مكتب سماحة السيد مرتضى المهري

قاعدتا الفراغ والتجاوز

بسم الله الرحمن الرحيم

ما أوردته هنا من تقارير عن بحوث سيدنا الاستاد المرجع الديني الأعلى السيد السيستاني دام ظله انما هو ما فهمته من ابحاثه وقد بذلت غاية جهدي في معرفة ما يلقيه علينا من تحقيقات عميقة ولكنه حفظه الله تعالى كان غواصا قديرا فيدخل في أعماق البحوث والمعارف ولست واثقا من بلوغ كنه ما أراد فان كان فيه خطأ فهو من فهمي القاصر وأجلّ سيدنا الاستاد دام علاه عن قول ما لا يليق بعلوّ مكانته العلمية وأعتذر منه ومن القرّاء الأعزّاء عن كلّ ما فيه من أخطاء والجدير بالذكر ان هذا التقرير مرتبط بدورة سابقة لمحاضرات سماحته في الاصول وهناك اختلاف كثير بينها وبين محاضراته الاخيرة والله تعالى المسدّد والموفّق للصواب.

مرتضى المهري

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

قاعدتا الفراغ والتجاوز

 

 

قاعدة الفراغ وقاعدة التجاوز قاعدتان فقهيتان ويبحث عنهما في الاصول عادة بعد مباحث الاستصحاب لارتباطهما به.

ونتعرض هنا لعدة مباحث حول القاعدتين:

 

المبحث الاول:

في ان قاعدة الفراغ بصورة اجمالية هي البناء على صحة العمل إذا شك فيها بعد الفراغ منه. وقاعدة التجاوز بصورة اجمالية هي البناء على اتيان الجزء الدخيل في المركب الاعتباري اذا شك فيه بعد تجاوز محله.

وهاتان القاعدتان ترتبطان ببعض القواعد الشرعية ارتباطاً موضوعياً وارتباطاً اثرياً. والمراد بالارتباط الموضوعي الوحدة النوعية في الموضوع بحيث يوجب احتمال ان يكون القاعدة داخلة تحت قاعدة اوسع مما ذكرناها بصورة اجمالية. والمراد بالارتباط الاثري الاتحاد من حيث النتيجة ولو اجمالاً بحيث تغني احدى القاعدتين المرتبطتين عن الاخرى مطلقا او في بعض الموارد.

واختيار هذا المنهج في البحث يؤثر في الاستظهار من الروايات.

ثم ان قاعدة الفراغ يمكن أن تبنى على وجهين: بنائي وحقيقي. وقد التزم المحقق العراقي والسيد الحكيم قدس سرهما بالاول. والمراد به ان المكلف إذا علم بصحة العمل بعد الفراغ ثم شك بنحو الشك الساري لا يعتني بهذا الشك. والمرد بالفراغ الحقيقي ان يشك المكلف في صحة العمل بعد الفراغ فلا يعتبر فيه العلم بالصحة ثم الشك فيه.

والاول مرتبط بقاعدة اليقين والنسبة بينهما عموم مطلق لان قاعدة اليقين موردها مطلق الشك فيما تيقن فيه اولاً بنحو الشك الساري سواء كان مفاد كان او ليس تامتين او ناقصتين. وقاعدة الفراغ البنائي يختص بالعلم بالصحة في العمل ثم الشك فيه. اذن فقاعدة الفراغ البنائي جزئي من قاعدة اليقين.

واما قاعدة الفراغ الحقيقي فهي مرتبطة باصالة الصحة بوجه عام فهي في الحقيقة كما قيل اجراء لاصالة الصحة في عمل نفسه واصالة الصحة بوجه خاص مختص بعمل الغير. فتمكن استفادة حجية اصالة الصحة بوجه عام من بعض ادلة قاعدة الفراغ وبذلك لا يبقى مجال لقاعدة الفراغ بحدّه الخاص.

وترتبط ايضاً بقاعدة التجاوز. والارتباط الموضوعي بينهما محل للنقاش والبحث. الا ان تصويره يمكن بان يقال: كل شيء مضى بالمعنى الاعم من مضي نفسه او محله فلا يعتنى بالشك فيه. والمضي يصدق بمضي المحل عرفاً. وعليه فيمكن ان يدعى وحدة القاعدتين كما ادعاه بعض المحققين وسيأتي الكلام فيه ان شاء الله تعالى. واما قاعدة الفراغ البنائي فلا ربط لها بقاعدة التجاوز.

واما قاعدة التجاوز فقد علم مما ذكرنا ارتباطها بقاعدة الفراغ الحقيقي. وترتبط ايضاً بقاعدة (الوقت حائل) فان مضي الشيء بمضي محله الذي هو المناط في قاعدة التجاوز يمكن ان يلاحظ بنحو عام يشمل المضي بمضي الوقت الذي هو مناط قاعدة (الوقت حائل) فتتحد القاعدتان.

واما الارتباط الاثري اي الاتحاد من حيث النتيجة ولو اجمالاً بين قاعدتي الفراغ فواضح كما إذا علم بعد العمل بصحته ثم شك فيها فانهما معا تجريان وتجري هنا قاعدة اليقين بالمعنى العام ايضاً. وتجري قاعدة التجاوز ايضاً لانه شك بعد المحل ولذا قال بعض الاعاظم ان جعل قاعدة الفراغ لغو مع جعل قاعدة التجاوز لان الثانية اعم.

وهذه القواعد ترتبط مع قاعدة (لا تنقض السنة الفريضة) على اصطلاحنا وقاعدة (لا تعاد) على اصطلاح القوم. وعليه فاذا ورد في رواية ان الشاك في القراءة وهو في الركوع يمضي في صلاته يحتمل ان يكون من جهة انطباق قاعدة التجاوز ويحتمل انطباق قاعدة لا تنقض بل هي تنطبق حتى مع العلم بترك القراءة. وهكذا في مورد تطبيق قاعدتي الفراغ كما إذا كان بعد الصلاة.

ومن هنا تبين ان ارتباط هاتين القاعدتين مع بعض القواعد ارتباطا موضوعياً يؤثر في تحديد حدود القاعدتين وانهما هل تندرجان تحت قاعدة اوسع موضوعاً أم لا؟

وارتباطهما الاثري مع بعض القواعد يفيدنا في كيفية الاستظهار من الروايات فان بعضها كالمثال السابق تنطبق على قاعدتين او اكثر. فكل ما ورد من الروايات مما كان لسانها لسان الفتيا وكانت قابلة لانطباق اكثر من قاعدة لا يمكن استظهار بعضها بالخصوص. واذا كان بين قاعدتين من حيث النتيجة والاثر عموم وخصوص مطلق نحكم بلغوية جعل الاخصّ بعد جعل الاعم. وبهذه الكبرى تمسك بعض الاعاظم في درج قاعدة الفراغ في قاعدة التجاوز.

وبذلك ينحل اشكال ايضاً وهو تطبيق قاعدة التجاوز او الفراغ في موارد لا اثر لها كالشك في الاقامة او الاذان بعد تجاوز المحل فان القطع بعدمها لا يضر فكيف بالشك فان القاعدة المنطبقة هنا هي قاعدة لا تنقض. وايضاً لا يمكن التمسك ببناء العقلاء في صحة احدى هذه القواعد لامكان تفسير البناء بقاعدة اخرى.

 

المبحث الثاني:

في ان هاتين القاعدتين هل هما قاعدتان عقلائيتان امضاهما الشارع ام هما شرعيتان محضاً؟

اما قاعدة الفراغ البنائي فان لوحظت باعتبارها فرعاً من قاعدة اليقين فقاعدة اليقين ليست قاعدة عقلائية بل ادعى الشيخ الانصاري قدس سره الاجماع على عدم حجيتها ولم يعلم القائل بها عدا الشلمغاني في كتاب التكليف على ما في الكتاب المعروف باسم (فقه الرضا عليه السلام) بناءاً على ما قويناه من وحدة الكتابين.

واما بلحاظ معناها الخاص فلم يعلم بناء العقلاء عليه ايضاً والتعليل في الرواية بانه حين العمل اذكر ليس الا لتقريب الامر إلى الذهن وليس استشهاداً ببناء عقلائي. مع انه لم يدّع احد بناء العقلاء على الفراغ البنائي.

وادعى السيد البروجردي قدس سره ان قاعدة الفراغ الحقيقي جزء من اصالة الصحة بالمعنى العام وهي مما بنى عليها العقلاء في عمل الغير للزوم ذلك في تنظيم امورهم وعدم اختلالها ولولاه يلزم العسر والحرج وهذا المدعى ثابت بنفسه في اصالة الصحة في عمل النفس وانكر كون قاعدة التجاوز مما بنى عليها العقلاء.

وادعى جماعة منهم السيد الخوئي ايده الله ان قاعدة الفراغ والتجاوز او المعنى العام الشامل لهما من القواعد العقلائية وعلل ذلك بامر نفسي وهو ان الانسان إذا علم بالاجزاء والشرائط الدخيلة في عمل مركب واراد ايجاده خارجاً سواء كان من موضوعات الاحكام ام متعلقاتها اما لتفريغ الذمة او لتحقيق ما يترتب عليه من احكام فيكون كمال توجهه إلى تحقيق العمل باجزائه وشرائطه الوجودية والعدمية فاذا احتمل الاخلال بجزء او شرط لا يعتني بهذا الاحتمال وعليه سيرة العقلاء وهو المعبر عنه باصالة عدم الغفلة لان الاخلال لا يكون حينئذ الا بالغفلة. ولا فرق في ذلك بين كون الشك بعد الفراغ أو حين العمل.

وهذا الاصل مما تبتني عليه حجية الظواهر ايضاً لدفع احتمال الغفلة حين التكلم. وكذا حجية خبر الثقة فانها ايضاً لا تتم بدون هذا الاصل لاحتمال غفلة الراوي عن بعض القرائن والظروف المقارنة للرواية.

ولابد في دعوى بناء العقلاء من ملاحظة كتب العامة والقوانين المدنية والعادات الاجتماعية لاحصاء الشواهد الدالة على ذلك لعدم اختصاص بناء العقلاء بفهم العلماء.

أما ما ادعاه السيد البروجري قدس سره من بناء العقلاء على اصالة الصحة من جهة لزوم العسر والحرج واختلال النظام فعلى افتراض القبول يتوقف تأسيس هذه القاعدة على عدم وجود قواعد اخرى تتكفل لرفع العسر والحرج وتنظيم الامور الاجتماعية بحيث لا يتوقف الامر على اجراء اصالة الصحة وان كانت كل قاعدة منها لا تفي بجميع الموارد الا ان كلاً منها يتكفل لبعضها.

وسيأتي تفصيل الكلام في امكان الاستغناء من اصالة الصحة في عمل الغير في البحث عن اصالة الصحة.

ولو سلّمت هذه الدعوى فهي تختص باصالة الصحة في عمل الغير ولا وجه لاسرائه إلى عمل المكلف نفسه.

هذا مضافا الى استبعاد كون اصالة الصحة في عمل الغير اصلا عقلائيا بملاحظة انه لم يرد في النظام الإسلامي رواية واحدة تدل عليها مع انه اوسع النظم الاجتماعية. وقد لاحظنا القوانين المدنية القديمة والحديثة فلم نجد لهذا الاصل اثراً.

واما ما ادعاه السيد الخوئي ايده الله وجماعة من المحققين فليس عليه شاهد من بناء العقلاء وفهم الفقهاء من الروايات وقد لاحظنا كتب العامة في مسائل الشك مما تجري فيها هاتان القاعدتان فلم نجد منهم التزاماً بهما.

قال السيوطي في فروع قاعدة من شك هل فعل شيئا او لا فالاصل انه لم يفعله (ومنها شك في اثناء الوضوء او الصلاة او غيرهما من العبادات في ترك ركن وجبت اعادته فلو علمه وشك في عينه اخذ بالاسوأ)([1])

ومبنى ما ذكره هو اجراء الاستصحاب كما لا يخفى فلا تجري القاعدة عنده.

ويظهر ذلك ايضا من سؤال زرارة عن الامثلة واحداً واحداً في الصحيحة التالية فان السّر في ذلك هو ان القاعدة الجارية بحسب الجو الفقهي آنذاك في هذه الموارد هي الاستصحاب وهو يقتضي البطلان فكان يستغرب من الحكم بالصحة إلى ان تفضل الامام عليه السلام بالقاعدة الكلية.

قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: (رجل شك في الاذان وقد دخل في الاقامة قال: يمضي قلت: رجل شك في الاذان والاقامة وقد كبر قال: يمضي. قلت: رجل شك في التكبير وقد قرأ. قال: يمضي. قلت: شك في القراءة وقد ركع. قال: يمضي. قلت: شك في الركوع وقد سجد. قال: يمضي على صلاته ثم قال: يا زرارة إذا خرجت من شيء ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشيء).([2])

ويلاحظ في اسئلته ان منها ما لا دخل له في صحة الصلاة الاّ انه توهم ذلك فسأل ومنها ما فيه شبهة الركنية فرأى ان الشك فيه غير ضائر ومنها ما تشمله قاعدة لا تنقض السنة الفريضة وهو القراءة بعد الدخول في الركوع ومنها ما هو ركن قطعا يضر نقصانه بالصلاة ولو سهواً وهو الركوع وهنا آخر سؤال سأله زرارة ولما رأى ان ذلك ايضاً لا يضر الشك فيه في الصلاة تحير في استخراج القاعدة الكلية فتفضل عليه الامام عليه السلام بذكرها.

ومن هنا نستكشف ان استغراب زرارة الظاهر من كثرة اسئلته انما هو من جهة عدم وجود قاعدة تفسّر الصحة في مورد السؤال الاول والثاني وهكذا ولو كانت قاعدة الفراغ او التجاوز قاعدة عقلائية لم يكن له وجه.

وأما ما نلاحظه في اعمالنا فهو ايضاً لا يطابق هذه القاعدة وليس فيها لاصالة عدم الغفلة شاهد أصلاً فنلاحظ مثلا ان المؤلف إذا شك في كتابة بعض الفصول يراجع ما مضى ولا يعتمد على اصالة عدم الغفلة، ومن يكتب معجماً في الرجال فيشك في تسجيل احدهم ممن قد مضى موضع ذكره حسب الترتيب يراجع ولا يعتمد على هذا الاصل، ومن يعد مالاً وان كان يسيراً فيشك في صحة تعداده يكرّر ولا يعتمد على الاصل، ومن يكتب رسالة لاحد يراجع بعد انتهائه منها للتأكد ولا يعتمد على الاصل وهكذا.

نعم قد يعتمد الانسان على صحة ما مضى إذا مضى زمان طويل وكان الانسان متعارفاً وكان الرجوع إلى العمل وملاحظته غير ميسور عادة. ولكن هذا من باب قانون مرور الزمان لا اصالة عدم الغفلة حتى لو كان الشك بعد العمل مباشرة خصوصاً في العمل القصير كقول الله اكبر مثلاً. واما القوانين المدنية القديمة والحديثة فلم نجد فيها شاهداً على هذا الاصل كما مر.

 

المبحث الثالث:

في ما يستفاد من روايات الباب وهنا اربعة آراء:

الرأي الاول: ان المستفاد منها جميعاً هو قاعدة التجاوز فقط واليه ذهب بعض اعاظم العصر.

الرأي الثاني: ان المستفاد منها جميعاً هو قاعدة الفراغ فقط. وهو مذهب المحقق النائيني قدس سره.

الرأي الثالث: ان المستفاد من بعضها قاعدة الفراغ ومن بعضها قاعدة التجاوز. وعليه جمع من المحققين.

الرأي الرابع: ان المستفاد منها جميعاً قاعدة واحدة جامعة بين القاعدتين بمعنى ان الفعل بعد ما مضى اما بمضي محله او مضيه حقيقة لا يعتنى بالشك فيه.

ومستند الرأي الاول ما ذكره بعض الاعاظم من ان الرواية التي يتمسك بها في قاعدة الفراغ هي رواية محمد بن مسلم: كلما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو. وهذه الرواية لابد من حملها على قاعدة التجاوز وذلك لان الشك في الشيء لا يشمل الشك في الصفات والخصوصيات وانما يختص بالشك في وجود الشيء بحسب ظاهر اللفظ. فصدر الرواية يختص بالشك في وجود الشيء.

واما ذيل الرواية ففيه قرينتان تدلان على ان المراد الشك في صفات الشيء وهما قوله: مما قد مضى الظاهر في مضي الشيء بنفسه. وقوله: فامضه: الظاهر في الانفاذ المتوقف على وجود الشيء. ولكن لا يمكن رفع اليد عن ظاهر الصدر بظاهر الذيل لقوة ظهوره.

قال: والشاهد على ان المراد بالشك في الشيء الشك في الوجود التعابير الواردة في سائر الروايات التي لا تحتمل غير هذا المعنى.

فمنها رواية محمد بن مسلم في رجل شك بعدما سجد انه لم يركع.

ومنها مرسلة الصدوق في الهداية: قال الصادق عليه السلام: ان شككت أنك لم تؤذن وقد اقمت فامض الخ. ([3])  قال: ومرسلة الصدوق بهذا النحو حيث يجزم في اسناده إلى الامام يدخل عندي في سلك الموثقات اذ لا يقصر عن توثيق الكشي والنجاشي والشيخ. فهذا القول بمنزلة توثيق الرواة.

قال: وكذا ما ورد في فقه الرضا فان التعبير وان كان بالشك في الشيء الا انه ذكر في ذيل الحديث ولا تلتفت إلى الشك الا ان تستيقن وهذا لا تحتمل الا التعلق بوجود الشيء.

قال: فان قلت: ان رواية الصدوق هو عين رواية زرارة او رواية اسماعيل بن جابر وليس فيها هذا التعبير والصدوق نقل الرواية بالمعنى قلت: لا ضير فان فهم الصدوق لمعنى الرواية ايضاً لا يقصر عن الرواية في التأييد.

ومنها رواية محمد بن منصور: قال: سألته عن الذي ينسى السجدة الثانية من الركعة الثانية او شك فيها فقال: إذا خفت ان لا تكون قد وضعت وجهك الا مرة واحدة.. الحديث([4]) .

فحيث ان المسؤول عنه اجاب بما يفهم منه انه فهم من السؤال كون الشك في الوجود فهذا قرينة على المراد في سائر الروايات.

ثم أضاف بان هذه الروايات مشيرة إلى اصالة عدم الغفلة التي بنى عليها العقلاء. وهي لا تختص بالفراغ من العمل بل تجري حتى حال العمل. فالمنساق من الروايات هو قاعدة التجاوز لا الفراغ. وما ورد في رواية محمد بن مسلم من قوله وان كان لم يستيقن الا بعد ما فرغ فلا يدل على خصوصية في الفراغ وانه اخذ على نحو الموضوعية بل لا يبعد ان يكون من باب ذكر المصداق. (انتهى ملخصا).

اما قوله: ان الشك في الشيء ظاهر في الشك في وجوده فمخالف لما ذكره اللغويون، قال الراغب في المفردات: (الشك ربما كان في الشيء هل هو موجود او غير موجود وربما كان في جنسه من اي جنس هو وربما كان في بعض صفاته وربما كان في الغرض الذي لاجله وجد).

وان ادعى انه ظاهر انصرافاً فمع انه انصراف بدوي فيه انه من اين اكتسب هذه القوة التي اوجب رجحانه على ظهور الذيل؟!

بل ظاهر الرواية خصوص ما مضى من العمل لان قوله: مما قد مضى بيانية فهو يبين ما شك فيه ويحدده بان يكون من العمل الماضي. ولا اشكال في ظهور الانفاذ بل اختصاصه بالعمل الماضي فلو فرضنا ظهور الشك في الشيء في الشك في الوجود لابد من رفع اليد عن ظهوره لصراحة الذيل.

ولو سلمنا ظهور الشك فيما ذكر وعدم رجحان ظهور الذيل عليه فلابد من استظهار القاعدة العامة لان ظهور كل منهما يحدد الآخر فلا يختص القاعدة بمورد الشك في الوجود ولا مورد العلم بالمضي والشك في الصحة بل هي قاعدة عامة للموردين.

واما الاستشهاد بالروايات الواردة في الشك في الوجود فانما يصح في تصحيح استعمال الشك في الوجود وهذا لم ينكره احد ولا يدل على اختصاص استعمال الشك بهذا المورد والتعبير فيها مخالف للتعبير فيما نحن فيه فلا يكون شاهداً.

والاستشهاد برواية محمد بن منصور ايضاً لا وجه له فان الشك هناك مقرون بالنسيان المختص بصورة عدم تحقق الشيء وهذا قرينة على ان المراد بالشك الشك في الوجود فلا يكون شاهداً لما نحن فيه حيث لا قرينة عليه بل القرينة على العدم.

واما تصحيح مرسلة الصدوق بما ذكر فغريب فان الصدوق لم يلتزم بعدم الرواية الا من الثقاة وانما يروي كما صرح به في مقدمة الفقيه ما يثق به ويجعله حجة بينه وبين ربه. واما فهمه لما نقله بالمعنى فلا حجية فيه.

واما اصالة عدم الغفلة فقد مر الكلام فيها. وقد ذكر المحقق النائيني في توجيهها ان الانسان إذا اراد عملاً مركباً فان ارادة كلية بالنسبة إلى جميع اجزاء العمل ينقدح في نفسه ويتشعب منها ارادات جزئية بمباديها بالنسبة إلى كل جزء جزء. والغفلة هي الموجبة لعدم تشعب ارادة جزئية بمباديها بالنسبة إلى احد الاجزاء عن الارادة الكلية وهو امر على خلاف الموازين الطبيعية فالاصل عدمه.

ونقول: وأعجب منه ان يحصل الشك للانسان بعد الفراغ من العمل مباشرة مع كون العمل قصيراً. وكيف يحصل الشك بعد ان كان الانسان مشغولاً بهذا النشاط النفسي الشاق لقراءة الحمد مثلاً بخصوصياته مع ملاحظة انبعاثه في كل جزء صغير منه عن ارادة مسببة عن اسبابها الطبيعية من التصور والتصديق بالفائدة والعزم والشوق المؤكد وحركة العضلات كما زعموا؟!.

أو ليس هذا الشك بابعد من ذلك الامر المخالف للاصل؟ !

