مكتب سماحة السيد مرتضى المهري

مباحث رجالية - اعتبار كتاب العلل للفضل بن شاذان قدس سره

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين

هذه بعض المباحث في الرجال ومعرفة الكتب مما تلقيناها من دروس سيدنا الاستاد الفقيه البارع المرجع الاعلى السيد علي السيستاني دام ظله خلال الابحاث الفقهية، وكان أولها بتاريخ 14 ربيع الاول سنة 1398: 

المبحث الاول في اعتبار كتاب العلل للفضل بن شاذان قدس سره:

هذا الكتاب نقله الصدوق بتمامه في كتابين: علل الشرايع. وعيون اخبار الرضا عليه السلام. قال في العيون: حدثنا عبد الواحد بن محمد بن عبدوس النيسابوري العطار بنيسابور في شعبان سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة قال: حدثني ابو الحسن علي بن محمد بن قتيبة النيسابوري قال، قال ابو محمد الفضل بن شاذان النيسابوري وحدثنا الحاكم ابو محمد جعفر بن نعيم بن شاذان عن عمه ابي عبد الله محمد بن شاذان قال: قال الفضل بن شاذان ...... ونقل الرسالة بطولها.

وقال في آخرها حدثنا عبد الواحد بن محمد بن عبدوس النيسابوري العطار رضي الله عنه قال: حدثنا علي بن محمد بن قتيبة النيسابوري قال قلت للفضل بن شاذان لما سمعت منه هذه العلل: أخبرني عن هذه العلل التي ذكرتها عن الاستنباط والاستخراج وهي من نتائج العقل او هي مما سمعته ورويته؟ فقال لي: ما كنت لأعلم مراد الله تعالى بما فرض ولا مراد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بما شرع وسنّ ولا اعلل ذلك من ذات نفسي بل سمعتها من مولاي ابي الحسن علي بن موسى الرضا عليه السلام المرة بعد المرة والشيء بعد الشيء فجمعتها فقلت له: فأحدث بها عنك عن الرضا عليه السلام قال نعم.

ثم قال: حدثنا الحاكم ابو محمد جعفر بن نعيم بن شاذان النيسابوري رضي الله عنه عن عمه ابي عبد الله محمد بن شاذان عن الفضل بن شاذان انه قال: سمعت هذه العلل من مولاي ابي الحسن علي بن موسى الرضا عليه السلام فجمعتها متفرقة والفتها .[1]     

والظاهر ان منشأ سؤال ابن قتيبة عن كون هذه العلل من نتائج العقل او من الرواية ان الاستدلال العقلي والحرية الفكرية كانا منبوذين في تلك العهود وكان الذي يمارس الاستنباط بموجب الدليل العقلي والذي يبحث عن فلسفة الاحكام مورداً لتهجم اصحاب الحديث الذين كانوا اصحاب الهيمنة الاجتماعية فكانت الدائرة على رواد الفكر الحر وهكذا الايام اقبال وادبار.

ويرجع تاريخ تفوق اصحاب الحديث في المجتمع الاسلامي الى عهد المتوكل حيث رأى حرية التفكير معارضة لإدامة سلطانه فخلق جواً مساعداً للتقيد بالماضي والاعتماد على الحديث مهما كان ليمنع من بروز الافكار الحديثة ومن ذلك نشأت مدرسة احمد بن حنبل لدى العامة. واثرت هذه الموجة من الثقافة المحافظة على الاوساط العلمية لدى الشيعة ايضاً وكانت قم في ذلك العهد مركز اصحاب الحديث ومن هنا نرى في كتب الرجال استنكار بعض علماءهم لطريقة يونس بن عبد الرحمن والفضل بن شاذان حيث كانا من الفقهاء والمجتهدين بل حتى مثل زرارة وهشام بن الحكم. ومن هنا يصح ان يقال ان تهمة القول بالرأي في الفضل هي التي اوجبت على تلميذه ابن قتيبة ان يدافع عنه بدعوى ان هذه العلل من الرواية.

والآراء في هذه الرسالة ثلاثة:

 الرأي الاول: انها من تأليف الفضل ومن نتائج تفكيره واجتهاده في فلسفة الاحكام. وكانت الشيعة متقدمة في هذه الابحاث وكثيراً ما نرى بعض رجال الفكر الشيعي يسألون الائمة عليهم السلام عن علل الشرايع منهم عبد الله بن سنان. وقد ألف محمد بن سنان رسالة ايضاً في هذه الابحاث ونسبت ايضاً الى الرضا عليه السلام. وقد نقلها الصدوق في العيون ايضا.

وعلى هذا الرأي فالاهتمام بهذه الرسالة يكون من جهتين:

1- ان فتاوى القدماء خصوصاً المعاصرين منهم للائمة عليهم السلام لها اهميتها في الفقه ولا يقل خطرها في الاستنباط عن بعض الروايات. وقد ذكرنا في مباحث التعارض وغيرها بعد البناء على اختصاص حجية الخبر بالموثوق به ان أحد اسباب الوثوق بالنص وسلامة وصوله الينا هو توافق فتاوى القدماء لمضمونه.

2- تقدم الفكر الشيعي في هذا المضمار. ويظهر ذلك بالمقارنة بين ما ذكره الفضل في هذه الرسالة وما ذكره علماء العامة في هذا الباب وهم وان لم نجد لهم رسالة في ذلك إلاّ أن اصحاب الرأي والقياس لا بد لهم من التعليل حتى يستكشفوا الحكم القياسي وفي ذلك نرى جمودهم وضعفهم في التعليل.

هذا وظاهر كلام النجاشي تأييد هذا الرأي باعتبار انه ذكر من تآليف الفضل كتاب العلل ولم يسنده الى الرضا عليه السلام مع ان من عادته ذكر ذلك في نظائره من الكتب المؤلفة القريبة الاسناد.

الرأي الثاني: ان هذه الرسالة رواية معتبرة صادرة عن الامام الرضا عليه السلام وللاعتماد عليها طريقان:

1- تصحيح سند الرواية وان ابن عبدوس وابن قتيبة ثقتان وخبر الثقة حجة. والظاهر من جماعة اختيار هذا الطريق.

2- الوثوق بصدور الرواية وان لم يوثق الرجلان نظراً الى ان الصدوق مضافاً إلى نقله للرسالة كاملة في العيون والعلل قد نقل قسماً منها في "من لا يحضره الفقيه" وقد التزم في اوله ان لا ينقل فيه الا ما كان حجة بينه وبين ربه. واعتماد الصدوق مع قرب عهده بالفضل يوجب الوثوق بالرواية مضافاً الى شواهد اخرى. وربما يستظهر هذه الطريقة اي الاعتماد على الشواهد من الصدوق قدس سره ومن صاحب الحدائق على ما في كتاب الصوم منه.

الرأي الثالث: انها رواية ضعيفة لعدم وثاقة الرجلين او أحدهما فلا قيمة للرسالة حتى من جهة انها فتوى الفضل. وهذا مختار جماعة ايضاً منهم السيد البروجردي على ما في تقريرات بحثه في الصلاة ومنهم السيد الخوئي.

وقد اختار بعضهم الرأي الثاني دون الاشارة الى وجه الاعتماد عليه كصاحب مفتاح الكرامة والسيد الحكيم حيث عبر عن هذه الروايات في المستمسك بمصحح الفضل.

والبحث يقع في مقامين:

المقام الاول: ملاحظة الشواهد التاريخية والقرائن المضمونية لإثبات او نفي كون الرسالة من القاء الامام عليه السلام.

المقام الثاني: في الاعتماد على السند المنقول في صدر الرسالة.

اما في المقام الاول فالبحث عن جهتين:

الجهة الاولى: في القرائن المضمونية التي تشهد على ان الرسالة ليست من القاء الامام عليه السلام.       

1- قال في تعليل صلاة الآيات (فان قال فلم غُيّرت عن أصل الصلاة التي افترضها الله؟ قيل : لأنه صُلّي لعلة تغير امر من الامور وهو الكسوف فلمّا تغيّرت العلّة تغيّر المعلول )([2]).

