكلام فيه كون الاستصحاب في أحد الطرفين مثبتاً للتكليف وفي الآخر نافياً له وأما إذا كانا مثبتين أو نافيين فهو مورد البحث الآتي (تعارض الاستصحابين).
ولا بد من ملاحظة الوجه في لزوم الموافقة القطعية في العلم الاجمالي فالمشهور أن العلم الاجمالي ينجز وجوب الموافقة الاحتمالية لكشفه عن أحد الوجوبين مثلاً وهو بهذا الحد من الكشف ينجز متعلقه ولذا يقال ان العلم الاجمالي علة تامة للموافقة الاحتمالية ولكنه بالنسبة الى وجوب الموافقة القطعية له وجه آخر فذهب المحقق النائيني الى أنه من جهة تعارض الأصلين للزوم  الترخيص في المخالفة القطعية من جريانهما وهو قبيح عقلاً لمعارضته مع وجوب الموافقة الاحتمالية الذي دل عليه العلم بكشفه الذاتي.
ولكن السيد الخوئي لم يرتض هذا القول لأن وجوب الموافقة القطعية لا يلازم وجوب الموافقة الاحتمالية ففي موارد عدم امكان المخالفة القطعية كما إذا حرم السير اما يمينا وإما شمالاً فالموافقة الاحتمالية حاصلة لا محالة ولا معنى لتنجيز العلم الاجمالي ما هو محقق بالضرورة فلو كان وجوب الموافقة القطعية ناشئاً من وجوب الموافقة الاحتمالية وجب القول بعدم وجوبها في هذا المثال ولا يلتزم به المحقق النائيني. هذا مضافاً الى أن الأصل في كل من الطرفين يرخّصه بحدّه فلا يعارض ما نجّزه العلم الاجمالي من الجامع بينهما فتارك الظهر والجمعة لا يعاقب بترك كل منهما ولكنه يعاقب بتركهما معاً.
ومن هنا ذهب السيد الخوئي الى أن السبب في وجوب الموافقة القطعية أن العقل لا يجوّز الجمع بين الترخيصين للزوم التضاد من حيث المنتهى لأن مقتضى العلم الاجمالي أن هذا ان لم يكن حراماً فذلك الحرام وبالعكس فلو رخص الشارع في كل منهما لزم ترخيص الحرام الواقعي ووقوع المكلف في حيرة من أمره لان احتمال التكليف في كل منهما ملازم لاحتمال العقوبة فالأصلان يتعارضان فإذا سقط الترخيصان كان احتمال التكليف ملازماً لاحتمال العقوبة فتجب الموافقة القطعية.  
وقد ذكرنا في محله الجواب عن هذا الوجه مفصلاً . وان الصحيح في وجه تنجيز العلم الاجمالي للموافقة القطعية هو أن احتمال التكليف إذا كان مقوماً للعلم الإجمالي يعد من الإحتمالات القوية عند العقلاء. وقوة الاحتمال يتحقق بوجهين :
الأول: قوته بنفسه وذلك بتجمع الاحتمالات في محور واحد فإذا أخبرنا جماعة كلّ بانفراده بمجيء رجل من أقاربنا معيّن غير ما يعينه الآخرون فلا إشكال في عدم حصول العلم بمجيء كل منهم بعينه إلا أن احتمال مجيء رجل من أقاربنا على وجه الإجمال احتمال قوي يزداد قوة بكثرة الأخبار بمجيء رجل معين منهم وذلك لتجمع هذه الاحتمالات في المحور الواحد وهو الجامع بين الأخبار والسرّ فيه أن الاخبار بمجيء زيد مثلاً له احتمالان الصدق والكذب واحتمال مجيء عمرو له احتمالان أيضاً فمضروبهما أربعة احتمالات أحدها كذب المخبرين معاً وهذا الاحتمال ينفي مجيء رجل من أقاربنا على الإجمال وأما الاحتمالات الثلاث الآخر فيدل على مجيئه فإذا أخبرنا بذلك رجل ثالث في ضمن اخباره بمجيء بكر فمضروب الاحتمالات ثمانية سبعة منها تدل على مجيئه وواحدة  تدل على عدمه وهو احتمال كذب الثلاثة معاً وهكذا يتضاعف احتمال مجيء رجل من أقاربنا ويبقى احتمال الخلاف واحداً حتى يصل الى درجة نطمئن بمجيئه أو نعلم به إذا كانت النسبة بحيث يعد هذا الاحتمال الواحد كالصفر. وهذا هو السبب في حجية التواتر الإجمالي . وهذا معنى تجمع الاحتمالات في محور واحد ونعبر عنه بالاطمينان الادراكي وهو حجة قطعاً وقائم مقام العلم الموضوعي والطريقي.
الثاني: أن يكون الاحتمال مقوماً للعلم الاجمالي .
توضيح ذلك : أنا إذا احتملنا كون هذا الاناء نجساً وكان احتمال عدمه مساوياً لاحتمال وجوده نعبر عنه بالشبهة البدوية واحتمال النجاسة فيه 50% ولكن إذا علمنا بنجاسة أحد الاناءين فلو لوحظ كل منهما على حدة كان احتمال النجاسة فيه 50% إلا أن مجموع الإحتمالين قد أوجد علماً بها وهذا يوجب قوة الاحتمال من جهة أن احتمال انطباق المعلوم بالإجمال على كل منهما 50% وهذا هو الفرق بينه وبين الشبهة البدوية . ومن هنا نلاحظ أن أطراف العلم كلما كثرت ضعف تنجيز الاحتمال حتى يصل الى درجة من الضعف يلحقه بالشبهة البدوية ويعبر عنه بالشبهة غير المحصورة ويلاحظ أن قوة الاحتمال في المورد الأول كان ينشأ من تجمع 100 شبهة بدوية مثلاً حتى يتجمع احتمالاتها في محور واحد ويوجب الاطمينان وهنا ينشأ العلم الوجداني من تجمع إحتمالين فقط.
والحاصل أن الاحتمالات المولدة للعلم الاجمالي ان كان منحصراً في عدد قليل ينجز كل منها متعلقه وان كان موزعاً في عدد كثير لا ينجز وذلك لأن احتمال انطباق المعلوم بالاجمال على كل من الأطراف في الأول احتمال قوي وفي الثاني احتمال ضعيف يلحقه بالاوهام.
ومهما كان فإن قلنا بأن لزوم الموافقة القطعية من جهة تساقط الاُصول فما نحن فيه خارج عن ذلك ولا تجب فيه الموافقة القطعية لعدم تعارض الاستصحاب المثبت للتكليف في طرف والنافي له في طرف آخر ومقتضى العلم الاجمالي تنجز ما تعلق به وهو عنوان أحدهما فلا يجب إلا الموافقة الاحتمالية الحاصلة بموافقة الاستصحاب المثبت.
وأما بناءً على ما ذكرنا من أن وجوب الموافقة القطعية ليس الا من جهة تنجيز الاحتمال المقوم للعلم الاجمالي وأنه من الاحتمالات القوية عند العقلاء وهو يقوم مقام القطع الطريقي لا الموضوعي فحجيته تختص بما اذا لم يكن هناك منجز او معذر في احد اطراف العلم فالاستصحاب يرفع التعادل بين الاحتمالين في تقويم العلم الاجمالي فيرجح أحدهما وحينئذ فلا يعتني العقلاء بالإحتمال الآخر ولا اقل من الشك في الحجية المساوق للقطع بعدمها. وعليه فالاستصحابان يوجبان انحلال العلم الاجمالي ويسقطانه عن الحجية وبهما يعتبر أحد الاحتمالين علماً بالتكليف والآخر علماً بعدمه .
وأما مورد أهمية المحتمل فلابد من ملاحظة درجة الاهمية فقد يكون بحيث لا يعتنى فيها حتى بالحجج العقلائية وقد يكون بحيث يعتبر فيها الحجج العقلائية فإن كان من قبيل الأول كما يلاحظ أن قول الطبيب مع أنه حجة عقلائية لا يعتنى به في الأمراض الخطيرة بل لابد من تشكيل لجنة طبية ليحصل العلم وفي مثل ذلك لا اشكال في عدم تقدم الاستصحاب على الاحتياط العقلي .
وإن كان من قبيل الثاني فالاستصحاب مقدم لكونه حجة عقلائية.

المبحث الثالث في تقدمه على التخيير العقلي:
وللتخيير صور كثيرة نذكر احداها وهي دوران الأمر بين المحذورين في الواقعة الواحدة مع تساوي الاحتمالين قوة والمحتملين أهمية ولا اشكال في التخيير حينئذ اي حكم العقل بعدم استحقاق العقاب على الفعل والترك. والمشهور أن التخيير أصل برأسه ولكن السيد الخوئي ذهب الى انه يرجع الى البراءة العقلية نظرا الى أن الموافقة الاحتمالية للتكليفين حاصل لا محالة إذ لا يخلو المكلف من الفعل والترك والموافقة القطعية غير ممكن فالعلم الاجمالي في مثل ذلك لا يكشف عن الواقع عند العقلاء لتقومه باحتمالين متضادين فعدم تنجز التكليف من جهة قصور الكاشف لا قصور القدرة .