وقد حصل هذا الامر بالوجدان. وقد عرفت انه لا شاهد على اصالة عدم الغفلة في بناء العقلاء اصلاً.

واما الرأي الثاني فهو القول بان المجعول هو قاعدة الفراغ فقط وهو رأي المحقق النائيني رحمه الله ويتوقف توضيحه على بيان قاعدة الفراغ عنده:

وهو بتقريب منا: ان العمل الواحد بالوحدة القانونية بمعنى ان يكون موضوعاً للحكم كالوضوء المحصل للطهارة او متعلقا للحكم كالصلوة إذا شك في وجوده بعد مضي محله فلا يلتفت إلى الشك. فالشيء الوارد في لسان الروايات يراد به الشيء الواحد بالوحدة القانونية. والوحدة القانونية انما تحصل للشيء إذا كان موضوعاً او متعلقاً لحكم قانوني. والمراد بالشك في الشيء الشك في الوجود بان يشك في كونه مستجمعاً للشرائط بعد مضي العمل نفسه لا مضي محله.

فمرجع ما ذكره إلى كون الشك شكاً في مفاد كان التامة لا في كون العمل صحيحاً حتى يكون مفاد كان الناقصة. فقاعدة التجاوز تختلف عن قاعدة الفراغ عنده في ان مورد الاولى ليس شيئاً واحداً بالوحدة القانونية.

قال: وهذا هو مفاد لسان الروايات باجمعها الا ان هذا القانون قد طبق في بعضها على اجزاء الصلاة مما ليس لها تلك الوحدة القانونية وليس ذلك لجعل قانون آخر بل هو تطبيق لهذا القانون بنحو الحكومة فنُزّل الشيء الذي ليس له وحدة قانونية منزلة ما له ذلك بان لوحظ الشيء قبل اندماجه في الكل.

اذن فتطبيق القانون على اجزاء الصلاة بنحو من العناية. كما في رواية زرارة: (إذا خرجت من شيء ودخلت في غيره فشكك ليس بشيء) مع ان السؤال الوارد في الرواية عن اجزاء الصلاة فهذا من باب اعتبار الاجزاء اشياءا مستقلة كالصلاة نفسها.

ويشهد لما ذكره بعد ملاحظة ان هذه الرواية من ابي عبد الله عليه السلام رواية اخرى رواها زرارة من ابي جعفر عليه السلام قال: (إذا كنت قاعداً على وضوئك فلم تدر اغسلت ذراعيك ام لا فاعد عليهما وعلى جميع ما شككت فيه انك لم تغسله او تمسحه مما سمّى الله ما دمت في حال الوضوء فاذا قمت من الوضوء وفرغت منه وقد صرت في حال اخرى في الصلاة او في غيرها فشككت في بعض ما سمى الله مما اوجب الله عليك فيه وضوءه لا شيء عليك فيه..) الحديث.[5]

وجه الاستشهاد ان زرارة كان حين السؤال عن الشك في اجزاء الصلاة مسبوق الذهن بهذه الرواية وانه لابد من الاعتناء بالشك فيما سمّى الله ما دام مشغولاً بالعمل ولما وصل في اسئلته إلى ما سمّى الله في كتابه كان يرى التناقض بين هذه الرواية وما سمعه من ابي جعفر عليه السلام لولا حمله كلمة الشيء على الواحد بالوحدة القانونية وان تطبيقه على محل الكلام من باب الحكومة على وجه التوسعة فاعتبر كل جزء من الصلاة شيئاً مستقلاً بالعناية كما ان الوضوء في رواية ابي جعفر عليه السلام اعتبر شيئاً مستقلاً بالعناية بناءاً على رأي من قال بشمول الامر الضمني الناشئ من الامر بالصلاة له فتكون وحدته واستقلاله بالعناية ايضاً وعليه جمع من المحققين منهم المحقق النائيني قدس سره.

وبهذا البيان يرتفع التنافي بين هذه الرواية ورواية ابن ابي يعفور عن ابي عبد الله عليه السلام قال: (إذا شككت في شيء من الوضوء وقد دخلت في غيره فليس شكك بشيء انما الشك إذا كنت في شيء لم تجزه).[6]

وقد التزم الاعلام برفع اليد عن هذه الموثقة لدلالتها على جريان قاعدة التجاوز في الوضوء وهو مخالف لصريح صحيحة زرارة ولكن بما ذكرنا يمكن الجمع بينهما بان نلتزم بكون من بيانية فالمراد بالشيء هو الوضوء ومرجع ضمير (غيره) اما الوضوء او الشيء فتتطابق الروايتان ولا موجب لرفع اليد عن الموثقة والاشكال يبتني على كون (من) تبعيضية.

وقد اعترض عليه السيد الخوئي ايده الله بوجهين وان ورد في التقريرات ثلاثة وجوه الا ان الوجه الثالث ليس له معنىً محصل ولم نسمع عنه في مجلس الدرس ولعله سهو من المقرّر.

الاعتراض الاول: ان ما ذكره يقتضي عدم جريان القاعدة في اجزاء العمل فاذا شك في القراءة بعد الفراغ منها لابد من اعادتها وهو مخالف لاطلاق موثقة ابن بكير. ومراده بموثقة ابن بكير ما يرويه عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر عليه السلام: كلما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو ([7]). 

ولعلّ اختياره هذه الرواية دون سائر روايات الباب لان الوارد فيها كلمة شيء ويمكن تطبيق ما ذكره المحقق النائيني عليها بخلاف هذه الرواية فان فيها (ما) الموصولة ولا يأتي هنا ذلك التقريب.

وبناءاً على هذا الاعتراض فلا وجه لجعل الفرق بين القاعدتين بعد كون الشك فيهما شكاً في الوجود ان الفراغ موضوعها الشيء الواحد بالوحدة القانونية والتجاوز موضوعه الجزء الذي اعتبر شيئاً كذلك. بل الفرق بينهما ان الشك في الاولى في الصحة وفي الثانية في الوجود وذلك لان ذلك الفرق يستوجب عدم جريان القاعدة في الاجزاء خصوصاً فيما لا يعد شيئاً.

والجواب عنه انه لا فرق بين رواية محمد بن مسلم وسائر الروايات والمراد بـ (ما) ليس الا الشيء فيأتي فيه نفس التقريب فان كان ما شك فيه مما اعتبر واحداً بالوحدة القانونية ولو تنزيلاً يجري فيه قاعدة الفراغ والا فلا. وليس لنا دليل خارجي يعيّن كون الفرق بينهما في المحمول.

الاعتراض الثاني: ان اختصاص القاعدة بموارد الشك في تمام العمل بعد الفراغ منه مبني على رجوع الضمير في (غيره) في موثقة ابن ابي يعفور إلى الوضوء. واما إذا كان راجعاً إلى الشيء المذكور كما لا يبعد فلا يكون مقتضاها ذلك. بل تجري القاعدة في موارد الشك في الاثناء. غاية الامر انها تكون متروكة لما ثبت من وجوب الاعتناء بالشك في اثناء الوضوء.

والجواب عنه اولاً: انه لا فرق بين رجوع الضمير إلى الشيء ورجوعه إلى الوضوء بعد كون (من) بيانية كما عرفت.

وثانياً: ان ما ذكر في رواية ابن ابي يعفور لا دخل له في اصل المسألة وانما ذكره المحقق النائيني تبعاً لمسلكه وان ذلك يقتضي حل الاشكال في هذه الرواية فلو فرضنا عدم صحة ذلك وبقاء الاشكال فيها فلا يؤثر ذلك في اصل المبنى شيئاً.

هذا ولكن الذي يمنعنا من الاخذ بما ذكره المحقق النائيني امران:

الامر الاول: ان الشك إذا كان في الشيء بعد فرض وجوده لابد من ان يكون في صحته وظاهر قوله مما قد مضى مضيه بنفسه و(من) بيانية فالمراد بالشيء الشيء المفروض الوجود فلا يكون الشك شكاً في الوجود واذا كان الشك شكاً في الصحة فلا وجه لحمل الشيء على الواحد القانوني اذ يكفي في الشك في الصحة الشك في التطابق في الجملة مع هو المعتبر شرعاً.

الامر الثاني: ان القاعدة الكلية الذي ذكرها الامام عليه السلام بعد ذكر الصغريات لابد من كون انطباقها بما لها من المفهوم عليها انطباقاً طبيعياً لا تعبدياً اذ هو خلاف الظاهر في ذكر الكبريات.

واما الرأي الثالث اي استفادة كلتا القاعدتين من الروايات فهو قول جماعة من المحققين منهم المحقق الهمداني والسيد الخوئي.

وتقريب هذا الرأي ان رواية محمد بن مسلم المتقدمة: (كل ما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو) ظاهرة في اعتبار قاعدة الفراغ لا بالمعنى الذي ذكره المحقق النائيني بل بمعنى صحة العمل إذا شك فيه بعد الفراغ.

وجه الاستظهار ان المضي ظاهر في مضي الشيء بنفسه و(من) بيانية فينحصر موضوع الرواية في العمل الذي شك فيه وقد مضى وفرض المضي ينافي الشك في الوجود فلابد من كون المراد الشك في شأن من شؤونه وهو هنا التمامية. وليس في رواية محمد بن مسلم تطبيق على الصغريات حتى ينافي هذا الظهور.

ويستفاد من هذه الرواية حجية اصالة الصحة بوجه عام فان المعتبر بموجبها هو مضي العمل وارتباطه بنا بنحو من الارتباط وان كان عمل الغير. وسيأتي ان الوجه المعتبر في ادلة اصالة الصحة في عمل الغير هو هذا الوجه فقط.

ولو اشكل في كون اصالة الصحة امراً عقلائياً كما ذكرنا فلا اشكال في تناسبه عند العقلاء وبتناسب الحكم والموضوع عندهم نحكم بعمومية هذه القاعدة مع انها مقتضى اطلاق الرواية المذكورة المعتبرة.

واما رواية زرارة: إذا خرجت من شيء ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشيء ورواية اسماعيل بن جابر: كل شيء شك فيه مما قد جاوزه ودخل في غيره فليمض عليه. فيستفاد منهما ايضاً اصالة الصحة لكن لا بوجه عام كما هو مقتضى اللفظ. فلو كنا وهاتين الكبريين في ذيلهما لحكمنا بكونهما في مقام بيان قاعدة الفراغ لان الخروج عن الشيء الذي هو كناية عن العمل يراد به الفراغ منه والدخول يراد به الشروع في آخر وكذلك المراد بالمجاوزة هو التجاوز عن نفس العمل كما هو الظاهر لا عن محله. الا ان الصغريات المذكورة فيهما يوجب الترديد في ذلك بين ثلاث امور:

الاول: ان يقال بان المراد من الشك في كل منها الشك في الصحة لا الوجود. وهو بعيد جداً عن ظاهر الاسئلة.

الثاني: ان يكون تطبيق الكبرى عليها بمعونة من التعبد والعناية بان يعتبر التجاوز والخروج عن محل الشيء خروجاً وتجاوزاً عن الشيء نفسه وقد عرفت في الجواب عن المحقق النائيني ان تطبيق الكبريات لا يمكن ان يكون بالتعبد.

الثالث: ان نتصرف في ظاهر الكبرى ونقول بان المراد الخروج عن المحل والتجاوز عنه فلا ينطبق الا على قاعدة التجاوز.

ولا يخفى ان المحققين الخراساني والهمداني انكرا اطلاق دليل قاعدة التجاوز ليشمل ما عدا الصلاة نظراً إلى ان لفظ الشيء لا يعلم حدوده الا بالمناسبات ولذا لو رجع الصياد من الغابة وقال: لم اجد شيئاً لا يريد بالشيء الا الصيد ولو قاله الحطّاب لا يريد الا الحطب وهكذا والمراد بالشيء في هاتين الروايتين بحسب المناسبات هو خصوص ما يعتبر في الصلاة.

وقد يتوهم في المقام ان قاعدة التجاوز اعم مطلقا من قاعدة الفراغ فجعل الثانية لغو.

وبما قدمناه من البيان يظهر جواب هذا الاشكال فان رواية محمد بن مسلم المتكفلة لبيان قاعدة الفراغ تشمل عمل الغير ايضاً ولا تشمله روايتا قاعدة التجاوز فبينهما عموم من وجه ولا يلزم اللغوية.

كما ان الاشكال غير وارد بناءاً على اختصاص قاعدة التجاوز بالصلاة كما مر. بل لا وجه لهذا التوهم اصلاً اذ لا اشكال في ان قاعدة التجاوز لا تشمل مورد الشك في الركعات بعد الصلاة وتشمله قاعدة الفراغ اذ ليس هنا تجاوز عن محل شيء حتى يتوهم ذلك كما توهمه بعض إلى غير ذلك من الموارد التي يجري فيها قاعدة التجاوز دون الفراغ.

وقد يقال: ان الصحة غير قابلة للجعل لانها منتزعة من مطابقة المأتي به للمأمور به فلا معنى لجعل قاعدة الفراغ التي مرجعها إلى جعل الصحة بخلاف قاعدة التجاوز فان مرجعها إلى اعتبار ما لم يأت به بمنزلة ما اتى به.

وهنا عدة ملاحظات:

الاولى: ان هذا القائل يقول بجعل السببية مع انه ايضاً امر انتزاعي وقد ذكرنا التحقيق في الجواب عنه في مبحث الاحكام الوضعية.

الثانية: انه يلتزم قطعاً بجريان الاشكال في اصالة الصحة في عمل الغير.

الثالثة: ان لسان الرواية ليس جعل الصحة بل رفع الشك اعتباراً ولا اشكال في امكانه.

الرابعة: انّه لو قال جعلت الصحة فهو اعتبار ادبي كما قلناه في جعل السببية الذي يدعيه هذا المستشكل ومرجع هذا الاعتبار الادبي في المقام إلى ان هذا العمل من المكلف _ سواء كان هو الشاك ام غيره _ ان كان متعلقا للتكليف فقد اعتبر صحيحاً على وجه التصرف في مرحلة الامتثال وذلك لما ذكرناه في مبحث الاحكام الوضعية ان الامتثال حدّ للتكليف ينتهي اليه فهذا الاعتبار اعتبار لتحقق الغاية وان كان العمل موضوعا للتكليف فمعنى الامضاء هو جعل الحكم الظاهري بالنسبة اليه فاذا كان عقداً يترتب عليه اثره وهكذا غيره من موضوعات الاحكام. فلا يتوقف تصحيح هذا الاعتبار على الارجاع إلى قاعدة التجاوز مع انه غير ممكن اصلاً بالنسبة إلى عمل الغير.

وربما يشهد لكونهما قاعدتين مجعولتين التعابير الواردة في الروايات:

فمنها قوله عليه السلام: كلما شككت فيه بعد ما تفرغ من صلاتك فامض ولا تعد. فان الظاهر منه اعتبار الفراغ في اجراء الاصل وحيث انه في مقام التعليم لا الفتيا فالقضية اللبية هي المأخوذة في القضية اللفظية.

ومنها قوله: (ان شك الرجل بعدما صلى فلم يدر ثلاثاً صلى أم اربعاً..) الحديث.

فتحصل ان الاشكال ليس في مقام الثبوت وانما الاشكال في مقام الاثبات. وذلك لان مقتضى كون الكبرى ظاهرة في مضي الشيء بنفسه والصغريات ظاهرة في مضي المحل هو استفادة القاعدة العامة من المجموع لا خصوص قاعدة التجاوز ولا يساعد العرف على التصرف في الكبرى.

واما الرأي الرابع اي استكشاف القاعدة الواحدة الجامعة بين القاعدتين فهو رأي الشيخ الانصاري والمحقق الاصفهاني وهو الذي اخترناه. واستفادة ذلك من روايتي زرارة واسماعيل بن جابر واضح كما سيأتي ويمكن القول بانه هو المراد من رواية محمد بن مسلم بقرينة وحدة اللسان.

وتقريبه بوجهين:

الوجه الاول: ان الكبرى الواردة في ذيل رواية زرارة تدل على ان مورد القاعدة المجعولة هو الشيء الذي مضى بنفسه الا ان الصغريات المذكورة تدل على ان الشك في الوجود. فلابد من حمل المضي والتجاوز والخروج على المعنى الاعم مما هو مع العناية وما هو بلا عناية. فبالاول يتحقق قاعدة التجاوز وبالثاني قاعدة الفراغ.

وذلك لان الشيء في قاعدة الفراغ ماض حقيقة وبنفسه ولو كانت الكبريات وحدها لتعين حملها على هذا المعنى بالخصوص الا ان عدم امكان تطبيقها على الصغريات الا بالتعبد يمنع من الاخذ به. كما ان عدم امكان ذلك لا يوجب رفع اليد عن ظاهر الكبريات رأساً بحملها على قاعدة التجاوز فقط بل يوجب مجموع الامرين الحمل على معنىً عام.

ونظير ذلك ما لو سئل المولى عن وجوب اكرام زيد والمفروض انتفاء العلم عنه بعد كونه عالماً فاجاب: نعم. وسئل عن اكرام فرد آخر غيره فاجاب كذلك وهكذا ثم اتبعها بقوله اكرم كل عالم فنستكشف من ذلك ان المشتق هنا مستعمل في المعنى الاعم من المتلبس والمنقضي عنه المبدأ.

وهذا الوجه ذكره المحقق الاصفهاني.

الوجه الثاني: انه ليس في المقام نوعان من الاسناد مجازي وحقيقي فنستكشف الجهة الجامعة بين المعنى الحقيقي والمجازي بل كل ما في المقام من الاسناد مجازي الا ان الكلام في حدود هذا التجوز. فإن استعمال الخروج من الشيء وارادة الفراغ من العمل لا يخلو من التجوز فان الخروج الحقيقي يتوقف على كون الشيء الخارج قبل خروجه محاطاً بما يخرج منه بنحو من انحاء الاحاطة وهذا لا يصدق في الخروج عن العمل حقيقة وكذا استعمال الدخول في الغير في الشروع في العمل الآخر.

وكذا استعمال المجاوزة في مضي زمان العمل مع انها في الحقيقة لا تصدق الا على المجاوزة من وعاء الشيء. وكذا استعمال المضي في تحقق العمل وهو في الحقيقة عبارة عن ذهاب الشيء. فكل هذه الاستعمالات مبنية على العناية.

وانما الكلام بعد العلم بعدم مطابقة المراد الجدي للاستعمالي في ان المراد الجدي هل هو قاعدة الفراغ أو التجاوز او الجهة الجامعة. غاية الامر انه لولا القرائن لتعين الاول لكونه انسب للمعنى الاستعمالي الا ان ملاحظة الصغريات ووحدة لسان الادلة تقضي بان المراد هو الجهة الجامعة.

كما ان صدر الرواية المشتمل على الشك في الشيء لا يمكن الجزم بان المراد به الشك في الوجود او في الاوصاف او في الغاية كقصد القربة وان كان الانسب هو الاول لانه المتيقن الا ان المراد الجدي لايستكشف الا بالمناسبات وحيث انه يمكن ارادة الجامع من هذه المعاني فلابد ان يحمل عليه بقرينة الذيل.

وهناك بعض المناقشات في هذه النظرية، فقد اعترض بعضهم على الوجه الذي ذكره المحقق الاصفهاني انه يستلزم استعمال اللفظ في المعنى الحقيقي والمجازي.

والجواب عنه ان التجوز هنا في الاسناد دون اللفظ وليس لنا في كلمات العرب ما يعبر عن الاسناد حتى يكون اللفظ مستعملاً في معنيين وانما يعلم الارتباط الاسنادي من هيئة الكلام وهذا الارتباط ينحل بحسب انحلال المسند اليه إلى افراد فحيثما كان اسناداً إلى من هو له كان اسناداً حقيقياً وان كان الى غيره كان الاسناد مجازياً فليس ذلك من قبيل استعمال اللفظ في معنيين.

والحاصل ان الارتباط باللحاظ الابتدائي الطولي امر وحداني وباللحاظ الثانوي امر منحل إلى ارتباطات فقد تكون جميعها حقيقية وقد تكون جميعها مجازية وقد تكون مختلفة.

مضافاً إلى ان استعمال اللفظ في المعنى الحقيقي والمجازي لا مانع منه بل هو واقع في كلمات العرب.

واعترض بما يشمل الوجهين وهو ان الشك ان لوحظ بنحو الاضافة فلا جامع بين الشك في الوجود والشك في الصحة. وان لوحظ بنحو التعلق بالقضية كما هو الصحيح في متعلقات الشك واليقين فيلزم من تعلق الشك بقضية هل هو موجود او غير موجود وبقضية انه صحيح ام لا ان يكون متعلقه أعم من مفاد كان الناقصة وكان التامة وليس بينهما جامع ليعبر عنه بكل ما شككت فيه وكيف يتصور الجامع بين القضية الثنائية التي تثبت الشيء فقط والقضية الثلاثية التي تثبت شيئاً لشيء.

والجواب: اما لو قلنا بان متعلق الشك امر تصوري فقط فيجوز ان يكون متعلقه الوجود اعم من وجود نفسه ووجود صحته. واما لو قلنا بان متعلقه لابد من كونه قضية فالاشكال المذكور انما يبتني على التصور الآري في تركيب القضايا فان القضايا عند الفرس واليونان على نوعين احدهما ما يثبت فيه الشيء بنفسه والآخر ما يثبت فيه شيء لشيء.

ومن هنا صدرت القاعدة القائلة: ان ثبوت شيء لشيء فرع ثبوت المثبت له وذلك لانهم كانوا يرون الحاجة إلى رابط بين الموضوع والمحمول.

ولما دخل المنطق بلاد العرب تحيروا فيما يعبر عن الرابط الذي هو (است واستين) فاستعاروا لها (هو) كما اعترف به المناطقة ولكن القضية بحسب التصور العربي ليست كذلك بل هم يرون الاتحاد والهوهوية بين الموضوع والمحمول فلا فرق بين نوعي القضية عندهم.

هذا مضافاً إلى ان الامام عليه السلام حذف المتعلق في قوله (فشكك ليس بشيء) وحذف المتعلق يفيد العموم.

فتحصل ان الاقرب هو النظرية الرابعة.