 وهذا التعليل واضح الضعف فكما ان الكسوف تغيّر في الكون بحسب مشاهدتنا فالفجر والزوال والغروب ايضاً تغيرات في الكون وكما أنّ هذه التغيرات تابعة لقوانين طبيعية محددة كذلك الكسوف والخسوف ولذلك يعلمهما اهل الفلك والتقويم قبل حدوثهما بدقة ويعينون حدودهما واماكن رؤيتهما ومقدار بقاءهما وانما الفرق ان التغير في الزوال والغروب سريع ويومي وفي الكسوف والخسوف يحدث في فترات.

أضف الى ذلك ان تغير الكون ليس علة للصلاة حتى تتغير بتغيره. وهذه المصطلحات من تعابير المتكلمين وليس من كلمات الائمة عليهم السلام. فالأسلوب أكبر شاهد على عدم صدور التعبير من الامام. ومعرفة الاسلوب من طرق تعيين المؤلفين والشعراء عند اهل التحقيق في الكتب والآثار القديمة. 

 2- قال في الرسالة: (فان قال: فلم لم يجب الغسل على من مسّ شيئاً من الاموات غير الانسان كالطير والبهائم والسباع وغير ذلك؟ قيل لان هذه الاشياء كلها ملبسة ريشاً وصوفاً وشعراً و وبراً هذا كله زكي طاهر و لا يموت وانما يُمَاس منه الشيء الذي هو زكي من الحي والميت)([3]). 

 ومن الواضح ان هذا التعليل لا يمكن صدوره من الامام عليه السلام. ومس ميت الحيوان لا يوجب غسلاً وان كان مساً للبشرة.  

 3- قال في تعليل غسل الميت: (وقد روي عن بعض الائمة انه ليس من ميت يموت الا خرجت منه الجنابة فلذلك ايضاً وجب الغسل)([4]).      

وهذا التعبير ايضاً لا يناسب مقام الامام ولا شبيه بسائر تعابيرهم ولم يعهد من أحد منهم ان يقول (وروي عن بعض الائمة) مع ان مضمون الكلام مستغرب جداً فان المني لا يخرج الا بالشهوة واين هي ممن في سكرات الموت مع ان غسل الميت لا يختص بالرجل البالغ بل يجب حتى في السقط والمرأة. ولو كان ذلك صحيحاً لكان امراً مشهوداً ولم نسمع بميت خرج منه المني.     

4- قال في بدو الرسالة: (فان قال قائل فأخبرني عن تلك العلل معروفة موجودة هي ام غير معروفة ولا موجودة؟ قيل بل هي معروفة موجودة عند اهلها. فان قال: تعرفونها أنتم ام لا تعرفونها؟ قيل لهم منها ما نعرفه ومنها ما لا نعرفه)([5]) .

 وهل يعقل ان يقول الامام عليه السلام (منها ما نعرفه ومنها مالا نعرفه) فهذا الكلام يشهد بوضوح انه ليس صادراً من الامام.

 5- ملاحظة خصوصيات الرسالة فإنها بأجمعها على طريقة المؤلفين القدماء: (ان قال قائل: قيل له) وهذا ليس من تعابير الائمة عليهم السلام فان لهم اسلوباً خاصاً في القاء المطالب. ومن هنا استغرب بعض العلماء صدور رواية المكاسب المفصلة المنقولة عن تحف العقول من جهة اشتمالها على طريقة التقسيم غير المعهودة من اسلوب الائمة عليهم السلام.

وقد تنبه الحر العاملي قده الى عدم تناسب هذا الاسلوب مع كلام الإمام عليه السلام فـعمـد الى هذه الفواصل عند ذكره لمحل الشاهد منها فحذفها وجعل الجملات مـسـتـويـة مـتـصـلـة لـتـنـاسـب كـلام الامـام عليه السلام. فـمـن ذلك مـا رواه فـي الـوسـائـل فـي بـاب صـلاة الـجـمـعـة هـكـذا: (وفـي عـيـون الاخـبـار والـعلل بإسناد يأتي عن الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام قال: انما صارت صلاة الجمعة إذا كان مع الامام ركعتين وإذا كان بغير امام ركعتين وركعتين لان الناس ..... ولان ..... ولان..... )([6]). والموجود في العيون والعلل: (فان قال فلم صارت صلاة الجمعة الخ. قيل: لعلل شتى منها ان الناس .... ومنها ..... ومنها ..... )([7]).        

 6- قال العلامة المجلسي قده في البحار ما لفظه : (ثم إن الفضل ذكر أولا تلك العلل من غير رواية ثم لما سأله ابن قتيبة هل قلت جميع ذلك برأيك أو عن خبر ؟ قال : بل سمعتها من مولاي أبي الحسن علي بن موسى الرضا عليه السلام المرة بعد المرة والشيء بعد الشيء فجمعتها، ويظهر من الصدوق قدس سره أنه حمل هذا الكلام على أن بعضها سماعي وبعضها استنباطي ولذا تراه يقول في مواضع وغلط الفضل بن شاذان في ذلك، وهذا مما يضعف الاحتجاج به .)([8]). وما ذكره من الاستشهاد بتخطئة الصدوق للفضل في محله.

وموارد تخطئته اياه ثلاثة. وهنا امر لا بد من التنبيه عليه وهو ان الصدوق خطّأ الفضل في هذه الموارد عند نقله للرسالة في العلل ولكنه عند نقلها في العيون حذف بعض تلك الفقرات من الرسالة. وهذا عجيب ممن يوثق بأمانته في النقل. ولعل السرّ في ذلك انه اراد تخصيص كتاب العيون بالأخبار التي يَعتمد عليها ويثق بها فحذف من الرسالة ما وجد فيها شواهد تمنع من اعتقاد صدورها من المعصوم. ويؤيد ذلك عنوان الكتاب فان الخبر العين بمعنى الخبر الصحيح. 

وللمحدث النوري كلام في هذا الموضوع الذي أشرنا اليه: 

قال في المستدرك : ( ويظهر من بعض المواضع ان الصدوق قدس سره كان يختصر الخبر الطويل ويسقط منه ما ادى نظره الى اسقاطه )[9] ثم نقل لذلك بعض الشواهد ونقل اعترافاً بذلك من المحقق التستري والعلامة المجلسي قدس سرهما([10]) . وتـكمـيلاً للـفائـدة نـذكـر تلك الموارد الثلاثة التي زعم الصدوق ان الـفـضل قـد غلط فيها:    

المورد الاول: قال الفضل في الرسالة: (فان قال: فلم جعلت الخطبة يوم الجمعة قبل الصلاة وجعلت في العيدين بعد الصلاة؟ قيل: لان الجمعة امر دائم .... الخ).

وعلق عليه الصدوق بقوله : (قال مصنف هذا الكتاب رحمه الله: جاء هذا الخبر هكذا والخطبتان في الجمعة و العيد بعد الصلاة لانهما بمنزلة الركعتين الاخيرتين وان اول من قدم الخطبتين عثمان بن عفان لأنه لما احدث ما احدث لم يكن الناس يقفون على خطبته ويقولون (ما نصنع بمواعظه وقد احدث ما احدث) فقدم الخطبتين ليقف الناس انتظاراً للصلاة ولا يتفرقوا عنه).([11])    

وهذا عجيب جداً من الصدوق فان ما ذكره الفضل مما لاخلاف فيه بين المسلمين والنصوص بذلك مستفيضة وعليه جرت سنة الرسول صلى الله عليه واله وسلم وهو ايضاً مذهبه في الهداية والفقيه ولا شك انه من سهو القلم. والذي احدثه عثمان هو تقديم الخطبة في العيدين كما ذكره ابن رشد في البداية وغيره([12]). وقد افرد لذلك العلامة الاميني قدس سره باباً في الغدير.([13])    

المورد الثاني: قال الفضل: (الاستنجاء بالماء فريضة).

قال الصدوق: (غلط الفضل وذلك لان الاستنجاء ليس بفرض وانما هو سنة).

