مكتب سماحة السيد مرتضى المهري

مباحث رجالية - توثيق اصحاب الامام الصادق عليه السلام

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين

هذه بعض المباحث في الرجال ومعرفة الكتب مما تلقيناها من دروس سيدنا الاستاد الفقيه البارع المرجع الاعلى السيد علي السيستاني دام ظله خلال الابحاث الفقهية، وكان أولها بتاريخ 14 ربيع الاول سنة 1398

المبحث الثاني: في امكان الحكم بوثاقة جماعة من اصحاب الامام الصادق عليه السلام للتصريح بوثاقتهم بنحو عام. وذلك بطرق عديدة اهمها اربعة:   

 الطريق الاول. ويتم في ضمن ثلاثة امور:

الامر الاول: ان هناك اربعة آلاف رجل من اصحاب الامام الصادق عليه السلام قد حكم بوثاقتهم. واساس هذه الدعوى عبارة الشيخ المفيد قدس سره في الارشاد حيث قال في شأن الامام عليه السلام : ( فان اصحاب الحديث قد جمعوا اسماء الرواة عنه من الثقات على اختلافهم في الآراء و المقالات فكانوا اربعة آلاف رجل)([1]) وحكي مثل هذه العبارة عن الفتّال قدس سره في روضة الواعظين وعن صاحب الانوار المضيئة وذكر مثل ذلك الشيخ الطبرسي قدس سره في اعلام الورى في مناقب الامام عليه السلام([2]). وقال ابن شهراشوب في المناقب في علمه عليه السلام : ( ينقل عنه من العلوم ما لا ينقل عن أحد وقد جمع اصحاب الحديث اسماء الرواة من الثقات على اختلافهم في الآراء  والمقالات وكانوا اربعة آلاف رجل، بيان ذلك : ان ابن عقدة مصنف كتاب الرجال لابي عبد الله عليه السلام عدّدهم فيه...) الى اخر ما ذكره.([3])  

وفي هذه العبارة التي تداولتها الايدي جهات من البحث:  

الجهة الاولى: في ان المراد هل هو عدّ كل واحد من اصحاب الحديث هذا الرقم اي اربعة آلاف ام انهم باستدراك اللاحق لمافات من السابق جمعوا هذا العدد من اصحاب الامام عليه السلام. وعلى الثاني فجمع هذا العدد انما هو مما اختص به أحدهم وهو الاخير بالطبع وليكن ذلك ابن عقدة كما صرح به ابن شهراشوب وغيره من المتأخرين واما الذين تصدوا لعدّ اصحاب الامام فهم جماعة منهم حميد بن زياد شيخ الكليني وهو من الطبقة التاسعة وحمزة بن القاسم العلوي وهو من الطبقة الثامنة او التاسعة واحمد بن سعيد بن عقدة الرجالي المعروف والشيخ الصدوق في ضمن كتابه (المصابيح) حيث خص المصباح التاسع بذكر من روى عن ابي عبد الله عليه السلام.     

والصحيح هو الاحتمال الثاني لغرابة القول بانّ كلاّ من اصحاب الحديث ذكروهم بهذا العدد الخاص وهو ظاهر العبارة ايضاً خصوصاً بملاحظة البيان الذي اضافه ابن شهراشوب (راجع عبارته) اذن فالجامع هو ابن عقدة. واما استدراك ابن نوح السيرافي لما فات عن ابن عقدة كما صرح به الشيخ والنجاشي فلا ينافي ذلك لان الشيخ المفيد حيث كان معاصراً لابن نوح لم يلق كتابه كما ان الشيخ الطوسي لم يلقه حسب تصريحه نعم تلمذ عليه النجاشي واستفاد من كتبه.

الجهة الثانية: الظاهر ان هذا العدد عدد تقريبي من باب التدوير في الاعداد وهو امر متعارف حيث يعبر في العشرات بالعدد العشراتي الكامل اي من دون ذكر العدد الآحادي إذا كان الزائد او الناقص أقل من نصف العقد وهكذا في المئات والالوف وهلم جراً. ومن هنا عبّر المحقق قده في المعتبر انه يقارب اربعة آلاف رجل وعلى ذلك فيمكن ان يكون الشيخ المفيد ومن تبعه قد رأوا كتاب ابن نوح ايضاً الا ان العدد التقريبي لكل منهما هو اربعة آلاف كما إذا كان العدد في رجال ابن عقدة 3700 رجلاً مثلاً وفي كتاب ابن نوح 4200 رجلاً وعلى هذا فتصريح الشيخ والنجاشي باستدراك ابن نوح مبني على الدقة في التعداد.