 

المبحث الرابع:

ان قاعدة التجاوز هل تختص بباب الصلاة ام تعم سائر ابواب الفقه بعد الاتفاق على عدم اختصاص قاعدة الفراغ بباب دون باب؟

اما بناءاً على الرأي الاول والرابع فلا اشكال في عمومية قاعدة التجاوز. اما على الاول فلانها هي القاعدة المجعولة المغنية عن قاعدة الفراغ واما على الثاني فلانهما قاعدة واحدة جامعة ولا اشكال في عدم اختصاص قاعدة الفراغ بباب دون باب.

واما على الرأي الثاني فلا اشكال في اختصاص قاعدة التجاوز بباب الصلاة لانها ليست الا تطبيقا تعبديا لقاعدة الفراغ في خصوص ابواب الصلاة.

انما الكلام على الرأي الثالث. واستفادة قاعدة التجاوز من روايتي اسماعيل بن جابر وزرارة. وقد ذهب المحققان الهمداني والخراساني إلى اختصاصه بباب الصلاة في كتاب الطهارة وحاشية الرسائل.

تقريب الاطلاق: انه لا مقيد لقوله عليه السلام في رواية اسماعيل: كل شيء شك فيه مما قد جاوزه ودخل في غيره فليمض عليه. وفي رواية زرارة: إذا خرجت من شيء ودخلت في غيره فشكك ليس بشيء.

ولكن المحقق الهمداني ناقش في الاطلاق فقال (سوق القاعدة بعد ذكر الشقوق المتعلقة بجملة من اجزاء الصلاة خصوصاً في جواب سؤال السائل حيث سأل عن حكم الاجزاء واحداً بعد واحد يوهن ظهورها في العموم بل يصلح لان يكون قرينة لارادة اجزاء الصلاة من اطلاق الشيء بل لعل هذا هو المتبادر من اطلاقه في مثل المقام فكيف يمكن اثبات مثل هذا الامر بمثل هذا الظاهر؟!).[8]

ولم يعلم لما ذكره وجه صحيح فان ذكر الكبرى بعد الصغريات لا يدل على اختصاصها بها فكيف يمنع من التمسك بالاطلاق.

الا ان يدعى كما ذكرنا ان كلمة الشيء لا يعلم المراد منه الا بالمناسبات فهو في كلام الصياد له معنىً وفي كلام الحطاب له معنىً آخر وهكذا وبذلك يمنع الاطلاق.

الا ان هذا الوجه ايضاً ممنوع فان غايته ان يكون الشيء كالمبهمات التي يتوقف فهم المراد منها بالصلة ونحوها وقد تعقب كلمة الشيء هنا بما يحدده ايضاً وهو الامر الذي قد مضى ويترتب اثر على انتفائه فلا وجه لتخصيصه بباب دون باب.

واما حمل كلمة الشيء على امر خاص في قول الصياد والحطاب فانما هو من جهة عدم امكان حمله على اطلاقه اذ لا معنى لنفي وجود كل شيء في الغابة. نعم لو كانت قاعدة التجاوز امراً مخالفاً للقواعد وللارتكازات العرفية بحيث يحتاج إلى تصريح بعموميتها صح ما ذكر والا فلا وجه لانكار الاطلاق عرفاً.

واما المحقق الخراساني فذهب إلى اختصاصها بباب الصلاة من جهة انه القدر المتيقن في مقام التخاطب. فقال: ان القدر المتيقن قد لا يكون في مقام التخاطب كما ان المتيقن من العالم الواجب اكرامه العالم العابد ولا اشكال في ان هذا لا يمنع من انعقاد الاطلاق. وقد يكون في مقام التخاطب كما إذا سأل السائل عن الصلاة في الفنك والسنجاب والثعالب فاجاب الامام لاتصل فيما لا يؤكل لحمه فان القدر المتيقن هو هذه الحيوانات التي ذكرها السائل وهذا يمنع من انعقاد الاطلاق.

وهذا ايضاً لا وجه له فان الاطلاق ليس الا الظهور في اللابشرطية ويبتني على اصالة التطابق بين القضيتين اللبية واللفظية ولا يمنع ذلك من الاخذ بهذا الاصل. ومن المتعارف ذكر الكبرى التي تشمل محل الكلام وغيره وانما يذكر ذلك قطعاً للاسئلة المتكررة عن الصغريات تمشياً مع قانون انتخاب الاسهل.

هذا مضافاً إلى ان هذه المناقشة في اطلاق رواية زرارة لا يمنع من استفادة العموم من رواية اسماعيل بن جابر فانها واردة بصيغة العموم. الا ان المحقق الخراساني يقول بان الدلالة على العموم ايضاً تتوقف على جريان مقدمات الحكمة في مدخول اداة العموم.

فالاشكال في رواية اسماعيل يتوقف على امرين: كون عدم القدر المتيقن من مقدمات الحكمة وقد عرفت بطلانه وتوقف العموم على اجراء مقدمات الحكمة في مدخول اداته وهذا ايضاً غير صحيح.

بيان ذلك: ان اداة العموم لا تدل ابتداءاً الاّ على ان الحكم ثابت لمدخولها بجميع ما له من التكترات في الخارج ولازم ذلك ان يكون الحكم بالنسبة إلى كل قيد يوجب خروج بعض الافراد غير مقيد ولا بشرط ولكنه لا يثبت اللابشرطية ابتداءاً. فقوله: اكرم كل عالم لا يمنع تقيده بالعدالة ابتداءاً ولعل الحكم انما هو من جهة احراز المولى ان العلم ملازم للعدالة. وانما يثبت الحكم لجميع افراد العالم ويلزم منه نفي التقيد بالعدالة إذا كان التقيد بها موجباً لخروج بعض الافراد. وعليه فاستفادة اللابشرطية من العموم بحكم الوضع اللفظي ولا يتوقف على مقدمات الحكمة.

 

المبحث الخامس:

في الموارد التي ادعي فيها الخروج عن عموم قاعدة التجاوز بعد تسليم عمومها.

المورد الاول: الوضوء.

قالوا: ان من المتسالم عليه عدم جريان قاعدة التجاوز في اجزاء الوضوء، وقالوا: ان نقل الاجماع عليه مستفيض، ولكن نقل في مفتاح الكرامة الخلاف عن الصدوق.

وكيف كان فمستنده صحيحة زرارة عن ابي جعفر عليه السلام قال: إذا كنت قاعداً على وضوئك فلم تدر اغسلت ذراعيك أم لا فاعد عليهما وعلى جميع ما شككت فيه انك لم تغسله او تمسحه مما سمّى الله ما دمت في حال الوضوء فاذا قمت من الوضوء وفرغت منه وقد صرت في حال اخرى في الصلاة او في غيرها فشككت في بعض ما سمّى الله مما اوجب الله عليك وضوءه لا شيء عليك فيه([9])   

والکلام فیها من جهات:

الجهة الاولى: ان عدم الاعتناء بالشك في غير ما سمى الله هل هو من جهة جريان قاعدة التجاوز او من جهة جريان قاعدة لا تنقض سنة فريضة؟

مقتضى قاعدة لا تنقض عدم الاعتناء بالاخلال بغير ما سمى الله إذا اتى بما سمى الله ان كان الاخلال عن سهو ونسيان وان قطع به وعليه فلا مجال لقاعدة التجاوز.

ولا وجه لما قيل من ان هذه الرواية تخصص رواية ابن ابي يعفور القائلة بجريان التجاوز في اجزاء الوضوء لاختصاص هذه الرواية بما سمى الله. وليس كذلك فان عدم الاعتناء بغير ما سمى الله ليس من جهة قاعدة التجاوز.

وقد ذكرنا في محله عدم اختصاص قاعدة لا تنقض بباب دون باب بل تجري في جميع متعلقات الاحكام وموضوعاتها.

ومما يدل على جريانها في باب الوضوء غير هذه الرواية معتبرة الحلبي عن ابي عبد الله عليه السلام قال: ان ذكرت وانت في صلاتك انك قد تركت شيئاً من وضوئك المفروض عليك فانصرف فاتم الذي نسيته من وضوئك المفروض عليك واعد صلاتك (الحديث) ([10]).

وفي رواية زرارة المعتبرة عندنا: (وان نسي شيئاً من الوضوء المفروض فعليه ان يبدأ بما نسي) الحديث([11])

وفي موثقة سماعة: من نسي مسح رأسه او قدميه او شيئاً من الوضوء الذي ذكره الله تعالى في القرآن كان عليه اعادة الوضوء والصلاة ([12]).

وفي رواية احمد بن عمر: من نسي مسح رأسه او شيئاً من الوضوء الذي ذكره الله تعالى في القرآن اعاد الصلاة. ([13]

يلاحظ ان الروايات تختص بما هو المفروض في الوضوء اي ما فرضه الله تعالى وفي بعضها التصريح بكون المنسي مما ذكره الله تعالى او ذكره في القرآن. وعليه فاذا نسي الابتداء من الاعلى او غيرها من الامور الواجبة في الوضوء ولم يذكرها الله في كتابه ليست عليه الاعادة لان مقتضى قاعدة لا تنقض نفي الارتباطية المطلقة بين الفرائض والسنن فلا حاجة إلى جعل قاعدة خاصة بالشك في اتيانها.

اذن فمفاد هذا الحديث ليس جريان قاعدة التجاوز فيما عدا ما سمّى الله بل وجه الصحّة امر آخر.

ولا يخفى ان الشك في كون الماء مطلقا او مضافاً لا يوجب الحكم بصحة الوضوء لانه مما فرض الله فان قوله تعالى بعد بيان كيفية الوضوء (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً)[14] محمول على معناه الحقيقي وهو الماء المطلق.

ويمكن ان يقال ان عدم الاعتناء بالشك فيما عدا ما سمّى الله تعالى ليس لقاعدة التجاوز ولا لقاعدة لا تنقض بل لقاعدة الفراغ وذلك لان اجزاء الوضوء كلها مما سمى الله تعالى والواجبات الذي لم يذكر في القرآن منحصر في الشرائط والشك في الشرائط يرجع إلى الشك في الصحة دون الوجود فيكون مورد قاعدة الفراغ كما التزم به السيد الخوئي ايده الله.

هذا كله في العقد السلبي لهذه الرواية.

الجهة الثانية في العقد الايجابي وهو الاعتناء بالشك فيما سمى الله تعالى فقد ذكروا انه من باب تخصيص قاعدة التجاوز.

ولكن هنا احتمال آخر وهو ان يكون من باب التخصص ويكون عدم جريان قاعدة التجاوز في اجزاء الوضوء طبقاً للقاعدة لا تخصيصاً تعبدياً وتكون تلك القاعدة من اصول العلم التي يفتي بموجبها الائمة عليهم السلام ويرثونها كابراً عن كابر كما في الروايات فان الاصول منها اصول ملقاة وهي الكبريات الواردة في الروايات ومنها اصول مكتومة يصطادها الفقيه من تتبع الصغريات الواردة في الروايات.

توضيح هذا الاحتمال:

ان اجراء قاعدة التجاوز يتوقف على التجاوز من محل الشيء وهو يتوقف على وجوب مراعاة الترتيب بين الاجزاء حتى مع النسيان. واما إذا دل الدليل على عدم وجوبها فلا معنى للتجاوز من المحل نسياناً اذ مع النسيان يبقى المحل باقياً فلو نسي مسح الرأس وتذكر بعد مسح الرجلين فان قلنا بان الترتيب ساقط مع النسيان وانه يكتفي بمسح رأسه فمحله باق لا محالة. وهذا الامر اي سقوط الترتيب عند النسيان وان لم نلتزم به الا انه دلت عليه عدة من الروايات المعتبرة وهي وان كانت مطروحة الاّ ان مقتضى ما ذكرنا هو كون هذه الرواية من تلك الطائفة فلا وجه للتفكيك.

ففي معتبرة علي بن جعفر في رجل توضأ ونسي غسل يساره قال: يغسل يساره وحدها ولا يعيد وضوء شيء غيرها ([15]).

وفي معتبرة ابي بصير في رجل توضأ ونسي ان يمسح رأسه حتى قام في صلاته قال: ينصرف ويمسح رأسه ثم يعيد ([16]) .

وفي رواية ابي الصباح الكناني فيمن توضأ كذلك قال: فلينصرف فليمسح على رأسه وليعد الصلاة ([17]) . ومثلها رواية زيد الشحام ومفضل بن صالح.

وفي معتبرة الحلبي: ان ذكرت وانت في صلاتك انك قد تركت شيئاً من وضوئك المفروض عليك فانصرف فاتم الذي نسيته من وضوئك واعد صلاتك ([18]).

وفي رواية مالك بن اعين: من نسي مسح رأسه ثم ذكر انه لم يمسح رأسه فان كان في لحيته بلل فليأخذ منه وليمسح رأسه وان لم يكن في لحيته بلل فلينصرف وليعد الوضوء) ([19]).

وفي رواية ابي بصير في رجل نسي مسح رأسه قال: فليمسح قال لم يذكره حتى دخل في الصلاة قال فليمسح رأسه من بلل لحيته ([20]) .

إلى غير ذلك من الروايات المسقطة للترتيب عند النسيان ([21]) .

ويلاحظ ان رواية زرارة التي هي محل البحث قال فيها: فاعد عليهما وعلى جميع ما شككت فيه. فخص الاعادة ايضاً بموضع الشك. وهذا قرينة على ان لسانه لسان هذه الروايات فالاعتناء بالشك المستفاد من هذه الرواية بضميمة هذه الروايات ليس بعدم جريان التجاوز تخصيصاً بل لخروجه عن موضوعها لبقاء المحل.

الا ان الصحيح هو المشهور بين الاصحاب من عدم سقوط الترتيب حتى مع النسيان. ولعل المشهور لم يأخذوا بهذه الرواية. انما الكلام فيمن ردّ تلك الروايات مع اعتبارها واخذ بهذه الرواية مع وحدة لسانها مع تلك الروايات والمعارض لتلك الطائفة معارض لهذه الرواية فلا وجه للتفكيك.

الجهة الثالثة: ان ذيل الرواية هكذا: فان شككت في مسح رأسك فاصبت في لحيتك بللاً فامسح بها عليه وعلى ظهر قدميك فان لم تصب بللاً فلا تنقض الوضوء بالشك وامض في صلاتك. الحديث.

وهذا الامر محمول على الاستحباب قطعاً فانه ورد بعد تصريح الرواية بجريان قاعدة الفراغ في الوضوء حيث قال: لا شيء عليك فيه.

وعليه فيحتمل ان نحكم بموجب وحدة السياق ان قوله (فأعد عليهما وعلى جميع ما شككت) المعارضة لقاعدة التجاوز في اجزاء الوضوء محمول على الاستحباب مع دلالة رواية ابن ابي يعفور على جريانها فيها فهذا ايضاً وجه آخر لمنع دلالة الرواية على عدم جريان قاعدة التجاوز في اجزاء الوضوء.

هذا تمام الكلام في صحيحة زرارة وتبين أنّ دلالتها على عدم جريان قاعدة التجاوز في اجزاء الوضوء لا يخلو من اشكال.

واما الرواية المعارضة لها فهي رواية ابن ابي يعفور وقد رواها الشيخ في التهذيب عن المفيد عن احمد بن محمد عن ابيه عن سعد بن عبد الله عن احمد بن محمد بن عيسى عن احمد بن محمد بن ابي نصر عن عبد الكريم بن عمرو عن عبد الله بن ابي يعفور عن ابي عبد الله عليه السلام قال: (إذا شككت في شيء من الوضوء وقد دخلت في غيره فليس شكك بشيء انما الشك إذا كنت في شيء لم تجزه). ([22])

ورواها ابن ادريس في آخر السرائر نقلاً من كتاب نوادر احمد بن محمد بن ابي نصر.

والبحث فيها من جهات:

الجهة الاولى في سندها: وقد يناقش فيه من جهة احمد بن محمد وهو ابن محمد بن الحسن بن الوليد ولم يوثق، ولكن الشيخ انما يروي الرواية عن كتاب سعد او احمد بن محمد بن عيسى والظاهر هو الاول وله اليهما اسناد صحيحة ليس فيها احمد بن محمد المذكور وهو ليس من اصحاب الكتب ولذا اهمل ذكره في كتب الرجال.

واما عبد الكريم بن عمرو فالظاهر انه الخثعمي وهو ثقة مضافاً إلى ان نقل البزنطي عنه دليل الوثاقة عندنا.

واما روايات ابن ادريس في آخر السرائر فقد ذكرنا مراراً عدم الاعتماد عليها الا ما يرويه عن نوادر محمد بن علي بن محبوب.

الجهة الثانية: ان الضمير في (غيره) هل يرجع إلى الشيء فتدل الرواية على قاعدة التجاوز او إلى الوضوء فتدل على قاعدة الفراغ.

قيل انه يرجع إلى الوضوء لانه اقرب والاقرب يمنع الابعد.

وناقش فيه السيد الحكيم قدس سره بان العرف يحكم برجوع الضمير إلى المتبوع ان اجتمع مع التابع وهذا الوجه اقوى من مراعاة الاقربية.

واعترض عليه السيد الخوئي ايده الله بان هذا الوجه لم يذكر في كتب الادب فلا وجه لتقديمه على الاقربية.

ويدفعه ان اهل الادب لم يذكروا ضوابط مرجع الضمير حتى يقال انهم ذكروا الاقربية ولم يذكروا هذا الوجه. فالمرجع هو العرف والظاهر ان ما ذكره السيد الحكيم هو الموافق لفهم العرف فلو قال قائل: جاءني زيد مع ابنه وهو لابس ثوباً ابيض فلا اشكال في ان العرف يحمل الوصف على كونه وصفاً لزيد.

وهو ايده الله اخذ بهذا القانون في معجم الرجال كثيراً حيث يذكر في كتب الرجال (ان فلاناً كوفي مثلاً واخوه فلان وهو ابن فلان وهو ثقة) ويستظهر منه ان الضمير الاخير يرجع إلى المترجم.

الجهة الثالثة: في ان (من) تبعيضية فتدل على قاعدة التجاوز او بيانية فتدل على قاعدة الفراغ كما مرّ نقله من المحقق النائيني قدس سره.

الظاهر ان (من) تحمل على التبعيض الا إذا دلت قرينة على كونها بيانية كما في قوله تعالى (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ)[23] للقطع بان الاوثان كلها رجس فلا وجه للتبعيض بخلاف المقام خصوصاً على نقل ابن ادريس فانه مسبوق بذكر اعضاء الوضوء.

الجهة الرابعة: انه قد يقال: ان الشيء يساوق الماهية الموجودة ولا يطلق على الماهية غير الموجودة. وهي مأخوذة من المشيئة اي ما اريد وجوده واصله مُشاء وعليه فالشك لابد ان يكون في الاوصاف فيختص الحديث بقاعدة الفراغ ليكون اصل العمل مفروض الوجود.

ولكن هذا غير ظاهر اما الاستناد الى ما قيل في الفلسفة ففيه - مضافاً إلى عدم العبرة بمصطلحاتها – أن الشيء يستعمل عندهم ايضاً في مطلق الماهية وانما يعبرون عن الماهية الموجودة بالذات والحقيقة. واما في اللغة فلم يظهر وجه لما ذكر والاستعمالات لا توافقه وقد مرت عبارة الراغب في الشك في الشيء انه يشمل الشك في وجوده. فهذا الاصل اللغوي غير معلوم.

الجهة الخامسة: قد يناقش في دلالة الرواية على قاعدة التجاوز بدلالة الذيل: (انما الشك إذا كنت في شيء لم تجزه) فان المراد بالشيء العمل المركب وهذا تفصيل بين الشك في اثناء العمل فيعتنى به وبعد الفراغ من العمل فلا يعتنى به وبهذا الذيل يرتفع الاجمال عن الصدر.

والجواب عنه: ان لسان هذه الرواية لسان سائر الروايات الدالة على قاعدة التجاوز فاذا سلمنا صحة التعبير عن التجاوز عن المحل بالتجاوز عن الشيء صح ايضاً التعبير عن بقاء المحل بكونه فيه. فكونه في الشيء اعم من ان يكون مشغولا به او في محله.

فتحصل ان هذه الرواية تدل على جريان قاعدة التجاوز في اجزاء الوضوء فتعارض صحيحة زرارة فيما سمّى الله اذ ما لم يسم الله قد عرفت انها خارجة عن قاعدة التجاوز موضوعاً اما لقاعدة لا تنقض واما لقاعدة الفراغ.

والاحوط ما ذهب اليه المشهور من الاعتناء بالشك فيما سمّى الله.

المورد الثاني مما ادعي خروجه عن عموم قاعدة التجاوز التيمم والغسل.

وقد نسب خروجهما عنها إلى جمع من الاعاظم واختاره الشيخ الانصاري قدس سره. وهو على رأي المحقق النائيني واضح بل لا حاجة إلى الاستثناء واما على سائر الآراء واستفادة قاعدة التجاوز من العمومات فقد ذكر الشيخ ان خروج الوضوء عنها انما هو من جهة ان الوضوء اعتبر امراً واحداً شرعاً لانه ليس بنفسه موضوعاً للحكم بل هو محصّل للطهارة وهي امر وحداني بسيط وهذه الوحدة في المسبب تسري إلى الوحدة في السبب ونفس هذه العلة موجودة في التيمم والغسل.

واجاب عنه السيد الخوئي ايده الله انا لا نسلم ان يكون الموضوع هو الطهارة وان الوضوء محصل لها بل هو بنفسه الموضوع.

ولكنا قد ذكرنا في الفقه تفصيل الامر وان الحق هو ما ذكره الشيخ من ان الوضوء محصل للطهارة وهي موضوع الحكم واليه يشير الآية المباركة (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا). وكذلك قوله تعالى في ذيل الآية (وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ).[24]

والجواب عما ذكره الشيخ اولاً: ان التيمم والغسل كالوضوء من موضوعات الاحكام فهي موضوعات للحكم بحصول الطهارة التي هي شرط في الصلاة. والوحدة الحاصلة لها من جهة كونها محصلة للطهارة البسيطة ليست مقدمة على الوحدة الحاصلة لها من جهة موضوعيتها للحكم الشرعي. بل هذه الوحدة اولى من تلك. وهي المراد بالارتباط في قولهم (الاقل والاكثر الارتباطيين).

فاستكشاف ان السبب في عدم جريان القاعدة في الوضوء من اجل اعتبار الوحدة فيه مشكل لان الوحدة الاعتبارية تحصل بتعلق الحكم الواحد بكل مجموعة من الكثرات.