وبناءً على هذه النظرية فوجه تقدم الاستصحاب عليه واضح لما مر من تقدمه على البراءة العقلية.
والصحيح انه لا قصور في العلم الاجمالي هنا من حيث الكشف وانما لم يتنجز التكليف للقصور في القدرة وذلك لانه اذا دار الامر بين حرمة السير يمينا وحرمته شمالا لا تتنجز حرمة المخالفة القطعية لعدم القدرة اذ لا يمكن الجمع بينهما والموافقة الاحتمالية حاصلة لا محالة واذا دار الامر بين وجوب السير يمينا ووجوبه شمالا لا تتنجز وجوب الموافقة القطعية لعدم القدرة ايضا فاذا دار الامر بين المحذورين فلا تمكن المخالفة القطعية ولا الموافقة القطعية فلا يتنجز التكليفان لعدم القدرة لا لعدم الكاشف اذ لا فرق في كاشفية العلم الاجمالي بين هذا المورد وسائر الموارد.   
فالكلام فيه من جهة تقدم الاستصحاب هو الكلام في سائر موارد العلم الاجمالي اي عدم التعادل بين الاحتمالين لوجود مثبت للتكليف في احدهما.
هذا تمام الكلام في الاٌصول العقلية وتقدم الاستصحاب عليها .
المقام الثاني : في تقدمه على الاصول الشرعية فمنها البراءة الشرعية وهي المستفادة من حديث (رفع ما لا يعلمون) والمراد الاستعمالي منه تنزيل الحكم الموجود أو المحتمل الوجود منزلة العدم. والاعتبار لابد من أن يخالف الأمر التكويني فلا يقال للأسد الواقعي هذا أسد تنزيلاً إلا أنه يكفي في مخالفته توهم الامر التكويني فيجوز تنزيل الحكم الموجود واقعاً والمتوهم الوجود ايضاً مقام عدمه. والمراد الجدي منه اعلام عدم الاهمية للأحكام الشرعية بمرتبة ينجزها الاحتمال حسب القانون الذي ذكرناه في البراءة العقلية.
إنما الكلام في أن المستفاد من ظاهر حديث الرفع هل هو رفع الحكم الذي لا يعلم وجوده وعدمه كما هو مقتضى فهم المشهور حيث اعتبروا أخذ الشك في موضوع الأصل أم أن ظاهره رفع الحكم الذي لا يعلم وجوده فاللسان مطلق بالنسبة الى العلم بعدمه إلا أن المخصص اللبي يخرجه وهو حكم العقل بأن الرفع التعبدي لابد أن يكون في مورد عدم العلم بالعدم وإلا فلا معنى لرفع الحكم الذي نعلم عدمه فعلى الأول يكون الاستصحاب حاكما بوضوح على دليل البراءة مطلقا.
وأما على الثاني فالاستصحاب المثبت للتكليف مقدم على حديث الرفع على وجه الحكومة لأنه علم تعبدي بوجود التكليف والمرفوع في الحديث هو ما لايعلم وجوده بحسب المراد الاستعمالي والملاك في الحكومة هو المراد الاستعمالي لا الجدي. وأما الاستصحاب النافي للتكليف فتقدمه على حديث الرفع بالحكومة يبتني على ما ذكرناه في تفسير هذه المصطلحات من أن الحكومة تصح في الأحكام العقلية وحيث ان المخصص العقلي لحديث الرفع يثبت ارتفاع التكليف الذي لا يعلم عدمه فالاستصحاب يقدم عليه لأنه علم تعبدي بعدمه .
هذا كله بناءً على دلالة حديث الرفع على الحكم الظاهري وأما لو كان مفاده أمراً آخر وراء ذلك فسيأتي تفصيله في البحث عن قاعدة الطهارة ان شاء الله تعالى.
وأما جريان استصحاب عدم التكليف وعدمه فقد بحثنا عنه مفصلاً في أول البراءة ومجملاً في الأصل المثبت.
ومن الاُصول الشرعية قاعدة الطهارة المستفادة من موثقة عمار (كل شيء نظيف حتى تعلم أنه قذر فإذا علمت فقد قَذُر وما لم تعلم فليس عليك) ().
وقد مر الكلام في تصحيح سنده في ضمن أدلة الاستصحاب. إنما البحث في تقدم الاستصحاب عليها والكلام تارة في استصحاب النجاسة وتارة في استصحاب الطهارة فالبحث في مقامين:
المقام الأول: في تقدم استصحاب النجاسة عليها . ولا إشكال في حكومته عليها إذا قرئ الحديث كما ضبطناه بأن يكون الغاية العلم بأنه قَذِر بنحو الصفة المشبهة لا الفعل الماضي بقرينة مقابلتها بالنظيف ووجه الحكومة واضح لأنه علم تعبدي .
وأما إذا قلنا بأن التناسب ووحدة السياق لايفيدان وثوقاً وأن هذه الكلمة فعل ماض فالغاية هو العلم بطروّ القذارة وهذا معلوم وجدانا والا فكيف يستصحب ويكفي في صدق الماضي طروّها سابقاً فالتقدم من جهة الورود إلا أن هذا الاحتمال مضافاً الى أنه خلاف الظاهر يرد عليه ــ بناءاً على مسلك القوم من أن الموضوع مشكوك الطهارة والنجاسة ــ أن المشكوك بوصف أنه مشكوك لم يعلم طرو القذارة عليه فإنه في زمان العلم بطرو القذارة لم يكن مشكوكاً .
المقام الثاني: في تقدم استصحاب الطهارة. ولا بد من مقدمة وهي أن مفاد هذه القاعدة هل هو حكم ظاهري ووظيفة عملية للشاك أم أنه حكم تنزيلي؟
المشهور أن الطهارة قسمان واقعية وظاهرية وكل منهما حكم شرعي إلا أن الثاني أخذ في موضوعه الشك كسائر الاحكام الظاهرية ولذا لا يقولون بالاجزاء إذا انكشف الخلاف لأنه حكم مادام الشك فإذا علمنا بالقذارة يجب ترتيب آثار القذارة من أول الأمر ولكن المحقق الخراساني أشار الى وجه آخر في مبحث الاجزاء واعترض عليه من تأخر عنه وهو الصحيح عندنا ولكن بتقريب منا وهو أن الحكم هنا تنزيلي بمعنى أن النجس الواقعي ما لم يعلم نجاسته منزل منزلة الطاهر فيعتبر طاهراً بنحو الاعتبار الادبي من جهة لحوق أحكامه به. والنتيجة أن النجاسة الواقعية باقية إلا أن الآثار المترتبة على النجاسة بعضها ذاتية لها وبعضها جعلية والتنزيل إنما هو بلحاظ الآثار الجعلية القابلة للرفع وأما الآثار الذاتية فلا يشملها التنزيل سواء قلنا بأن النجاسة والطهارة أمران تكوينيان كما قال الشيخ أم قلنا بأنهما أمران اعتباريان يستبطنان أحكاماً تكليفية هي كالمقوم لها كما شرحناه في مبحث الاحكام الوضعية فعلى المسلكين تختلف الآثار. والآثار الذاتية للنجاسة على مسلك الشيخ هي العلل التكوينية لحصولها والآثار التكوينية لها كتنجيس الملاقي بالرطوبة وعدم امكان مطهرية الماء النجس لأن فاقد الشيء لا يعطيه ومن الواضح أن التنزيل لا يؤثر في الآثار التكوينية فإذا نزل الشارع المتقي منزلة العالم لا يؤثر فيه من جهة حصول الكمالات النفسية.
والآثار الذاتية لها على مسلكنا هي الاحكام التي تعتبر كالمقوم بالنسبة لها على تفصيل ذكرناه في مبحث الاحكام الوضعية فتنجيس الملاقي بالرطوبة وعدم مطهرية الماء النجس من مقومات النجس الواقعي لا يمكن تحقق النجس من دون تحقق هذه الاحكام واعتبارها بدونها لغو لا معنى له فهذه الآثار لا تخضع للتنزيل وإنما الخاضع له سائر الاحكام كوجوب طهارة البدن والثياب والمسجد للمصلي. وهذا التنزيل يرتب هذه الأحكام في مورد عدم العلم بالنجاسة بنحو الحكومة الواقعية فالصلاة حينئذ واجدة للشرط واقعاً. ولكنه بالنسبة للآثار الذاتية بنحو الحكومة الظاهرية فيعقل فيها انكشاف الخلاف فلا نحكم بطهارة ما غسل بالماء المشكوك إذا تبين نجاسته. وعلى هذا فالتنزيل مزدوج .