الجهة الثالثة: ان في كون هذا التوثيق صادراً من المفيد او من ابن عقدة بالخصوص او من اصحاب الحديث عموماً احتمالات ثلاثة:

اختار الاول الشيخ الحر العاملي في الفوائد الطوسية حسب نقل المامقاني في رجاله.([4]) ولكن الظاهر ان هذا التوثيق من اصحاب الحديث او من ابن عقدة فان الظاهر من العبارة ان اصحاب الحديث كانوا بصدد جمع الرجال الثقات من اصحابه عليه السلام فجمعوا مـنهـم اربعـة آلاف رجـل هـذا مـضافـاً الـى انـه لو كان اساس توثيق المفيد هو وثاقتهم بدليل صحبة الامام عليه السلام بالذات فهو ساقط قطعاً فان الصحبة لا تستلزم ذلك فلو لم يكن اصحاب الرجال المهتمون بجمع اسمائهم ملتزمين بجمع خصوص الثقات لم يكن هنالك مصدر آخر يستمد منه المفيد توثيق هذا العدد الكبير من الناس .

فتحصل من الامر الاول ان المستفاد من عبارة المفيد ومن تبعه ان ابن عقدة جمع هذا العدد من اصحاب الامام عليه السلام وحكم بوثاقتهم وان كان استناد التوثيق الى سائر اصحاب الحديث امراً محتملاً في نفسه إلاّ أنّ هذا المقدار هو المتيقن. 

 الامر الثاني: ان جميع من ذكرهم الشيخ في رجاله من اصحاب الصادق عليه السلام هم من هؤلاء الرجال الموثقين . قال الشيخ في مقدمة رجاله بعد التزامه بذكر اسماء جميع الرجال الذين رووا عنهم عليهم السلام حسب طاقته: (ولم اجد لأصحابنا كتاباً جامعاً في هذا المعنى الا مختصرات قد ذكر كل انسان منهم طرفاً الا ما ذكره ابن عقدة من رجال الصادق عليه السلام فانه قد بلغ الغاية في ذلك ولم يذكر رجال باقي الائمة عليهم السلام وأنا اذكر ما ذكره واورد من بعد ذلك ما لم  يذكره).([5])   

وفي هذه العبارة احتمالان منشأهما ان لابن عقدة بتصريح الشيخ والنجاشي عدة كتب في جمع اصحاب الائمة عليهم السلام إلاّ انه لم يصنف في جمع اصحاب الائمة المتأخرين عن الامام الصادق عليه السلام فمراد الشيخ من قوله (وانا اذكر ما ذكره واورد من بعد ذلك ما لم يذكره) هل هو ما ذكره في مجموع كتبه او خصوص ما ذكره في رجال الصادق عليه السلام؟ فعلى الاول المراد     مما لم يذكره اصحاب الائمة المتأخرين عن الامام الصادق عليه السلام باعتبار ان قوله لم يذكره يراد به تركه رأساً وعلى الثاني فالمراد استدراكه عليه فيما فاته من اصحاب الصادق عليه السلام استناداً الى تتبعاته والى المختصرات التي اشار اليها. والاحتمال الاول هو الذي يفيد في المقام اذ على الاحتمال الثاني لا يبقى مجال للقول بان رجال الصادق عليه السلام في كتاب الشيخ هم جميعاً من الموجودين في رجال ابن عقدة.

ويشهد لهذا الاحتمال ان قوله (بعد ذلك) ظاهر في التأخير بحسب الترتيب في الذكر وعليه فالمراد استدراكه بخصوص اصحاب الائمة المتأخرين عليهم السلام لان ذكرهم متأخر في رجال الشيخ عن ذكر اصحاب الامام الصادق عليه السلام ولا يريد استدراكه لأصحابه عليه السلام بذكر من لم يذكره ابن عقدة اذ لا وجه لتأخير اصحابه غير المذكورين في رجال ابن عقدة عن المذكورين فيه في الترتيب نعم لو اريد به التأخر الرتبي باعتبار ان كتاب ابن عقدة اصل في هذا الباب امكن ان يكون المراد استدراكه لأصحابه عليه السلام ايضا ولكنه احتمال بعيد جدا.