وثانياً: ان هذا انما يبتني على ان يكون المراد بالشيء الامر الواحد بالوحدة القانونية كما ذكره المحقق النائيني وقدمرت المناقشة فيه.

المورد الثالث: ما نقله في مفتاح الكرامة ([25]) وغيره عن الشيخ وابن حمزة في النهاية والوسيلة من ان الشك في الركوع والسجود في الركعتين الاوليين خارج عن عموم القاعدة.

وعلله العلامة قدس سره بان الركعة متقدمة بالركوع والسجدتين فاذا شككنا فيهما فقد شككنا في اصل الركعة وهو مبطل في الاوليين.

وهذا التعليل غير صحيح كما تنبه اليه اجمالاً وذلك لانه لو كان هذا هو السبب فهذا الشك مبطل في ثالثة المغرب ايضاً مع انهما لم يذكراه مضافاً إلى انه يقتضي اجراء حكم الشك في الركعات ان كان في الاخيرتين مع انهما لم يلتزما به.

بل الوجه فيما ذكراه - على الظاهر - ان المستفاد من صحيحة زرارة عدم جريان القاعدة في كل ما سمّى الله في كتابه فيشمل الركوع والسجود وانما خصاه بالاوليين لحمل ما ورد من جريان قاعدة التجاوز في الركوع والسجود على خصوص الركعتين الاخيرتين بقرينة ان الاوليين هما من الفرائض ايضاً فالقدر المتيقن مما سمى الله الركوع والسجود من الاوليين وبذلك يحصل الجمع بين الروايات.

والجواب عنه ان صحيحة زرارة كالنص في جريان قاعدة التجاوز في الركعة الاولى حيث يسأل عن الشك في الاذان ثم التكبير ثم القراءة ثم الركوع فالقدر المتيقن منه الركعة الاولى.

مضافاً إلى ان ما ورد من جريان قاعدة التجاوز في الركوع والسجود واردة مورد الفتيا والالتزام بالتقييد فيما كان كذلك مشكل.

 

المبحث السادس:

في ان الدخول في الغير معتبر في قاعدتي الفراغ والتجاوز ام لا ؟

والكلام في هذا الامر في اعتبار ذلك في الجملة وتفصيل المراد بالغير سيأتي في المبحث السابع ان شاء الله تعالى.

والبحث في مقامين:

المقام الاول في المراد من الدخول في الغير وفيه ثلاث احتمالات:

الاحتمال الاول: ان يكون المراد الدخول في حالة اخرى بعد العمل وان كانت حالة السكون.

الاحتمال الثاني: ان يكون المراد الدخول في عمل يتوقف على الارادة والحركة.

الاحتمال الثالث: ان يكون المراد الدخول في عمل مترتب على ذلك العمل شرعا.

والذي تقتضيه قاعدة الفراغ بطبعها اي ما يتحقق عليه صدق عنوان الفراغ هو الاحتمال الاول. والذي تقتضيه قاعدة التجاوز اي ما يتحقق عليه عنوان التجاوز عن محل الشيء هو الاحتمال الثالث.

المقام الثاني: في ما تقتضيه الروايات على الآراء الاربعة التي ذكرناها في بداية المبحث الثالث.

اما على الراي الاول فلابد من الالتزام بالدخول في الغير بالمعنى الثالث وحمل الروايات الخالية عن اعتباره عليه.

واما على الراي الثاني فمن جهة قاعدة الفراغ يتحد الحكم فيه مع الراي الرابع وسيأتي. واما من جهة قاعدة التجاوز التي هي تطبيق تعبدي على هذا الراي فلابد من الالتزام باعتبار الدخول في الغير المترتب. وذلك لان استخراج الكبرى حيث كان من تطبيق الصغريات فلابد من ان يعتبر فيها كل ما يحتمل دخالته مما هو مذكور في الرواية والوارد في الرواية هو خصوص صورة الدخول في الغير المترتب.

واما على الراي الثالث فمن جهة قاعدة التجاوز لابد من اعتبار الدخول في الغير لانه مذكور في الدليل صريحاً مضافاً إلى انه مقتضى طبع القاعدة كما عرفت. واما من جهة قاعدة الفراغ فلم يصرح في الروايات اعتبار الدخول في الغير بالمعنيين الاخيرين واما بالمعنى الاول فهو مقوم للفراغ.

الا انه قد يتوهم اعتبار ذلك من روايتين:

احداهما: صحيحة زرارة في الوضوء (فاذا قمت من الوضوء وفرغت منه وقد صرت (فقد صرت) في حال غيره من صلاة وغير صلاة فلا شيء عليك) حيث اعتبر الدخول في صلاة وغيرها.

والجواب عنه بوجوه:

الوجه الاول: ان هذا خاص بالوضوء فلا وجه للتعميم بعد احتمال خصوصية في الوضوء واهتمام خاص به كما يلاحظ ذلك من عدم اعتبار قاعدة التجاوز فيه. فكيف يمكن تقييد اطلاقات قاعدة الفراغ في سائر الاعمال بذلك.

الوجه الثاني: ان هذا الاعتبار لو تم فهو على نسخة التهذيب (وقد صرت) واما على نسخة الكافي (فقد صرت) فلا يتم ذلك قطعاً فان المفاد حينئذ ان الفراغ موجب للصيرورة في حال اخرى والوجه في تخصيص الذكر بالصلاة ان تعقبه بها هو المعتاد.

ونحن لا نقول بتقديم نسخة الكافي لانه اضبط اذ لم يثبت عندنا اضبطيته والشيخ اما اضبط من الآخرين او مثل الكليني في الضبط مع ان ذلك لا يفيد فان المعتبر هو اضبطية جميع من في سند الكليني عن جميع من في سند الشيخ.

واما قول صاحب الحدائق ما من حديث في التهذيب الا وفي سنده او متنه تحريف وكذا تأييد بعض الاعاظم له اجمالاً في معجم الرجال غير صحيح وناشئ من الغفلة عن ان هذا يستلزم نفي التوثيق والضبط عن الشيخ والعجب من صاحب الحدائق فانه بمقتضى كونه من المحدثين يعتبر جميع ما في الكتب الاربعة من المقطوعات فكيف يرضى بهذا القول؟!!

ولكنا نقول بعدم تقدم احدى النسختين فلا يعلم بالمقيد والاطلاقات محكمة.

الوجه الثالث: انها لا تدل على اعتبار الدخول في الغير حتى في الوضوء وحتى على نسخة التهذيب وذلك لان مبنى الاستدلال على استفادة المفهوم من الجملة الشرطية وحيث ان الشرط فيها امران احدهما معطوف على الآخر فالمفهوم هو انتفاء الحكم بانتفاء كل منهما.

ولا يتوقف ذلك على كون القيد غير وارد مورد الغالب والا فلا يفيد الاحتراز كما توهم بعض فان ذلك شرط في مفهوم الوصف ومبنى الاستدلال هنا على مفهوم الشرط.

الا ان الاشكال انما هو من جهة ان هذه الجملة الشرطية ليست جملة مستقلة بل هي تصريح ببعض مصاديق مفهوم الجملة الشرطية السابقة واذا كانت كذلك لا يمكن استفادة المفهوم منها. فاذا قيل (اذا جاءك زيد فاكرمه فان لم يجئك وذهب الى عمرو فلا تكرمه) كانت الجملة الشرطية الثانية تصريحاً ببعض مصاديق مفهوم الجملة السابقة لتضمنها الذهاب الى عمرو فلا يمكن التمسك بالمفهوم حينئذ وانه ان لم يذهب الى عمرو فاكرمه. وذلك لان ذكر هذه الجملة التفريعية لبيان المصداق المبتلى به عند المخاطب او لانه الغالب ويلاحظ وجود الفاء التفريعية في هذه الجملة من الرواية ايضاً على النسختين.

الوجه الرابع: انه لو سلمنا اعتبار المفهوم لهذه الجملة فهو معارض بمفهوم الجملة السابقة فان قوله علیه السلام: (اذا كنت قاعدا على وضوئك فأعد عليهما) يدل بالمفهوم على عدم وجوب الاعادة ان قام عن الوضوء سواء دخل في حال غيره أم لا ومفهوم هذه الجملة لو سلمناه هو وجوب الاعادة اذا لم يقم عن وضوئه او قام ولم يدخل في حالة اخرى.

ان قلت: نقيد مفهوم الاولى بمفهوم الثانية فيكون المفاد ان قمت عن الوضوء ودخلت في حال اخرى فلا تعد. فلا يتنافيان.

قلت: هذا التقييد يستلزم سقوط الشرط الاول عن الشرطية فان مقتضى ذلك ان الموجب للاعادة الدخول في الغير فلا اثر للقعود على الوضوء فلابد من سقوط احد المفهومين عن الحجية.

الوجه الخامس: ان المراد بقوله في الصلاة او في غيرها ليس الا ذكر المثال للخروج عن حال الوضوء فلا تستفاد خصوصية الدخول في الغير بالمعينين الاخرين بل المعتبر المعنى الاول الذي يتحقق بهذا الوجه ايضاً.

 والرواية الثانية التي استدل بها على تقييد قاعدة الفراغ بذلك موثقة ابن ابي يعفور وقد عرفت انها تختص بقاعدة التجاوز وتعارض صحيحة زرارة. وعلى تقدير دلالتها على قاعدة التجاوز فيرد الاستدلال بها بعض الوجوه المذكورة.

واما على الراي الرابع فقد يقال ان الروايات على قسمين فمنها مطلقات كرواية محمد بن مسلم ومنها مقيدات كروايتي زرارة واسماعيل بن جابر ولابد من حمل المطلق على المقيد كما فعل ذلك المحققان النائيني والاصفهاني قدس سرهما والنتيجة تقيد اعتبار قاعدة الفراغ بالدخول في الغير بالمعنى الثاني.

وقال الاصفهاني: ان تقيد احد شقي الجهة الجامعة وهو قاعدة التجاوز بالدخول في الغير عقلاً لا يمنع من التقيد الشرعي في الجهة الجامعة به بالتعبد.

ولكن الروايات منها ما لا يشتمل على القيد وهي من قبيل التعليم ومنها ما لا يشتمل على القيد وهي من قبيل الفتيا ومنها ما لا يشتمل على القيد وهي مقترنة بما يمنع من التقييد ومنها ما يشتمل على القيد.

فالاول كرواية محمد بن مسلم وهذا القسم يمكن تقييده بغيره لما ذكرناه مراراً من جواز التقييد في التعليمات وان مبناها على التدرج في البيان والاعتماد على القرينة المنفصلة.

والقسم الثاني لا يمكن تقييده بالقرينة المنفصلة اذ يقبح ذلك فيما كان من قبيل الفتيا الا إذا اقتضى ذلك سبب هام من تقية ونحوها

ومن هذا القبيل رواية محمد بن مسلم: قال قلت لابي عبد الله عليه السلام رجل شك في الوضوء بعد ما فرغ من الصلاة قال يمضي على صلاته ولا يعيد.

ومنه روايته الاخرى في الرجل يشك بعد ما ينصرف من صلاته قال: لا يعيد ولا شيء عليه. ورواية علي بن جعفر. وغيرها.

والقسم الثالث ما اقترن بجملة ذكرت لتقريب الامر إلى الاذهان وهي تمنع من التقييد كرواية محمد بن مسلم ايضاً التي فيها (وكان حين انصرف أقرب إلى الحق منه بعد ذلك) فان المقياس هو الانصراف.

ومنها موثقة بكير بن اعين المشتملة على هذه الجملة: هو حين يتوضأ اذكر منه حين يشك .

ولو امكن تقييد القسم الاول بروايتي زرارة واسماعيل بن جابر فلا يمكن تقييد هذين القسمين. فالقول بان القيد الوارد فيهما وارد مورد الغالب كما قالوا هو الاصح.

هذا مضافاً إلى احتمال ان يكون المراد بالدخول في الغير المعنى الاول المقوم لقاعدة الفراغ. خصوصاً بناءاً على ما ذكرنا من ان المراد بالخروج والدخول ليس هو المعنى الحقيقي بل هو الاشتغال وعدم الاشتغال.

ويؤيد ذلك فهم الصدوق في الهداية وتعبير الفقه الرضوي وهو الدخول في حالة اخرى.

 

المبحث السابع:

في تحديد الغير الذي يعتبر الدخول فيه والبحث في مقامين:

المقام الاول: فيما تقتضيه الادلة العامة بلحاظ الفاظ المضي والتجاوز والخروج.

المقام الثاني: فيما تقتضيه الادلة الخاصة بلحاظ التطبيق على الصغريات.

اما في المقام الاول ففي المسالة اربعة آراء:

الراي الاول ما نسب إلى بعض الفقهاء من ان المعتبر هو الدخول في الركن. والوجه فيه ان تجاوز المحل لا يصدق الا بمضي محل التدارك بحيث لو نسيه لا يتمكن من تداركه الا بالاستيناف وهو يتوقف على الدخول في الركن المتأخر اذ لولاه لامكن تداركه.

ويمكن ان يناقش فيه اولاً بان الوارد في الروايات ليس الا عناوين المضي والتجاوز والخروج والمراد بها معانيها المجازية واما التقييد بعدم امكان التدارك فلم يرد في دليل.

وثانياً: ان المراد بالدخول في الركن لو كان ظاهره فموارد النقض عليه كثيرة فان موارد الروايات الشك في الاذان بعد الدخول في الاقامة والشك في التكبير بعد الدخول في القراءة وهكذا.

وان كان المراد خصوص صورة عدم التمكن من التدارك الا بالاستيناف كما ذكرنا في توجيهه فيرد عليه النقض بقول زرارة رجل شك في الركوع وقد سجد وظاهره كفاية الدخول في السجدة قبل تحقق الركن. واوضح منه قول الامام عليه السلام في رواية اسماعيل بن جابر وان شك في السجود بعد ما قام... مع ان محل التدارك لم يفت قطعاً.

هذا مضافاً إلى ان ما يأتي في المقام الثاني من التطبيقات الواردة لا يناسب هذا القول.

الراي الثاني ما ذكره المحقق العراقي والسيد الحكيم قدس سرهما من ان المعتبر هو الدخول في الغير المترتب سواء كان جزءاً واجباً أم كان من الاجزاء المستحبة وان كان في تصوير الجزء المستحب على رأي السيد الحكيم اشكال كما سيأتي أم كان من المستحبات المعتبرة في الواجب وان لم يكن جزءاً كالقنوت بناءاً على عدم امكان الجزء المستحب أم كان مقدمة للمأمور به كالهوي أم كان مأموراً به على وجه الاستقلال كالتعقيب. واما الدخول في المنافيات فلا يكفي.

ويمكن ان يناقش فيه بان المعتبر هو ما يوجب صدق المضي والتجاوز وهو يتوقف على تصوير محل الامر المشكوك فيه ليعلم صدق عنوان المضي.

واما ترتب الغير عليه فهو تصوير لمحل ذلك الغير المترتب لا لمحل الامر المشكوك فيه فلا تتوقف القراءة على تعقبها بالقنوت ولا تتوقف صحة السلام على تعقبه بالتعقيب وانما تتوقف مشروعية القنوت على تأخره عن القراءة ومشروعية التعقيب على تأخره عن السلام.

الراي الثالث: ما ذكره السيد الخوئي ايده الله من ان المعتبر توقف صحة الامر المشكوك فيه على تعقبه بالامر الآخر وتوقف صحة الامر الآخر على تأخره عن الامر المشكوك فيه.

وعليه فالدخول في القنوت والتعقيب والهوي لا اثر له. اما الاولان فلعدم توقف صحة القراءة والسلام على تعقبهما بهما واما الاخير فلعدم تعلق الامر به.

قال واما الاجزاء المستحبة فاطلاق الجزء عليها مسامحة فان الجزء ما ينتفي المركب بانتفائه وهذا لا يصدق على المستحبات.

ومن هنا ايضاً انكر السيد الحكيم قدس سره الجزء المستحب.

ولكن الصحيح امكان تصوير الجزء المستحب بان يتعلق امر الزامي بالصلاة لا بشرط الجزء المستحب. ويتعلق بها امر آخر غير الزامي بشرط الجزء المستحب وهذا امر ممكن وانما لا يمكن العكس فان اللابشرط يوجد في ضمن ما هو بشرط شيء فاذا تعلق الامر به بنحو الالزام لم يكن الامر باللابشرط بنحو الاستحباب عقلائياً. وعلى هذا فلا مانع من تقيد الاجزاء بالجزء المستحب ولو بلحاظ حصول الكمال.

وكيف كان فعلى ما ذكره لا يكفي الدخول في الجزء المستحب واشكل عليه الامر في الاذان والاقامة المصرح بهما في الرواية فقال في دفع الاشكال: ان صحتهما شرعاً يتوقف على تعقبهما بالصلاة.

ويمكن المناقشة فيه اولاً بان مضي المحل لم يرد في شيء من الروايات وانما الوارد هو التجاوز والمراد به التجاوز بالعناية ولو فرض ورود هذا العنوان فهو يتوقف على توقف صحة الاول على الثاني دون العكس فاحد الامرين الذين اعتبرهما في صدق التجاوز لا وجه له. واما توقف صحة الاول على الثاني فلا مانع من اعتباره في صدق المحل للامر الاول.

وثانياً: ان صحة التكبير لا تتوقف على الاقامة وصحة الاقامة لا تتوقف على الاذان. نعم صحة الاذان لا يبعد توقفها على الاقامة اذ لا دليل على مشروعية الاذان بدون الاقامة - وان ورد في العروة مشروعية الاكتفاء به - بخلاف العكس.

الراي الرابع: ان المعتبر في تحقق المضي والتجاوز ان يدخل فيما لا ينبغي شرعاً الدخول فيه قبل الانتهاء من الامر الاول المشكوك فيه سواء كان من الواجبات او المستحبات او المقدمات كالهوي او المنافيات اذ لا ينبغي شرعاً اتيان المنافي قبل السلام فبذلك يحصل المضي والتجاوز بالعناية اذ يصدق عرفاً ان محله قد مضى.

ومن هنا يعلم ان قول السيد الطباطبائي قدس سره في العروة ان الدخول في المنافي يكفي في صدق التجاوز لا يبتني على القول بكفاية المحل العادي اي ما اعتاد الانسان بجعله عقيب الشيء وان كان ذكراً خاصاً غير وارد كما افترضه السيد الحكيم قدس سره ثم اعترض عليه بانه خلاف التحقيق. بل الوجه فيه ما ذكرناه.

المقام الثاني: فيما تقتضيه الامثلة الواردة في الروايات ولا بد من ملاحظتها بناءاً على مسلك المحقق النائيني لان قاعدة التجاوز عنده ليست الا التطبيقات الواردة في الروايات واما على سائر المسالك فينبغي ذلك ايضا اذ يمكن كشف فرع آخر من التحديد منها.

وربما يقال: ان من الامثلة الواردة في صحيحة زرارة: رجل شك في القراءة وقد ركع. ورجل شك في الركوع وقد سجد ولم يذكر الهوي وهذا وان كان وارداً في كلام الراوي الا ان مسلك المحقق النائيني يقتضي الاقتصار على كل ما يحتمل دخالته في التطبيق.

واولى منها رواية اسماعيل بن جابر فقد ورد فيها تعبير الامام بنحو القضية الشرطية: ان شك في الركوع بعد ما سجد فليمض وان شك في السجود بعد ما قام فليمض. فيدل ذلك على عدم كفاية الهوي والاخذ في القيام اما بمفهوم الشرط واما بمفهوم القيد فيعتبر هذا التطبيق محدِّداً للكبرى المستفادة من الذيل حتى على سائر المسالك.

واما على مسلك المحقق النائيني فلابد من الاقتصار على هذه الامثلة ولا يتعدى حتى إلى القنوت لانه مستحب وهذه الامثلة اجزاء واجبة.

قالوا: ويؤيد ذلك صحيحة عبد الرحمن بن ابي عبدالله قال قلت لابي عبدالله عليه السلام: رجل رفع رأسه من السجود فشك قبل ان يستوي جالساً فلم يدر أسجد ام لم يسجد. قال: يسجد. قلت: فرجل نهض من سجوده فشك قبل ان يستوي قائماً فلم يدر أسجد أم لم يسجد، قال: يسجد ([26]) .

فانها تدل على عدم كفاية الدخول في المقدمات.

وربما يتوهم معارضتها بصحيحته الاخرى: رجل اهوى إلى السجود فلم يدر أركع أم لم يركع قال قد ركع ([27]) .

واجاب عنها السيد البروجردي قدس سره بانها معرض عنها.

واجاب المحقق النائيني قدس سره بانها مقيدة بمفهوم رواية اسماعيل بن جابر فالمراد اهوى إلى السجود وسجد.

واجاب عنه السيد الخوئي ايده الله بعد عدم الاعتماد على الاعراض وملاحظة ان رواية اسماعيل ليس لها مفهوم بان كلمة اهوى فعل ماض فلابد في صدقه من الدخول في السجود ليصدق مضي الهوي.

وقال في مفتاح الكرامة انه لو قال: اهوى للسجود كان يدل على عدم الوصول إلى حدّ السجود واما قوله اهوى إلى السجود فيدل على وصوله اليه.

ولا يبعد رجوع هذا الجواب إلى الجواب السابق.

والنتيجة اما عدم انعقاد الاطلاق في الروايات بلحاظ الامثلة في صحيحة زرارة. او تقييد الاطلاقات بمفهوم رواية اسماعيل. او وجود دليل خاص على عدم كفاية الهوي كصحيحة عبد الرحمن.

والجواب اما عن الوجه الاول فلان هذه الامثلة لا تحدد الكبرى الكلية اذ يمكن ان يكون ذكر الكبرى قاطعاً للاسئلة ولولاها لورد السؤال عن ذلك ايضاً.

واما عن الثاني فلان مفهوم اللقب لا حجية فيه واما مفهوم الشرط فيختص بما إذا لم يكن الشرط مسوقاً لبيان تحقق الموضوع والا فلا يمكن استخراج المفهوم وهو كذلك فيما نحن فيه اذ لا معنى لقولنا: ان لم يشك في الركوع بعد ما سجد فلا يمض.

وقد ذكرنا مرارا تفصيل كيفية استخراج المفهوم وتقومه بكون القضية ثلاثية مركبة من موضوع ومحمول وشرط معلق عليه الحكم.