أما تقدم الاستصحاب على القاعدة فبناءً على رأي المشهور من باب الحكومة لأن موضوعها الشك اوعدم العلم بالطهارة والنجاسة وأما بناءً على التنزيل فبالنسبة الى الآثار الذاتية التي قلنا فيها بالحكومة الظاهرية فالاستصحاب حاكم على القاعدة لأنه علم تعبدي ولا معنى للتنزيل الظاهري مع العلم بالوفاق بحكم العقل . وأما بالنسبة الى الآثار الجعلية التي قلنا فيها بحكومة القاعدة حكومة واقعية فالقاعدة تجري حتى مع العلم الوجداني بالخلاف لترتب الأثر على التنزيل وهو الاجزاء فإذا كان المكلف عالماً بالطهارة فصلى ثم علم بالنجاسة يحكم بأن صلاته محرزة للشرط واقعاً لقاعدة الطهارة . وكذلك فيمن صلى باستصحاب الطهارة فلا يتقدم الاستصحاب على القاعدة إذ لا يحكم العقل بعدم امكان التنزيل مع العلم أو قيام الحجة على الطهارة .
ومن هنا يظهران ما اعترض على المحقق الخراساني في مبحث الاجزاء غير وارد ومن الاعتراضات أن لازم التنزيل هو طهارة ما غسل بالماء المشكوك حتى بعد العلم بالنجاسة . وقد عرفت الجواب عنه بلحاظ ازدواجية التنزيل .
وإنما قلنا أن نظرية التنزيل هو الصحيح لوجهين :
الوجه الأول : أن تقسيم الأحكام الى ظاهرية واقعية غير صحيح لما ذكرناه في شرح حقيقة الأحكام في مبحث الأحكام الوضعية من أن الاعتبارات على قسمين أدبية وقانونية: والاعتبارات الأدبية عبارة عن إعطاء حد شيء لشيء آخر لغرض مترتب عليه بنحو يخالف المراد الجدي المراد الاستعمالي حتى لو سئل القائل عن كونه جادّاً في كلامه لأجاب بالنفي. والاعتبارات القانونية أمور متطورة عن الاعتبارات الأدبية بتوضيح ذكرناه هناك ومنها الأحكام الشرعية والعقلائية تكليفية ووضعية وهي أحكام متأصلة يتطابق فيها المرادان فإذا سئل المعتبر عن كونه جادّاً لأجاب بالاثبات .
ومورد الكلام أي قاعدة الطهارة من القسم الأول فلو سئل المعتبر عن كون الشيء المشكوك طهارته المحكوم بطهارته حسب القاعدة نظيفاً واقعاً وانه جادّ في اعتباره طاهراً لأجاب بالنفي. وهذا معنى الاعتبار الأدبي فقوله نظيف اعطاء له حد النظيف من جهة ترتب آثاره وأحكامه . فهذا ليس من سنخ الاحكام الواقعية لأنه ليس اعتباراً متأصلاً فإذا كان هذا الاعتبار في زماننا اعتباراً أدبياً فهو كذلك في زمان الشارع بطريق أولى لأن الاعتبارات القانونية تتطور عن الاعتبارات الأدبية ولا عكس.
الوجه الثاني: الاستشهاد بقوله عليه السلام (فإذا علمت فقد قذر وما لم تعلم فليس عليك) فإن ظاهر قوله (إذا) الحدوث عند الحدوث ولا يعقل تأثير العلم في حدوث القذارة الواقعية. والقذارة الظاهرية لا تجتمع مع العلم فلابد أن يكون المراد القذارة التنزيلية فالذيل شارح للصدر.
وقد يقال: إنه محتمل للوجهين فإنه لو لم يكن الشك مأخوذاً في موضوعه كان ظاهراً في الحكومة التنزيلية وحيث إنه أخذ في موضوعه فيحتمل جعل الحكم الظاهري أيضاً .
وبعد ما ذكرناه يعلم بطلان هذا القول لأن الشك لم يؤخذ في الموضوع وإنما جعل العلم غاية للتنزيل .
ومن هنا يعلم الحال في قوله عليه السلام (كل ما كان فيه حلال وحرم فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه).

الأمر الخامس
مما يذكر في الخاتمة
تعارض الاستصحابين
وفيه صور:
الصورة الاُولى : أن يكون بين الاستصحابين تناف بالذات بأن يكون أحدهما مثبتا للوجود والآخر مثبتاً للعدم كاستصحاب الجعل مع استصحاب عدم المجعول في الشبهات الحكمية بناءً على رأي السيد الخوئي ↔أيده الله≈ . وكمورد تعاقب الحادثين الذي مرّ الكلام فيه في أصالة تأخر الحادث فالمثال الأول للتناقض والثاني للتضاد والمراد به التضاد المعقول في الأحكام الشرعية لا المصطلح المختص بالأعراض وبيان مورده في مبحث اجتماع الأمر والنهي ومبحث الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي.
وفي هذه الموارد ان قلنا بحجية الاستصحاب من باب بناء العقلاء والرؤية الاحساسية فلا يمكن رؤية النقيضين ولا مجال لحجية الاستصحابين . وان قلنا بحجيته تعبدا بقوله عليه السلام : (لا تنقض اليقين بالشك) فوضوح استحالة الجمع بين النقيضين يكون كالقرينة المتصلة المانعة من انعقاد الاطلاق فيه لشمول مورد التعارض بالذات .
الصورة الثانية : أن يكون التنافي من جهة عدم قدرة المكلف على الجمع بين مقتضى الاستصحابين فيكون من باب التزاحم وقصور القدرة كاستصحاب بقاء الوقت المقتضي لوجوب الصلاة واستصحاب نجاسة المسجد المقتضي لوجوب الازالة . والكلام في هذه الصورة هو الكلام في سائر موارد التزاحم .
الصورة الثالثة من صور التعارض:

أن يكون التنافي بالعرض بأن لا يكون بين المؤديين تناقض ولا تضاد إلا أن مؤدى أحدهما موضوع لحكم مضاد لمؤدى الآخر ويعبر عن الأصلين حينئذ بالأصل السببي والمسببي بشرط كون السببية شرعية كما إذا غسلنا الثوب المتنجس بماء مستصحب الطهارة فإن مقتضى استصحاب الطهارة في الماء هو ترتيب آثارها التي منها طهارة ما غسل به وهو مضاد لمؤدى استصحاب النجاسة في الثوب . قال الشيخ: المتسألم عليه بين المتأخرين هو تقدم الأصل السببي على المسببي ولكن يظهر من بعض كلمات الشيخ الطوسي والعلامة والمحقق ↔قدس الله اسرارهم≈ التعارض بينهما .
وقبل البحث لابد من ذكر مقدمة وهي:
انه لا اشكال في أن مركز التنافي هو مؤدى الاستصحاب المسببي وهو نجاسة الثوب وأما طهارة الماء فلا يتنافى فيها الأصلان وتوضيح ذلك يتوقف على ملاحظة أمرين :
الأمر الأول : أن استصحاب نجاسة الثوب لا يثبت نجاسة الماء إلا بالأصل المثبت بأن يتمسك بعكس النقيض للقاعدة الشرعية (كل ماء طاهر يطهر ما غسل به) وعكسه (كل ما لا يطهر ما غسل به فليس بطاهر) وعكس النقيض ليس من اللوازم الشرعية بل ذكرنا مراراً انه لا يتمسك به حتى بالنسبة الى الاُصول اللفظية فضلاً عن الاُصول العملية. ولذا قلنا بأن قولنا (كل عالم يجب إكرامه) لا يثبت أن زيداً الفاسق الذي لا يجب إكرامه ليس بعالم. فلو فرضنا عدم جريان استصحاب طهارة الماء لجهة من الجهات كتعاقب الطهارة والنجاسة فاستصحاب النجاسة في نفسه قاصر عن اثبات نجاسة الماء.
الأمر الثاني : أن استصحاب طهارة الماء يثبت جميع الآثار الشرعية لها ومنها طهارة ما غسل به فيثبت طهارة الثوب. والاستصحاب يثبت الأحكام الشرعية المترتبة على موضوعه إما بجعل الحكم المماثل كما ذكره الشيخ أو بالتلازم بين اعتبار اليقين بالشيء واعتبار أحكامه الشرعية .
فثبت بالأمر الأول عدم تأثير استصحاب نجاسة الثوب في اثبات نجاسة الماء وبالأمر الثاني تأثير استصحاب طهارة الماء في اثبات طهارة الثوب فينافي استصحاب نجاسة الثوب .