 وهذا من تشابه الاصطلاح فان المراد بالفرض في كلام الفضل انه مذكور في القرآن وقد ورد في الروايات([14]) ان المراد بقوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ)[15] هو الاستنجاء بالماء كما ورد ان الاستنجاء بالأحجار مما جرت السنة به([16]) فهذا معنى للفريضة والسنة وهناك معنى آخر في مصطلح آخر وهو مراد الصدوق في اعتراضه وهو أن الفرض ما قدره الله والسنة ما قدره النبي صلى الله عليه واله وسلم بتفويض من الله مثال ذلك ما ورد في الحديث ان السجود على الارض فريضة وعلى الخمرة سنة([17]) والدليل على ان السجود على الارض فرض بهذا المعنى قوله صلى الله عليه واله وسلم (جعلت لي الارض مسجداً وطهوراً) [18] فان الفرض بناءا على هذا المصطلح اعم من ان يكون مذكوراً في القرآن او يصرّح الرسول صلى الله عليه واله وسلم بانه من تقدير الله تعالى كما يتبين من التعبير بالجعل في الحديث المذكور.      

المورد الثالث: قال الفضل: (تكبيرة الافتتاح فريضة).  

قال الصدوق: (غلط الفضل ان تكبيرة الافتتاح فريضة وانما هي سنة واجبة).

والظاهر ان مراد الفضل من الفرض هنا الواجب الركني ويشمل السنة الواجبة فان الركعتين الاخيرتين مما سنه النبي صلى الله عليه واله وسلم ولذا كان فيهما الوهم كما في الروايات[19] الا انهما من الفرائض بلا اشكال . وكان الاولى بالصدوق ان يذكر في مقام تخطئة الفضل ما ذكرناه من الموارد لوضوح الخطأ فيها.

ويلاحظ أن ما ذكرناه من المبعدات إنّما ترد بأجمعها على القائلين بان الرسالة كلها رواية الفضل عن الامام عليه السلام. واما لو قيل بانها من تأليف الفضل الا ان العلل مأخوذة من كلام الامام عليه السلام وان لم نجد قائلاً بهذا الوجه فيندفع عنه الاعتراض الخامس ولعل الاعتراض الرابع ايضاً يندفع عنه واما سائر المبعدات التي ترتبط بنفس مضمون التعليل فهي واردة عليه. 

الجهة الثانية: في الشواهد التاريخية لنفي الرسالة عن الامام عليه السلام وبهذا الصدد نذكر عدة ملاحظات:

الملاحظة الاولى: ان الشيخ والنجاشي ذكرا هذه الرسالة من مؤلفات الفضل ولم ينبها على انها رواية عن الامام عليه السلام مع ان من عادتهما التنبيه على ذلك في نظائرها. والصدوق ايضاً عند نقله للرسالة ابتداءاً اسندها الى الفضل ثم ذكر السند المزبور الذي يدل على انها رواية.         

 الملاحظة الثانية: ان الفضل لم يكن من رواة الامام الرضا عليه السلام بل لم يدرك محضره الشريف ومقتضى ما نقله ابن قتيبة هنا ان الفضل أدرك محضر الامام كثيراً وانه سمع هذه الامور منه المرة بعد المرة والشيء بعد الشيء. وهذا غير صحيح قطعاً. وذلك لأنه عد في فهارس الرجال من اصحاب الامامين الهادي والعسكري عليهما السلام. ولو تم ما نقله ابن قتيبة لعدوه من اصحاب الرضا عليه السلام مع انه لم يعد من اصحاب الجواد عليه السلام ايضاً. بل ظاهر كلماتهم ان اباه شاذان كان من اصحاب الجواد عليه السلام قالوا: وقيل انه ــ اي شاذان ــ روى عن الرضا عليه السلام.        

 قال السيد الخوئي ايده الله: (ظاهر النجاشي حيث خص والد الفضل بروايته عن الجواد عليه السلام وعلى قول عن الرضا عليه السلام عدم رواية الفضل عن الرضا عليه السلام وهو ايضاً ظاهر الشيخ حيث انه لم يعد الفضل من اصحاب الرضا ولا من اصحاب الجواد عليهما السلام ولكن الظاهر ان ما ذكره الصدوق هو الصحيح وذلك لقرب عهده وطريقه الى الفضل. ويؤكد ذلك ان والد الفضل روى عن ابي الحسن الاول عليه السلام فلا بعد في رواية الفضل نفسه عن الرضا عليه السلام. فقد روى محمد بن يعقوب عن الحسين بن محمد الاشعري عن معلى بن محمد بن جمهور عن شاذان عن ابي الحسن موسى عليه السلام. الروضة الحديث 1/13). ([20])      

وهنا عدة نقاط يجب ان تلاحظ:       

أ- انه ايده الله لم يعتبر في سائر الموارد قرب العهد من المرجحات كما اعتبره منها في هذا المقام فنراه يدفع توثيق ابن قولويه (بناءاً على توثيق من في اسانيد المزار) بتضعيف النجاشي والشيخ مع انه أقرب عهداً وهو من معاصري الصدوق تقريباً. والصدوق ليس قريب العهد من الفضل في نفسه وانما هو أقرب عهد من الشيخ والنجاشي.       

ب- انه اعـتمد فـي الـجواب عـلى طريق الصدوق الى الفضل. وهذا الطريق

هو الذي يصفه بعد أسطر بالضعف وسيأتي بيان ضعفه.       

جـ- انه أكد ما ذكر برواية شاذان عن موسى بن جعفر عليه السلام.

ويرد ذلك:

اولاً: ان من الممكن ان يكون شاذان في اوائل شبابه قد رأى الامام الكاظم عليه السلام في اواخر عهده الشريف. ويكون الفضل قد ولد في اواخر حياة ابيه كما قد يؤيده شاهد سيأتي ذكره. [21] وعليه فتكون المدة بين ملاقاة شاذان للكاظم عليه السلام وبين ولادة فضل فضلاً عن بلوغه ورشده عشرات السنين فلا يبعد عدم معاصرته للجواد عليه السلام ايضاً.  

ثانياً: ان المذكور في الفهارس ان شاذان روى عن الجواد عليه السلام. وقيل: روى عن الرضا عليه السلام فكيف يصدق ما نقله عن الكاظم عليه السلام.         

 ثالثاً : ان سند الرواية التي استشهد بها ضعيف جداً كما ذكره المجلسي في مرآة العقول([22]) فمعلى بن محمد مضطرب الحديث والمذهب كما قال النجاشي.[23] ومحمد بن جمهور ضعيف في الحديث فاسد المذهب وقيل فيه اشياء الله اعلم بها من عظمها كما قال النجاشي وقال ابن الغضائري محمد بن الحسن بن جمهور ابو عبد الله العمي غال فاسد الحديث لا يكتب حديثه رأيت له شعراً يحلل فيه محرمات الله عز وجل.([24])

رابعاً: ان متن الرواية أكبر شاهد على الوضع وهي (قال: قال لي ابي: ان في الجنة نهراً يقال له جعفر على شاطئه الايمن درة بيضاء فيها ألف قصر في كل قصر ألف قصر لمحمد وآل محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعلى شاطئه الايسر درّة صفراء فيها ألف قصر في كل قصر ألف قصر لإبراهيم وآل ابراهيم عليهم السلام). 

الملاحظة الثالثة : ان الكشي روى عن جعفر بن معروف قال حدثني سهل بن بحر الفارسي قال (سمعت الفضل بن شاذان آخر عهدي به يقول: انا خلف لمن مضى ادركت محمد بن ابي عمير وصفوان بن يحيى وغيرهما وحملت عنهم منذ خمسين سنة ومضى هشام بن الحكم رحمه الله وكان يونس بن عبد الرحمن رحمه الله  خلفه كان يرد على المخالفين ثم مضى يونس بن عبد الرحمن ولم يخلف خلفاً غير السكاك فردّ على المخالفين حتى مضى رحمه الله وأنا خلف لهم من بعدهم رحمهم الله)[25]  

ولو كان الفضل قد أدرك الرضا عليه السلام لكان الاولى ان يمدح نفسه بإدراكه فان وفاته عليه السلام قبل وفاة ابن ابي عمير وصفوان فإدراكه له عليه السلام اهم من جهتين وكان ينبغي ايضاً ان يقول وحملت عنهم منذ ستين بل خمس وستين سنة لان هذا الكلام صدر عنه في اواخر ايامه كما هو ظاهر الخبر ووفاته في سنة مائتين وستين ووفاة الامام عليه السلام في سنة 201 او 202 او 203 على اختلاف الاخبار فلو كان قد أدركه لكان قد أدركه ايام رشده وكماله فيكون قد حمل العلم أكثر من ستين سنة.         