توضيح ذلك: ان القضايا الشرطية ثنائية وثلاثية. فالقسم الثاني ما يتركب من موضوع ومحمول وشرط علق عليه الحكم نحو زيد ان جاءك فاكرمه. وفي مثل ذلك يترتب المفهوم وهو زيد ان لم يجئك فلا تكرمه. واما القسم الاول فهو ما يتركب من موضوع ومحمول فقط ويكون الشرط محققاً للموضوع نحو: ان رزقت ولداً فاختنه. وليس لهذه القضية مفهوم فان انتفاء الحكم عند انتفاء الموضوع عقلي والشرط لا يثبت الا موضوعية الموضوع فهذه القضية الشرطية في حكم القضية الحملية ([28]) .

فلو اردنا تشكيل قضية ثلاثية في المقام يجب ان نقول: الشك في الركوع إذا تحقق بعد السجود فليمض. وحينئذ يتحقق له مفهوم.

والحاصل ان عدم الاعتناء بالشك حيث انه يتوقف عقلاً على وجود الشك فلا يمكن استفادة المفهوم منه والفهم العرفي لا يساعد تثليث القضية كما ذكره المحقق الهمداني ايضاً.

واما صحيحة عبد الرحمن الاولى فالشق الاول منها لا ربط له بما نحن فيه. ومع ذلك ففيه اضطراب اذ لامعنى للشك في السجود مع كونه قد رفع رأسه منه. ولذا ذكرها الشيخ قدس سره في الاستبصار في باب الشك في عدد السجود.

واما الشق الثاني فهو الذي استدل به الجماعة فالاستدلال به يتوقف على كون المراد بالنهوض الاخذ في القيام والمراد بالاستواء تماميته واعتدال الظهر.

ولكن الظاهر ان النهوض معناه القيام ففي المنجد: نهض نهضاً ونهوضا : قام. ونهض عن مكانه ارتفع عنه. وفي تاج العروس نهض: قام كما في الصحاح وغيره.

ولو سلمنا صدق النهوض بالاخذ في القيام فمعنى الاستواء ليس هو الاعتدال بل هو الاستقرار والاطمينان. كما في بعض الآيات الكريمة والاحاديث الشريفة، قال تعالى: (فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ)[29] وقال تعالى (وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ * لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ).[30]

واوضح من ذلك الاحاديث الواردة في الاستواء بعد السجود المفسر في روايات اخرى بالاطمينان، راجع جامع الاحاديث ب20 من السجود ص336  ففيه عدة روايات عبر بالاستواء وعبر في عدة اخرى عن نفس تلك الحالة بالاطمينان وكذا في ب22.

وحيث ان الاطمنيان لا يعتبر في صدق التجاوز قطعاً فتطرح الرواية اما للاعراض عنها واما لاضطراب متنها.

ولو سلّم دلالتها فلا مانع من الاخذ بها في خصوص المورد كما التزم به صاحب العروة والمدارك والذخيرة وغيرهم.

واما الاجابات عن صحيحته الثانية فغير صحيحة.

اما الاعراض فيظهر فساده بمراجعة مفتاح الكرامة.

واما تقييدها بمفهوم رواية اسماعيل بن جابر فقد عرفت انها لا مفهوم لها.

واما ما ذكره السيد الخوئي ايده الله ففيه ان الهوي يدل على السقوط للسجود ولا يدل على نفس السجود ولو اراد السجود لقال وقد سجد.

فتحصل انه لا معارض لما ذكرناه في الامر السادس من كفاية الدخول في كل ما لا ينبغي الدخول فيه قبل الامر المشكوك فيه.

 

المبحث الثامن:

في ما يتحقق به الفراغ.

اما قاعدة الفراغ البنائي فقد ذكرنا فيما سبق عدم اعتبارها وان الدليل عليها رواية فقه الرضا التي ليست برواية عندنا ورواية محمد بن مسلم التي لا اعتماد عليها سنداً اولاً ودلالة ثانياً فان قوله (وكان يقينه حين انصرف اقرب إلى الحق) لو صح فانما يدل على اعتبار اليقين الموجود حين الانصراف والقائل بقاعدة الفراغ البنائي لا يفرق في صحة العمل بين وجود اليقين حين الانصراف او بعده بمدة فالملاك عنده هو عدم الاعتناء بالشك الساري.

وكيف كان فمورد البحث هنا سائر روايات قاعدة الفراغ مما يستفاد منها قاعدة الفراغ الحقيقي.

والتعبير الوارد في الروايات مختلف فعبر في بعضها بالمضي وفي بعضها بالفراغ وفي بعضها بالخروج من شيء والدخول في غيره وفي بعضها بالمجاوزة وفي بعضها بكونه باقياً على حال الوضوء.

والآراء في تفسير هذه الروايات ثلاثة:

الرأي الاول: ان المراد بها الفراغ الحقيقي. وهو يبتني على ان المراد بالشيء والوضوء والطهور وغيرها مما ورد في هذه الروايات هو الماهية بالمعنى الاعم من الصحيحة والفاسدة لا خصوص الصحيحة والا فلا يبقى مجال للشك فيه فالمراد به معظم الاجزاء سواء قلنا في مبحث الصحيح والاعم بان الالفاظ موضوعة للصحيح او الاعم.

وقد ذكرنا هناك ان هذه الالفاظ موضوعة للماهيات الاعتبارية التي تختلف الامم والحضارات والاديان والقوانين في تطبيقها ولذا نرى ان الميتة والمذكى يختلفان بحسب القوانين والعادات وتطبيقها يحتاج إلى متمم الجعل التطبيقي فالالفاظ موضوعة ومستعملة دائماً في معانيها الحقيقية وهي الماهيات الاعتبارية وانما الاختلاف في تطبيقها.

وكيف كان فالمراد هنا قطعاً هو المعنى الاعم.

واما عنوان الفراغ ونحوه فيتحقق بتحقق الجزء الاخير منه او يكون بحيث لا يمكن تدارك العمل وان شك في الجزء الاخير كما إذا تحقق المنافي او انتفت الموالاة حيث تعتبر. فاذا شك في غسل الجانب الايسر بناءاً على اعتبار الترتيب بين الايسر والايمن في الغسل لم يتحقق الفراغ لعدم العلم بتحقق الجزء الاخير وانتفاء الموالاة لا يمنع من تدارك العمل لعدم اشتراط الغسل بها. وقد اختار هذا الرأي السيد الخوئي ايضاً.

الرأي الثاني: ان الفراغ يتحقق بالفراغ الحقيقي والفراغ الادعائي. وهذا رأي المحقق النائيني ومراده بالفراغ الادعائي ان معظم الاجزاء لو تحققت وكان من عادة المكلف الاتيان بالاجزاء متتالية وشك في الجزء الاخير في الغسل مثلاً فقد تحقق الفراغ لا من جهة اعتبار المحل العادي اذ يلزم منه تأسيس فقه جديد بل من جهة الصدق العرفي بتحقق الفراغ إذا كان معتادا باتيان الاجزاء متتالية. فهذا القسم يلحق ايضاً بالفراغ الحقيقي.

والجواب عنه: ان نظر العرف انما يعتبر في تحديد المفاهيم وتشخيص المصاديق إذا كان نظراً دقيقاً استعملت فيه العناية التامة واما النظر المسامحي فلا اعتبار له ولذا لا تشمل المطلقات الافراد الادعائية. فصدق الفراغ ومضي العمل انما يتحقق حقيقة باحد النحوين المذكورين واما باعتبار كونه معتاداً فالصدق مبني على نحو من المسامحة والادعاء.

الرأي الثالث: ما اختاره المحقق العراقي والسيد الحكيم قدس سرهما من ان المراد بالمضي والفراغ وغيرهما هو اعتقاد الفراغ اي الفراغ البنائي. ووجهه على ما في المستمسك([31]) ان المراد بالفراغ اما الحقيقي او الادعائي او البنائي وبعد فساد الاولين ينحصر المراد في الثالث وهو المطلوب.

اما فساد الاول فلان القطع بالفراغ الحقيقي لا يجامع الشك في العمل ولو في جزء منه فاذا كان المراد بالفراغ الفراغ الحقيقي فلا يمكن ان يتحقق عنوان الشك مع العلم بموضوعه وهو الفراغ. ومع عدم العلم بموضوعه لا وجه لاجراء القاعدة.

واما فساد الثاني فلان الفراغ الادعائي يتحقق بمضي معظم الاجزاء وهو لا يكفي قطعاً في جريان القاعدة فانه خلاف صحيحة زرارة التي اعتبرت في قاعدة الفراغ القيام عن حال الوضوء ودلت على وجوب الاعادة ما دام قاعداً على الوضوء ولو كان الملاك مضي معظم الاجزاء لم يكن وجه لاعتبار القيام عنه.

فتعين اختيار الوجه الثالث لا من جهة وضع هذه الالفاظ للمعاني النفسية وان المضي عبارة عن اعتقاد المضي اذ لا وجه لذلك بل الالفاظ موضوعة للمعاني الخارجية ولا من جهة اعتبار قاعدة اليقين ليطالب بالدليل بل لان الضرورة تلجئنا إلى حمل الفراغ في المقام على الفراغ بوجوده الاعتقادي لا الواقعي.

والجواب: ان الاعتراض على الراي الاول يبتني على ان يكون المراد بالعمل خصوص الصحيح منه وهذا غير معقول لان العمل الصحيح بعد احرازه لا معنى للشك فيه فلا حاجة إلى الوجه الذي ذكره الا ان المراد بناءاً على هذا الراي من الفراغ عن العمل الفراغ عن العمل بالمعنى الاعم من الصحيح والفاسد وهذا يحرز عرفاً باتيان الجزء الاخير او تحقق المنافي.

واما الاعتراض على الراي الثاني فيدفعه ان المحقق النائيني لم يعتبر مضي معظم الاجزاء مطلقا بل في خصوص ما إذا كان الشخص معتاداً على الاتيان بالتوالي حتى يصدق المضي ادعاءاً فكأنه غفل عن هذا القيد في كلامه وقد وقع نظيره في مباني الاستنباط ولعله من المقرر.

فتحصل ان الحق هو الاول واما الوجه الثالث فهو بعيد عن لسان الروايات ولا موجب لاختياره.

 

المبحث التاسع:

في ان القاعدتين هل تختصان بالعالم الملتفت ام تشملان الغافل اثناء العمل والجاهل بالحكم مع احتمال مصادفة الواقع.

ذكر المحقق الهمداني في حاشيته على الرسائل ان الاصحاب اطلقوا القول بعدم الاعتناء بالشك بعد الفراغ من العمل في باب الوضوء والصلاة ونظائرهما وان غير واحد من الاعلام قد تمسك للقاعدتين بالعمومات والمطلقات مضافاً إلى ظهور الحال. وحيث ان ظهور الحال لا يساعد التعميم اذ ليس ظاهر حال الجاهل والغافل تمامية العمل ولذا يمكن الخدشة في اطلاق الحكم ثم اختار عمومية القاعدة لجميع الصور وذكر لها وجهاً ناقش فيه المتأخرون عنه.

ولتوضيح الحال نذكر الصور واحدة واحدة ونبحث عنها.

الصورة الاولى: ان يقطع بالغفلة حال العمل مع احتمال مصادفة عمله للتمامية بعمل من نفسه حسب عادته كما إذا اغتسل وكان غافلاً عن ادارة خاتمه الا انه يحتملان يكون قد اداره غفلة حسب عادته. فهل تجري القاعدة حينئذ أم لا؟

يمكن ان يتمسك للشمول بوجهين:

الوجه الاول: العمومات والاطلاقات بدعوى عدم دلالتها على الاختصاص بصورة الالتفات.

الوجه الثاني: التمسك برواية حسين بن ابي العلاء قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الخاتم إذا اغتسلت قال قال: حوله من مكانه وقال في الوضوء: تديره فان نسيت حتى تقوم في الصلاة فلا آمرك ان تعيد الصلاة ([32]).

وجه الاستدلال ان الرواية تدل على صحة الغسل والوضوء ان نسي التحويل والادارة مع احتمال وصول الماء مصادفة فهي تدل على الصحة ان احتمل التحويل والادارة مع غفلته لاعتياده بطريق اولى. وبالغاء خصوصيتي الغسل والوضوء وأنّ الائمة عليهم السلام يفتون بموجب اصول علم يرثونها كابر عن كابر([33]) نحكم بعمومية الحكم في جميع الابواب فان الاصل المنطبق في المقام هو قاعدة الفراغ.

وقد نوقش في الوجه الاول بامرين:

الامر الاول: عدم تحقق الاطلاق والعموم بالنسبة لهذه الصورة. ولبيان ذلك تقريبان:

التقريب الاول: ان الكبريات المذكورة امضاء لما بنى عيه العقلاء. وعليه فلا يمكن التمسك بها لالغاء الشروط المعتبرة عند العقلاء في جريان القاعدة. وذلك لان كون الشارع في مقام امضاء بناء العقلاء يوجب محدودية ظهور كلامه بما بنوا عليه فان بناءهم كالقرينة المتصلة المحتفة بالكلام. وبذلك لا ينعقد الظهور في كلام الشارع بالنسبة إلى الغاء ما يعتبر عند العقلاء من القيود. نعم يمكن التمسك بها لو شك في تقييد الشارع الحكم زيادة على ما يعتبر عند العقلاء من القيود. هكذا ورد في مباني الاستنباط.

التقريب الثاني: ان الكبريات وان كانت متكفلة لبيان قانون اسسه الشارع الا ان التناسب العرفي موجود بين الحكم وبعض افراد الموضوع وهذا يمنع من انعقاد الاطلاق.

توضيح ذلك: ان الاحكام الشرعية على قسمين فمنها ما هو تعبدي محض لا يدرك العقلاء مناسبة بين حكمه وموضوعه ومنها ما يدرك العقلاء بينهما تناسباً.

وفي القسم الاول نتمسك بالعمومات والاطلاقات بلا اشكال واما في القسم الثاني فلا يمكن التمسك بالعموم والاطلاق إذا كان التناسب المفروض ملحوظاً في بعض الافراد دون بعض. فان هذا التناسب يمنع من انعقاد الاطلاق اما لانه قرينة محتفة بالكلام او لانه صالح للقرينية.

ولا ريب ان العقلاء لا يرون تساوي افراد الموضوع بالنسبة إلى الحكم في هذه الكبريات بل يرون الحكم بالنسبة إلى بعضها انسب من البعض الآخر. وهو خصوص العالم الملتفت.

هذا. والتقريب الاول صحيح من حيث الكبرى الا ان انطباقها في المقام غير صحيح. وقد مرّ القول في عدم عقلائية القاعدتين في المبحث الثاني.

واما التقريب الثاني فالجواب عنه بوجهين:

الوجه الاول: ان المرتكز في اذهان الرواة هو ان الدين الإسلامي شريعة سهلة سمحة كما صرحت به الآيات الكريمة والروايات الشريفة قال تعالى (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)[34]  وقال ايضا (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ).[35]

وحيث ان هذه الكبريات تتضمن تسهيلاً على المكلف فالمناسب لها بموجب هذا الارتكاز هو العموم والشمول.

ولا تعارض ذلك المناسبة العقلائية بين بعض افراد الموضوع والحكم من جهة اصالة عدم الغفلة لان الاقرب إلى اذهانهم عند اطلاق هذه الكبريات هو الارتكاز المذكور لشدة اهتمام الشارع ببيانه ولمسبوقية اذهانهم بالقواعد المجعولة للتسهيل كثيراً في الشريعة المقدسة.

الوجه الثاني: انه لا يضر بالاطلاق كون بعض الافراد من المتيقن حتى على رأي المحقق الخراساني فانه انما يعتبر في الاطلاق عدم القدر المتيقن في مقام التخاطب. واما اعتبار تساوي الافراد بحسب التناسب العقلائي بين الموضوع والمحمول فلم يقل به احد ولا يظن ذلك باحد. كيف ولو قيل به لم يمكن التمسك بالاطلاق في كثير من الموارد بحيث لا يظن بفقيه الالتزام به. فتشريع الصوم يناسب المترفين فهل يمكن القول بعدم شموله للفقراء او المرتاضين. وتشريع الخمس والزكاة يناسب الاثرياء فهل يمكن القول بعدم شموله لمن يزيد على مؤونته خمسة دوانيق مثلا كما في الروايات إلى غير ذلك.

الامر الثاني مما نوقش به في الاطلاقات وجود المقيِّد لها قال الشيخ قدس سره: تقيّده مضمرة بكير بن اعين: (قال: قلت له: الرجل يشك بعدما توضأ قال: هو حين يتوضأ اذكر منه حين يشك)[36] وذلك لان هذه الجملة علة قائمة مقام الحكم وهو عدم الاعتناء بالشك والعلة تعمم وتخصص. فالحكم يختص بمن كان ذاكراً حين العمل.

وكذا تقيده رواية محمدبن مسلم على فرض صحتها: (اذا شك الرجل بعدما صلى فلم يدر أثلاثاً صلى أم اربعاً وكان يقينه حين انصرف انه كان قد اتم لم يعد الصلاة وكان حين انصرف اقرب إلى الحق منه بعد ذلك)[37] فان هذا التعليل ايضاً يقصر الحكم على من كان اقرب إلى الحق فلا يشمل الجاهل والغافل.

واجاب عن هذا التقييد المحقق النائيني بانه لا يبعد ان تكون هذه التعليلات من قبيل حكمة التشريع التي تلاحظ فيها الاغلبية لا العلية التي يدور مدارها التشريع.

وناقش فيه السيد الخوئي ايده الله ان العرف الذي هو المرجع في التمييز بين الحكمة والعلة لا يساعد كون هذه التعليلات من قبيل الحكمة.

اما تمييز الحكمة عن العلة فالبحث عنه بحاجة الى تفصيل لا مجال له هنا وقد فصلناه في بحث مفهوم المخالفة، الا ان الكلام في ان هذه الجمل لم تصدّر باداة التعليل حتى يبحث عن كونها في مقام التعليل او بيان الحكمة. وليس هذا التعبير الا لتقريب الامر إلى ذهن الراوي. فليس لبيان العلة حتى يفيد تخصيص الحكم.

هذا مع ان التمييز بينهما له ضوابط علمية ولا ربط له بنظر العرف اصلاً فمناقشة السيد الخوئي لا وجه لها. والقول بالتقييد ايضاً لا وجه له.

مضافاً إلى ان الاستدلال برواية محمد بن مسلم ينافي الراي الصحيح الذي يلتزم به السيد الخوئي ايضاً من عدم اعتبار الفراغ البنائي في قاعدة الفراغ. فلو كانت هي المخصص للقاعدة وجب الاقتصار فيها على مورد الشك بعد اليقين بالفراغ ولا يلتزم به من تمسك بها في التقييد والفرق تحكم.

وقد نوقش في الوجه الثاني اي التمسك برواية حسين بن ابي العلاء بان التأمل في الرواية يقضي بحملها على استحباب الادارة والتحويل اذ لا وجه للتفكيك بين الغسل والوضوء. وعليه فالوجه في عدم الاعتناء بالنسيان هو ترك الامر المستحب فلا ربط للرواية بما نحن فيه.

ويمكن ان يؤيد ذلك بفهم الصدوق للرواية على ما في الفقيه من اعتبار الادارة والتحويل موردين للامر النفسي المحمول على الاستحباب جزماً.

هذا ولكن الظاهر ان هذا ليس تفصيلاً من الامام عليه السلام بل هو من قبيل الجمع بين الروايتين. ويتبين ذلك بملاحظة قوله: (وقال في الوضوء..) مما يدل على انه رواية اخرى.

وعلى ذلك فالسؤال وقع مرتين تارة عن الغسل وتارة عن الوضوء. وحيث ان الامام عليه السلام في مقام الفتيا يجيبه باحد المصداقين.

وهذا باب واسع فان المفتي لا يجب عليه ان يذكر جميع وجوه الامتثال. وعليه فلا خصوصية في الادارة والتحويل حتى يكون الامر بهما تعبداً محضاً فيكونان مستحبين نفسين. ولو كانا مستحبين لم يكن وجه لتخصيص عدم وجوب الاعادة بصورة النسيان وقد ورد عنهم عليهم السلام انهم يهتمون ويعتنون بكل ما يرد في كلامهم من قيود.

الصورة الثانية: ان يقطع بكونه غافلاً حال العمل الا انه يحتمل ان يكون المأتي به قد وقع صحيحاً مصادفة من دون ان يعمل عملاً يوجب الصحة كما إذا احتمل في مسألة الغسل والوضوء ان الماء قد وصل تحت الخاتم وان لم يدره او يحوله. وكما إذا صلى إلى جهة غير مراع للقبلة غفلة الا انه يحتمل مطابقتها للواقع مصادفة.

والكلام في هذه الصورة انما هو بعد تسليم شمول المطلقات للصورة الاولى وعدم وجود المقيد كما هو الصحيح.

وقد التزم المحقق النائيني بعدم شمول القاعدتين للمقام مع التزامه بشمولهما للصورة الاولى. والفرق ان الشك في الصورة الاولى في عمل المكلف فيتمحض في انطباق المأمور به على المأتي به وهو الملاك في القاعدتين واما في هذه الصورة فالشك انما هو في امر خارج عن عمل المكلف وهو استيعاب الماء لجميع البشرة اتفاقاً فلم يتمحض الشك في انطباق المأمور به على المأتي به وليس المشكوك من حدود المأتي به فلا تجري فيه القاعدتان.

ويشهد لذلك ان هذا الشك يتحقق بالنسبة إلى وصول الماء حتى لو لم يكن هناك عمل من المكلف اصلاً كما إذا صبّ عليه الماء احدٌ فيشك في وصول الماء إلى ما تحت الخاتم فليس الشك مربوطاً بالمأتي به بعنوانه.

والجواب عنه: ان هذا الفرق غير فارق فان المعتبر في امتثال الامر الاتيان بالعمل وانطباق المأمور به عليه سواء كان الانطباق مع علمه بجميع الخصوصيات او مع جهله ببعضها ومطابقتها تصادفاً فوصول الماء إلى جميع البشرة ليس من خصوصيات الفعل وانما هو من خصوصيات كمية الماء المستعمل في الغسل او الوضوء والمعتبر ان يتحقق الغسل من المكلف بكمية يستوعب البشرة.