والوجه في تقدم الأصل السببي على المسببي على القول بحجية الاستصحاب من باب بناء العقلاء واضح للقطع بعدم بنائهم على الاذعان ببقاء مؤدى الأصل المسببي كما ذكره الشيخ فقال (ان العقلاء يبنون على بقاء زيد بعد غيابه فيرتبون آثار البقاء من ثبوت نفقة الزوجة ونحو ذلك ولا يعتنون بأصالة عدم وجوب النفقة مثلاً) وذكر ذلك أيضاً السيد الحكيم في حقائق الاُصول وإنما نستشهد بقولهما لتأييد المرتكز العقلائي وبنائهم على عدم الاعتناء بالاحتمال الادراكي المخالف إلا إذا كان مدعماً بحجة معتبرة كالأصل السببي في المقام. ولا أقل من الشك في الحجية المساوق للقطع بعدمها .
واما على القول بأن مدرك حجية الاستصحاب التعبد بقوله عليه السلام (لا تنقض اليقين بالشك) فيختلف الأمر فيه وضوحاً وخفاءً بحسب المسالك .
فالمسلك الأول ما قويناه من أن المراد توسعة الكشف بقاءً في قبال الإحتمال الإدراكي المخالف وأما توسعته في قبال بقية الحجج فلا يدل عليه إما لأنه كناية عن قضية مضمرة جدية وهو توسعة الكشف والمراد الاستعمالي عدم نقض اليقين بالمعنى الاعتباري بالقلق والوسوسة، وإما لأن المراد عدم نقض اليقين بسبب الشك، لا في حال الشك. وعليه فلا يشمل دليل الاستصحاب هذا المورد لأنه نقض لليقين بالحجة وهو الأصل السببي.
والمسلك الثاني ما ذكره المحقق الإصفهاني وتبعه بعض الأعاظم من أن المراد لا تنقض الحجة باللاحجة. وعليه فلا يشمل دليل الاستصحاب مورد الأصل المسببي أيضا لأنه نقض بالحجة وهو الأصل السببي .
والعجب عمن سلك هذا المسلك في أصل حجية الاستصحاب ولكنه في المقام لم يستنتج هذه النتيجة الواضحة وإنما ذهب الى وجه آخر بعيد سيأتي الكلام فيه .
والمسلك الثالث أن يكون المراد نقض اليقين في حال الشك سواء كان في مورد الشك حجة شرعية أم لا؟ وبناءً على هذا يصح التنافي وينبغي أن يكون محل النزاع وكل الاشكال بناءً عليه وجهان :
الوجه الأول : ما ذكره الشيخ بنحو الاحتمال ولكن بعض الأعاظم بل جماعة منهم قبلوه وهو أن تقدم الأصل السببي على الأصل المسببي ليس بلا واسطة بل بواسطة الامارة فهي في الواقع مقدمة على الأصل المسببي. وذلك لأن الأصل السببي يحقق موضوع الكبرى المتلقاة من الشارع وهي في المثال السابق (كل ماء طاهر يطهر ما غسل به) وبعد تحقق موضوعها تحصل النتيجة بتطبيق الكبرى فيتقدم على الأصل المسببي .
والجواب أن النتيجة تابعة لأخس المقدمتين فإذا كانت الصغري استصحابية فالنتيجة نتيجة استصحابية وإن كانت الكبرى امارة فلا يتقدم على الأصل الآخر فالمقدم  في الواقع هو الاستصحاب لا الامارة والكبرى المذكورة إنما هي دخيلة في كون السببية شرعية فلولاها لم يشمل الأصل السببي مورد الأصل المسببي أصلاً .
وبعض الأعاظم مع أن مبناه في معنى (لا تنقض اليقين بالشك) أنه بمعنى لا تنقض الحجة باللاحجة وقد عرفت أنه على هذا المسلك فالتقدم واضح ومع ذلك اختار هذا المسلك الشائك .
الوجه الثاني : أن الاستصحاب السببي حاكم على الاستصحاب المسببي. وذلك لأن الشك مأخوذ في الاستصحاب والاستصحاب المسببي يرفع الشك عن نجاسة الثوب تعبداً أمّا بناءً على التوسعة في الكشف فلأن اعتبار بقاء العلم بطهارة الماء ملازم لاعتبار بقاء العلم بطهارة الثوب فيرتفع الشك لا محالة تعبداً. وأمّا بناءً على جعل الحكم المماثل فللملازمة بين جعل طهارة الماء وجعل طهارة الثوب المغسول به. فعلى الأول يحصل القطع التعبدي بالطهارة الواقعية. وعلي الثاني يحصل القطع الوجداني بالطهارة الظاهرية . وهذا الوجه هو مختار السيد الخوئي ↔أيده الله≈ .
والجواب عنه : أن اعتبار الشاك عالماً لايصح إلا مع بقاء الشك تكويناً إذ لا معنى لاعتبار الأسد التكويني أسداً فلابد في الاعتباريات من مخالفتها للأمر التكويني فالشك مأخوذ في موضوع الحكم بأنه عالم وكذلك في جعل الطهارة الظاهرية بناء على جعل الحكم المماثل . نعم هو لا يتوقف على كون الثوب مسبوقاً بالعلم بالطهارة لأن الاستصحاب إنما يجري في طهارة الماء ولكن من حيث أخذ الشك في الموضوع لا فرق بين الطهارة الظاهرية للثوب المستفاد من استصحاب طهارة الماء وبين نجاسة الثوب الثابتة باستصحابها . غاية الأمر أن أخذ الشك في الثاني بحسب لسان الدليل وفي الأول بحكم العقل ولكن هذا الفرق لا يوجب تقدم أحدهما على الآخر لما ذكرناه في مبحث الحكومة من امكان الحكومة في الأحكام العقلية أيضاً فكما يمكن أن يكون استصحاب طهارة الماء حاكماً على استصحاب نجاسة  الثوب كذلك العكس.
هذا ولكن الظاهر أن أصحاب القول بالحكومة يرون اعتبار العلم بطهارة الماء عين اعتبار العلم بطهارة الثوب وكذا اعتبار طهارة الماء عين اعتبار طهارة الثوب وعليه فالشك إنما أخذ في موضوع الحكم بطهارة الماء واستصحاب نجاسة الثوب لا يمكن أن يعارضه ولم يؤخذ في موضوع الحكم بطهارة الثوب . إلا أن القول بوحدة الحكمين مع تعدد موضوعهما واضح الفساد فإنه يكفي في تعدد الحكم تعدد الموضوع ويكفي في تعدد الاعتبار تعدد المعتبر. ولو سلمنا ذلك فلا وجه أيضاً لتقدم استصحاب طهارة الماء إلا القول بأن الشك في نجاسة الثوب مترتب على الشك في طهارة الماء والمعلول متأخر عن العلة أو للتقدم الزماني.
أما التقدم الزماني فلا وجه له مع أنه يمكن فرض تقارن الشكين وأما التقدم الرتبي فلا أثر له في الإعتبارات الشرعية .
فتحصل أن الصحيح هو تقدم الاستصحاب السببي على المسببي لقصور بناء العقلاء وهو العمدة.
بقي هنا سؤال :
وهو أن طهارة الماء لو ثبتت بقاعدة الطهارة فهل تتقدم على استصحاب نجاسة الثوب أيضاً وما وجهه ؟
أما على مسلك حجية الاستصحاب ببناء العقلاء وكذا استظهار لا تنقض الحجة باللاحجة أو لا تنقض اليقين بالاحتمال الإدراكي فالتقدم ووجهه ظاهران لقصور بناء العقلاء في مورد قيام الحجة وعدم نقض الحجة باللاحجة بل بالحجة وعدم نقض اليقين بالإحتمال الإدراكي المجرد بل بالمدعم بالحجة .
وأما على المسلك الأخير وهو لا تنقض اليقين في حال الشك فقد قال السيد الخوئي: إنه ربما يستشكل حينئذ بأن القاعدة ليست أصلا محرزاً للواقع بل هي جعل للوظيفة العملية .
وأجاب بأن دليل القاعدة ينظر الى ترتب جميع آثار الطهارة لا خصوص ما لم يكن مسبوقاً بالعدم ولا يختص بآثار طهارة الماء المختصة به كجواز الشرب بل يشمل الآثار التي تتعلق بموضوعات اُخرى كطهارة ما غسل به وإرتفاع الحدث وتلك الآثار مسبوقة غالباً بالعدم فإذا كان دليل القاعدة ناظراً إليها يتقدم على الاستصحاب العدمي الجاري فيها تقدم الحاكم على المحكوم بنحو الحكومة النظرية وهي القسم الثالث ممّا مرّ من أقسامها .