 ثم انه يظهر من هذا الخبر انه لم يدرك يونس بن عبد الرحمن المتوفى سنة 208 وقد كان ابوه من تلامذة يونس وهو اهم ممن افتخر بإدراكهم وأقدم منهم فلو كان قد أدركه لافتخر به لسبقه وعظمته والذي لم يدرك يونس فمن البعيد انه أدرك الامام الرضا عليه السلام.  

 الملاحظة الرابعة: روى الكشي عن الفضل بن شاذان انه قال (اني كنت في قطيعة الربيع في مسجد الزيتونة اقرأ على مقرئ يقال له اسماعيل بن عباد فرأيت يوماً في المسجد نفراً يتناجون فقال احدهم ان بالجبل رجلاً يقال له ابن فضال اعبد من رأيت او سمعت به قال وانه ليخرج الى الصحراء فيسجد السجدة ( الى ان قال ) قال ابو محمد ( اي الفضل ) : فظننت ان هذا رجل كان في الزمان الاول فبينا انا بعد ذلك بسنين قاعد في قطيعة الربيع مع ابي رحمه الله اذ جاء شيخ حلو الوجه حسن الشمايل عليه قميص نرسي ورداء نرسي وفي رجله نعل مخصّر فسلم على ابي فقام اليه ابي فرحب به وبجّله فلما ان مضى يريد ابن ابي عمير قلت لشيخي هذا رجل حسن الشمايل من هذا الشيخ؟ فقال: هذا الحسن بن علي بن فضال قلت له هنا ذاك العابد الفاضل قال هو ذاك قلت ليس هو ذاك قال هو ذاك قلت اليس ذاك بالجبل قال هو ذاك كان يكون بالجبل قلت ليس ذاك قال ما اقل عقلك من غلام. فأخبرته ما سمعته من اولئك القوم فيه قال هو ذاك فكان بعد ذلك يختلف الى ابي ثم خرجت اليه بعد الى الكوفة فسمعت منه كتاب ابن بكير وغيره من الاحاديث وكان يحمل كتابـه ويجيء الـى حجرتي فـيـقرأ عـلي فـلما حج سدوشب ختن طاهر بن الحسين عظمه الناس لقدره وحاله ومكانه من السلطان وقد كان وصف له فلم يصر له الحسن فارسل اليه احب ان تصير الي فقال مالي ولطاهر وآل طاهر لا اقربهم ليس بيني وبينهم عمل فعلمت بعدها ان مجيئه اليّ وانا حدث غلام وهو شيخ لم يكن الا لجودة النية) الحديث ([26])      

 فيعلم من هذا الحديث ان الفضل كان غلاماً حدثاً وحسن بن فضال شيخاً كبيراً ولابد ان يكون هذه القصة بعد سنة ماتين فان وفاة ابن فضال في سنة 224 وعدّ من اصحاب الكاظم والرضا عليه السلام فكيف يمكن مع ذلك ان يكون الفضل قد أدرك محضر الرضا عليه السلام خصوصاً في مجالس متعددة.

فتحصل انه لا وثوق بصدور الرواية عن الامام عليه السلام بل عدم صدورها هو الموثوق به وعليه فلو تم سند الرواية من جهة التوثيقات الرجالية لم تكن معتبرة عندنا لانا نشترط في اعتبار الخبر الوثوق بل لا بد من القول بعدم اعتبار الرسالة حتى على القول بحجية خبر الثقة لمعارضة التوثيق على فرض وجوده بهذه الشواهد الموجبة لعدم الوثاقة ولو اجمالا.        

المقام الثاني في سند الرواية عن الفضل وملاحظة السند تفيدنا في رسالة اخرى ايضاً وهي رسالة محض الاسلام وشرايع الدين الذي نسب الى الرضا عليه السلام ونقلها الصدوق قدس سره بنفس السند عن الفضل قال : سأل المأمون علي بن موسى الرضا عليهما السلام ان يكتب له محض الاسلام على سبيل الايجاز والاختصار فكتب عليه السلام له : ان محض الاسلام شهادة ان لا اله الا الله ( الى ان يقول ) وان محمداً عبده ورسوله ( الى ان قال ) ثم موسى بن جعفر الكاظم ثم علي بن موسى الرضا ثم محمد بن علي ثم علي بن محمد ثم الحسن بن علي ثم الحجة القائم المنتظر صلوات الله عليهم اجمعين اشهد لهم بالوصية والامامة ( الى آخر العقائد الحقة ثم اتبعه برسالة فقهية مجملة من ضمنها وجوب التقية وجواز الحلف عليها الى غير ذلك من الاحكام التي يستبعد جداً ان يذكره الامام للمأمون ).([27])  

ثم قال الصدوق بعد نقل الرسالة بطولها : حدثني بذلك حمزة بن محمد بن احمد بن جعفر بن محمد بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب عليهم السلام قال : حدثني ابو نصر قنبر بن علي بن شاذان عن ابيه عن الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام الا انه لم يذكر في حديثه انه كتب ذلك الى المأمون ثم ذكر فروقا جزئية بين النسختين وقال: وحديث عبد الواحد بـن محمـد بن عـبدوس رضي الله عنه عـندي اصح ولا قـوة الا بالله ثم ذكـر سـنداً آخر هو السند الثاني لرسالة العلل([28]).

ولابد قبل البحث عن صغرى المسألة من التعرض للكبرى ولو اجمالاً والسؤال الذي يثار حول هذا الموضوع هو: ما قيمة توثيقات الرجاليين في حجية الاخبار؟     

والجواب عن هذا السؤال بوجوه:     

الوجه الاول: ان توثيق الرجالي خبر ثقة للعلم بوثاقة النجاشي والشيخ والكشي وغيرهم. وخبر الثقة حجة الا ان حجيته مخصوصة بما كان عن حسّ فلا بد من اثبات ان توثيقاتهم تستند الى الحس، ولإثبات ذلك يعتمد القائلون بهذا الوجه على أصل عقلائي وهو اصالة الحسّ ومقتضاه ان كل خبر شك في انه مستند الى الحسّ او الى الحدس فالعقلاء يعتبرونه مستنداً الى الحسّ وممن قال بهذا الوجه السيد الخوئي ايده الله الا انه خص ذلك بتوثيقات القدماء وسيأتي الكلام فيه ان شاء الله تعالى.    

الوجه الثاني: ان توثيقات الرجاليين تعتمد على خبرتهم وتضلعهم في فن التحقيق من احوال الرجال، وقول اهل الخبرة فيما يرتبط بفنهم واختصاصهم حجة عند العقلاء كالطبيب والمهندس وغيرهما.

الوجه الثالث: ان توثيق الرجالي لا يتجاوز شهادة منه بوثاقة الراوي وعدالته ومع ضم شاهد آخر يتحقق موضوع الحجية الشرعية وهو البينة وعليه فيعتبر في التوثيق العدد وممن قال به صاحبا المنتقى والمدارك.   