     ويشهد له ايضاً ان الاستدراك ينافي توصيفه كتاب ابن عقدة بانه بلغ الغاية في هذا الباب. والـمحـدث الـنـوري اسـتـظـهر هـذا الاحـتـمـال ايـضـاً انـتـصـاراً لاسـتـفادة هذا الـتـوثـيـق الـعـام.   

الامـر الثالث: في تقييم هـذا التوثيق عـلى كل مـن الـمحـتملات فيه وهي ثلاثة كـمـا مـر:

الاحتمال الاول: ان يكون التوثيق صادراً من اصحاب الحديث الذين جمعوا اسماء اصحاب الامام عليه السلام فأصبحت في المجموع اربعة آلاف رجل. وعلى هذا الاحتمال فالتوثيق معتبر بناءاً على اعتبار خبر الثقة او على حجية التوثيقات من باب شهادة اهل الخبرة. وذلك لان الموثقين على هذا الفرض وان كان فيهم الزيدي الجاوردي كابن عقدة والواقفي كحميد بن زياد الا ان فيهم ايضاً الامامي العدل كحمزة بن القاسم العلوي والشيخ الصدوق وغيرهما.

الاحتمال الثاني: ان يكون صادراً عن ابن عقدة فقط وحينئذ فيقع الكلام في حجية توثيقه من جهة كونه زيدياً جارودياً وقد اختلف في حجية توثيق غير الامامي فذهب العلامة الى عدم حجيته ولهذا عدّ ابن عقدة في القسم الثاني من رجاله وهو المخصّص لمن لا يعتمد على خبرهم وذلك من جهة انه يعتبر العدالة في الراوي وفساد المذهب من اوضح الفسق فيشمله الآيـة الآمـرة بالـتـبـيـن.

ولـكـن الاكـثـر ذهـبـوا الى حجـيـتـه لكفاية الوثاقة وعدم تأثير فساد العقيدة في التحرز عن الكذب. وهذا هو الصحيح بناءاً على حجية خبر الثقة وبناءاً على ان التوثيقات حجة من هذا الباب او من باب شهادة اهل الخبرة الموثقين واما بناءاً على حجية الخبر الموثوق به كما هو الصحيح فالاعتماد على توثيقات الرجاليين ليس إلاّ لتأثيرها في حصول الوثوق بالخبر. وحيث ان ابن عقدة وابن فضال وغيرهما من الرجاليين يعتبرون من اجلة العلماء من الموثقين لدى معاصريهم من اصحابنا فيعتمد على توثيقاتهم. 

الاحتمال الثالث: ان يكون التوثيق صادراً من المفيد ومن تبعه ممن ذكرناهم وقد يناقش في توثيقهم بوجهين:

الوجه الاول: ما ذكره المحقق البهبهاني قدس سره في الفوائد الرجالية حيث قال: (ومنها توثيقات ارشاد المفيد رحمه الله وعندي ان استفادة العدالة منها لا تخلو من تأمل كما لا يخفى على المتأمل في الارشاد في مقامات التوثيق).([6])

ولكن هذا الاشكال غير ضائر فان المعتبر عند المفيد ومعاصريه هو الوثاقة دون العدالة والمراد من الثقة عندهم الضابط المتحرز عن الكذب فعلى القول بكفايته لا مانع من الاعتماد على شهادة المفيد ومن تبعه. وفي هذا المورد بالخصوص لا يحتمل استفادة العدالة لتصريحهم بأنهم مختلفون في الآراء والمقالات.    

الوجه الثاني: ما ذكره المحقق الشيخ محمد نجل صاحب المعالم وهو خبير متضلع في الرجال وقد ذكر المحدث النوري ان كثيراً من تحقيقات الاستاد اي المحقق البهبهاني مأخوذ منه. وكيف كان فقد ناقش في هذا التوثيق على ما نقله المحقق البهبهاني بعد عبارته السابقة معللاً ذلك بقوله (لتحققها بالنسبة إلى جماعة اختص بهم من دون كتب الرجال بل وقع التصريح بضعفهم من غيره على وجه يقرب الاتفاق ولعل مراده من التوثيق امر آخر)[7] وغرضه ان هذا الامر يوجب وهناً في توثيق المفيد ويرجح احتمال بنائه في ذلك على التساهل والمسامحة . ولذلك احتمل المحقق المذكور ان يكون مراده من الوثاقة امراً آخر غير ما هو المعروف.    