والجواب عنه أنه لو كان دليل قاعدة الطهارة مختصا بالماء امكن ان يقال ان القاعدة تقتضي ترتيب جميع آثار الطهارة بما فيها جواز التطهير ورفع الحدث مما يجري فيها استصحاب العدم والا لكانت فائدتها كالمعدومة لان جواز الشرب مسبوق بالثبوت ولكن مدرك قاعدة الطهارة روايتان :
احداهما موثقة عمار (كل شيء نظيف حتى تعلم أنه قذر فإذا علمت فقد قَذُر وما لم تعلم فليس عليك) () وهذه الموثقة لا تختص بالماء بل هي عامة لجميع الأشياء المشكوكة الطهارة والنجاسة فلا تنفع فيما ذكر.
الثانية : رواية (الماء كله طاهر حتى يعلم انه قذر) وهذه الرواية مختصة بالماء فلا يحتمل اختصاص جعل الطهارة فيها بشرب الماء المسبوق بالجواز ولابد من أن يشمل جميع الآثار كما مرّ . إلا أن في سنده جعفر بن محمد والظاهر أنه الأشعري وهو لم يوثق وسائر أسانيده واضح الضعف .
نعم الرواية معتبرة على مسلك السيد الخوئي من قبول وثاقة من ورد في أسانيد كامل الزيارات وعلى مسلك من اعتمد على من لم يقع في مستثنيات نوادر الحكمة من رواته أو من نقل عنه الاجلاء.
وكل هذه الوجوه ضعيفة وقد فصلنا القول في توثيقات كامل الزيارات في المباحث الفقهية مبحث جواز الصلاة متقدماً على قبر المعصوم.
هذا كله مع أن الحكومة النظرية لا تثبت فيما إذا كان النظر الى المدلول بل فيما كان النظر الى لسان الدليل وفي ثبوته هنا خفاء .
الصورة الرابعة من صور التعارض:

ان يكونا متكفلين للترخيص في طرف العلم الاجمالي المتعلق بالحكم الالزامي. والكلام في تعارضهما اولاً ثم في تساقطهما او التخيير او الترجيح. مثاله ما إذا علمنا بنجاسة احد الاناءين وكانا مسبوقين بالطهارة. فالكلام في جهتين:
الجهة الاولى: في تعارض الاستصحابين. ولابد أولاً من تشخيص محل النزاع فنقول:البحث في تعارض الاستصحابين هنا يقع بثلاث اعتبارات:
الاول: باعتبار انهما اصلان مرخصان في طرفي العلم الاجمالي.
الثاني: باعتبار انهما اصلان محرزان.
الثالث: ان دليلهما لا تنقض اليقين بالشك.
والاخيران لا يختصان بالاستصحابين المرخصين بل يجريان في جميع موارد تعارض الاستصحابين لعدم الفرق من جهة الاحراز ومن جهة الدليل. ولذا ذهب المحقق النائيني إلى القول بالتعارض فيما إذا كان الاناءان مسبوقين بالنجاسة وعلم بطهارة احدهما من جهة انهما اصلان محرزان. وذهب الشيخ إلى ان الموجب لعدم الجريان هو مناقضة الصدر والذيل في الدليل. والبحث في هذين الاعتبارين يأتي في ضمن البحث عن صور اخرى والكلام هنا انما هو باعتبار انهما مرخصان وعليه فيشمل جميع الاصول المرخصة في اطراف العلم الاجمالي بالتكليف.
والمشهور في هذه المسألة عدم الجريان الا ان الاختلاف في بيان السّر في ذلك. وهنا عدة نظريات توضح كيفية تنجيز العلم الاجمالي للتكليف بحيث لا يمكن معه جريان الاصل المرخص.
النظرية الاولى: ان العلم الاجمالي بحرمة احد الشيئين مثلاً يكشف عن الحرام الواقعي بينهما وينجزه فالعلم الاجمالي يتقوم بمنفصلة حقيقية: اما هذا حرام او ذاك حرام لا يجتمعان ولا يرتفعان لان الحرام مشخص بموجب العلم الا انه مردد بينهما. وعليه ففي كل منهما يحتمل وجود التكليف المنجَّز لا ان الاحتمال منجِّز فتجب الموافقة القطعية ولا مجال لجريان الاصول.
وهذا القول يظهر من كلمات المحقق العراقي ويمكن تقريبه بوجهين:
الوجه الاول: ان الفرق بين العلم التفصيلي والعلم الاجمالي ليس الا في الصورة المنطبعة في النفس والا فهما يكشفان عن واقع خارجي واحد ففي الاول يعلم بصورة تفصيلية وفي الثاني بصورة اجمالية غير متميزة لا انه متعلق بامر كلي. والشاهد على ذلك ان المعلوم بالاجمال لو تعين وصار معلوماً تفصيلياً لا ينطبق على جزء تحليلي من الامر الخارجي بل على واقعه الخارجي بتمامه.
الوجه الثاني: ان العلم الاجمالي وان تعلق بالجامع الانتزاعي اي عنوان (احدهما) الا انه لم يؤخذ على وجه الموضوعية كما في الواجب التخييري بل اخذ على وجه المرآتية، فالواجب في الواجب التخييري هو احدهما واقعاً لا هذا بحده ولا هذا بحده ولكن الحرام المعلوم بالاجمال واقعاً اما هذا بحده واما هذا بحده. وعنوان احدهما اخذ مرآة للحرام الواقعي فهو حد للعلم لا للواقع ولكنه حيث اخذ مرآة عن الواقع فيضم اليه الاشارة الوهمية وبذلك ينكشف الواقع.
ونظير ذلك ما يقال في الوضع العام والموضوع له الخاص ان الكلي تصور للشيء بوجهه وعنوانه.
ويرد على هذين التقريبين اشكالان مشتركان وعلى كل واحد منهما اشكال مختص به.
الاشكال الاول المشترك: انه لو علمنا بنجاسة احد الاناءين بنحو اللابشرط اي غير مقيد بالوحدة وكان الاناءان في الواقع نجسين معا فلا اشكال في ان هذا العلم مطابق للواقع وليس جهلا مركبا لانه غير مقيد بالوحدة فاذا كان المقياس في مطابقة الواقع مطابقته لاحد الاناءين خارجاً كما هو المفروض فيقع السؤال في ان اياً من الاناءين هو الذي يكشف عنه العلم؟ ويلزم من الجواب الترجيح بلا مرجح بخلاف القول بان المقياس في مطابقة العلم للواقع مطابقته لعنوان احدهما فانه حاصل ولا مورد لهذا السؤال حينئذ.
الاشكال الثاني المشترك: ان لازم ذلك ان يكون كل جاهل بسيط عالماً لان كل احد يعلم بان زيداً مثلاً اما قائم او ليس بقائم للعلم بعدم ارتفاع النقيضين فلو كان هذا مناط العلم لم يبق جاهل اصلاً لانه لا يخلو الجهل من العلم الاجمالي بين الوجود والعدم.
الاشكال المختص بالاول: ان الصورة الاجمالية ليس له معنىً محصل وانطباق الكلي على الجزء التحليلي انما هو في الكليات الحقيقية لا الانتزاعية فعدم انطباقه على جزء تحليلي لا يدل على ان المنكشف هو الفرد لا الكلي.
الاشكال المختص بالثاني: ان الكلي لا يحكي عما ينطبق عليه بل عما يطابقه. والاشارة الوهمية بمجردها لا تكفي في الانكشاف كما ذكرناه مفصلاً في البحث عن استصحاب الفرد المردد. والحاصل ان كشف العلم الاجمالي عن الواقع الخارجي امر موهوم خصوصاً فيما إذا كان العلم حاصلاً من تجمع الاحتمالات في المحور الواحد كما إذا اخبرنا بمجيء رجل من اقاربنا بشخصه ثم اخبرنا بمجيء آخر ثم آخر وهكذا حتى تجمعت الاحتمالات في مجيء رجل منهم اجمالاً بحيث حقق علماً اجمالياً مع انه ليس مأخوذاً من واقع خارجي حتى يكشف عنه.
النظرية الثانية: ان المكشوف بالعلم الاجمالي هو العنوان الانتزاعي اي عنوان (احدهما) والواقع الخارجي ليس مكشوفاً اصلاً والكلام انما هو في ان العلم بهذا العنوان هل له قابلية التنجيز أم لا؟ وعلى تقدير تنجيزه له فهو انما يختص بالموافقة الاحتمالية. وتعارض الاستصحابين انما هو بلحاظ تنجز وجوب الموافقة القطعية. فهل ينجز بهذا المقدار ايضاً أم لا؟
اما في السؤال الاول فظاهر عبارة صاحب الكفاية عدم التنجيز لان عنوان (احدهما) عنوان انتزاعي والمنجَّز لابد من ان يكون حكماً واقعياً.
وللقول بتنجيزه كما ذهب اليه الآخرون وجهان:
الوجه الاول: ما يستفاد من بعض كلمات السيد الخوئي ايده الله في دوران الامر بين الوجوب التعييني والتخييري وهو ان العلم الاجمالي بحرمة احد الشيئين ينحل إلى علم بتعلق الحرمة باحدهما وشك في الخصوصيتين فتجري اصالة البرائة من التقييد ويبقى تحت التكليف عنوان احد الشيئين.