الوجه الرابع: ان المعتبر في حجية الخبر الوثوق بصدوره بملاحظة جميع الشؤون المتعلقة بالراوي والراوية. فالراوية يجب ان تفحص بالنقد الداخلي وملاحظة المضمون واهميته والنص وسلامته وموافقته للكتاب والسنة وضـرورة الـعــقـل وفـتـاوى الـقـدمـاء وغـيـر ذلك مـن الـشـؤون والـراوي يجب ان يلاحظ فيه امكان روايته عن المروي عنه ويؤخذ بعين الاعتبار كل ما قيل من القدح والمدح لدراسة حاله بتمحيص وامعان فان حصل الوثوق بقوله فهو والا فلا حجية لخبره. فتبين ان من مقدمات حصول الوثوق بالرواية ملاحظة قول الرجاليين في الرواة ولكنه لا يتمتع بحجية في نفسه وانما هو منبه ومساعد لدراسة حال الراوي والتحقيق عنه فكل فقيه يجب ان يكون رجالياً بنفسه.[29]       

واما صغرى المسألة اي محاولة توثيق سند الرسالة فيتم بتوثيق عبد الواحد بن محمد بن عبدوس وعلي بن محمد بن قتيبة وهناك طرق لتوثيقهما:   

الطريق الاول: ان الصدوق ذكر في آخر رسالة محض الاسلام: ان حديث عبد الواحد عندي اصح فيعلم من ذلك ان الطريقين صحيحان الا ان أحدهما اصح من الآخر فيتم بذلك توثيق رجال الطريقين وقد اختار هذا الطريق المحدث النوري قدس سره.       

 والجواب عنه أن هذا يتوقف على اثبات ان الصحيح عند القدماء يطلق على ما كان رجال سنده ثقات كما هو اصطلاح المتأخرين. وقد ذكرنا في الاصول تفصيل البحث عن ذلك وانه غير صحيح وان ما استشهد به المحدث النوري غير شاهد ومخالف لما ذكره الكثيرون من الباحثين كالشيخ البهائي والمحقق البهبهاني وصاحب تكملة الرجال وصاحب المنتقى وغيرهم. وان الصحيح عند القدماء هو الخبر الموثوق به وهو الحق في اعتبار حجية الخبر فمراد الصدوق في هذه العبارة ان خبر عبد الواحد مدعم بشواهد يوجب الوثوق به أكثر من الوثوق بالخبر الآخر نظير ما ذكره في مقدمة الفقيه من انه لا ينقل في هذا الكتاب الا ما هو حجة بينه وبين ربه.

 ولكن السيد الخوئي ايده الله اعترض على هذا الطريق بوجه آخر وهو ان شهادة الصدوق بصحة الخبر لا أثر لها لأنه يقول بأصالة العدالة بمعنى ان كل شيعي لم يعلم حاله في الوثاقة والكذب فالأصل عدالته وهذا الاصل لا أصل له.

وهذا الاعتراض ايضاً يبتني على التوهم المذكور والصحيح ما ذكرناه ان الصدوق لا يقول باعتبار العدالة في الراوي حتى يكون شهادته مستندة الى اصالة العدالة بل يقول بحجية الخبر الموثوق به فلا حاجة الى التعديل ولا الى التوثيق.

الطريق الثاني: ان العلامة حكم بصحة رواية في سنده هذان الرجلان. قال السيد الخوئي ــ على ما في التنقيح ــ ( وقد صحح العلامة حديثه في ترجمة يونس بن عبد الرحمن بل نقل في الحدائق([30]) عن العلامة في المختلف انه عندما ذكر حديث الافطار على محرم وان الواجب فيه كفارة واحدة او ثلاث لم يذكر التوقف في صحة الحديث الا من حيث عبد الواحد بن عبدوس وقال: انه كان ثقة والحديث صحيح وهذا يدل على توثيقه لعلي بن محمد بن قتيبة)([31]).    

وقال بعض الاعاظم في شرح نجاة العباد في نفس مسألة الافطار على محرم (وفي المختلف ان عبد الواحد لا يحضرني حاله فان كان ثقة فالسند صحيح)([32])     

وقال المحدث النوري: (نقل عن التحرير: ان الحديث صحيح).        

واضطراب كلام العلامة على ما نقل يمنع من الاخذ بتصحيحه ولكن السيد الخوئي اجاب عنه بعد عدة اسطر من الكلام السابق فقال (ولا يخفى عدم تمامية شيء من ذلك اما تصحيح العلامة قدس سره فلما ظهر لنا بعد التتبع في كلماته من انه كان يصحح رواية كل شيعي لم يرد فيه قدح وهذا يظهر منه في موردين احدهما : ترجمة احمد بن اسماعيل بن سمكة حيث ذكر في ترجمته ما هذا لفظه : ولم ينص علماؤنا عليه بتعديل ولم يرد فيه جرح فالأقوى قبول روايته مع سلامتها من المعارض وثانيهما ترجمة ابراهيم بن هاشم وقال في ترجمته : لم اقف على احد من اصحابنا على قول في القدح فيه ولا على تعديله بالتنصيص والروايات عنه كثيرة والارجح قبول قوله) الى ان قال (وحيث ان الرجلين في محل الكلام شيعيان ولم يظهر منهما فسق فروايتهما مصححة عند العلامة وعلى مسلكه ومثل هذا التصحيح كيف يفيد غيره ممن يعتبرون الوثاقة في الراوي ) الى آخر كلامه دام ظله.    

ولكن يلاحظ على ما ذكره ايده الله ان العلامة ذكر في مقدمة الخلاصة انه قسّم الرواة الى قسمين: الاول من اعتمد على روايته او يترجح عندي قبول قوله الثاني من تركت روايته او توقفت فيه. والعلامة ممن يقول بحجية الخبر الصحيح والحسن. وعلى ضوء ذلك نلاحظ ما ذكره في ترجمة هذين الرجلين: قال في ترجمة احمد بن اسماعيل بن سمكة: (انه كان من اهل الفضل والادب والعلم وعليه قرأ ابن عميد وله كتب لم يصنف مثله. هذا خلاصة ما وصلت الينا في معناه ولم ينص علماؤنا فيما وقفت عليه بتعديل ولم يرد فيه جرح فالأقوى قبول روايته) والظاهر انه انما اعتمد على روايته من جهة دخولها في الروايات الحسان لمدحه انه من اهل الفضل والادب والعلم الى آخر ما مدح به وحيث انه لم يذكر بقدح فهو حسن وهذا ليس تصحيحاً للرواية وشهادة بوثاقة الرجل او عدالته.

واما في ترجمة ابراهيم بن هاشم فقد قال قبل الجملة المزبورة اُموراً دالة على مدحه فمنها انه قال: (واصحابنا يقولون انه اول من نشر حديث الكوفيين بقم) وقد تمسك جماعة بهذه الجملة للاستدلال على غاية وثاقته في الرواية لان المحدثين في قم كانوا يتشددون في قبول الرواية فاذا صح انهم قبلوا روايته بحيث تمكن من نشر أحاديث مدرسة الكوفة فيهم فهو يدل على غاية وثاقته عندهم. ثم ايّد ذلك بان الروايات عنه كثيرة غاية الامر ان الرجاليين لم ينصوا على عدالته فلا اقل من دخول روايته في الحسان ولا يتوقف قبول روايته على التمسك بأصالة العدالة.

وكيف كان فلنفرض ان العلاّمة قدس سره صرّح بوثاقة عبد الواحد بن عبدوس وعلي بن محمد بن قتيبة الا ان من الواضح انه لا يستند الى حسّ لتصريحه بانه لم يتبين له حالهما الا انه اعتمد على الاول لترضي الصدوق عليه وسكونه الى روايته وقوله ان حديثه اصح وغير ذلك من الوجوه الظنية واعتمد على ابن قتيبة لقول النجاشي فيه اعتمد عليه الكشي ولكثرة رواية الكشي عنه ولا حجة في الخبر المستند الى الحدس. فالـقول بالحجية هنا يتوقف على حجية قول اهـل الخبرة وان كان مستنداً الـى الحدس ولـكنا ذكرنا في البحث عن الكبرى ان قول الرجالي انما هو مساعد للوثوق بصدور الرواية وكلام العلامة لاستناده الى هذه الوجوه الظنية ولو احتمالاً لا يفيد وثوقاً برواية الرجلين.

الطريق الثالث: ان صاحب الحدائق قدس سره ذكر في وجه وثاقتهما أنّهما من مشايخ الاجازة ولا حاجة في مشايخ الاجازة الى توثيق صريح.    

والجواب عنه ان شيخوخة الاجازة ليست بأهم من شيخوخة القراءة وهي ايضاً لا توجب وثوقاً غاية ما هناك ان شيخوخة الاجازة تجوّز للمجاز ان يروي عن المجيز.