وهـذا الـوجه وان كان غـير مستبعد في نـفسـه الا انه لا يوجب سلب الوثوق عن توثيقات المفيد قدس سره مع جلالة قدره. ولكن في هذا المورد بالخصوص – على تقدير كونه توثيقاً – يشكل الاعتماد عليه من جهة بعد احتمال كشفه عن وثاقة اربعة آلاف رجل من اصحاب الامام عن طريق الحسّ والظاهر انه يبني على الحدس ومن هنا ذكر الشيح الحرّ العاملي انه استفاده من الاخبار المادحة لأصحاب الامام عليه السلام بوجه عام([8]). إلاّ أنّ تلك الاخبار يقابلها اخبار كثيرة في ذمّ جماعة منهم وشكاية الامام عن عدم تحملهم للأسرار واذاعتهم لها ونحو ذلك. ومراعاة جانب الحسنات في الناس انما هو وظيفة اخلاقية ولكن نقد الرجال وتمحيص الاخبار يتوقف على ملاحظة جميع الجوانب والتشديد في المحاكمة.  

اذن فالتوثيق المزبور لو كان صادراً عن اصحاب الحديث أمكن الاعتماد عليه و ان كان صادراً عن ابن عقدة فالتوثيق من غير الامامي وان كان صادراً عن المفيد والجماعة فالتوثيق يبتني على الحدس.

واقوى المحتملات هو الاحتمال الثاني وذلك لما بيّناه من ضعف الاحتمال الثالث جداً لظهور العبارة في ان العدّادين تقيدوا بعدّ الثقات ولبعد احتمال توثيق المفيد لهذا العدد الكبير من الناس لو فرض ان العدادين لم يلتزموا بذكر الثقات خاصة. واما الاحتمال الاول فهو ضعيف ايضاً لما ذكرناه من ان ظاهر العبارة ان مأخذ الشيخ المفيد هو الجامع الاخير وان مراده من جمع اصحاب الحديث مشاركتهم فيه وان العمل تحقق بالجهد المجموعي وهو المتعارف في مثل ذلك فلو قيل ان العدادين أحصوا نفوس النجف مثلاً فكانوا كذا مقداراً يراد به ان مجموع العدّ الذي ساهم فيه كل واحد منهم بلغ هذا المقدار. ومن هنا يقال ان ابن نوح استدرك على ابن عقدة ما فاته من رجال الصادق عليه السلام ولـم يذكـر اسـتـدراكـه عـلى غـيـره. وحـيـث ان اقـوى المحتملات هو الاحتمال الثاني وقد عرفت ان توثيق ابن عقدة حجة حتّى على القول بحجية خبر الثقة فالتوثيق لا اشكال فيه.   

هذا غاية ما يمكن ان يقال في تقرير الطريق الاول إلاّ أنّ فيه بعض الملاحظات:

الملاحظة الاولى: وترتبط بالأمر الاول _ وهي ان المتيقن من هذا التوثيق _ على تقدير كونه توثيقا هو توثيق ابن عقدة وقد اختلفت عبارات القوم في النقل عن كتابه فمنهم من نقل عنه انه وثق هؤلاء الرجال كالمفيد ومن تبعه ومنهم من أطلق عدّه لهم من دون تعرض للتوثيق ومن هؤلاء النجاشي والشيخ والمحقق والشهيد والعلامة فانهم ذكروا كتاب ابن عقدة وعدّه رجال الصادق عليه السلام وذكر بعضهم انه بلغ اربعة آلاف الا انهم لم يقيدوا ذلك بالثقات.

قال النجاشي في ترجمته عند عدّ كتبه: (كتاب الرجال وهو كتاب من روى عن جعفر بن محمد عليه السلام) واما الشيخ فقد مرت عبارته ولو كان كلام ابن عقدة مشتملاً على توثيقهم لاهتم الشيخ بنقله. وقال المحقق في المعتبر: (وروى عنه من الرجال ما يقارب اربعة آلاف رجل). وقال العلامة في الخلاصة بشأن ابن عقدة: (له كتب ذكرناها في كتابنا الكبير منها كتاب اسماء الرجال الذين رووا عن الصادق عليه السلام اربعة آلاف رجل...) وقال الشهيد في الذكرى: (ودوّن من رجاله المعروفين اربعة آلاف رجل...ومن رام معرفة رجالهم والوقوف على مصنفاتهم فليطالع كتاب الحافظ ابن عقدة وفهرست النجاشي) وهذه العبارة تدل على بقاء كتاب ابن عقدة بأيدي العلماء الى زمان الشهيد. وهذا ايضاً مما يؤكد عدم وجود التوثيق فيه والا لنقله هؤلاء وغيرهم.