وكذا في الصلاة المشروطة بالاستقبال فان كون المصلي مواجهاً إلى  احدى الجهات هو فعله وقد تحقق ومطابقتها للقبلة وعدم مطابقتها من خصوصيات الجهة لا من خصوصيات فعل المكلف فجهله بالمطابقة لا يؤثر في واقع المطابقة وهو المعتبر. وكثيراً ما يغفل الانسان عن اشتمال العمل لجميع الخصوصيات ومع ذلك فلا اشكال في الصحة إذا كان مشتملاً عليها. وعليه فلا مانع من شمول دليل القاعدتين لهذا القسم.

الصورة الثالثة: ان يحتمل الاخلال العمدي ببعض الاجزاء او الشرائط. وهذا قد يتحقق في بعض الحالات الشاذة. كما إذا بدا له في اثناء الصلاة ان يترك الركوع ولا يتم الصلاة ثم غفل عن هذه الحالة واتم الصلاة واحتمل بعد الفراغ منها أو بعد التجاوز عن محله انه قد ترك الركوع عمداً نتيجة لما بدا له في الاثناء.

لا كلام في شمول دليل القاعدتين لهذه الصورة بناءاً على ما ارتأيناه من عموم الادلة وعدم ورود المقيد.

وانما الكلام على سائر الآراء من انكار العموم او القول بالتقييد او الجمع بينهما بمعنى القول بالتقييد على فرض العموم.

والكلام في جهتين:

الجهة الاولى: في شمول سبب انكارهم للعموم - على تقدير صحته - للمقام.

اما السبب الاول اي كون الكبريات في مقام امضاء بناء العقلاء ومحدوديتها تبعاً لمحدوديته فلا يبعد ان يشمل المقام على فرض تسليم مقدماته.

واما السبب الثاني وهو كون التناسب العقلائي بين الحكم وبعض انواع الموضوع مانعاً من انعقاد الاطلاق فلا يجري في هذا القسم. فان القائل به يلتزم بان العقلاء لا يعتنون باحتمال المخالفة عمداً بل يرون ذلك من المستحيل عادة وكيف يمكن تعلق الارادة بامر وترك ما يعتبر في تحققه عمداً.

الا ان يقال: ان هذا قانون عقلائي مستقل غير اصالة عدم الغفلة. وعليه فلا حاجة إلى شمول الاطلاق لهذه الصورة اذ هذه المطلقات متكفلة لبيان قاعدة اصالة عدم الغفلة وهذه الصورة داخلة في قانون عقلائي آخر فالانسب بالمطلقات حملها على غير هذا القسم.

ولكن من الواضح انا لو سلمنا ان التناسب العقلائي يقتضي حمل المطلقات على صورة خاصة فلا فرق بين انواع ما هو المناسب ولا وجه لحمل المطلقات على الفرد الانسب وبذلك يظهر وجه النظر فيما ورد في مباني الاستنباط.

الجهة الثانية: في شمول المقيّد لهذه الصورة اي لاخراجها.

قال الشيخ: ان المقيد - وهو روايتا بكير ومحمد بن مسلم - هو الدليل على شمول القاعدة لهذه الصورة وتبعه المحقق العراقي.

ولكن في مباني الاستنباط انهما تخرجان هذه الصورة ايضاً. ولابد من ملاحظة الرواية للحكم الفصل بين القولين.

ومبنى قول الشيخ ان قوله عليه السلام : (هو حين يتوضأ اذكر منه حين يشك) مشتمل على صغرى وكبرى. والكبرى مطوية وهي: ان كلما كان الانسان اذكر حين العمل فلا يمكن ان يترك ما يعتبر فيه. وهذه الكبرى تشمل احتمال الاخلال العمدي فلو فرضنا قصوراً في الاطلاقات فهذه الكبرى شاهدة لشمول الحكم لهذه الصورة.

ومبنى القول الثاني ان مفروض السؤال هو عدم تحقق الاخلال العمدي لانه لا يتحقق الا في الحالات الشاذة فالمراد بهذه الجملة اختصاص القاعدة بصورة الترك غفلة. فليس الكبرى الشاملة لاحتمال الاخلال العمدي مطوية بل عدم تحقق الاخلال العمدي هو المفروض. فالكبرى مفروضة لا مطوية.

وقد ذكرنا سابقاً ان هذا ليس تعليلاً فلا يستفاد منه تقييد اصلاً. ولو سلمنا افادة الجملة للتعليل فان قلنا بانها وردت في مقام الافتاء والجواب عن المورد المتعارف الذي يقع محلاً للابتلاء فلا يستفاد منها الكبرى الكلية الموجبة للتقييد مطلقا وان صرّح بالتعليل فكما لا يقيد القاعدة لاخراج الصورة السابقة فكذا في هذه الصورة وان قلنا بانها في مقام التعليم وان السؤال ليس الا فرضاً من السائل لاستفادة القاعدة الكلية فلابد ان تكون الكبرى الكلية مطوية فيصح القول الاول. فالجمع بين عدم الكبرى والتقييد جمع بين متنافيين.

الصورة الرابعة: ان يكون جاهلاً بالشروط والاجزاء ومع ذلك يحتمل الصحة مع عدم تذكره لصورة العمل. ولهذه الصورة قسمان:

القسم الاول: ان لا يكون جهله مقتضياً للاخلال كما إذا كان جاهلاً بان الجماع من دون انزال مبطل للصوم وهو لا يعلم انه اتى به أم لا فان الجهل هنا لا يقتضي المخالفة. وكذا الجاهل بالترتيب في اعضاء الوضوء.

اما بناءاً على ما ذكرناه من ثبوت الاطلاق فلا مانع من التمسك به وتصحيح العمل. واما بناءاً على عدم ثبوته او ثبوت المقيد فالمرجع قواعد اخر سيأتي بيان بعضها.

القسم الثاني: ان يكون جهله مقتضياً لفساد العمل كما إذا كان معتقداً بان المعتبر في الوضوء هو التنكيس في غسل اليدين ومع ذلك فهو يحتمل الصحة من جهة الغفلة او الاخلال العمدي.

ولا اشكال بناءاً على عدم ثبوت الاطلاق او ثبوت المقيد انما الكلام بناءاً على ما ذكرنا فهل نحكم بالصحة للاطلاق؟

الظاهر ثبوت المقيد في خصوص هذه الصورة وهو موثقة بكير بن اعين (هو حين يتوضأ اذكر منه حين يشك). وقد بينا ان هذه الجملة ليس لها مفهوم يمنع من الاطلاق فيما عدا صورة الغفلة ولكن منطوقها يقيد الاطلاقات بالنسبة إلى هذه الصورة.

توضيح ذلك ان السؤال وقع عن مطلق من شك في العمل بعد الفراغ لا في خصوص مورد حتى يحمل الجواب على الفتيا فان السائل من الفقهاء وكان من المتعارف بين فقهاء الرواة فرض مسألة لاستخراج القاعدة الكلية وقد اجاب الامام عليه السلام بما يستفيد منه الجواب في عدة صور فان قوله (هو حين يتوضأ اذكر منه حين يشك) بمنزلة الصغرى لكنها لا تفيد صحة العمل الا بضم الكبرى التي قد مر انها مطوية لا مفروضة وهي: ان كلما كان الانسان اذكر حين العمل فلا يمكن ان يترك ما يعتبر فيه. ولكن الصغرى اي اصالة عدم الغفلة تفيد في المقام بطلان العمل بلا توقف على مقدمة اخرى وذلك لان مبنى الصحة هنا على الغفلة اذ كان معتقده مقتضياً للبطلان. فنتمسك باطلاق الصغرى ونقيد اطلاق الروايات.

بل يمكن دعوى عدم انعقاد الاطلاق فيها بالنسبة إلى هذه الصورة فانا وان لم نسلم تقيد الاطلاق بالتناسب العقلائي الا اننا لا ننكر تقيد الاطلاق بما إذا كان المناسب عند العقلاء عدم الشمول. واصالة عدم الغفلة وان لم يكن اصلاً عقلائياً الا ان شمول الاطلاق بحيث يثبت اصالة الغفلة بعيد عن التناسب العقلائي قطعاً والمفروض في المقام ان تصحيح العمل يتوقف على اصالة الغفلة فلو شمله الاطلاق كان باعتبار ان الاصل هو الغفلة وهو بعيد جداً.

وكيف كان فلا اقل من التوقف في شمول القاعدة لهذه الصورة.

الصورة الخامسة: ان يكون العمل فاقداً لما يحتمل كونه شرطاً كالترتيب مع افتراض ان صورة العمل محفوظة عند المكلف الا انه بعد العمل يحتمل الصحة من جهة احتمال عدم الشرطية بنحو الشبهة الحكمية.

والظاهر عدم شمول القاعدة للمورد فان ظاهر الادلة ان مورد القاعدة انما هو فيما إذا كان الشك في خصوصيات المأتي به لا في خصوصيات المجعول الشرعي.

وبعبارة اخرى مورد القاعدة الشك في العمل. والمفروض ان العمل معلوم بخصوصياته والشك انما هو في الحكم الشرعي فاذا اسندنا الشك إلى العمل فهو من باب المجاز في الاسناد. وقوله عليه السلام: كلما شككت فيه مما قد مضى انما يراد به العمل الذي مضى فلا بد من ان يكون الشك في خصوصيات العمل.

بقي هنا شيء:

وهو ان الصحة قد تحرز بموجب قاعدة أخرى كقاعدة لا تنقض السنة الفريضة على ما ذكرناه مراراً من ان مقتضاها نفي الارتباط المطلق بين الاجزاء التي قدرها الله تعالى والاجزاء التي سنها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتقييد الارتباط بينها بصورة العلم والالتفات وعدم العذر فلو اتى بالفرائض وترك السنن جهلاً قصورياً او نسياناً او عن عذر صحت صلاته.

وحينئذ فلو لم تجر قاعدة الفراغ - كما في بعض الصور السابقة على بعض الآراء، وفي بعضها على كل تقدير - صحت الصلاة لهذه القاعدة بل حتى لو اقتضت القاعدة الاخلال كما عرفت في الصورة الرابعة بل حتى لو قطع بالاخلال لما عرفت من نفي الارتباط المطلق.

وقد يوجب الاستصحاب ايضاً الحكم بالصحة كما إذا شك في الارتماس في الصوم. وقد يقتضي البطلان كما إذا احتمل ترك السورة فهنا تصح بموجب الفراغ دون الاستصحاب.

والاستصحاب انما يمكن التمسك به لاحراز الصحة إذا لم تقتض اصالة عدم الغفلة البطلان كما في الصورة الرابعة فليس للاستصحاب تقدم على مقتضى هذا الاصل بخلاف قاعدة لا تنقض.

 

المبحث العاشر:

في جريان القاعدتين في الشرائط.

ولا اشكال في جريانهما فيها في الجملة الا ان الكلام في تمييز موارد الجريان عن عدمه.

والشرائط على قسمين. عقلية وشرعية.

والاولى ما تتوقف الماهية عليها عقلاً. والثانية ما اعتبرها الشارع في الماهية.

والعقلية على قسمين. فمنها ما يتوقف عليها عنوان العمل كنية الظهر والعصر في صلاتيهما. ومنها ما يتوقف عليه اجزاء العمل كالموالاة.

فالكلام في جهات:

الجهة الاولى في القسم الاول من الشرائط العقلية. وقبل البحث عنه لابد من ذكر أمرين:

الأمر الأول: ان الاعمال التي تقع موضوعة للحكم او متعلقة له على قسمين فمنها ما لا يتوقف على قصد العنوان كالأكل والشرب ومنها ما يتوقف عليه كالمعاملات عموماً ومن هذا القبيل الصلاة فان تحقق عنوانها يتوقف على قصده وقد تتوقف على قصد خصوصية اخرى كصلاة الظهر والعصر فانهما ماهيتان مختلفتان ومتشابهتان تماماً فلابد من قصد خصوص كل منهما ليتحقق العنوان الخاص فان تمايز الماهيتين انما هو بالقصد.

وتدل على ذلك أدلة العدول من اللاحقة إلى السابقة. وقوله عليه السلام (إذا زالت الشمس دخل وقت الظهر والعصر جميعا الا ان هذه قبل هذه...).[38] ومن الواضح ان التمايز بينهما ليس بالقبلية فان مفاد الحديث ان كونهما صلاتين في الرتبة السابقة على التقدم الزماني.

ويشهد لذلك ايضاً سقوط الترتيب إذا نسي فقدم العصر بتخيل انه قد صلى الظهر فان الصحيح كما هو المشهور وجوب الظهر فقط خلافاً لما يتوهم من ان ظاهر رواية صحيحة في المقام عدم سقوط الترتيب وهي قوله عليه السلام (فانما هي اربع مكان اربع).[39]

وقد اجيب عنه بالاعراض. وذكرنا في محله عدم ثبوت رواية صحيحة في المقام وسيأتي الكلام فيه ان شاء الله تعالى.[40]

والحاصل ان الترتيب ساقط في النسيان وهذا يدل على ان الفارق بينهما هو عنوان الظهر والعصر دون التقدم الزماني لحفظ العنوانين في هذا الفرض مع عدم تقدم الظهر فلو فرضنا انه صلى الظهر ثم صلى اربع ركعات بقصد الاداء وشك في انه قصد العصر فتصح أم قصد الظهر فلا تصح سواء شك في اثناء الصلاة أم بعدها فهل يمكن تصحيح هذه الصلاة بقاعدة الفراغ أم لا؟

وهذا البحث لا يأتي فيما اذا لم تتوقف صحة الصلاة على احد القصدين كما إذا صلى ركعتين اول الصبح وشك في انه قصد النافلة ام الفريضة فان صلاته صحيحة على التقديرين ولا تجري قاعدة الفراغ لتعيين القصد.

كما انه لا يأتي فيما إذا شك بعد الاستحمام في انه قصد الغسل أم اراد التنظيف فان قاعدة الفراغ لا تعين القصد ولا يدور الامر هنا بين الصحة والفساد لان الغسل والتنظيف كلاهما مطلوبان.

نعم يجري البحث فيما لو باع ولي الطرفين متاعاً من احدهما للآخر بلفظ بعت اذ لا يحتاج إلى قبول وشك في انه هل قصد البيع أم تلفظ هزلاً فان الامر هنا يدور بين الصحة والفساد اما إذا تردد بين قصد البيع والتعليم لم يجر البحث فيه لدوران الامر حينئذ بين تحقق البيع والتعليم المستحب.

ولعل ما ذكرنا يرفع الابهام عما ورد في مباني الاستنباط حيث مثل بمثال الفريضة والنافلة ايضاً.

الامر الثاني: انه لو قلنا بان القاعدتين متفرعتان من اصالة عدم الغفلة فالنتيجة في اجرائهما هو تطابق المأتي به مع المراد. والمفروض في المقام الشك في المراد فبناءاً على هذا القول لا يمكن اجراء القاعدتين في هذا الفرض فلا مجال للبحث لمن ذهب هذا المذهب.

ثم ان البحث تارة عن قاعدة الفراغ وتارة عن قاعدة التجاوز. ونبدأ الكلام بالاولى واجراؤها تارة في النية وتارة في المنوي.

الذي يظهر من السيد الشاهرودي قدس سره في حاشيته على العروة باب الخلل المسألة الاولى هو جريان القاعدة في النية. ومبنى ذلك على ان الشك في صحة النية فلا مانع من اجراء القاعدة فيها.

وفيه اولا أن هذا يبتني على فرض وقت للنية ومحل لها. وهو مشكل بناء على المشهور بين المتأخرين من انها هي الارادة المنبعثة عن الداعي الالهي فليس لها وقت معين لان الداعي لا بد من كونه معاصراً لجميع الاجزاء ولا خصوصية للجزء الاول في ذلك نعم يصح ذلك بناء على رأي القدماء من فرض محل خاص لها وهو ما بين همزة الله اكبر ورائه على اختلاف الاقوال في ذلك ايضاً. واما بناء على المشهور والصحيح فليس لها محل خاص حتى نفرغ منه ويصح اجراء القاعدة.

وثانياً أن القاعدة لا تشمل الشرائط العقلية التي يتوقف العمل عليها تكويناً والمراد بقوله عليه السلام (كلما شككت فيه مما قد مضى) كل عمل يكون موضوعاً للحكم او متعلقاً له والنية كنصب السلم من المقدمات الخارجية التكوينية فهي خارجة عن حدود متعلق الحكم او موضوعه والحكم لا يرتبط به ذلك الارتباط المعتبر في اجراء القاعدة.

واما اجراء القاعدة في المنوي إمّا بالنسبة إلى مجموع العمل بعد الفراغ منه لتوقف صحته على النية وإمّا بالنسبة إلى بعض العمل ان كان التفاته اثناء العمل بناءاً على جريان قاعدة الفراغ اثناء العمل ايضاً، فتمكن المناقشة فيه بان القاعدة مجراها الشك في الصحة والمقام ليس من هذا القبيل فان الشك في تحقق العمل وعدمه لتوقف وجود صلاة العصر على النية.

ان قلت: ان العمل الخارجي من الركوع والسجود معلوم التحقق والشك في اقترانها بنية العصر فتصح وعدمه فلا تصح فالشك في الصحة.

قلت: المستفاد من قوله عليه السلام (كلما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو) أن المأتي به ان كانت له علقة وارتباط بالمأمور به بمعنى ان يكون اصل انطباق المأمور به على المأتي به معلوماً وكان الشك في انه ينطبق عليه تمام الانطباق أم لا فامضه كما هو اي اعتبره مطابقاً تماماً والمفروض في المقام الشك في اصل الارتباط والعلقة فان المأمور به هو صلاة العصر والمأتي به ليس الا حركات وافعال واقوال خارجية ولم يعلم تشاركها مع المأمور به في الماهية حتى يصل الدور إلى الشك في تمامية الانطباق. فالشك في اصل الانطباق والقاعدة لا تشمل الفرض.

كما انه لو شك في ان كلمة بعت تحققت عن قصد البيع أم لا لم يمكن اجراء القاعدة فان مرجع الشك إلى اصل انطباق عنوان البيع عليها فيشمله دليل احل الله البيع وعدم انطباقه فلا يشمله والقاعدة تدل على الصحة بعد فرض الانطباق.

ولكن قد يتوهم ان مقتضى اطلاق بعض الروايات صحة هذه الصلاة بعد فرض تحقق النية بالنسبة إلى اصل الصلاة جزماً وكون الشك في قصد خصوص العصر. وتلك الرواية هي صحيحة محمد بن مسلم عن ابي جعفر عليه السلام قال (كلما شككت فيه بعد ما تفرغ من صلاتك فامض ولا تعد) ([41]) والمفروض احراز الفراغ من الصلاة للعلم بقصد عنوان الصلاة والشك في مطابقتها للمأمور به وهو العصر للشك في قصد خصوص عنوانه فيشمله اطلاق هذه الرواية.

والجواب عنه اولاً ان الظاهر ان المراد بصلاتك هو خصوص الصلاة الواجبة بعنوانها لا مطلق الصلاة.

وثانياً: ان الاعادة لا تصدق الا مع احراز تسانخ المعاد والمعاد به وهو يتوقف على احراز اتحاد النية فيهما لما عرفت من اختلاف الماهيتين بالنية والمفروض نفي وجوب الاعادة في الحديث فلا يشمل مورد عدم صدق الاعادة.

والظاهر اتحاد هذه الرواية مع روايته الاخرى عن ابي عبد الله عليه السلام (في الرجل يشك بعد ما ينصرف من صلاته قال: فقال: لا يعيد ولا شيء عليه) ([42]) وان اختلف الامام المروي عنه فان هذه الخصوصية لم تكن ملحوظة عندهم. وهذه الرواية ظاهرة في كون الشك في تمامية الانطباق بعد الفراغ عن اصل الانطباق مضافاً إلى التعبير بقوله (يعيد) الذي قد تبين مقتضاه.

وكيف كان فالاطلاق في الروايات محل تأمل.

واما اجراء قاعدة التجاوز في النية باعتبار التجاوز عن محلها والشك في وجودها فتمكن المناقشة فيه بوجهين:

المناقشة الاولى ماذكره المحقق العراقي من ان تحقق النية الذي تبنته القاعدة لا يكفي في صحة الصلاة بل يعتبر مضافاً إلى ذلك استناد الافعال إلى النية وهذا لا تثبته القاعدة الا بلسان الاثبات.

واجاب عنه السيد الخوئي اولاً بان الاستناد إلى النية لا دليل على اعتباره وانما المعتبر المقارنة لها.

وثانياً بانه يمكن اثبات تحقق الحصة الخاصة من النية وهي ما استند اليها الافعال بقاعدة التجاوز إذا فرضنا توقف صحة الصلاة على اثباته.

المناقشة الثانية: ان مورد قاعدة التجاوز والفراغ هو الشك فيما اعتبره الشارع دخيلاً في موضوع الحكم او متعلقه لا ما يعتبر عقلاً كما ذكرنا سابقاً .

واما اجراء قاعدة التجاوز بالنسبة إلى المنوي فقد يكون في الركوع مثلاً وبعد الالتفات إلى ان هذا الركوع قصد به صلاة العصر يشك في ان الاجزاء السابقة هل قصد بها صلاة العصر أم لا فمرجع الشك إلى الشك في تحقق اجزاء صلاة العصر السابقة وعدمه. فالظاهر جريان القاعدة اذ لا يزيد ذلك على الشك في اصل تحقق الاجزاء السابقة لا بلحاظ تعنونها بعنوان العصر ولا اشكال في جريان القاعدة حينئذ.

انما الكلام في اجراء القاعدة مع الشك حتى في الجزء الذي هو مشغول به فلا اشكال في عدم جريانها في هذا الجزء لعدم التجاوز عنه فلابد من اعادته لو فرض جريانها في سائر الاجزاء ولذا لابد من فرض الشك في غير الاركان لاستلزام اعادتها بطلان الصلاة بزيادة الركن.

واما اجراءها فيما قبل هذا الجزء بلحاظ التجاوز عنها والدخول في هذا الجزء فلا اشكال في عدم جريانها بناءاً على اعتبار كون الغير مما يتوقف صحته على ما قبله وصحة ما قبله عليه.