ويمكن ان يناقش فيه اولاً: بان متعلق العلم احد الوجوبين لا وجوب احد الشيئين وما اصطلح عليه الاصوليون من العلم بالتكليف والشك في المكلف به مبني على المسامحة فان تشخص الوجوب بتشخص متعلقه فالامر دائر بين الوجوبين.
وثانياً: ان هذا التحليل لا عقلي ولا عقلائي فاذا قيل: اكرم زيداً لا يتوهم انحلاله إلى اكرام احد الافراد مقيداً بكونه زيداً.
الوجه الثاني: ان احد الوجوبين امر انتزاعي تابع في التنجيز وعدمه لمنشأ انتزاعه فان حقيقة الامر الانتزاعي تابع لحقيقة منشأ الانتزاع فاحد العرضين عرض واحد الوجوبين وجوب ايضاً فهو منجز تبعاً لمنشأ انتزاعه.
هذا ما كنا نعتقده سابقاً وقد عدلنا عنه لعدم ملاءمته لبعض المباني التي قطعنا بها وذلك لانه انما يتم على مسالك القوم في التنجيز ولكنه لا يتم على مسلكنا فيه فانه عندنا عبارة عن ادراك العقل لتحقق موضوع الحكم الجزائي الذي يشتمل عليه الحكم التكليفي باللف والاندماج وهذا يختص بالاحكام المجعولة الشرعية لا الامور المنتزعة منها.
وكيف كان فلنفرض وجوب الموافقة الاحتمالية اصلاً موضوعياً ونركز البحث في وجوب الموافقة القطعية وعدم جريان الاصول المرخصة في الاطراف.
ولاثبات ذلك على هذه النظرية عدة مسالك:
المسلك الاول: ما ذكره المحقق النائيني من ان الترخيص في الاطراف يستلزم الترخيص في المخالفة القطعية وهو قبيح لان العلم الاجمالي كما ذكرنا علة تامة لوجوب الموافقة الاحتمالية وحرمة المخالفة القطعية.
واعترض عليه السيد الخوئي ايده الله (بالنقض) بما إذا لم يتمكن المكلف من المخالفة القطعية كما إذا حرم الضدان فان حرمة المخالفة القطعية غير منجزة لعدم التمكن مع ان الاطراف غير مرخص فيها. و(بالحل) بان الترخيص في كل من الاطراف بيان لعدم تنجيزه بحده وهو لا ينافي تنجز التكليف بالنسبة إلى احدهما غير معين فهذا لا يوجب تعارض الاصلين.
المسلك الثاني وهو يشكل النظرية الثالثة في تنجيز العلم الاجمالي لوجوب الموافقة القطعية ما ذكره السيد الخوئي ايده الله، ولكي نتمكن من تدقيق النظر فيما قاله نقسمه إلى اربع مقدمات للنتيجة المطلوبة.
المقدمة الاولى: ان العلم الاجمالي يتركب من العلم بالجامع والعلم بالتلازم فانه متقوم بمنفصلتين مانعتي الخلو: (ان لم يكن هذا حراماً فذاك حرام وبالعكس) لان عنوان (احدهما) مأخوذ على وجه المرآتية فليس كالواجب التخييري الذي لا يكون الفرد فيه واجباً.
المقدمة الثانية: أن العلم بالجامع لا يقتضي اكثر من وجوب الموافقة الاحتمالية وهذا لا يقتضي عدم جريان الاصول كما مر بيانه في الاعتراض على نظرية المحقق النائيني قدس سره والعلم بالتلازم ليس قابلا للتنجيز بنفسه ولم يتعلق بالخصوصيتين فينجزهما.
المقدمة الثالثة: ان العلم بالتلازم يمنع عن الجمع بين الترخيصين فانه يوجب التضاد في مرحلة المنتهى اي تحير المكلف في النهاية، وذلك لان المفروض التلازم بين ترخيص كل منهما وحرمة الآخر من جهة والترخيص فيهما من جهة اخرى فلا يمكن ان يؤثر شيء منهما في ارادة المكلف. وعليه فلابد من الالتزام بعدم جريان الاصول المرخصة. ولا يأتي هنا ما ذكرناه من امكان الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي بحيث لا يلزم التضاد من حيث المنتهى.
المقدمة الرابعة: انه بعد تساقطهما يبقى احتمال التكليف مساوقاً لاحتمال العقوبة وذلك لاحتمال الحرمة مع عدم المرخص. واحتمال العقوبة متحد مع التنجز في النتيجة فان موجبات التنجز ليست الا اسباباً لايجاد احتمال العقوبة في نفس المكلف.
وقد ذكرنا تفصيل البحث في هذه المقدمات والنظر فيها في مباحث الاشتغال. وانما نذكر هنا مجمل القول في المقدمتين الاخيرتين.
اما المقدمة الثالثة فوجه النظر فيها انه بعد فرض عدم تنجيز العلم الاجمالي الاّ وجوب الموافقة الاحتمالية وعدم قابلية العلم بالتلازم للتنجيز فما هو الموجب لتحير المكلف؟! نعم الترخيص في الطرفين يوجب العلم بالترخيص في الحرام الواقعي ولكن هذا لا يعد محذوراً فان السيد الخوئي ايضاً ملتزم كغيره بالتخيير في دوران الامر بين المحذورين مع انه يلزم منه الترخيص في التكليف الالزامي المعلوم. وحيث قد تنجز عليه وجوب الموافقة الاحتمالية فلابد من ان يترك احدهما بموجب هذا المنجز ولا يقع في حيرة اصلاً ولا يزاحمه الترخيص في الاطراف كما ذكرنا في جواب المحقق النائيني الا ان هذا الترخيص مخالف لمرتكز العقلاء ولكن لا للزوم تحير المكلف بل لامر آخر سيأتي ان شاء الله تعالى.
واما المقدمة الرابعة ففيها أن احتمال التكليف لا يلازم احتمال العقوبة الا ان يتنجز بمعنى ان يدرك العقل تحقق موضوع الحكم الجزائي في حقه وهو لا يكون الا إذا وصل التكليف اليه بحيث لو كان من مقاصده الشخصية اوجد فيه انبعاثاً. وهو يعترف بهذا الامر في قاعدة قبح العقاب بلا بيان.
المسلك الثالث وهو يشكل النظرية الرابعة في تنجيز العلم الاجمالي لوجوب الموافقة القطعية وهو ما ذكرناه سابقاً واسندناه إلى المحقق الخراساني وكان مختارنا في الدورة السابقة وهو ان العلم الاجمالي له نوعان من الكشف: كشف ذاتي وكشف عقلائي. والمكشوف بالاول هو العنوان الانتزاعي (احدهما) والمكشوف بالثاني هو الواقع. وهذا متحد مع النظرية الاولى في النتيجة اجمالاً الا ان الفرق بينهما ان الكشف هناك عن الواقع كشف ذاتي فلا فرق بين موارده ويلزم منه عدة نقوض ولكنه هنا عقلائي تابع لنظر العقلاء وهو يختص بما إذا كان المعلوم بالاجمال حكماً الزامياً. وهنا فرق آخر وهو ان تبعية هذا الكشف لحكم العقلاء يستلزم موارد الشبهة المصداقية وتكون من اشتباه الحجة باللاحجة والشك في الحجية مساوق للقطع بعدم الحجية فلا يلزم عليه النقض بلزوم الترجيح بلا مرجح كما ذكرناه هناك.
وقد ذكرنا سابقاً عدة شواهد لحكم العقلاء بان العلم الاجمالي يكشف عن الواقع نظراً إلى ان المكشوف ذاتاً هو عنوان احدهما ولكن حيث انه مأخوذ بنحو المرآتية فيمكن الاشارة الى ما ينطبق عليه العنوان واقعاً ويقال انه هو المعلوم. ويشهد له التعبير العقلائي بنحو الترديد فيقال: ان النجس المعلوم اما في هذا واما في ذاك.
ومن الشواهد قوله عليه السلام (كل شيء لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه) حيث يدل على ان المعرفة قسمان: معرفة للشيء بعينه ومعرفة له بوجهه وعنوانه. فيصدق على العلم بالعنوان الانتزاعي والكلي المنطبق على المعنون انه علم بالشيء.
ومنها ما ذكره المحقق الخراساني في ما كان الوضع فيه عاماً والموضوع له خاصاً ان تصور الكلي تصور للشيء بوجهه.
ومنها مساعدة ارتكاز بعض الاصوليين كما ذكرناه في بيان مسلك المحقق العراقي في المقام الا انه اعتبره كشفاً ذاتياً. وكما ذكره السيد الخوئي في بعض الموارد من ان الواقع في العلم الاجمالي منكشف الا انه غير متميز. وكما ذكره السيد الطباطبائي من امكان استصحاب الفرد المردد المشار اليه لان الاشارة تكشف عنه كما مر في استصحاب الفرد المردد.