الطريق الرابع: ان ابن قتيبة ثقة لقول النجاشي فيه ان الكشي اعتمد على روايته مضافاً الى ان الشيخ عبر عنه بانه فاضل فخبره من الحسان. والعلامة قد صرح بتوثيق ابن قتيبة في قوله وعبد الواحد لا يحضرني حاله فان كان ثقة فالخبر صحيح والمفروض ان ابن قتيبة ايضاً في سند الحديث. وهذا ليس من تصحيح الحديث حتى يناقش فيه بما مرّ ومرّ جوابه بل هو توثيق لابن قتيبة. وكذلك في ترجمة يونس بن عبد الرحمن حيث وصف رواية الكشي بالصحيح مع ان فيه ابن قتيبة.

اما اعتماد الكشي على ابن قتيبة فلا يراد به الا كثرة روايات الكشي عنه وهذا لا يدل على توثيقه له وقد قال النجاشي في ترجمة الكشي (كان ثقة عينا روى عن الضعفاء) فرواية الكشي لا تدل على الوثاقة ولا مانع من روايته عن الضعفاء فان المقام ليس مقام الافتاء في الاحكام الشرعية بل مقام دراسة احوال الرجال والتنقيب عن عقائدهم ووثاقتهم وهذا لا يتم الا بملاحظة جميع ما قيل في الرجل من الاقوال وروي فيه من الروايات. والحاصل ان المراد بالاعتماد ليس هو التوثيق بل جعل روايات ابن قتيبة من مصادر دراسته لأحوال الرجال وهذا لا يوجب توثيقاً.

واما التعبير بالفاضل فهو لا يدل على وثاقة ولا على مدح في هذه الجهة وليس كقولهم في ابراهيم ابن هاشم انه اول من نشر أحاديث الكوفيين بقم فان ذلك مدح في جهة النقل والوثاقة وان لم يكن توثيقاً صريحاً واما ان فلاناً فاضل فلا يدل الا على جهة العلم وهو لا يوجب وثاقة ولا حسناً. وامّا تصحيح العلامة وتوثيقه فقد عرفت الجواب عنه.   

ولكن السيد الخوئي ايده الله ناقش في تصحيحات العلامة وتوثيقاته بغير ما ذكرنا. اما بالنسبة الى تصحيحاته فقد مر كلامه والجواب عنه ونزيد هنا ما ذكره في كتاب الصلاة (تقريرات بحثه) مضافاً الى ما مرّ من ان العلامة يعتمد على رواية الشيعي وان لم يكن ممدوحاً اعتماداً على اصالة العدالة انّه لا يعمل بخبر غير الامامي وان كان موثقاً ونقل عنه موارد صرح بعدم قبول الرواية مع ان الراوي ثقة بتصريح الرجاليين نظراً الى انه غير امامي منهم ابراهيم بن ابي سمال وابراهيم بن سماك او ابي سماك واسحاق بن عمار وغيرهم.

ولكن هذا ينبغي ان يذكر من وعي العلامة وتبصره في الامور لا ان يعترض عليه بذلك بل الاعتراض يختص بمن يكتفي بالوثاقة في الراوي ولا يقيده بكونه امامياً وذلك لأنه لا بد له من الالتزام بلوازمه ومنها انه يجب عليه ان يعمل بطائفة من اخبار العامة فان مشايخنا يروون عدة من كتبهم ويوثقون بعض رواتهم وبعضهم يمكن توثيقه ببعض الوجوه كمالك بن انس نظراً الى ان ابن ابي عمير يروي عنه كتابه الموطأ وهو بدوره يوثق رجال كتابه وهكذا يتسلسل. واما نحن فإنما لا نعمل بها نظراً الى عدم الوثوق بها لأسباب ذكرناها في محله منها تأخير تدوين الحديث لدى العامة زهاء قرن ونصف.

واما توثيقاته فقد قال فيها (الظاهر ان توثيقاته كتصحيحاته مما لا يمكن الاعتماد عليه لأنه قدس سره على عظم منزلته وجلالته لا يحتمل عادة ان يكون توثيقه كقوله فلان ثقة شهادة حسية منه بان يكون قد سمع وثاقة من يوثقه ممن رآه وهو ممن سمعها وهكذا الى ان ينتهي الى عصر الراوي الذي يوثقه وذلك لطول الفصل بينه وبين من يوثقه من الرواة وتخلل برهة بين عصريهما بحيث  لا يحتمل معها الشهادة الحسية بوجه فانه بعد عصر الشيخ قدس سره الى مدة مديدة كان العلماء يتبعون آراءه واقواله حتى سموهم المقلدة على ما ذكره الشهيد الثاني في درايته فلا يحتمل معه عادة ان يكون العلامة قد سمع توثيق راو عن زيد وهو عن عمرو وهكذا الى ان ينتهي الى عصره فتوثيقاته شهادة حدسية ومستندة الى اجتهاده ومن الظاهر ان اجتهاد اي فقيه لا يكون حجة على فقيه آخر ومن هنا يتضح الحال في توثيقات معاصريه او المتأخرين عنه ممن حاله حاله كابن طاووس والمجلسي قدس سرهما لأنها شهادات حدسية والا فمن البديهي ان توثيق العلامة قدس سره لا يقصر عن توثيق اهل الرجال كالنجاشي والشيخ واضرابهما فالمتحصل ان توثيقات العلامة كتصحيحاته غير قابلة للاعتماد).([33])

ويمكن ان يناقش فيه بوجهين:

الوجه الاول: انه يظهر مما ذكره ايده الله ان توثيقات الشيخ والنجاشي قدهما انما كانت معتبرة لأنها شهادات حسّية ولو بمعونة اصالة الحسّ. ولنفرض انه كذلك وان الشيخ مثلاً سمع توثيق فلان الراوي عن زيد وهو عن عمرو وهكذا الى ان ينتهي الى من يعاصر الراوي فغاية ما هناك ان يكون ذلك حديثاً مرسلاً ارسله الشيخ والنجاشي بحذف الواسطة ومن اين لنا اثبات ان الوسائط كلهم ثقات والمفروض ان المعتبر هو خصوص خبر الثقة ولم يكن القدماء يعتبرون الوثاقة في الراوي حتى نستكشف من ارسالهم توثيق الرواة اذ الغالب فيهم هو القول بحجية الخبر الموثوق به كيفما حصل الوثوق فلعل بعض الوسائط اعتمد في نقله على خبر غير الثقة بمعونة القرائن الموجبة لوثوقه وهو لا يفيد على مسلكه فان كان الخبر المرسل حجة فلا فرق بين مراسيلهم في الرجال ومراسيلهم في الحديث وان لم يكن حجة فلا فرق ايضاً .    

الوجه الثاني : ان القرائن تفيدنا ان هذه التوثيقات لا تعتمد على خبر ثقة عن ثقة وإنّما هي مستندة الى الحدس وكشف الوثاقة وعدمها اما من الاستنباط من الروايات المادحة والذامة وتفسيرها وحل تعارضها واما من ملاحظة الكتب التي الّفها الراوي فان كانت مشتملة على المناكير والروايات التي لا تعاضدها مضامين الكتاب والسنة بل يشهدان بكذبها وعدم صدورها كروايات الغلو والجبر والتفويض والتجسيم والرؤية وتحريف القرآن والحطّ من كرامة المعصومين وما يخالف ضرورة العقل السليم حكموا بضعف الرجل وعدم وثاقته وان كان الكتاب قيماً متيناً محتوياً على روايات موافقة للكتاب والسنة حكموا بوثاقته والاعتماد عليه كما ان ذلك هو طريقة التضعيف والتوثيق في فهارس العامة ايضاً .    

ويشهد لذلك تعابيرهم في التوثيق والجرح ولنذكر هنا بعض الموارد:

 1- قال النجاشي في الحسن بن العباس بن الجريش الرازي (ابو علي روى عن ابي جعفر الثاني عليه السلام ضعيف جداً له كتاب انا انزلناه في ليلة القدر وهو كتاب رديء الحديث مضطرب الالفاظ..) ([34]) ويظهر من هذه العبارة ان سرّ التضعيف هو هذا الكتاب.