واما بناءاً على ان المعتبر الدخول فيما لا ينبغي الدخول فيه قبل الانتهاء مما سبق فالاشكال انما هو في صدق التجاوزعن المحل فيما نحن فيه فان الدخول وان كان في ما لا ينبغي الدخول فيه مع الاخلال بما سبق الا انه مما لابد من اعادته حتى مع فرض الاتيان بما سبق فصدق التجاوز في مثل ذلك محل اشكال فان هذا الشيء مما لا ينبغي الدخول فيه على كل تقدير سواء صحت الاجزاء السابقة ام لم تصح اذ لا طريق لنا لاثبات ان هذا الجزء من اجزاء صلاة العصر فهذا الجزء لا ينبغي الدخول فيه حتى مع فرض الاتيان بما سبق صحيحاً.

الجهة الثانية في القسم الثاني من الشرائط العقلية اي ما يعتبر في صحة اجزاء العمل كالموالاة في جملة (الله أكبر) فان الجملة لا تتحقق خارجاً بدون الموالاة بل تتحقق حروف متقطعة لا يصدق عليها عنوان التكبير فالموالاة شرط عقلي لتحقق التكبير فلو شك في الموالاة فهل تجري قاعدة الفراغ او التجاوز لتصحيح الصلاة أم لا؟

اما قاعدة الفراغ فلا اشكال في عدم جريانها لا في الموالاة ولا في الجملة اما في الموالاة فلانها شرط عقلي ولان الشك في وجودها واما في الجملة فلما عرفت من عدم صدق العنوان بدون الموالاة فالشك في وجود التكبير.

واما قاعدة التجاوز فقد قيل بعدم جريانها في الموالاة لعدم المحل الشرعي لها. ولكن الاولى ان يقال بعدم جريانها لكونها شرطاً عقلياً. واما في الجملة فتجري ان كان الشك بعد الدخول في الغير والا فلا.

الجهة الثالثة في الشرائط الشرعية وهي على قسمين فمنها ماله محل شرعي قبل العمل كالاذان والاقامة اوخصوص الاقامة بناءاً على وجوبهما او وجوبها وبناء على كون الوجوب شرطياً لا نفسياً. ومنها ما ليس له محل شرعي قبل العمل وانما يعتبر في العمل المقارن له كالطهارة.

اما في القسم الاول فلا اشكال في جريان القاعدتين للعمومات وللرواية الخاصة وهي صحيحة زرارة فان الشك في وجود الاذان والاقامة هو القدر المتيقن من مورد الصحيحة ولا يبعد اطلاقها بالنسبة إلى الشك في الصحة. وشمول العمومات لها بلا اشكال.

واما الشك في الوضوء حال الصلاة فان كان الشك في صحته فلا اشكال في جريان قاعدة الفراغ انما الكلام في جريان قاعدة التجاوز إذا شك في وجوده. فهل يلحق الوضوء بهذا القسم أم لا؟

الآراء في الوضوء ثلاثة:

الراي الاول: ان الشرط واقعاً هو الطهارة وان الوضوء والغسل والتيمم محصلات لها فهي شرط مقارن للصلاة والبحث عنها يأتي في القسم الثاني.

وهذا هو الصحيح الذي يظهر من الآية المباركة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)[43] بقرينة قوله تعالى (وان كنتم جنبا فاطهروا). وقوله تعالى (ولكن يريد ليطهركم) فالآية ترشد إلى ان الشرط هو الطهارة.

الراي الثاني: ان الغسلات والمسحات هي الشروط المعتبرة في الصلاة وان هذا هو ظاهر الآية وانها مشيرة إلى الشرطية بقوله تعالى: إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا. وأنّ هذه الاعمال لها وجود حقيقي منصرم وهي بهذا الوجود ليست شرطاً ولها وجود اعتباري باق وهي بهذا الوجود شرط فالشارع يعتبر المصلي متوضئاً اي مشغولاً بالوضوء.

وهذا راي السيد الخوئي ايده الله. وقد استظهر ذلك من ظاهر الآية التي تعتبر نفس الغسلتين والمسحتين شرطاً بضميمة ما ورد في الروايات من التعبير بالنقض للحدث مما يدل على ان للوضوء وجوداً بقائياً والا لم يصدق النقض الذي هو عبارة عن تفسخ الاجزاء المتماسكة.

وعلى هذا فالوضوء من الشرط المقارن ويدخل في البحث الآتي.

الراي الثالث: ان الشرط هو الغسلتان والمستحان ولكن بشرط عدم تعقبها بالحدث فالشرط نفس الافعال الخارجية ولكن بشرط لا. فان تعقب بالحدث الغيت عن الشرطية.

وعليه فالوضوء شرط له محل شرعي قبل العمل وليس من الشرائط المقارنة فيدخل في هذا البحث.

والصحيح هو الراي الاول فيكون داخلا في البحث الآتي وسيأتي البحث عن الوضوء مفصّلاً في فرع مستقل.

واما القسم الثاني من الشرائط الشرعية اي ما لم يكن له محل قبل العمل وانما تعتبر فيه المقارنة فهو على قسمين:

القسم الاول: ما كان شرطاً لمجموع العمل بمعنى اعتباره حتى في السكونات كالستر والاستقبال في الصلاة فانهما شرطان للكون الصلاتي مطلقا.

القسم الثاني: ما كان شرطاً للاجزاء. اما لجميعها كالطمأنينة وقصد القربة واما لجزء خاص منها كالجهر والاخفات في القراءة.

اما في القسم الاول فلا اشكال في جريان قاعدة الفراغ بعد العمل للشك في الصحة. واما ان شك في اثناء العمل فاجراء قاعدة الفراغ وان كان ممكناً في الاثناء بالنسبة إلى الاجزاء الا انه غير ممكن هنا لان الشرط ليس شرطاً للاجزاء بل هو شرط للمجموع.

واما اجراء قاعدة التجاوز فان كان في وقت الالتفات فاقداً للشرط فيكفي في البطلان فقدانه له في تلك الحال خصوصاً في الاستقبال لانه من الفرائض وان كان في تلك الحال واجداً له وشك فيما سبق فلا يصح اجراء قاعدة التجاوز ايضاً لان شرطه التجاوز عن المحل ولا محل لهذا الشرط فان محله مجموع العمل.

واما في القسم الثاني فاجراء قاعدة الفراغ بعد العمل بلا اشكال. وكذا في الاثناء فان الشك في صحة الجزء من جهة احتمال فقدانه لشرط صحته.

واما اجراء قاعدة التجاوز في نفس الشرط فلا يأتي فيه الاشكال السابق في الشرائط العقلية لارتباطها بالحكم هنا دون الشرائط.

انما الكلام في ان اجراء قاعدة التجاوز هنا هل يعتبر فيه الدخول في الغير ام لا؟

وقد ورد في مباني الاستنباط ان ذلك يتوقف على الدخول في الغير فلو شك في الجهر في الفاتحة فلا بد من دخوله في السورة لاجراء التجاوز وذلك لان محل الشرط محل المشروط فلا يمكن التجاوز عنه الا بالدخول في الغير.

ولكن الظاهر صدق المضي بالعناية الذي هو ملاك التجاوز بالخروج عن المشروط فيصدق مضي محل الشرط. نعم مضي محل المشروط يتوقف على الدخول في ما لا ينبغي الدخول فيه قبل اكماله.

 

المبحث الحادي عشر:

ان المستفاد من القاعدتين هل هو كمال العمل ام التعبد بوجود المشكوك فيه مطلقاً؟

فلو شك بعد الصلاة في الطهارة فهل اجراء قاعدة الفراغ يصحح الصلاة فقط ام يوجب التعبد ببقاء الطهارة فيجوز صلاة اخرى بها اما لان القاعدتين امارتان شرعيتان واما لعموم التنزيل.

فلابد من ملاحظة الروايات. ولنبدأ اولاً بما ورد في قاعدة الفراغ على رأي جماعة او ما كان القدر المتيقن منها قاعدة الفراغ.

فمن الروايات معتبرة محمد بن مسلم: (كلما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو) ([44]).

الامضاء هو الانفاذ. وهو كناية عن اعتبار تمامية العمل المشكوك كماله المفروض وجوده بناءاً على اختصاص الرواية بقاعدة الفراغ ولا يستفاد من هذا التعبير اكثر من ذلك فلا يدل على اعتبار تحقق الجزء او الشرط المشكوك.

لا يقال ان التعبد بكمال العمل لا يعقل الا مع التعبد بوجود المكمل. فان وجود المكمل ايضاً انما يتعبد به من حيث دخالته في كمال العمل لا من جميع الحيثيات. والتفكيك في التنزيل والاعتبار بين المتلازمات ليس بعزيز. كما فصّل ذلك في مبحث الاصل المثبت.

ومنها روايته الاخرى: (كلما مضى من صلاتك وطهورك فذكرته تذكرا فامضه ولا اعادة عليك فيه). ([45])

والجملة الاخيرة اما تفسير للامضاء او بيان لاظهر آثاره. فعلى الاول تخصص الرواية بما يؤثر نقصه في وجوب الاعادة كالاركان فلا تدل على كمال العمل بالنسبة لما لا يؤثر في وجوب الاعادة وان اثر في وجوب قضاء الجزء كنسيان التشهد فضلاً عن الدلالة على تحقق المكمل. وعلى الثاني فحكمها حكم الرواية السابقة.

ومنها صحيحته (كلما شككت فيه بعد ما تفرغ من صلاتك فامض ولا تعد) ([46]).

والكلام فيه كالكلام في الرواية السابقة من حيث الاحتمالين في نفي الاعادة الا ان التعبير هنا ليس بالامضاء بل بالمضي اي عدم الاعتناء بالشك ومفاده ليس اكثر من تصحيح العمل.

ومنها روايته الاخرى: ان شك الرجل بعد ما صلى فلم يدر أثلاثاً صلى أم اربعا وكان يقينه حين انصرف انه كان قد اتم لم يعد الصلاة وكان حين انصرف اقرب الى الحق منه بعد ذلك ([47])  .

وقد مر الكلام في سندها فهي مروية عن الفقيه والسرائر وفي سندهما اشكال.[48] ولا بد من حملها اما على كون الشك في الثلاثية او بعد الاتيان بالمنافي والا فمحل التدارك باق في الرباعية إذا لم يأت بالمنافي.

وكيف كان فلا يستفاد منها التعبد بتحقق الجزء المشكوك مطلقاً اما قوله لم يعد الصلاة فقد مر الكلام في نظيره واما قوله وكان حين انصرف... فمجرد تقريب للحكم إلى ذهن الراوي وكناية عن عدم الغفلة تعبداً ولا يستفاد منه ذلك ايضاً.

ومنها: رواية بكير بن اعين (هو حين يتوضأ اذ كر منه حين يشك).

وهي ايضاً كالرواية السابقة في دلالتها على عدم الغفلة تعبداً وعدم اختصاص الحكم بموارد الذكر واليقين كما مرّ سابقاً.

والروايتان لا تدلان على اصالة عدم الغفلة من جميع الجهات ليستفاد منهما تحقق الجزء المشكوك. وقد مر مراراً ان الكلام يحمل على كونه في مقام البيان ان شك في اصل كونه في مقام الاجمال اوالبيان واما ان احرز كونه في مقام البيان وشك في كونه كذلك من جميع الحيثيات او من حيثية واحدة فلا اصل يثبت التعميم.

واما روايات قاعدة التجاوز فهي التي ادعي فيها الدلالة على الطريقية او التنزيل المطلق.

فمنها رواية حماد بن عثمان قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام (اشك وانا ساجد فلا ادري أركعت أم لا فقال قد ركعت امضه) ([49]).

وقد ادعي فيها عموم التنزيل لقوله: قد ركعت الدال على التعبد بتحقق الركوع لا صحة الصلاة فقط.

والجواب عنه بوجوه:

الوجه الاول: ان هذه الرواية بنقل صفوان خالية عن قوله قد ركعت بل الوارد فيها: امض. وانما ذلك في نقل فضالة. وحيث ان الرواية واحدة بلا اشكال وان عدهما الشيخ روايتين فيدور الامر بين احتمالي الزيادة والنقيصة. وقد ذكرنا في محله ان تقدم اصالة عدم النقيصة على اصالة عدم الزيادة ليس اصلاً عقلائياً. فالرواية مجملة.

الوجه الثاني: ان قوله (امضه) يمنع من انعقاد الاطلاق في قوله: قد ركعت لدلالته على الامضاء والتصحيح فقط.

الوجه الثالث: ان الركوع لا اثر له غير الصحة. وانما الاطلاق في مثل الوضوء الذي له اثر آخر وهو بقاء الطهارة.

ومن هنا يتبين الجواب عن الاستدلال بصحيحة عبد الرحمن بن ابي عبد الله: (بلى قد ركعت).[50]

ومنها: صحيحة زرارة (كلما دخلت في شيء وشككت في غيره فشكك ليس بشيء). وللاستدلال بها تقريبان:

التقريب الاول ما ذكره المحقق الاصفهاني وهو يشتمل على احتمال جعل الطريقية واحتمال عموم التنزيل.

اما الاحتمال الاول فيستند إلى ان الغاء الشك مساوق لجعل الطريقية كما في صدّق العادل ولا تنقض اليقين بالشك. وهذا لا وجه له في المقام فان (صدق العادل) لو كان لأفاد جعل الطريقية لقول العادل. ولا تنقض يدل على جعل الطريقية لليقين السابق بنحو التوسعة في الكشف. وليس هنا ما يمكن جعل الطريقية له وإلغاء احتمال الخلاف فيه وتتميم كشفه.

واما الاحتمال الثاني فيستند إلى كون الشك موضوعاً للتنزيل وهو في المقام مطلق فلا وجه لتخصيص التنزيل بحيثية دون اخرى.

ويمكن الجواب عنه بوجهين:

الوجه الاول: ان القدر المتيقن في مقام التخاطب يمنع من انعقاد الاطلاق وهو في المقام موجود فان القدر المتيقن هو التعبد بالوجود من حيث كمال العمل وذلك بقرينة التطبيقات في صدر الرواية فانها واردة في المضي وعدم الاستيناف او عدم السجود للسهو ونحو ذلك مما يترتب على البطلان او عدم الكمال.

والجواب عنه ان هذا غير معتبر في الاطلاق كما مرّ.

الوجه الثاني: ان كون الرواية في مقام البيان من جهة تصحيح الصلاة وعدم الاستيناف معلوم ولكنه بالنسبة إلى تحقق الجزء المشكوك غير معلوم. وليس هنا اصل يثبت كونه في مقام البيان من جميع الجهات. واصالة عدم كونه في مقام الاجمال لا تثبت الا كونه في مقام البيان من جهة لا من جميع الجهات. واصالة الاطلاق تثبت توسعة المراد ولا تثبت تعدد المراد. فان مرجع اصالة الاطلاق إلى اصالة التطابق بين مقامي الثبوت والاثبات وهي لا تثبت اكثر من ذلك فان علم الارادة من جهة ولم يعلم الارادة من جهة اخرى فاصالة التطابق لا تقتضيها.

وتوضيح ذلك على مسلكنا يحتاج إلى بيان وهو ان القوم ذكروا له امثلة:

منها قوله تعالى (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ..)([51]) فان الآية في مقام بيان اباحة ما قتله الكلب ولكنها ليست في مقام البيان من جهة التطهير وعدمه فلا يمكن الاخذ باطلاقها. كذا قالوا.

ونحن نوافق القوم في عدم امكان الاخذ باطلاقها من هذه الجهة الا ان السرّ ليس ما ذكروه. بل السرّ ان قوله تعالى (فكلوا مما امسكن عليكم) كناية عن قضية اخرى هي المراد الجدي والمتيقن من المراد الجدي هو حصول التذكية بقتل الكلب وهناك قضية اخرى يحتمل كونها مراداً جدياً وهو ان ما قتله الكلب طاهر ولكنه غير معلوم فالاختلاف ليس في الحيثيات بل في المحمول الموجب لاختلاف القضية واذا شك في قضية انها من المراد الجدي أم لا لم يمكن التمسك بالاطلاق لاثبات ارادتها.

ومثلوا له ايضاً بما ورد من العفو عن الدم في لباس المصلي وبدنه إذا كان اقل من الدرهم. وقالوا ان هذه الروايات انما وردت في العفو بلحاظ نجاسة الدم فاذا كان الدم من اجزاء ما لا يؤكل لحمه لم يعف عنه لعدم جواز استصحاب اجزاء ما لا يؤكل لحمه في الصلاة ولا يمكن التمسك بالاطلاق للقاعدة المذكورة.

وبما ذكرنا في المثال السابق علم ان المناط هو وحدة الموضوع والمحمول وان اختلفت الحيثيات فلو لم يكن هنا قرينة على ارادة خصوص حيثية النجاسة لم يكن مانع عن التمسك بالاطلاق الا ان الحكم بالغسل قرينة على ارادة خصوص هذه الحيثية اذ ان الاجتناب عن اجزاء ما لا يؤكل لحمه لا يحتاج إلى الغسل بل تكفي فيها الازالة.

فتحصل ان الضابط في هذه القاعدة هو العلم بان المراد الجدي من القضية اللفظية قضية خاصة واحتمال ان يكون قضية اخرى مراداً ايضاً.

وفيما نحن فيه لابد من ملاحظة ان قوله عليه السلام (فشكك ليس بشيء) هل ينطبق عليه هذا الضابط أم لا؟

وهذا نظير ما ذكرناه في قوله عليه السلام (لا تنقض اليقين بالشك) من ان كونه كناية عن الاستصحاب معلوم واما كونه كناية عن قاعدة اليقين ايضاً غير معلوم وان امكن تصوير الجامع بينهما.

ولا اشكال في ان القضية الظاهرية في المقام ليست مقصودة بنفسها فان المضي لا يبتني على عدم الاعتناء بالشك بل على عدم الاعتناء باليقين وهو العلم بعدم اتيان الجزء.

وإلغاء الشك كما هو مفاد هذه القاعدة كذلك يقتضيه الاستصحاب مع انه يقتضي البطلان او وجوب قضاء الجزء او سجدة السهو. فهذه القاعدة معارضة للاستصحاب مع ان لسانهما الغاء الشك فلابد من كون المراد بالغاء الشك امراً آخر وهو الحكم بتحقق الجزء المشكوك بناءاً على اختصاص الرواية بقاعدة التجاوز او مع الحكم بالصحة إذا شك فيها بناءاً على التوسعة.

فتحصل ان هذه الرواية كناية عن القضية اللبية فلا يمكن التمسك باطلاقها فان مرجع اصالة الاطلاق إلى اصالة التطابق بين القضية اللفظية والقضية اللبية بعد العلم بان القضية اللفظية هي المراد فنحكم بموجب اصالة التطابق ان الموضوع في القضية اللفظية هو الموضوع الواقعي وليس اوسع منه واما إذا علم - كما في المقام - بان القضية اللبية غير القضية اللفظية فلا مجال للتمسك بالاطلاق.

التقريب الثاني ما ذكره السيد الحكيم قدس سره: وهو ان الامثلة التطبيقية في الروايات تدل على اطلاق الحكم وعدم اختصاصه بحيثية دون اخرى وذكر منها مثالين:

الاول قوله: رجل شك في الاذان وهو في الاقامة. ولا ريب في عدم توقف صحة الاقامة على الاذان فلابد من حمل الرواية على ان المراد تحقق الاذان من حيث الاستحباب النفسي.

الثاني: قوله: رجل شك في القراءة وقد ركع. ولا ريب في صحة الصلاة إذا دخل الركوع وان علم بترك القراءة نسياناً فلا اثر للقاعدة من حيث تصحيح العمل وانما التعبد هنا بتحقق القراءة واثره عدم وجوب سجدة السهو.[52]

والجواب عنه أولاً بان المدعى ليس الاختصاص بحيثية تصحيح العمل بل بحيثية الكمال الاعم من الصحة وغيرها والاذان والاقامة دخيلتان في كمال الصلاة فلا مانع من شمول القاعدة للمورد مع القول باختصاصها بحيثية كمال العمل.

وثانياً ان الاستحباب النفسي للاذان ليس ثابتاً فالسؤال انما هو من جهة كمال العمل بمقارنته للاذان فان الثابت هو الاستحباب الشرطي وكونه دخيلا في كمال العمل على ما ذكرناه من امكان تصوير الجزء والشرط المستحبين.

وكذلك في القراءة فان السؤال والجواب انما هو بلحاظ كمال الصلاة باشتمالها على القراءة والا فوجوب سجدتي السهو لكل زيادة ونقيصة غير ثابت ودليله رواية سفيان بن السمط ولم يوثق فالرواية ليست معتبرة حتى لو اغمضنا النظر عن كونها مرسلة بلحاظ ان المرسل ابن ابي عمير.

وهنا فرعان لابد من ذكرهما وتطبيق ما مرّ عليهما ليتضح ما فيه من خفاء.

الفرع الاول: انه لو شك في اثناء الصلاة انه قد توضأ أم لا. فالأقوال فيه ثلاثة:

الاول: ما ذكره كاشف الغطاء من صحة الصلاة وجواز صلاة اخرى بعدها ايضاً.

الثاني: ما ذهب اليه الشيخ الانصاري من صحة هذه الصلاة ووجوب الوضوء لما بعدها.

الثالث: رأي صاحب العروة وجماعة من الاعلام وهو بطلان هذه الصلاة ايضاً فلابد من استينافها بوضوء.

وقد يتوهم دلالة رواية علي بن جعفر عليه السلام على وجوب الاستيناف.

والجواب ضعف الرواية سنداً وعدم ارتباطها بما نحن فيه فان موضوعها من توضأ ثم شك. ولو صحت الرواية لكانت معارضة لادلة الاستصحاب.[53]

وكيف كان فالكلام متمحض في انطباق قاعدتي الفراغ والتجاوز على هذا المورد. اما القول الاول فيبتني على جريان قاعدة التجاوز واثباتها للجزء او الشرط المشكوك من جميع الجهات فيعتبر هذا الشاك متوضئاً بموجب قاعدة التجاوز. وقد مر الكلام فيه ومنعنا جريان القاعدة.

واما القول الثاني فمستنده اطلاقات قاعدة التجاوز وشمولها لهذه الصلاة وان لم يوجب تحقق الوضوء واقعاً.