  فان قيل: لا تنافي بين النقلين لان الثاني مطلق والاول مقيد قلنا: ان المطلق قد يكون بمنزلة المقيد بالعدم وذلك حيث يكون التقييد موضع الاهتمام وما نحن فيه من هذا القبيل وذلك لاهتمام العلماء بنقل التوثيق ان كان صادراً عن ابن عقدة او غيره من اصحاب الجرح والتعديل وخصوصاً لدى الرجاليين كالشيخ والنجاشي والعلامة.

ويلاحظ ان المحقق ذكر عبارته السابقة في ضمن بيانه لعظمة الامام عليه السلام ومقامه العلمي بين المجتمع ونشره للمعارف ومن الواضح ان من يحضر لديه اربعة آلاف من الثقات فان مجموع المستفيدين منه يزيد على ذلك بكثير لقلة الثقات من الناس فلو كان ابن عقدة اشار الى وثاقة هذا العدد من رجاله لكان في ذلك دلالةً على كثرة هائلة في تلاميذ الامام عليه السلام ولكان ذلك دافعاً قوياً لذكره.

والحاصل ان هذا التقييد مما يجب التنبيه عليه والاخلال بها من الاخلال بما يجب ان يذكر. وعليه فعدم التقييد ينبئ عن عدم الوجود. وحينئذ يحصل التعارض بين نقل هؤلاء الاعاظم ونقل المفيد قده ومن تبعه. فأما ان نحكم بالتساقط او بتقديم النقل المطلق المساوق للتقييد بالعدم نظراً لأضبطيه الشيخ والنجاشي واهتمامهما بهذا الشأن.

ولعل ما ذكرناه هو السبب في ان الشيخ الحرّ والمحدث النوري نسبا التوثيق الى المفيد ومن تبعه دون ابن عقدة واصحاب الحديث وقد مرّ ان هذا الافتراض مع انه بعيد في نفسه وبعيد عن عباراتهم يوجب سقوط التوثيق عن الحجية رأساً لعدم احتمال استناده الى الحسّ. 

المناقشة الثانية: وترتبط بالأمر الأول ايضاً وهي ان عبارة المفيد ومن تبعه فيها احتمالان:   

الاحتمال الاول: ان يكون قولهم (من الثقات) بياناً عن الرجال. وعلى هذا الاحتمال تدل العبارة على ان توثيقاً قد صدر إمّا من صاحب العبارة واما من العدادين او من خصوص ابن عقدة.  

الاحتمال الثاني: ان تكون من بمعنى عن والمعنى حينئذ ان العدادين جمعوا اسـمـاء الـرواة اسـتـنـاداً الـى اقـوال الـثـقـاة وتـكـون مـتـعـلـقـة بـ (جـمـعـوا) والـغرض الاحتراز عن كون بعض الرجال الموجودين في قائمة اصحاب الامام رجالاً مختلفين وتكون الاسماء بلا مسمى كما هو الحال في بعض اصحاب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حسب تحقيق اجراه بعض المعاصرين بهذا الشأن وعلى هذا الاحتمال فلا يدل على المقصود اصلاً. وبذلك يظهر انه لا منافاة بين نقل المفيد والجماعة ونقل الشيخ الطوسي والنجاشي وغيرهما حيث لم يذكروا قيد الثقات اذ لا اهتمام به حينئذ.  

     المناقشة الثالثة: وترتبط بالأمر الثاني وهي تبتني على تقوية احتمال الاستدراك في عبارة الشيخ قدس سره التي نقلناها بان يكون مراده من قوله (واورد بعد ذلك ما لم يذكره) استدراكه على ابن عقدة في عدّه اصحاب الامام عليه السلام. ولا ينافيه كون ما جمعه الشيخ اقلّ من رجال ابن عقدة لأنه ترك من رجاله من لم يكن له مزيد اختصاص بالامام بينما جمع ابن عقدة كلّ من صحب الامام ولو مدة يسيرة في اوائل عهده كبعض اصحاب الامام الباقر عليه السلام او في اواخر عهده الشريف كبعض اصحاب الائمة المتأخرين عليهم السلام وكيف كان فلا يمنع ذلك من ذكره رجالاً من اصحابه المختصين به مع غفلة ابن عقدة عنهم. واما تعبيره عن كتابه بانه بلغ فيه الغاية فلعله بالنظر الى مقايسته بمختصرات سائر الاصحاب.