وقال فيه ابن الغضائري (ابو محمد ضعيف روى عن ابي جعفر الثاني عليه السلام فضل انا انزلناه في ليلة القدر كتاباً مصنفاً فاسد الالفاظ تشهد مخائله على انه موضوع وهذا الرجل لا يلتفت اليه ولا يكتب حديثه).([35])

وكتابه هذا مذكور في الكافي في فضل هذه السورة ومراجعته تكشف عن موهبة النجاشي وابن الغضائري في تنقيح الرجال وتشخيص الضعفاء.  

2- قال النجاشي في الحسن بن محمد بن يحيى ابو محمد المعروف بابن اخي طاهر (روى عن المجاهيل احاديث منكرة رأيت اصحابنا يضعفونه).([36]) وهنا اقتصر النجاشي في ترجمة الرجل على روايته الاحاديث المنكرة وتضعيف الاصحاب . ولكن انكار أحاديث الرجل لا يوافق المقاييس على الظاهر. 

3- وقال في داود بن كثير الرقي (ضعيف جداً والغلاة يروي عنه قال احمد بن عبد الواحد: قل ما رأيت له حديثاً سديداً).([37])

والظاهر انه اعتبر رواية الغلاة عنه وقول شيخه ابن عبدون فيه ذلك موجباً للحكم بضعفه. ويشهد لذلك انه ذكر في ترجمة محمد بن الحسن بن عبد الله الجعفري (ذكره بعض اصحابنا وغمز عليه روى عنه البلوي والبلوي رجل ضعيف مطعون عليه وذكر بعض اصحابنا انه رأى له رواية رواها عنه علي بن محمد البردعي صاحب الزنج وهذا ايضاً مما يضعفه)([38]) وكذلك قال ابن الغضائري فيه (لا نعرفه الا من جهة علي بن محمد صاحب الزنج ومن جهة عبد الله بن محمد البلوي والذي يحمل عليه فأمره فاسد).([39])     

4- وقال في احمد بن ابي زاهر (مولى كان وجهاً بقم وحديثه ليس بذلك النقي)([40])  وقال فيه الشيخ قدس سره كذلك ايضاً .       

فيظهر من هذه الموارد ونظائرها وهي كثيرة انهم كانوا يستنبطون من ملاحظة روايات الرجل ومشايخه بل ورواته ومعاشريه ضعفه ووثاقته. واما نقل التوثيق يداً بيد من ثقة الى ثقة فامر موهوم لا شاهد له بل الشواهد على خلافه فلو فرضنا وجود أصل عند العقلاء يدعى اصالة الحسّ فهو انما يجري إذا لم تدل القرائن على استناد الخبر الى الحدس والاستنباط.     

أضف الى ذلك ان اصالة الحس انما تفيد إذا سمعنا من زيد خبراً يحتمل فيه الاستناد الى الحس والاستناد الى الحدس واما إذا نقل الخبر عن غيره وهو عن غيره وهكذا فلا يكون الخبر حسياً بأصالة الحس وذلك لتوسط أصل آخر وهو حجية خبر الثقة الامر الذي يمنع عن كون الخبر حسيّاً فزيد مثلاً ينقل الخبر عن عمرو ولكن كون هذا الخبر خبراً لعمرو حتى نجري فيه اصالة الحسّ يتوقف على أصل آخر وهو حجية قول زيد وهكذا وعليه فيكون هذه الاخبار كلها حدسية لتخلل أصل مبتن على الحدس والاستنباط والنتيجة تابعة لأخس المقدمتين.    

وبما ذكرنا يظهر عدم تمامية ما ذكره دام ظله في المعجم (ان هذا الاحتمال (اي كون اخبارهم حدسية) لا يعتنى به بعد قيام السيرة على حجية خبر الثقة فيما لم يعلم انه نشأ من الحدس ولا ريب في ان احتمال الحس في اخبارهم ولو من جهة نقل كابر عن كابر وثقة عن ثقة موجود وجداناً. (ثم اضاف): كـيـف وقـد كـان تألـيف كـتب الـفـهـارس والـتـراجـم لـتـمـيـيـز الـصـحـيح من السقيم امراً متعارفاً عندهم وقد وصلتنا جملة من ذلك ولم تصلنا جملة اخرى؟! وقد بلغ عدد الكتب الرجالية من زمان الحسن بن محبوب الى زمان الشيخ زهاء خمسمائة كتاب على ما يظهر من النجاشي والفهرست وقد جمع ذلك البحاثة الشهير المعاصر الشيخ آقا بزرك الطهراني في كتابه مصفى المقال ــ الى ان قال ــ والنجاشي قد يسند ما يذكره الى اصحاب الرجال ويقول : ذكره اصحاب الرجال)([41]).

والظاهر ان الكتب التي تتعلق بالرجال لا يتجاوز عشر العدد المذكور. وكانه ايده الله اعتبر كتاب المشيخة للحسن بن محبوب من فهارس الرجال ولذا جعله في طليعتها وليس كذلك بل هو كتاب حديث جعله على ترتيب المشايخ نظير مسند احمد بن حنبل ثم بوّبه على معاني الفقه داود بن كورة كما ذكره النجاشي في ترجمته([42])  .

ثـم إنّ كـتـب الـرجال الـمذكـورة لـيـسـت بأجمعها فـي الـجـرح والتعـديل بل هي على سـتـة اقـسـام:

القسم الاول: ما وضع لعدّ اصحاب الائمة عليهم السلام على الترتيب من دون تعرض للوثاقة والضعف ومن هذا القسم رجال البرقي والظاهر ان كتاب رجال علي بن فضال وكتاب رجال عبد الله بن جبلة وكتاب رجال حسن بن علي بن فضال وكتاب رجال ابن عقدة ونحوها من هذا القسم ايضاً.

القسم الثاني: ما وضع لمعرفة الرجال. فمنه كتاب معرفة الناقلين للعياشي([43]). وکتاب معرفة الناقلين لنصر بن الصباح.([44]) وهذا القسم على الظاهر مختص بنقل ما روي في  مدح الرواة و ذمهم مع قطع النظر عن سند الراوية ومفادها .

القسم الثالث: ما وضع لتسجيل تواريخ الرجال وبيان مواليدهم ووفياتهم. ومنه تاريخ الرجال للعقيقي([45]). والظاهر ان كتاب التاريخ لأحمد بن الحسين الغضائري وكتاب التاريخ لابن عقدة من هذا القسم ايضاً.     

القسم الرابع: فهارس الكتب. ومن هذا القسم فهرست ابن بطة وينقل عنه الشيخ والنجاشي كثيراً. ومنه ايضاً فهرست الحسين بن الحسن بن بابويه تلميذ على بن بابويه([46]). وفهرست حميد بن زياد وفهرست محمد بن علي بن بابويه([47]). وفهرست ابن عبدون. وهذا القسم ايضاً لا يتضمن جرحاً ولا تعديلاً.     

القسم الخامس: ما وضع لبيان الممدوحين والمذمومين وهذا القسم مشتمل على الجرح والتعديل ككتاب للممدوحين والمذمومين لأحمد بن محمد بن عمار الكوفي ذكره النجاشي وقال حكى لنا ابو عبد الله الحسين بن عبيد الله انه اكبر من كتاب ابي الحسن ابن داود([48]). ويظهر منه انه لم يكن عند النجاشي. ومنه ايضاً كتاب الممدوحين والمذمومين لمحمد بن احمد بن داود. ويظهر من النجاشي انه كان لديه هذا الكتاب([49]) ولكنه من معاصري الصدوق وابن عمار السابق الذكر شيخه فلا يدل ذلك على وجود كتاب الجرح والتعديل في العهود السابقة كما هو المقصود. 

القسم السادس: المشيخات وهي تختص بذكر اسناد الروايات كمشيخة الصدوق ومشيخة الشيخ الطوسي. وهي لم توضع للجرح والتعديل.