وفيه مناقشات:

المناقشة الاولى: ما ذكره المحقق النائيني وهو ان المستفاد من الروايات ان من تعلقت ارادته باتيان مركب تنشأ من ارادته الكلية ارادات جزئية متعلقة بكل جزء وشرط فالاصل يقتضي انه لا يخلّ بشيء منها. وهذا يختص بما لم يكن ناشئاً عن ارادة مستقلة فلا يشمل مثل الوضوء فان الاتيان به عادة ليس بارادة ناشئة عن ارادة الصلاة. وكذا ارادة صلاة الظهر فان صحة صلاة العصر وان توقفت عليها الا ان من يصلي الظهر لا يصليها بقصد اتيان ما هو دخيل في صلاة العصر. وقاعدة التجاوز لا يشمل الفرعين.

وما ذكره قدس سره لو سلم فانما يتم على مسلكه من اعتبار قاعدة التجاوز قاعدة مصطادة من التطبيقات الواردة الخاصة بباب الصلاة وان الكبريات الواردة خاصة بقاعدة الفراغ. فان الامثلة الواردة كلها مما تنشأ اراداتها من ارادة كلية على حدّ قوله ولابد في كل مورد تستخرج القاعدة الكلية من التطبيقات الجزئية من ملاحظة كل ما يحتمل دخله في الكبرى وعدم الغاء الخصوصيات الا ما يقطع بعدم دخالتها. وعليه فيتم ما ذكره.

واما بناءاً على الاستناد في قاعدة التجاوز الى الاطلاقات فلا وجه للتخصيص بما ذكره. وذكر الامثلة لا يوجب تقييداً لابتنائه على التقييد بالقدر المتيقن في مقام التخاطب او بما يصلح للقرينية وقد مر الكلام فيهما. وكذا لا يتم بناءاً على ما ذكرناه من دلالة الروايات على عمومية القاعدة.

هذا مع قطع النظر عن الاشكال الفلسفي فيما ذكره من نشوء الارادات الجزئية من الارادة الكلية، اذ بعد تعلق الارادة الكلية كيف يمكن تخلف المراد، وهل العمل المركب يتوقف على ارادة كلية وارادات جزئية؟! وهذا الاعتراض يتوقف على تفاصيل ليس هذا محلها ويمكن له التخلص منه بتأويل الارادة بالعزم.

المناقشة الثانية: ما ذكره المحقق العراقي وهو ان المستفاد من أدلة قاعدة التجاوز اختصاصها بالتعبد بتحقق ما شك فيه بالنسبة إلى الغير الذي يعتبر الدخول فيه في صدق التجاوز عن الجزء المشكوك ففي مثل المقام إذا كان الشك في الركوع فالتعبد بالوضوء انما هو بلحاظ الركوع وما قبله من الاجزاء لا بلحاظ سائر اجزاء الصلاة.

والجواب عنها: ان الدخول في الغير ليس معتبراً في جريان قاعدة التجاوز شرعاً وانما هو معتبر في تحقق عنوان التجاوز عقلاً كما مر تفصيله. ولا وجه لتخصيص القاعدة بالنسبة إلى الغير المعتبر دخوله في صدق التجاوز بعد اطلاق الروايات او عمومها كما قلنا فان الحكم بالمضي في صورة الشك في القراءة بعد الركوع يدل على صحة الصلاة بجميع اجزائها لا خصوص الركوع والمفروض ترابط جميع الاجزاء وتوقف صحة كل منها على صحة سائرها.

المناقشة الثالثة: ان هذا يبتني على كون الشرط هو نفس الغسلتين والمسحتين وهو غير صحيح واما بناءاً على ان الشرط هو الطهارة المحصّلة منها او الوجود الاعتباري لهذه الافعال فالوضوء شرط مقارن ولا يمكن فيه التجاوز عن المحل اذ لا محل لها شرعاً قبل العمل بل محله مقارن للعمل. وانما يتصور المحل قبل العمل بناءاً على الراي الاول.

بل يمكن الاشكال حتى على الراي الاول بناءاً على ان الغير المعتبر دخوله في صدق التجاوز هو ما تتوقف صحته على الامر المشكوك وبالعكس والمفروض ان صحة الوضوء لا تتوقف على الصلاة فلم يصدق التجاوز (وهذه مناقشة رابعة).

اما المناقشة الرابعة فقد مر الجواب عنها في باب بيان الغير المعتبر دخوله في صدق التجاوز.

واما المناقشة الثالثة فمرجعها إلى احد امرين: القول بان الوضوء ليس له محل شرعي او القول بان الوضوء بالمعنى المشكوك ليس شرطاً.

اما الاول فقد ذكر المحقق الهمداني في حاشية الرسائل ان الوضوء وان لم يكن بنفسه شرطاً بل هو محصل للشرط الا انه له محل شرعي ايضاً. وذلك بلحاظ ان الشارع جعل الطهارة شرطاً لجميع اجزاء الصلاة وجعل الافعال الخاصة محصلة للطهارة فلابد من ان تكون هذه الافعال قبل الصلاة شرعاً ولا نعني بالمحل الشرعي غير هذا.

وقد اعترض عليه في مباني الاستنباط ان هذا انما يدل على ثبوت المحل العقلي له. فان الحكم بوجوب اتيان هذه الافعال قبل الصلاة حكم عقلي ينشأ من حكم الشارع باشتراط الطهارة وبكون الافعال محصلة لها. كما ان وجوب التستر قبل الصلاة حكم عقلي لتحصيل الستر وهو الشرط.

ويمكن ان يدفع ذلك بان الشارع كان بامكانه جعل الوضوء محصلاً للطهارة بنحو الشرط المتأخر. وقد ذكرنا في محله امكان الشرط المتأخر في الاعتباريات كالاجازة بالنسبة إلى العقد السابق اذ لا مانع من تقيد الامر الاعتباري بامر متأخر عنه.

وحمل ذلك على الشرط التكويني الذي لا يمكن تأخره عن المشروط لامتناع تأثير المعدوم خطأ نشأ من اختلاط الاصول بالفلسفة والكلام واستعارة اصطلاحاتها التي جرّت إلى الاذهان الاحكام الفلسفية المترتبة عليها. ومن الواضح ان المؤثر في الاعتباريات ليس الا نفس اعتبار المعتبر والشرط هنا ليس جزءاً من المؤثر بل هو جزء لموضوع الاعتبار.

وعليه فجعل الشارع الوضوء شرطاً مقدماً لحصول الطهارة هو الموجب لتقدم الوضوء فالمحل محل شرعي مضافاً إلى ما سيأتي من الروايات الدالة على ان الوضوء من الصلاة فانها تؤيد هذا المعنى.

الا ان هنا مناقشة خامسة وهي ان مجرد ثبوت المحل الشرعي للوضوء غير كاف في جريان قاعدة التجاوز في الوضوء فان الوضوء ليس شرطاً للعمل بل هو شرط للشرط ومحصل له. فلابد من اثبات اطلاق في الدليل يشمل شرط الشرط ايضاً بمعنى ان يكون المراد كل ما هو دخيل في صحة العمل وشموله للشرط معلوم لارتباط العمل به ارتباطاً وثيقاً ولتطبيق القانون في الرواية على الاذان والاقامة وهما شرطان للكمال. واما شموله لشرط الشرط غير معلوم.

الا ان يدعى ان الروايات التي اعتبرت الوضوء من الصلاة تدل على توسعة في مفهوم الصلاة اعتباراً بحيث يشمل الوضوء ايضاً ومن هنا ذهب المحقق النائيني إلى جواز اتيان الوضوء امتثالاً للامر بالصلاة لان الامر بالصلاة يشمل الوضوء ايضاً بتقريب ناقش فيه من تأخر عنه. وهذه الروايات عدة طوائف. ولعلها تدل على عبادية الوضوء ايضاً.

فمنها ما تدل على ان افتتاح الصلاة الوضوء وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم ([54]).

ومنها ما تدل على ان الوضوء حد من حدود الله ليعلم الله من يطيعه ومن يعصيه وان المؤمن لا ينجسه شيء انما يكفيه مثل الدهن([55]) ويستفاد منها ان الوضوء هو الغسلتان والمسحتان وانه قابل للاطاعة والعصيان فامره ليس امراً مقدمياً فلابد من القول بان الامر بالصلاة يشمله.

ومنها ما تدل على ان الوضوء من فرائض الصلاة. او ان الطهور من فرائضها ([56]).

ومنها ما تدل على النهي عن اشراك احد في الوضوء (وفيها) لا احب ان اشرك في صلاتي احدا) ([57]).

ولكن هذا الوجه من الجواب لا يمكن الاعتماد عليه فان هذه الروايات بعضها ضعيفة السند وبعضها قاصرة الدلالة. فما دل على ان افتتاح الصلاة الوضوء غير معتبرة سنداً وان عدت في بعض الكتب معتبرة كالمستند. وكذا روايات المنع عن الاستعانة في الوضوء.

وما دل على ان الوضوء من الفرائض لابد من حملها على معنىً آخر وهو كونه موجبا لتحقق ما هو الفريضة وهو الطهور اذ لا يمكن الالتزام بكون الوضوء من الفرائض.

ويمكن الجواب عن هذه المناقشة بوجه آخر وهو ان ادلة قاعدتي التجاوز والفراغ لا تختص بما يكون شرطاً بل يشمل ما هو شرط للشرط. ولذا تجري القاعدة لتصحيح الصلاة إذا شك في قصد القربة المتعلق بالتكبير مع ان قصد القربة فيه ليس مرتبطاً ابتداءً بسائر الاجزاء الا ان ارتباطه بالتكبير وارتباط التكبير بسائر الاجزاء يوجب ارتباطاً بينه وبينها ايضاً.

وهذا أيضاً ضعيف فان قصد القربة شرط لصحة التكبير وهذا بخلاف ما نحن فيه فان الغسلتين والمسحتين محققتان للطهارة لا شرطان في صحتها. فتحصل ان اجراء قاعدة التجاوز في هذا الفرع مشكل فالصلاة باطلة.

الفرع الثاني: انه لو شك في اثناء صلاة العصر انه هل صلى الظهر أم لا؟ فالاقوال ثلاثة:

قيل يجب العدول إلى الظهر.

وقيل يتم هذه الصلاة عصراً ويستأنف الظهر.

وقيل. يتمها عصراً ولا يصلي الظهر كما في المستمسك.

والقول الاخير يشبه ما مر من كاشف الغطاء في الفرع السابق ويبتني على كون قاعدة التجاوز على فرض جريانها موجباً للتنزيل من جميع الجهات او على رواية ضعيفة سنداً وقاصرة دلالة رواها ابن ادريس في مستطرفاته.

والكلام انما هو في جريان قاعدة التجاوز. والمناقشتان الاوليان في الفرع السابق تجريان هنا ايضاً. ولا تجري هنا المناقشة الخامسة لان الظهر ليس شرطاً للشرط في صحة صلاة العصر بل وجود صلاة الظهر شرط فيها. وهنا مناقشتان خاصتان بهذا  الفرع ذكرهما السيد الخوئي على ما في مباني الاستنباط.

المناقشة الاولى: ان الترتيب بين الظهرين شرط ذكري لا واقعي وعليه فلم يحرز التجاوز عن المحل. اذ الاخلال بالشرط لو كان لكان نسياناً والمفروض انه ليس شرطاً في هذه الصورة. واذا لم يكن الترتيب شرطاً فالمحل باق بعد ولم يتجاوز عنه. فلا تجري القاعدة.

وهذه المناقشة محل تأمل لوجهين:

الوجه الاول: ان التجاوز يتوقف على الدخول فيما لا ينبغي الدخول فيه مع الاخلال بالمشكوك فيه. واما بقاء شرطية المشكوك فيه او جزئيته حتى في حال النسيان فغير معتبر والشاهد على ذلك اجراء قاعدة التجاوز في القراءة وقد دخل في الركوع مع ان جزئية القراءة ملغاة بعد الدخول في الركوع إذا نسيها. والمقام من هذا القبيل فان الدخول في العصر لا ينبغي الا بعد اتمام الظهر. وهذا المقدار كاف في جريان القاعدة.

الوجه الثاني: ان سقوط الترتيب في صورة النسيان انما هو فيما لو كان قد تذكر بعد الصلاة واما لو تذكر في الاثناء فيجب العدول وهذا احد ادلة اعتبار الترتيب بين الظهرين بل هو اهمها. ووجوب العدول في الاثناء دليل عدم سقوط الترتيب ان تذكر في الاثناء. وعليه ففي صورة الشك يكون المحل باقياً لوجوب العدول لو كان ناسياً قطعاً ومقتضى قاعدة التجاوز عدم وجوبه.

المناقشة الثانية: ان صحيحة زرارة تدل على ان الترتيب شرط واقعي لا ذكري ومع ذلك فالقاعدة لا تجري.

اما ان الصحيحة تدل على ذلك فلقوله عليه السلام (ان نسيت الظهر حتى صليت العصر فذكرتها وانت في الصلاة أو بعد فراغك فانوها الاولى ثم صل العصر فانما هي اربع مكان اربع) ([58])  .

واما ان القاعدة لا تجري فلان صلاة الظهر لها حيثيتان: الوجوب النفسي والوجوب الشرطي المقدمي لصحة صلاة العصر. والتجاوز وان تحقق بلحاظ الوجوب الشرطي الا انه لم يتحقق بلحاظ الوجوب النفسي لان صحة صلاة الظهر لا تتوقف على تعقبها بصلاة العصر. ومقتضى الاستصحاب وقاعدة الاشتغال وجوب صلاة الظهر. ومقتضى أدلة العدول الحكم بوجوبه في هذه الصورة ايضاً. فلا تجري قاعدة التجاوز بلحاظ الوجوب الشرطي.

اما الرواية التي عبر عنها بالصحيحة فبمفادها رواية اخرى ايضاً وقد اعرض عنهما المشهور فذهب جمع إلى الغائهما لذلك. وقد التزم بمفادهما السيد الخوئي وصاحب العروة ولكن السيد الخوئي افتى كالمشهور في المنهاج.

وكيف كان فاعراض المشهور عندنا ليس من مسقطات الرواية الا انه مرشد إلى جهة ضعف اما في السند واما في الدلالة. اما الرواية الاخرى فهي رواية الحلبي وهي وان عبر عنها بالصحيحة الا انها ضعيفة فان الحسين بن سعيد يرويها عن ابن سنان عن ابن مسكان عن الحلبي([59]) وابن سنان هو محمد بموجب الطبقة ولو فرض الترديد بينه وبين عبد الله فلا يصح السند ايضاً.

واما رواية زرارة فالسند وان كان معتبراً الا ان القطعة الاولى منها من الامام عليه السلام والقطع التالية التي منها القطعة المذكورة ليست من الامام فانها مبدوة بقوله: (قال: وقال) والظاهر انها من زرارة وكان من المتعارف في تلك الازمنة خلط الروايات باقوال الفقهاء من الرواة وكتاب حريز الذي يروي الرواية كتاب فقهي. ومثله كتب اخرى الا ان محاولة بدأت فيما بعد لتجريد كتب الرواية من غير روايات الائمة عليهم السلام ولكن نصيب كتاب حريز كان يسيراً فبقي كثير من رواياتها مختلطة باقوال زرارة وغيره. وكان هذا متداولاً بين محدثي العامة ايضاً. وقد حاول احمد بن حنبل ان يجرد موطأ مالك من غير احاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو مع ضخامته لا يحتوي الا على ثلاثمائة حديث.

هذا مضافاً إلى ان مقتضى ما ذكره ايده الله من ان صلاة الظهر لها وجوب نفسي ووجوب شرطي جريان قاعدة التجاوز باللحاظ الثاني وذلك لان مقتضى الاستصحاب هو بقاء الوجوب النفسي ولكن وجوب العدول ليس مترتباً على الوجوب النفسي وانما هو من شؤون الوجوب الشرطي. ومقتضى قاعدة التجاوز عدم وجوب العدول لدلالتها على ان الصلاة واجدة للترتيب وان الشرط محقق. وهو لا يعارض الاستصحاب الجاري لاثبات بقاء الوجوب النفسي فانه لا يقتضي تعين العدول بل يقتضي وجوب اتيان الظهر ولو بعد صلاة العصر. وقاعدة التجاوز لا تقتضي عدم وجوب الاتيان لما بينّا من ان قاعدة التجاوز انما تثبت تحقق الجزء المشكوك من حيث شرطيته وجزئيته لا من جميع الجهات.

ومن هنا تبين ان الحق هو وجوب صلاة الظهر بعد إتمام هذه الصلاة عصراً.

 

المبحث الثاني عشر:

ان أدلة القاعدتين واردة مورد جريان الاستصحاب المقتضى للبطلان او عدم اتيان المشكوك فلا اشكال في تقدم هذه الادلة على الاستصحاب. ومقتضى ما ذكرناه سابقاً من ان لا تنقض يدل على عدم جواز رفع اليد عن اليقين بالشك دون الحجة المعتبرة هو الالتزام بكون التقدم من باب الورود.

 

 

 

 

 

 

 


([1])الاشباه والنظائرص55 على ما في المكتبة الشاملة

([2]) وسائل الشيعة ج8 ص 237 باب 23 من ابواب الخلل

([3]) الهداية ص 138 باب السهو في الصلاة

([4]) وسائل الشيعة ج6 ص 366 باب 14 من ابواب السجود ح6

[5] وسائل الشيعة جـ1 ص470 باب42 من ابواب الوضوء ح 1

[6] المصدر السابق ح 2

([7]) وسائل الشيعة ج 8 ص 238 باب 23 من ابواب الخلل في الصلاة ح 3

[8] كتاب الطهارة ص 207

([9]) وسائل الشيعة جـ1 ص469 باب42 من ابواب الوضوء ح 1.

([10]) وسائل الشیعة جـ1 ص370  باب 3 من ابواب الوضوء ح 6

([11]) الوسائل جـ1 ص451 باب34 من ابواب الوضوء ح4.

([12]) نفس المصدر ح 5 .

([13]) الوسائل جـ1 ص371 باب3 من ابواب الوضوء ح 5

[14] المائدة : 6

([15]) وسائل الشيعة ج 1 ص 452 باب 34 من ابواب الوضوء ح 7.

([16]) الوسائل ج 1 ص370 باب 3 من ابواب الوضوء ح 1.

([17]) نفس المصدر حـ2.

([18]) الوسائل جـ1 ص470 باب42 من ابواب الوضوء ح 3.

([19]) الوسائل جـ1 ص 409 باب21 من ابواب الوضوء حـ7.

([20]) نفس المصدر ح 9

([21]) جامع الاحاديث جـ1 ص214 وص215.

([22]) الوسائل جـ1 ص469 حـ2 باب42 من ابواب الوضوء.

[23] الحج : 30

[24] المائدة : 6

([25]) جـ2 ص300.

([26]) وسائل الشيعة ج 6 ص 369 باب 15 من ابواب السجود ح6

([27]) وسائل الشيعة ج 6 ص 318 باب 13 من ابواب الركوع ح 6

([28]) راجع مبحث الاستصحاب التعليقي).

[29] المؤمنون : 28

[30] الزخرف : 12 - 13

([31]) جـ2 ص518.

([32]) الوسائل جـ1 ص468 باب41 من ابواب الوضوء حـ2.

[33] اشارة الى مجموعة احاديث وردت في بصائر الدرجات ص 320

[34] الحج : 78

[35] البقرة : 185

[36] وسائل الشيعة ج 1 ص 471 باب 42 من ابواب الوضوء ح 7

[37] وسائل الشيعة ج 8 ص 246 باب 27 من ابواب الخلل في الصلاة ح 3

[38] وسائل الشيعة ج 4 ص 126 باب 4 من ابواب المواقيت ح 5

[39] وسائل الشيعة ج 4 ص 291 باب 63 من ابواب المواقيت ح 1

[40] سياتي ان شاء الله تعالى في اواخر المبحث الحادي عشر من مباحث هذه القاعدة

([41]) وسائل الشيعة ج 8 ص 246 باب 27 من ابواب الخلل في الصلاة ح 2

([42]) المصدر السابق ح 1

[43] المائدة : 6

([44]) وسائل الشيعة ج8 ص 238 باب 23 من ابواب الخلل فی الصلاة ح 3

([45]) وسائل الشيعة ج 1 ص 471 باب 42 من ابواب الوضوء ح 6

([46]) وسائل الشيعة ج 8 ص 246 باب 27 من ابواب الخلل في الصلاة ح 2

([47]) المصدر السابق ح 3

[48] مرّ في خاتمة الاستصحاب في البحث عن ارتباط قاعدة اليقين بالفراغ انها مروية في الفقيه بسنده عن محمد بن مسلم وفيه علي بن احمد بن عبد الله بن احمد بن ابي عبد الله  البرقی وابوه ولم يوثقا ومروية في السرائر عن كتاب نوادر محمد بن علي بن محبوب وما ينقله ابن ادريس عنه وان كان لا يبعد الاعتماد عليه الا ان انها مروية هناك عن ابن ابي عمير عن محمد بن مسلم فهي مرسلة بحذف الواسطة لاختلاف الطبقة ومر هناك ابحاث قيمة عن سند الفقيه وكتاب السرائر فراجع.

([49]) وسائل الشيعة ج 6 ص 317 باب 13 من ابواب الركوع ح 1

[50] الظاهر ان المراد رواية الفضيل بن اليسار وهي في المصدر السابق ح 3

([51]) المائدة 4.

[52] المستمسك ج7 ص 425

[53] هي ما رواه في قرب الاسناد من عبد الله بن الحسن عن جده علي بن جعفر عن اخيه عليه السلام قال: سألته عن رجل يكون على وضوء ويشك على وضوء هو ام لا؟ قال: إذا ذكر وهو في صلاته انصرف فتوضأ واعادها وان ذكر وقد فرغ من صلاته أجزأه ذلك. راجع الوسائل ج 1 ص 472 باب 44 من ابواب الوضوء ح 2 وضعفها من جهة عدم توثيق عبد الله بن الحسن.

([54]) الوسائل جـ ص256 ب1 من الوضوء.

([55]) الوسائل جـ1 ص340 ب52 من الوضوء.

([56]) الوسائل جـ1 ص256 ب1 من الوضوء.

([57]) الوسائل جـ1 ص335 ب47 من الوضوء جـ2 و3.

([58]) جامع جـ2 ص73 حـ584.

([59]) جامع جـ2 ص74 حـ589.<