ويدل على ذلك ان الشيخ قدس سره قال في ترجمة ابن نوح السيرافي في الفهرست : ( وله تصانيف منها كتاب الرجال الذين رووا عن ابي عبد الله عليه السلام وزاد على ما ذكره ابن عقدة كثيراً)([9]) وقال النجاشي عند عدّه لتصانيف ابن نوح: ( كتاب الزيادات على ابي العباس بن سعيد في رجال جعفر بن محمد عليه السلام)([10]) وابن سعيد هو ابن عقدة . وذكر الشيخ بعد عدّ تصانيفه ان هذه الكتب كانت في المسوّدة ولم يوجد منها شيء. ويتبين منه ان الشيخ لم يستفد من هذا الاستدراك شيئاً الا ان ذلك يفيدنا ان الشيخ لم يكن يعتقد في كتاب ابن عقدة الاستيفاء التام لرجال الامام فلا يمنع من احتمال محاولته للاستدراك مستمداً من سائر المصادر.    

اذن فلا دليل على ان كل من ذكره الشيخ قدس سره موجود في رجال ابن عقدة وحيث ان الشيخ لم يتقيد بذكر الثقات فقط فيختلط الثقات بغيرهم في رجاله على فرض تسليم وثاقة رجال ابن عقدة.

____________    

الطريق الثاني لتوثيق اصحابه عليه السلام ويبتني على تغيير الامر الثاني في الطريق الاول بان يقال: ان قول الشيخ (واورد من بعد ذلك ما لم يذكره) يقصد به الاستدراك على ابن عقدة في عدّه لرجال الامام عليه السلام. وعلى هذا فالتوثيق لا يشمل اولئك الرجال الذين يختص الشيخ بذكرهم. وحينئذ يسري الاشكال في توثيق جميع الرجال المذكورين في رجال الشيخ باعتبار اختلاط الثقة بغيره. وهنا يأتي دور هذا الطريق لدفع الاشكال. وذلك بملاحظة ان الرجال الذين استدركهم الشيخ عددهم قليل جداً لما ذكرناه من تصريحه بانه لم يقف على رجال ابن نوح الذي زاد فيه على رجال ابن عقدة وكثرة اشغال الشيخ يمنع بالطبع من كثرة التتبع في المختصرات فلا بد ان يكون استدراكه بعدد قليل جداً.

وحينئذ فاذا لاحظنا كل رجل من الرجال المجهولين من اصحاب الامام عليه السلام فان احتمال كونه في رجال ابن عقدة احتمال قوي جداً بالنسبة الى احتمال كونه ممن استدركه الشيخ قدس سره وذلك بملاحظة النسبة بين عدد الرجال الذين نقلهم الشيخ عن ابن عقدة وعدد رجاله الذين اضافهم. فلو كان مجموع رجال الشيخ من اصحاب الامام 3050 رجلاً ولنفرض انه اضاف 50 من هذا العدد فيكون نسبة رجاله الذين اضافهم الى ما اخذه من ابن عقدة نسبة50 الى 3000 ومعنى ذلك ان احتمال كون كل رجل من الرجال الذين يشملهم التوثيق هو اقل من 2% وهذا احتمال ضعيف جداً.     

هذا ولكنّ هذا انما يفيد لو وصل الى حد يوجب الاطمئنان بكون الرجل المشكوك داخلاً في قائمة رجال ابن عقدة. مضافاً الى عدم تمامية الامر الاول كما مر.