 واما عبارة النجاشي (ذكره اصحاب الرجال) فلم يقصد بها الذكر بمدح او ذم وانما عبّر بذلك في موارد عدّ الرجل من اصحاب أحد من الائمة عليهم السلام. ولم نجد في رجاله نقلاً للتوثيق عن اصحاب الرجال. نعم ورد فيه التضعيف عن اصحابنا.

واما بالنسبة الى توثيقات المتأخرين فقد قال السيد الخوئي ايده الله في المعجم : (ومما تثبت به الوثاقة او الحسن ايضاً ان ينص على ذلك احد الاعلام المتأخرين بشرط ان يكون من اخبر عن وثاقته معاصراً للمخبر او قريب العصر مـنـه كما يـتـفـق ذلك فـي توثيقات الـشـيـخ منتجـب الـديـن او ابـن شـهـراشوب وامـا في غير ذلك كما في توثيقات ابن طاووس والعلامة وابن داود ومن تأخر عنهم كالمجلسي لمن كان بعيداً عن عصرهم فلا عبرة بها فإنها مبنية على الحدس والاجتهاد جزماً وذلك فان السلسلة قد انقطعت بعد الشيخ فاصبح عامة الناس الا قليلا منهم مقلدين يعملون بفتاوى الشيخ ويستدلون بها كما يستدل بالرواية على ما صرّح به الحلي في السرائر وغيره في غيره . والذي يكشف عما ذكرناه انهم حينما يذكرون طرقهم الى ارباب الاصول والكتب المعاصرين للمعصومين عليهم السلام يذكرون طرقهم الى الشيخ ويحيلون ما بعد ذلك الى طرقه..) الى آخر ما ذكره دام ظله([50]).   

اما القول بان العلماء بعد الشيخ كانوا مقلدين له فهو مما لا يمكن قبوله اذ لا شك ان الفتوى طبقاً للتقليد حرام خصوصاً إذا كان تقليدا للميت وما ذكره الشهيد وغيره فهو مع انه مختص ببعض العلماء ليس بهذا المعنى من التقليد المتعارف بل المراد به انهم كانوا متأثرين بأفكار الشيخ لعظمته وعلو مقامه في العلم كما ان ذلك يحصل لكثير من العظماء ولا يختص بالشيخ قدس سره ثم ان ذلك لا ربط له بسلسلة الاخبار والتوثيقات ولا وجه لانقطاع السلسلة.

واما ما ذكره من ان العلامة يستند في توثيقاته الى هذه المصادر فغير معلوم وقد ذكر له في مقدمة قاموس الرجال عدة مصادر لم تصل الينا([51]). واما إنّ جميع الطرق تنتهي الى الشيخ قدس سره فغير صحيح ايضاً كما يظهر بمراجعة المستدرك وهناك جماعة ينتهي إليهم طرق الاجازات كالسيد المرتضى والسيد الرضي والنجاشي والنعماني والصدوق من غير طريق الشيخ. واما ما نقله اخيراً عن الشهيد قدس سره من ان اصول المذهب كلها ترجع الى كتبه ورواياته اي الشيخ قدس سره فهو من المبالغات الواضحة.

 


[1]) عيون اخبار الرضا علیه السلام جـ2 ص 99 الی 121 باب العلل التی ذکر الفضل بن شاذان فی اخرها

([2]) عيون اخبار الرضا ج2 ص115.

([3]) ص 114 .

([4]) الظاهر ان سيدنا الاستاد اطال الله بقاءه نقل هذه القطعة من بعض الكتب الفقهية وليس في العيون روي عن بعض الائمة راجع ص 114

([5])ص97

([6]) الوسائل جـ5 ص15 ب6 من صلاة الجمعة.

([7]) العيون جـ2 ص109 ط النجف.

([8]) البحار جـ86 ص206.

[9] المستدرك ج2 ص278 ب3 من جهاد النفس

([10]) المستدرك جـ2 278 ب3 من جهاد النفس

([11]) العيون جـ2 ص110 ط النجف .

([12]) البداية جـ1 ص157 بيروت.

([13]) الغدير جـ8 ص160.

([14]) راجع جامع الاحاديث جـ1 الطهارة ص77 ب11 من التخلي .

[15] البقرة: 222

([16]) المصدر. المذكور ص76   ب10  حـ 1و2و3.

([17]) جامع الاحاديث جـ2 ص332 حـ3099.

([18]) جامع الاحاديث جـ1 ص219.

[19] وسائل الشيعة ج8 ص187 باب 1 من ابواب الخلل

 ([20]) المعجم جـ13 ص323

[21] المراد ما ياتي في الملاحظة الرابعة من قصة لقاء الفضل مع الحسن بن علي بن فضال

([22]) مرآة العقول جـ 4 ص 319.

[23] اقول ولكن السيد الخوئي قدس سره اعتمد عليه لوروده في اسناد كامل الزيارات قال في المعجم ج19 ص279(أقول: الظاهر أن الرجل ثقة يعتمد على رواياته وأما قول النجاشي من اضطرابه في الحديث والمذهب فلا يكون مانعا عن وثاقته أما اضطرابه في المذهب فلم يثبت كما ذكره بعضهم وعلى تقدير الثبوت فهو لا ينافي الوثاقة وأمااضطرابه في الحديث فمعناه أنه قد يروي ما يعرف وقد يروي ما ينكر وهذا أيضالا ينافي الوثاقة .ويؤكد ذلك قول النجاشي : وكتبه قريبة وأما روايته عن الضعفاء على ما ذكره ابن الغضائري فهي على تقدير ثبوتها لا تضر بالعمل بما يرويه عن الثقات فالظاهر أن الرجل معتمد عليه والله العالم)ولكنه رحمه الله عدل اخيرا عن هذا الراي بالنسبة لكامل الزيارات الا في من يروي عنه ابن قولويه بلا واسطة ومعلى ليس منهم.

([24]) المعجم جـ16ص198. ولكنه قدس سره ذهب الى توثيقه اخيرا لوروده في اسناد تفسير القمي قال (الظاهر أن الرجل ثقة وإن كان فاسد المذهب لشهادة علي بن إبراهيم بن هاشم بوثاقته غاية الامر أنه ضعيف في الحديث، لما في رواياته من تخليط وغلو وقد ذكر الشيخ أن ما يرويه من رواياته فهي خالية من الغلو والتخليط وعليه فلا مانع من العمل بما رواه الشيخ من رواياته)

[25] رجال الكشي ح 1025

([26]) رجال الكشي حـ993 .

([27] ) العيون ص120 ط النجف

 ([28]) العيون ص 126 ط النجف

 

[29] قال المحقق الهمداني في حاشيته على الرسائل في مبحث الاستصحاب والكلام حول حديث الاربعمائة (ان الملاك في حجية الاخبار عندنا تبعاً للمصنف قدس سره على افادة الوثوق بالصدور. والرجوع الى قول اهل الرجال انما هو لكونه من اسباب الاطمئنان)

([30] ) الحدائق جـ6  ص48

([31] ) التنقيح جـ1 الصلاة ص70

([32] ) شرح السيد ابوتراب الخوانساري على نجاة العباد ص 62.

([33] ) كتاب الصلاة جـ1 ص72

([34] ) رجال النجاشي ص48 المعجم جـ4   ص379

([35] ) المعجم جـ4   ص380

([36]) رجال النجاشي ص51 المعجم جـ 5 ص133

([37]) رجال النجاشي ص119 المعجم جـ7 ص124

([38]) رجال النجاشي  ص248 المعجم ص253 جـ15

([39] ) رجال النجاشي  ص248 المعجم ص253 جـ15.

([40] ) رجال النجاشي ص69 المعجم جـ2   ص26.

([41] ) المعجم المدخل ص 55  .

([42] ) المعجم جـ7   ص128 .

([43] ) رجال النجاشي  ص270.  

([44] ) رجال النجاشي ص334.

([45] ) رجال النجاشي ص62.                                                                          

([46] ) رجال النجاشي ص195 .

([47] ) الفهرست للشيخ ص71 

([48]) رجال النجاشي ص 74.  

([49]) راجع ص 298 من رجال النجاشي.

([50] ) المعجم جـ1 المدخل ص 56

([51] ) راجع قاموس الرجال ص15.