ولكن عدلنا عن هذه النظرية اخيراً لعدم امكان تفسير الارتكاز العقلائي بها ولضعف هذه الشواهد. فان مقتضى ما ذكرنا من الاستشهاد بالرواية الغاء حجية العلم الاجمالي في قبال اجراء قاعدة الحل ومن الواضح انه ليس هو المرد بل المراد تأكيد معرفة الشيء. وكلمة (بعينه) و(بنفسه) من كلمات التأكيد اللفظي. واما ما ذكره الاعلام في مختلف الموارد فمنشؤه التزامهم بان الاحتمال ليست له قابلية التنجيز فلابد من كشف الواقع وحيث رأوا في ارتكازهم تنجز التكليف في هذه الموارد تشبثوا بهذه الوجوه لبيان ان الواقع مكشوف. ولكن الصحيح ان العلم ليس الاّ تجمع الاحتمالات فالاحتمال له خاصية الكشف الا انه ضعيف لا يدرك الا بالمحاسبة. واما ما ذكره السيد الطباطبائي فهو سهو منه كما مرّ تفصيله في مبحث استصحاب الفرد المردد.
المسلك الرابع وهو النظرية الخامسة هو ما قويناه اخيراً من منجزية الاحتمال إذا كان قوياً او كان المحتمل مهماً عند العقلاء وأن الاحتمال يقوى إذا كان مقوماً للعلم الاجمالي فاحتمال الوجود والعدم في كل من الطرفين شبهة بدوية لا اثر له وان كان بقوة 60% ولكن احتمال انطباق المعلوم بالاجمال على كل منهما احتمال منجز لانه يحمل قوة العلم الموزعة على الاطراف وان كان 1% كما إذا تردد الاناء النجس المعلوم بين مائة اناء. ومن هنا تبين وجه عدم تنجيز الاحتمال في الشبهة غير المحصورة ويتبين المقياس في الفرق بينها وبين الشبهة المحصورة فان الاواني المتردد فيها الاناء النجس لو بلغ من الكثرة بمقدار اصبح احتمال الانطباق على كل واحد منهما ضعيفاً بحيث لا يهتم به العقلاء لا يكون منجزا كاحتمال 1/ 100000 مثلاً.
وتعارض الاستصحابين بناءً على المسلك الثالث من المسالك المتقدمة وبناءً على النظرية الاولى انما هو من جهة الشبهة المصداقية لنقض اليقين بالشك لاحتمال نقضه باليقين في كل من الطرفين. وعلى سائر المسالك واضح. واما على مسلكنا فلان الاستصحاب لا يجري إذا كان معاكساً لحجة عقلائية كما مر والاحتمال حجة عقلائية.
هذا تمام الكلام في الجهة الاولى واثبات تعارض الاستصحابين.
الجهة الثانية: في ان مرجعهما إلى التساقط او التخيير او الترجيح.
والمراد بالتساقط واضح. واما التخيير فالمراد به تقييد الاطلاق الاحوالي في كل منهما بان يكون الترخيص في كل منهما مقيداً بترك الآخر. والمراد بالترجيح ان يدعم احد الاستصحابين امارة معتبرة او غير معتبرة او اصل آخر فيجري دون الآخر.
والتخيير لا يعقل بناءً على النظرية الاولى والمسلك الثالث من المسالك المتقدمة اذ المفروض ان الواقع مكشوف وان في كل من الطرفين شبهة مصداقية لليقين فالاطلاق الاحوالي غير شامل حتى يتوهم التقييد. وكذا بناءً على مسلكنا لان الاستصحاب في كل من الطرفين معارض للاحتمال وهو حجة عقلائية. وكذا بناءً على المسلك الثاني مسلك السيد الخوئي فان الجمع بين الترخيصين يمنع من جريان الاستصحاب مطلقا.
انما الاشكال يقوى بناءً على مسلك المحقق النائيني فان الاستصحاب في كل منهما لا مانع منه الا استلزام الترخيص في المحرم الواقعي. وهنا يقوى شبهة التخيير لان كلاً من الاصلين لهما شمول افرادي واطلاق احوالي والاشكال بلزوم الترخيص في المحرم الواقعي انما يلزم بناءً على الاطلاق الاحوالي فنقيد اطلاق كل منهما بالآخر ولا يلزم المحذور. واذا دار الامر بين رفع اليد عن الشمول الافرادي والاطلاق الاحوالي يتعين الثاني لان الضرورات تتقدر بقدرها.
وقد حكي عن بعض الاعاظم انه قال: ان اول مسألة اسأل عنها صاحب العصر (عجل الله فرجه) إذا لقيته هو شبهة التخيير في الاصول. ومن هنا يتبيّن اهمية هذه الشبهة بناءً على هذه المقدمات.
وقد اجاب عنها المحقق النائيني ان الاطلاق في المقام محال اي الترخيص في كل من الطرفين مطلقاً. واذ استحال الاطلاق استحال التقييد.
وفيه اولاً: انه بعد تسليم ان بين الاطلاق والتقييد عدم وملكة فالقابلية معتبرة في جانب العدم بمعنى ان صدق العدم يتوقف على قابلية الملكة ولذا لا يقال اعمى الا لمن كان قابلاً للبصر ولكن البصر لا يتوقف على قابلية العمى والاّ لكان صدق العالم على الباري تعالى غير صحيح لعدم قابلية الجهل فيه. والتقييد هو الملكة والاطلاق عدمه فان كان التقييد مستحيلاً عند استحالته كان معناه ان الملكة تتوقف على قابلية العدم وهذا لم يقل به احد.
وثانياً: سلمنا ذلك. لكن القابلية بمعنى عدم لزوم محال من الاطلاق لا عدم كونه موافقاً للحكمة وهو المنتفي في المقام. واذا كان الاطلاق ممكنا وغير موافق للحكمة وجب التقييد فكيف يكون مستحيلاً.
وثالثاً: انّ كل واحد من الاطلاقين ممكن الا ان الجمع بينهما غير ممكن وهذا غير معتبر في جواز التقييد قطعاً.
واما الترجيح فقد نقل الشيخ عن الشهيد في تمهيد القواعد انه قال بترجيح احد الاصلين بتعاضده بالدليل الاجتهادي. ثم فصل الشيخ بان الاستصحاب ان كان حجة تعبدية محضة فلا وجه للترجيح لان الامارة مرتبطة بالحكم الواقعي والاستصحاب يثبت الحكم في مرحلة الظاهر فلا يؤثر شيء منهما في الآخر. وان كان حجة من باب الظن فلابد من الالتزام بالترجيح لما تسالموا عليه من الترجيح في الادلة الاجتهادية بل ادعى عليه بعضهم الاجماع صريحاً.
واصرّ بعض على لزوم القول بالترجيح لمسلك المحقق النائيني والسيد الخوئي من ان الاستصحاب اصل محرز لعين ما ذكره الشهيد من تقوية احد الاستصحابين بالامارة.
ولابد من ملاحظة ثلاث جهات ليتضح الامر في المقام:
الجهة الاولى: ان القول بالترجيح لا يتأتى بناءً على الكشف عن الواقع اما عقلاً او عقلائياً كما في النظرية الاولى والمسلك الثالث وذلك لان المقتضي لجريان الاستصحاب مفقود فالتساقط هو المتعين. وكذا بناءً على ما ذكرنا من حجية الاحتمال. وعليه فيختص  احتمال الترجيح بمسلك المحقق النائيني ومسلك السيد الخوئي حيث منعا عن جريانهما للزوم محذور الترخيص في مخالفة الواقع او الجمع بين الترخيصين.
الجهة الثانية: ان الامارة المعاضدة لاحد الاستصحابين اما ان تكون حجة واما ان لا تكون وعلى تقدير كونها حجة اما ان تكون حجة في لوازمها غير الشرعية ايضاً واما ان لا تكون. فان كانت حجة في لوازمها فلا مجال للترجيح لان قيام الامارة على الطهارة في احد الاناءين مثلا تدل بالملازمة على نجاسة الآخر لان المفروض العلم بالملازمة بين طهارة احدهما ونجاسة الآخر وعليه فلا مجال لجريان الاستصحاب في الآخر في قبال الامارة. واما جريان الاستصحاب الموافق لها فقد مرّ الكلام فيه مفصلاً.
وان كانت حجة في غير لوازمها كقول ذي اليد بناءً على عدم حجية لسان الاثبات فيه او لم تكن حجة اصلاً كما إذا قلنا بان خبر العدل الواحد ليس حجة فحينئذ يحتمل ترجيح احد الاستصحابين بهما. الا انه في القسم الاول منهما يبتني على القول بجريان الاستصحاب الموافق للامارة واما ان قلنا بتقدمها على الاصل الموافق ايضاً فلا مجال لجريانه ولا وجه للترجيح.