الطريق الثالث: وهو ما يستفاد من كلام الشيخ الحر العاملي ويبتني ايضاً على تـسليم الامـر الاول والـثالث وتغيير في الامـر الـثاني. ونـنـقـل هـنا مقتطفات من عبارته على ما نقله المامقاني في رجاله عن الفوائد الطوسية قال: (اعلم ان الموجود من الرجال في كتاب الرجال لميرزا محمد بن علي الاسترابادي رحمهما الله وهو أحسن كتب الرجال واجمعها سبعة آلاف الا خمسين ..... والموجود فيه من اصحاب الصادق عليه السلام الفان وثمانمائة وزيادة يسيرة ..... (وقال بعد نقل بعض العبارات من المفيد ومن تبعه): واللازم من هذه العبارات توثيق جميع المذكورين في كتب رجالنا من اصحاب الصادق عليه السلام الا من نصّ على ضعفه ..... لكن يحصل الشك من حيث ان الاربعة آلاف غير منصوص على اعيانهم في عبارة المفيد وابن شهراشوب والطبرسي فلعلهم غير المذكورين في كتب الرجال او بعضهم من المذكورين وبعضهم من غيرهم ولا يخفى بعد احتمال المغايرة على من تتبع كتب الرجال .... ).([11])   

     وناقش فيه المامقاني بقوله: (كيف يمكن البناء على وثاقة المعينين الموجودين في الاخبار بمجرد الشهادات التي نقلها مع العلم بان جمعاً كثيراً منهم ضعفاء فهو من شبهة الكثير في الكثير من المحصور الذي أثبتنا في الاصول لحوقها بالشبهة المحصورة في لزوم الاحتياط فيها).

ولكن هذه المناقشة يمكن دفعها بان العلم الاجمالي بوجود جمع من الضعفاء في اصحاب الامام عليه السلام منحلّ بالعلم التفصيلي بعدد معلوم من الضعفاء وذلك لان عدد المعلوم بالإجمال غير معين فيحتمل انطباقه على عدد المعلوم بالتفصيل فينحل العلم الاجمالي بالضعفاء.

ويبقى علم اجمالي آخر وهو متعلق بوجود ثقات في مجموعة الرجال والمعلوم بالإجمال هنا عدد كبير جداً يقارب اربعة آلاف نفر ولا ينحل هذا العلم بوجود عدد معلوم بالتفصيل من الثقات وذلك لان هذا العدد ضئيل جداً بالنسبة الى عدد المعلوم بالإجمال فهو غير قابل للانطباق.

وبالتالي يبقى العلم الاجمالي بوجود الثقات بعدد كبير يمكن ان يغطي جميع الموجودين كما هو المفروض بعد خروج الضعفاء المعلومين والثقات المعلومين وعـليه فـشمول الـتوثيق للـموجوديـن مما يـطمأن بـه او يظـن بـه عـلى اقـل تقدير والظن الرجالي حجة عند المعترض والمعترض عليه. اما نحن فيتوقف الامر عندنا على حصول الوثوق والاطمئنان وهما مفقودان في المقام مضافاً الى عدم تمامية الامر الاول.

الطريق الرابع : وهو يرتبط بخصوص رجال النجاشي وقد اشار الى هذا الطريق الحرّ العاملي حيث قال: (ومنهم (اي الاربعة آلاف) جماعة مذكورون في كتاب النجاشي وغيره من اصحاب الصادق عليه السلام وقع التصريح بان ابن عقدة ذكرهم في كتاب الرجال ....)([12])    

وفصّل ذلك المحدث النوري في خاتمة المستدرك حيث قال بعد نقل عبارات التوثيق وان كل من ذكره ابن عقدة فهو ثقة : ( واما الشيخ النجاشي فذكر هذا الكتاب اجمالاً في مؤلفات ابن عقدة ثم في التراجم كثيراً ما يقول ذكره ابو العباس او في الرجال او في كتابه او ذكر في رجال ابي عبد الله عليه السلام مشيراً الى وجوده في الكتاب المذكور الا ان الغالب انه يوثقه ايضاً وانما ينتفع بذلك فيمن لم يوثقه صريحاً وقنع بكونه ممن ذكره ابن عقدة كأسباط بن سالم الزّطّي والحسين بن حمّاد والحسين بن ابي العلاء وبسام بن عبد الله الصيرفي وتليد بن سليمان ابن ادريس المحاربي وجرّاح المدائني وحكم بن مسكين و داود بن زربي وذريح المحاربي وصالح بن سعيد القماط وعبد الملك بن عتبة الهاشمي اللهبي ومحمد بن خالد الاشعري وموسى بن طلحة القمي ).([13])  

هذا والتأمل يقضي بملاحظة ترجمة كل واحد من الجماعة المذكورين وعبارة النجاشي تختلف في هذه الموارد على اربعة اقسام: 

 القسم الاول: من صرح في ترجمته بان ابن عقدة ذكره في كتابه باي تعبير كان وهم: حسين بن ابي العلاء وداود بن زربي وذريح المحاربي وعبد الملك الهاشمي وهذا لا اشكال في عدّه من رجال ابن عقدة.

 القسم الثاني: من قال فيه (ذكر في رجال ابي عبد الله عليه السلام) ومن هذا القسم حسين بن حمّاد ومن الواضح ان رجال ابي عبد الله عليه السلام لا تنحصر فيمن ذكره ابن عقدة فهناك كتاب حميد بن زياد وحمزة بن القاسم العلوي والشيخ الصدوق وكتاب ابن نوح. [14]

القسم الثالث: من قال فيه: (ذكر في كتاب الرجال) فمن ذلك بسام بن عبد الله الصيرفي. ودعوى ان المراد بهذا الكتاب هو كتاب ابن عقدة تتوقف على دعوى انصراف هذا اللفظ اليه وعهدتها على مدعيها.

القسم الرابع: من قال فيه: (ذكره ابو العباس) وهذه الكنية في كتاب النجاشي تذكر لاحد الرجلين ابن نوح وابن عقدة. فقد يقيده بـ (ابن سعيد) او (ابن نوح) وبذلك يتبين المقصود وقد يطلق كما صنفه في جراح المدائني وحكم بن سكين وصالح بن سعيد ومحمد بن خالد الاشعري وموسى بن طلحة واسباط بن سالم وتليد بن سليمان، وحينئذ فمن المحتمل حمله على ابن نوح نظراً الى جلالته وكونه امامياً وبالأحرى لكونه استاد النجاشي ومن المحتمل حمله على ابن عقدة لشهرته وهو مشكل ولا اقل من الشك. وفي رجلين من المذكورين لابد من حمله على ابن نوح لوجود الشاهد وهما موسى بن طلحة ومحمد بن خالد، اما الاول فلانه وصفه بكونه قريب الامر فليس من اصحاب الصادق عليه السلام ولم يذكره ابن عقدة واما الثاني فلانه قال بعد ذكره: (قال ابو العباس أخبرنا ..... قال أخبرنا عنه .....) وحيث انه لا ينقل عن ابن عقدة بلا واسطة وينقل عن ابن نوح فلا بد من حمله عليه.

هذا ولكن المهم اثبات الامر الاول وقد بينا فساده.

 


([1]) الارشاد ص 304 ط النجف

([2]) اعلام الورى ص284 ط النجف

([3]) المناقب جـ 1 ص 372 ط النجف.

([4] ) رجال المامقاني  جـ1  ص217

([5] ) الابواب (رجال الطوسي) ص 17

([6] ) الفوائد الرجالية ص52

[7] المصدر السابق

([8] ) راجع تنقيح المقال للمامقاني المقدمة جـ 1 ص 218.

([9] ) الفهرست ص61 ط النجف بعنوان احمد بن محمد بن نوح.

([10] ) رجال النجاشي ص63  ط قم بعنوان احمد بن علي بن عباس بن نوح

([11] ) تنقيح المقال المقدمة ص217

([12]) تنقيح المقال المقدمة ص 218.

([13]) المستدرك جـ3 ص771 .

 

[14] اقول: هناك قرينة على ان المراد برجال ابي عبد الله عليه السلام هنا المذكورون في كتاب ابن عقدة وذلك لقوله بعد ذلك: أخبرنا احمد بن محمد عن احمد بن محمد بن سعيد ..... واوصل السند اليه وابن سعيد هو ابن عقدة. وهذه القرينة في جماعة من القسم الرابع وهم تليد وجراح وحكم وصالح واسباط واما بسام الذي ذكره سيدنا الاستاد دام ظله في القسم الثالث فهو من القسم الرابع ايضاً لقوله فيه – حسب نسختي – ذكره ابو العباس في الرجال. وبذلك لا يبقى مورد النقض على المحدث النوري الا في ثلاثة منهم وهم بسام وموسى بن طلحة ومحمد بن خالد. هذا ومن الممكن اضافة عدد كبير الى من ذكرهم المحدث النوري بهذا الطريق الذي أشرنا اليه وهو ان يلاحظ السند فان كان فيه ابن عقدة دل ذلك على كونه مذكوراً في رجاله.