الجهة الثالثة: ان الاستصحاب ان كان وظيفة للشاك في مورد العمل فلا وجه لتعاضده بالامارة الموضوعة لبيان الحكم الواقعي فالترجيح يختص بالقول بحجية الاستصحاب من باب الظن او القول بانه اصل محرز للواقع، ومن هنا اعترض بعضهم على المحقق النائيني بان مقتضى التزامه بان الاستصحاب اصل محرز القول بالترجيح فلا وجه للتساقط. وسيتضح الامر ان شاء الله تعالى.
ووجه الترجيح ان كان هو الاجماع الذي ادّعي فلا ينبغي ان يذكر وان كان هو تقوية احد الاستصحابين بالامارة كما قاله الشهيد فيردّه ان القوة والضعف لا يؤثران في الترجيح شيئاً والمرجح لابد اما ان يكون حجة شرعية او حجة عقلائية ممضاة. ولا فرق في حجية الاستصحاب سواء كان ببناء العقلاء أم الاعتبار الشرعي بين ان يكون الاحتمال المخالف قوياً أم ضعيفاً ما لم يصل إلى حد الاطمينان مع ان القوة المزعومة هنا انما هي في الاحتمال الادراكي والاستصحاب مترتب على احساس نفسي او ضرورة اجتماعية كما ذكرنا.

الصورة الخامسة من صور التعارض:

ان يكونا مثبتين لتكليف الزامي او ملزوم له في مورد العلم الاجمالي بالرخصة او بملزومها كما إذا كان الاناءان نجسين قطعاً ثم علمنا اجمالاً بطهارة احدهما فان استصحابي النجاسة فيهما يتعارضان. والمشهور هو جريان الاستصحابين وهناك ثلاث طرق لمحاولة المنع من جريانهما:
الطريق الاول: ما سلكه المحقق الاصفهاني وهو ان العلم الاجمالي كالعلم التفصيلي في تأثيره في ارادة المكلف من الانبعاث والانزجار في الاحكام التكليفية والشعور بالحرية في الاحكام الترخيصية. فالعلم الاجمالي المتعلق بالرخصة فيهما له قابلية ايصال الحكم إلى  مرحلة الفعلية. والفعلية على اصطلاحه هي المرحلة المساوقة للفاعلية اي قابلية التأثير في ارادة المكلف فالاباحة فيهما لا قصور فيها من حيث التأثير في نفس المكلف واستصحاب النجاسة في كل منهما يوجب المنع عن كل منهما فيتحير المكلف ويحصل التضاد من حيث المنتهى.
وقد فصلنا الجواب عنه في مبحث الاشتغال ومجمل القول ان العلم الاجمالي ليس له قابلية التأثير في الحكم الترخيصي وايصاله إلى مرحلة الفاعلية. وذلك لان العلم الاجمالي بالرخصة ان كان مقروناً بالعلم الاجمالي بالتكليف الالزامي فلا يمكن ان يعارضه ولا شك في ان الثاني يوجب عدم الاعتناء باحتمال الرخصة. وان كان مقرونا باحتمال الالزام في احدهما فالموجب لارخاء العنان والترخيص فيهما هو اجراء البراءة لا العلم باباحة احدهما اذ هو لا يجوّز الاقتحام مع احتمال الحرمة. واما كون العلم الاجمالي كالتفصيلي فواضح الفساد اذ لا يبقى بعد العلم التفصيلي بالاباحة مجال للتوقف واما العلم الاجمالي فلا يتعلق الا بالجامع واباحة كل من الطرفين وعدمها يتوقف على جريان الاصل في كل منهما.
الطريق الثاني: ما ذكره المحقق النائيني وهو ان الاصول المحرزة للتكليف لا يمكن ان تجري في الطرفين مع العلم بمخالفة احدهما. وكيف يمكن اجتماع العلم بالطهارة مع احراز نجاسة كل منهما تعبداً؟! فالاول علم تكويني بقضية موجبة جزئية. والثاني علم تعبدي بسالبة كلية. وهذا تناقض.
ويمكن ان يناقش فيه اولا بالنقض بما سيأتي تفصيله في الصورة السادسة وهو انه لو شك المكلف بعد الصلاة في صحة الوضوء فانه يبني على صحة صلاته ويتوضأ للصلاة الاخرى وهذا مما لا خلاف فيه. والحكم بصحة الصلاة يبتني على قاعدة الفراغ ووجوب الوضوء على استصحاب الحدث وكلاهما اصلان محرزان مع العلم بمخالفة احدهما للواقع.  
وثانيا بالحل بانه لا تنافي بينهما فان العلم والشك يتقومان بالصور النفسية لا بالواقع فيمكن ان يكون الشيء بعنوان معلوماً وهو نفسه بعنوان آخر مشكوكاً فيه كما إذا علمنا بمجيء زيد ولم نعلم بمجيء ابن عمرو لعدم العلم بانه ابنه مع كون العنوانين متحدين في الخارج فلا مانع من الاحراز التعبدي للنجاسة في كل منهما بحدّه والعلم الاجمالي بطهارة احدهما غير معين. فان الاول علم احساسي او تعبدي ومتعلقه هذا بحده وهذا بحده والثاني علم تكويني ادراكي ومتعلقه عنوان احدهما.
الطريق الثالث: ما ذكره الشيخ من ان لازم جريان الاستصحابين اشكال اثباتي وهو لزوم التناقض بين صدر دليل لا تنقض وذيلها فان مقتضى الصدر عدم نقض اليقين بالشك ومقتضى الذيل نقضه باليقين ولا فرق بين اليقين الاجمالي والتنصيلي وهذا التناقض يوجب الاجمال في الدليل فلا يمكن التمسك باطلاقه فيما نحن فيه.
والجواب عنه بوجوه:
الاول: ان النقض لا يصدق الا بوحدة القضيتين ولذا اعتبرنا الوحدة في جريان الاستصحاب ولا يصدق الوحدة في نقض ما ثبت باليقين التفصيلي بما ثبت باليقين الاجمالي فان موضوع الاول كل من الاناءين بحدّه وموضوع الثاني عنوان احدهما.  فان قيل: اليقين الاجمالي يكشف عن الواقع فيلزم الشبهة المصداقية لليقين. فالجواب ان هذا خلاف مسلك الشيخ ومختارنا كما مرّ.
الثاني: ان اليقين الاجمالي بالترخيص ــ كما مر في جواب الطريق الاول ــ ليس له اي تأثير في نفس المكلف حتى في ارخاء العنان ولابد في الناقض لليقين السابق من ان يكون له قدرة التأثير في فعلية التكليف وفاعليته فلا وجه لنقض اليقين السابق باليقين الاجمالي بالترخيص.
الثالث: ان هذا الاجمال لا يسري إلى سائر الروايات التي لم يرد فيها هذا الذيل فنتمسك باطلاقها.

الصورة السادسة من صور التعارض:

ان يعلم اجمالاً بمخالفة احد الاستصحابين للواقع مع عدم تعلقه بالزام او ترخيص كما في الصورتين الرابعة الخامسة، كما إذا توضأ المكلف بماء غفلة ثم شك في نجاسته فمقتضى استصحاب بقاء الحدث كونه محدثاً ومقتضى استصحاب الطهارة طهارة بدنه مع العلم بمخالفة احدهما للواقع اذ مع فرض طهارة الماء فهو متطهر ومع فرض نجاسته فهو نجس.
ولا خلاف في جريان الاستصحابين مع انه تفكيك بين المتلازمين ويمكن ان يتوهم ان العقلاء لا يلتزمون به فيشكل دعوى حجية الاستصحابين ببنائهم وكذا يستبعد العقلاء التعبد الشرعي بالتفكيك بين المتلازمين.
والجواب عنه يظهر مما ذكرناه في مبحث الاصل المثبت. ومحصل الكلام ان التفكيك بين المتلازمين في الامور الادراكية غير صحيح ولكن لا محذور فيه في الامور الاحساسية فانها لا تخضع للقوانين المنطقية فلا يجري فيها التلازم والتعاند والاندراج حتى يستكشف من الاحساس بشيء الاحساس بامر آخر فان تأثيرها يختص بالعواطف والمشاعر النفسية.
واما التعبد الشرعي فهو ايضاً لا يثبت الواقع حتى يترتب عليه لوازمه ويقبح التفكيك بين المتلازمين. بل العلم التعبدي وجعل الحكم المماثل تنزيلاً يتوقف على مخالفة الواقع او توهم المخالفة والاّ فلا وجه للاعتبار ادبياً كان او قانونياً. وعليه فلا مانع من العلم التنزيلي والتعبدي بالملزوم دون اللازم.
هذا تمام الكلام في الاستصحاب والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين.