مكتب سماحة السيد مرتضى المهري

فلا اقسم بما تبصرون وما لا تبصرون انه لقول رسول كريم... الفصل الاخير من السورة المباركة يؤكد على أنّ القرآن الكريم منزل من عند الله تعالى، ويردّ على دعاوى المشركين في هذا الباب.

والفاء للاستيناف. وقيل: انه للتفريع، ويشكل توجيهه.

وقد مر الكلام في سورة الواقعة في تفسير قوله تعالى (فلا اقسم بمواقع النجوم) حول تأويل هذا النفي. والاقوال فيه كثيرة، والاولى أن يقال: إنّها في الاصل لنفي القسم واقعا إمّا باعتبار أن الامر أوضح من أن يقسم عليه. وربما لا يكون الامر واضحا لدى المخاطب الا ان القائل يدّعي فيه ذلك للتأكيد على ثبوته. ونظير ذلك في المحادثات العرفية ما تقول حين الدعوة الى أمر يعلم به المخاطب وباهتمامك به (لا أدعوك الى كذا) اي اكتفي بما تعلمه من اهميته، وكذا ما يقال (لا اوصيك بكذا) اي لا حاجة الى الايصاء فأهمية هذا الامر واضحة لديك وإمّا للتحرّج من القسم، والتخوّف من عاقبته، مع أنّ الامر ممّا ينبغي أن يقسم عليه، ثم تطوّر المعنى في هذا التركيب، واستعمل حتى في غير موارد الوضوح والتحرّج، وبقيت (لا) زائدة تفيد التأكيد.

وقلنا في ما سبق إن القسم اذا كان لإثبات أمر أو نفيه فهو في الاصل انشاء ربط اعتباري بين كرامة المقسم به وصحة ما يدّعى واذا كان الحلف على تعهد فهو انشاء ربط بين كرامة المقسم به والالتزام بما يتعهد به الحالف.

فحينما يقول الانسان: والله كان كذا فكأنه يقول: إنّ صدق كلامي منوط ومرتبط بإعظامي لله تعالى، ولذلك يعتبر الحلف كاذبا من المعاصي الكبيرة. وحينما يقول الانسان: والله لأفعلنّ كذا فكأنه يقول: ان التزامي بهذا الوعد منوط بتعظيمي للّه تعالى، ولذلك تعتبر المخالفة اثما يستلزم الكفارة.

وأما القسم الوارد في كلامه تعالى فقد قيل: انه لا يفيد نفس المفاد بل يفيد التأكيد فقط وذلك لأن أكثر ما يقسم به اللّه ليس مما له كرامة خاصة لديه تعالى.

ولكن الظاهر أنه لا يشذّ عن القسم المتعارف فانه تعالى يقسم بذاته المتعالية وبرسوله الكريم صلى اللّه عليه وآله وسلّم وبكتابه المجيد وبالملائكة الكرام وببعض مخلوقاته في الطبيعة، وهي ايضا من حيث استنادها اليه تعالى كريمة. وربما يلاحظ في بعضها جهة جمال او كمال، كقوله تعالى (والشمس وضحاها) وقوله (والليل اذا يغشى والنهار اذا تجلى) ونحو ذلك.

ويبدو أن اختيار بعض الاشياء في القسم من جهة التناسب مع المقسم عليه. ويلاحظ أنه تعالى لم يقسم بأحد من البشر في ما نعلم الا بالرسول الكريم صلى اللّه عليه وآله وسلّم في قوله تعالى (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ) الحجر: 72.    

والظاهر أن المراد بما تبصرون وما لا تبصرون كل ما خلقه اللّه تعالى، فانّ هذا التعبير يشمل الجميع، والكون في حد ذاته امر عظيم جدا. ولعل في اختيار هذا التعبير وهذا التقسيم للموجودات إشارة الى أنّ الكون يشتمل على حقائق كثيرة لا ترونها ولكن لا يسعكم انكارها لمجرّد عدم الابصار. ومن هذا القبيل الوحي الالهي الذي ينزل على أنبيائه عليهم جميعا سلام اللّه وصلواته، ومنهم نبينا صلى اللّه عليه وآله وسلّم.

والظاهر أنّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم هو المراد بالرسول الكريم بقرينة أنّه أتى بهذا الوصف في مقابل نفي كونه شاعرا او كاهنا، وهذا ما كان المشركون يصفونه به، فالآية في الواقع تريد أن تنفي عنه صلى اللّه عليه وآله وسلّم هذين الوصفين وامثالهما، وليس القصد من الآية توصيف القرآن الكريم بأنه من كلام الرسول.

والتعبير بالرسول للاشارة الى أنه لم ينشئ هذه الكلمات من نفسه، وانما هي قوله بما أنه رسول. وهذا تعبير آخر عن كون هذا الكتاب رسالة من السماء. ووصفه صلى اللّه عليه وآله وسلّم بالكريم لما له من الكرامة عند الله تعالى.

وقيل: إن الرسول هو جبرئيل عليه السلام، بقرينة قوله تعالى (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ) التكوير: 19-21، حيث ان الاوصاف تدل على أنه هو المراد بالرسول الكريم فكذلك في ما هنا.

ولكن ما ذكرناه من القرينة تعيّن المراد هنا وهي مفقودة في سورة التكوير.

وما هو بقول شاعر... ردّ لما كان المشركون يردّدونه من توصيف الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلّم تارة بالشاعر، واخرى بالساحر، وثالثة بالكاهن، وهم يعلمون أنه ليس كذلك، ويعلمون أن ما جاء به ليس شعرا ولا يشبه الشعر، فالشعر تخييل وهذا تبيين لحقائق الكون وتفسير لها، وليس سحرا ولا يعمل عمل السحر فالسحر ليس تصرفا حقيقيا بل هو ايهام، وليس كهانة تنبئ بما توحي الشياطين الى أوليائهم من اخبار الغيب، وهذا واضح لكل منصف.

والآية عند التأمل تنفي أمرين.. تنفي أن يكون القرآن من كلام أحد، بل هو قول الله تعالى، وانما ينسب الى الرسول بما أنه رسول، وتنفي أن يكون الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلّم شاعرا، كما قال تعالى (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ..) يس: 69.

قليلا مّا تؤمنون... (ما) زائدة تؤكّد القلّة. وقليلا منصوب بالفعل، مقدّرا كما قالوا، او مذكورا، اي تؤمنون قليلا.

قيل: ان المراد نفي ايمانهم من الاساس، لأنهم لم يؤمنوا أصلا. وقالوا إن هذا التعبير متداول عند عامة الناس حيث يعبّرون عن فقدان الشيء بقلته.

ولكن لا حاجة الى هذا التأويل، فان الظاهر من سياق الآيات أن الخطاب ليس للمشركين خاصة بل لكل المجتمع البشري او المجتمع العربي آنذاك. وحينئذ ففي الخطاب ثلاثة احتمالات:

الاول أن يكون منحلا الى مخاطبة كل فرد، فمعناه أن كل واحد منكم قليل الايمان وان اختلفت المراتب، فالمشركون ايضا ليسوا كلهم في مرتبة واحدة من الكفر والانكار، والمؤمنون ايضا تختلف مراتب ايمانهم، بل ان من بينهم المنافقين الذين هم كفار واقعا.

الثاني أن يكون خطابا لكل أفراد المجتمع بالعموم فيكون المراد قلة المؤمنين منهم، وان أسلم كثير منهم بعد ذلك الا أنّ المؤمن بقي قليلا سواء في عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم أم بعده الى يومنا هذا.

الثالث أن يكون خطابا للمجتمع العربي، ولكن لا باعتبار الافراد، بل باعتبار أن طبيعة هذا المجتمع تقتضي قلة الايمان، وذلك بسبب جفاوتهم وطبعهم الصحراوي القاسي، فهم لا يؤمنون بأيّ شيء الا ما يرونه بام أعينهم، وقلّما يؤمنون بشيء لا يرونه.

وربما يتوهم أنه بناءا على ذلك فما هو الموجب لهذا الخطاب من قبل الله تعالى فهم لا يؤمنون بمقتضى طبيعتهم التي خلقها الله تعالى فلا اعتراض عليهم.

وهذا توهم باطل. ولو صحّ لم يكن وجه لكل الرسالات. والصحيح أن هذه الطبيعة ليست موافقة للفطرة الالهية، بل هي طبيعة مكتسبة تؤثر فيها البيئة وعوامل الوراثة وغير ذلك من الشؤون المستحدثة للبشر، وهذه العوامل لا توجب اجبارا للانسان، ولا تقهره وتسلب ارادته، ولكن لا بد من تربيته ليعود الى فطرته السليمة. وهذا دور الرسالات.  

والحاصل أن الغرض من الآية أنّهم مع علمهم بأنّ القرآن ليس شعرا، ولكنهم لا يؤمنون به مكابرة، وتحيّزا الى الافكار الموروثة البائدة، وإصرارا على دين الآباء والاجداد.

ولا بقول كاهن... الكهانة الاخبار عن الغيب. وكانت الكهنة في قديم الزمان تزعم أنها تستخبر الجنّ للاطلاع على الغيب، وأنّ الجنّ يأتونهم بأخبار السماء، وكان العرب يؤمنون بالكهنة، ويرجعون اليهم لحلّ مشاكلهم، وخصوصا ما كان منها يتوقف على معرفة الغيب، وما لا يمكن الوصول اليه بالطرق المتعارفة.

وكان من عادة الكهنة ان يجيبوهم بجمل تشتمل على سجع وكناية، وتحتمل وجوها في المعنى، ولكن بقرينة الحال كان السائل يحملها على مورد استفتائه. وكان الغالب عليها الموافقة مع ما كانوا يظنون، واذا لم يكن موافقا فاحتمال الجواب للوجوه العديدة كان مانعا من اتّهامهم بالكذب والاحتيال.

وأمّا استعلامهم من الجنّ، وتلقّي الجنّ أخبار السماء فقد ورد في بعض الروايات. ويستفاد الثاني من بعض الآيات الكريمة ايضا. قال تعالى (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا) الجن 8-9، ويظهر من الآية أنّهم منعوا من الاستماع بظهور الاسلام ونزول القرآن الكريم. وقد مرّ بعض الكلام حول ذلك في تفسير الآيات 7-10 من سورة الصافات.

قليلا ما تذكّرون... التذكّر لا يقال الا في ما يعلمه الانسان ثم ينساه، فاذا عاد بذاكرته الى الوراء واستعاد ما كان يحفظه فقد تذكّر. فمعنى هذه الجملة أنّكم كثير النسيان، فلا تستعيدون ذكر ما علمتموه بفطرتكم، وبما وصلكم من أخبار الاولين، حيث كانوا يكذّبون الرسالات ويتّهمون الرسل بمثل هذه التّهم فينزل عليهم من الله العذاب، فلو كنتم تتذكّرون هذه الحقائق ما كنتم تتّهمون الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلّم بالكهانة، لوضوح أنّها تهمة لا تلصق به، وهو بعيد عنها كل البعد، وأنتم تعلمون ذلك. وكان كبراؤهم يعترفون به.

تنزيل من ربّ العالمين... (تنزيل) مصدر بمعنى اسم المفعول اي هو منزَّل من ربّ العالمين. والضمير المقدّر يعود الى القرآن. وهذه الجملة استدراك في الواقع، اي ليس قول شاعر ولا كاهن بل هو منزّل من عند الله تعالى.

والتركيز على وصف الربوبية للعالمين للاشارة الى سبب التنزيل، فانه تعالى نزّل هذا الكتاب ليربّي العالمين تربية صالحة توصلهم الى غاية كمالهم، كُلّا حسب استعداده.

وفي الجملة تصريح بما اُشير اليه في ما سبق من اسناده الى الرسول الكريم صلى اللّه عليه وآله وسلّم، حيث إنّه يدلّ على استناده اليه بما أنه رسول لا الى شخصه، فليس هذا الكلام من اختراعه. وهنا صرّح بأنّه من انشاء ربّ العالمين.

والتعبير بالتنزيل ليس بمعنى ارساله من مكان مرتفع، بل كل إرسال من قبل الله تعالى تنزيل من علياء مقامه الى الخلق. وفي هذا المورد بالذات يصدق التنزيل بمعنى آخر حيث إن القرآن الكريم يشتمل على معان سامية بعيدة عن متناول البشر، والله تعالى نزّلها الى مستوى فهم البشر وإدراكه، لعلهم يؤمنون ويتذكرون.

ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل... التقوّل اختلاق القول واسناده الى الغير افتراءا عليه. وصيغة التفعّل تأتي لتكلّف الفعل كالتلبّس والتقمّص والتزيّن ونحوها. وتعديته بـ (على) لتضمنه معنى (كذب) اي لو كذب علينا. ولعلّ تعدية الكذب بها من جهة تشبيهه بإلقاء شيء على المكذوب عليه.

والضمير فيه يعود الى الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلّم. والاقاويل قيل: انها جمع أقوال. ولكن الظاهر صحة ما في الكشاف من أنّها لا تستعمل الا في القول الكاذب.

و(لو) امتناعية تدلّ على امتناع الجزاء لامتناع الشرط كقوله تعالى (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا..) الانبياء: 22، فالآية تدلّ على أن تقوّله صلى اللّه عليه وآله وسلّم مستحيل.

لأخذنا منه باليمين ثمّ لقطعنا منه الوتين... قيل: المراد الاخذ بيده اليمنى ثم ضرب عنقه لقطع وتينه من الامام، لأن الجلاد اذا أخذ بالشمال والسيف بيمينه ضرب عنق الاسير من قفاه، واذا أخذ باليمين ضرب عنقه من الامام، وهو ما يطلق عليه القتل صبرا، سمي بذلك لأنه يرى كيف يقتل بالسيف، وفيه من التعذيب والاذلال ما هو واضح. و(من) بناءا على ذلك للتبعيض كما هو الاصل فيها اي لأخذنا بيمينه ثم لقطعنا وتينه.

وقيل: إن الأخذ بمعنى القطع، اي فقطعنا يمينه ثم لقطعنا وتينه. وهو بعيد.

وقيل: الاخذ باليمين كناية عن الاخذ بقوّة، لأنّ الانسان يستخدم يده اليمنى اذا احتاج الامر الى قوّة وشدّة. والاخذ بقوّة إمّا للتشدّد والغضب، او لبيان السرعة وعدم الامهال، او بمعنى أنّا قادرون عليه.

ولكن هذا القول يستلزم أن تكون (من) زائدة تفيد التأكيد اي لأخذناه باليمين.

وليس هذا من موارد زيادة (من) مضافا الى أنّ الظاهر أن يكون (منه) في الجملتين بمعنى واحد، وهي في الثانية للتبعيض قطعا.

والوتين قيل: انه نياط القلب، اي العرق الذي علّق به القلب. والنوط: التعليق. وقيل: عرق متصل بالقلب، وقيل بالكبد. ومهما كان فالظاهر أنّ الاصل في معنى هذا اللفظ الملازمة، ولعل اطلاقه على عرق تتوقف عليه الحياة من جهة أنه ملازم للانسان، فاذا قطع انقطعت حياته. والمراد هنا إهلاكه.

وفي هذه الآيات تأكيد على ما فهم من الآيات السابقة من أنّ القول ليس من الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلّم بل لم يضف اليه الرسول ولو شيئا قليلا.

ويقع الكلام في الغرض من هذه الآيات، وطبيعة الرسالة التي تريد ايصالها الى المخاطبين.

وفي مجموعة من التفاسير أنّ هذه الآيات بصدد الاستدلال على كون القرآن من عند الله تعالى، باعتبار أنه لو كان افتراءا عليه لعاقب المفتري في الدنيا أشدّ عقاب، لأنه تعالى عالم محيط بكل شيء، وقادر على كلّ شيء، فلا موجب لإمهاله المفتري، وحيث إنّه لم ينزّل العذاب على الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلّم، فهذا يدلّ على أنه صادق في دعواه.

وهذا كلام غريب جدّا، فما أكثر من ادّعى النبوّة كذبا وافتراءا، وما أكثر من نسبوا الى الله تعالى ما لم يقله من دعاة الدين والملوك والفراعنة وغيرهم، وفي القرآن الكريم نسب الافتراء الى المشركين وأهل الكتاب، مع أنه تعالى لم ينزّل عليهم عذابا من السماء، ولا منعهم من الافتراء عليه تكوينا.

قال تعالى (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ) النحل: 116، وقال تعالى (وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) آل عمران: 78، وغير ذلك من الآيات.    

بل إن هذا النوع من الاستدلال من كلام المشركين. قال تعالى (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ..) الانعام: 148، وقال (وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ..) النحل: 35 ، وقال تعالى ايضا: (وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) الزخرف: 20.

وقال العلامة الطباطبائي رحمه الله في الميزان: إنّ التهديد في الآية متوجه إلى الرسول الصادق في رسالته لو تقوّل على الله، ونسب إليه بعض ما ليس منه، لا مطلق مدّعي النبوة المفتري على الله في دعواه النبوة، وإخباره عن الله تعالى. فلا يرد أنّ مقتضى الآيات أن كل من ادعى النبوة وافترى على الله الكذب أهلكه الله، وعاقبه في الدنيا أشد العقاب. وهو منقوض ببعض مدّعي النبوة من الكذّابين.

وما ذكره قدس سره يرفع الاشكال ولكن لا يحدّد الغرض من الآيات.

والذي يمكن أن يقال في ذلك: إنّ الآيات تؤكّد على أنّ الكتاب العزيز كله من الله تعالى، وأنّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم لا دور له في ذلك الا الابلاغ.

وبذلك يردّ أولا على ما كان يطلبه المشركون من التبديل والتغيير في بعض محتويات الكتاب، كما قال تعالى (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) يونس: 15.

ويردّ ثانيا على توهّم أنّ القول من الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم، وأنّه تعالى انما أوحى الى رسوله المعاني، كما يتفوّه به بعض من يدّعون الانتماء الى الدين، فهذه الآية تصرّح بأنّ الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم لا يزيد على ما يوحى اليه حرفا واحدا. ولو زاد عليه لعذّبه الله تعالى أشدّ العذاب.

ويؤكّد ثالثا على ضرورة الاهتمام من حملة القرآن بالمحافظة على النصّ، وعدم التغيير والتبديل، والزيادة والنقيصة فيه، فهو في غاية القدسية والكرامة، لانّه بتمامه وكماله نزل من عند الله تعالى.

ويلاحظ شدّة التعبير في الآية، مع أنّه وارد بشأن الرسول الكريم صلّى الله عليه وآله وسلّم الذي مدحه الله تعالى وأكرمه بما لم يقله في شأن أحد من الرسل الكرام عليهم السلام. وليس ذلك الا للاهتمام بهذا الشأن، وهو التأكيد على قداسة النصّ القرآني، وأنّه بتمامه من الله تعالى الى زمان ابلاغه من قبل الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلّم.

فما منكم من أحد عنه حاجزين... الحجز هو المنع. اي لا يمنعنا أحد منكم عنه وعن اهلاكه. والخطاب للبشر. والغرض الاشارة الى أن الله تعالى اذا أراد بعبد سوءا فلا مردّ له.

ويمكن أن يكون خطابا للمشركين باعتبار أنهم كانوا يطالبون الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلّم بأن يأتيهم بقرآن غير هذا يلائم عقائدهم، وقوله تعالى (ولو تقوّل علينا..) ناظر الى هذا الاقتراح، فهذه الآية تردّ عليهم بأنّه لو تقوّل علينا لعذّبناه، ولا يمكنكم أن تمنعوه منّا.

و(من) زائدة تفيد التأكيد، أي ما أحد منكم حاجزا عنه. وانما أتى بلفظ الجمع في الخبر (حاجزين) لأن كلمة (أحد) اذا وقعت في سياق النفي أفادت العموم.

وإنّه لتذكرة للمتّقين... الضمير يعود الى القرآن الكريم. والتذكرة مصدر بمعنى اسم الفاعل اي مذكِّر، او هو من حمل المصدر على الذات من باب المبالغة.

وربّما يتساءل: كيف يكون تذكرة للمتقين، مع أنّ القصد منه أن يذكّر جميع الناس، بل الاولى بالتذكير هم غير المؤمنين فضلا عن غير المتقين؟

وأجابوا بأن المراد أنّ الذي ينتفع به هم المتّقون المؤمنون فقط، فإنّهم هم الذين يتذكّرون بتلاوته، لا كلّ من يتلى عليه أو يتلوه.

ويمكن أن يقال: إنّ المراد بالمتّقين من فيه استعداد التقوى، فالناس يختلفون نفسية قبل أن يسمعوا هدايات الله، فهناك نفوس لا تتأثّر بسماع الآيات، حتّى لو آمن فهو إمّا منافق أو متزلزل. وهناك من القلوب ما هي مستعدّة للتقوى والخشوع. والقرآن لا يؤثّر الا في النفوس المستعدّة، والقلوب الخاشعة.

كما يمكن أن يقال: إنّ الاشكال انما يأتي في ما اذا كان المراد بالتذكير تذكير الناس بما فطرهم الله عليه من الايمان والتوحيد، ولكن يمكن أن يكون من باب تنبيه الانسان اذا غفل عن ذكر ربّه، فانه اذا قرأ القرآن الكريم تذكّر وانتبه. وهذا خاصّ بالمتّقين.

وإنّا لنعلم أنّ منكم مكذّبين... وقع الكلام في تفسير الآية من جهة ذكر العلم، وأنّه ما هو الغرض من التنبيه على علمه تعالى بوجود مكذّبين بين المخاطبين، مع أنه أمر واضح اذا كان الخطاب للبشر، او للعرب الموجودين آنذاك؟

قيل: إن الغرض منه التهديد والوعيد بأنه تعالى يعلم ذلك فيجازيهم بتكذيبهم.

وهو بعيد، لأن المكذّبين يعلنون تكذيبهم. وانما يصحّ هذا البيان في التنبيه على علمه تعالى بما يخفيه الانسان من نواياه، كقوله تعالى (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ) البقرة: 235.

وقيل: إن هذه الجملة مرتبطة بقوله تعالى تنزيل من ربّ العالمين، والمراد أنه تعالى نزّله مع أنه كان يعلم أن منهم من يكذّبه، فما منعه ذلك من تنزيله.

ولكن ارتباط هذه الآية بتلك الآية مع هذا الفصل بعيد جدا.

وقيل: إن الخطاب في هذه الآية للمجتمع المسلم في مكة. ويناسب ذلك وروده بعد تذكرة المتقين، والمراد أنه تعالى يعلم بوجود مكذّبين بينهم وهم المنافقون. ولعلّ التعبير في الآية التالية ايضا يناسبه، اذ لو كان المراد بالمكذبين الكافرون كان ذكرهم تكرارا. وتدلّ الآية بناءا على ذلك على وجود منافقين بين صفوف المؤمنين في مكة ايضا.

وإنّه لحسرة على الكافرين... الحسرة: التلهّف والندامة. والمراد أنّه يوجب حسرتهم وندامتهم يوم القيامة على ما فرّطوا في حقّه، ولم يعملوا به، ولم يتذكّروا بآياته.

وإنّه لحقّ اليقين... مرّ الكلام في معنى حقّ اليقين في آخر سورة الواقعة، وقلنا: إنّ الحقّ هو الأمر الثابت، واليقين استقرار النفس بزوال الشك. وحقّ اليقين إما من إضافة الموصوف الى الصفة، اي هو حقّ متيقن اذ قد يتيقّن الانسان وهو ليس على حقّ. وإمّا من إضافة الصفة الى الموصوف، اي يقين حق اليقين، فليس مما يطلق عليه اليقين تسامحا.

والضمير يعود الى القرآن الكريم ويبعد رجوعه الى الخبر المعلوم من الآية السابقة. ومعنى كون القرآن حق اليقين أن مضامينه متيقنة حق اليقين او حق متيقن.

فسبّح باسم ربّك العظيم... الفاء للتفريع اي حيث خصّك الله تعالى بهذا الكتاب فسبّحه تمجيدا وثناءا، ويمكن أن يكون التنزيه بلحاظ إيهام العبارة السابقة إمكان صدور غير ما هو حق اليقين عنه تعالى، فالامر بالتسبيح للتأكيد على أنه لا يصدر منه تعالى غير ذلك.

والخطاب للرسول صلى اللّه عليه وآله وسلّم، وقوله تعالى (ربك) إيذان بأنّ هذا القرآن نزل لتربيتك. والعظيم صفة للرب او الاسم. والباء زائدة او للتعدية اي سبّح اسمه تعالى.

وقيل: إنّها سببية او للاستعانة او للمصاحبة، وإنّ في ذلك اشارة الى التسبيح اللفظي وعدم الاكتفاء بالتسبيح القلبي.

وانما يقال ذلك تهرّبا من الاشكال في تعلّق التسبيح بالاسم مع أنّه للذات المتعالية واقعا، ولكن هذا الجواب لا يصحّ في قوله تعالى (سبّح اسم ربّك الاعلى) فلا بدّ من جواب عامّ يشمله.  

وقد مرّ الكلام في سورة الواقعة في ذلك، وقلنا إنّه لا يبعد أن يكون بلحاظ أنّ التسبيح أمر إنشائي كالمدح والذمّ وهو عبادة، ولذلك يختص بالله تعالى. وليس المراد به الاعتقاد بنزاهته تعالى ولا التلفظ بالتسبيح، فكما أنّ الانسان ينشئ باللفظ او غيره البيع او النكاح، او ينشئ التمنّي او الترجّي او ينشئ مدحا او ذمّا او تعجّبا كذلك ينشئ التسبيح.

فالامر هنا بالتسبيح ليس بمعنى التلفظ بجملة (سبحان الله) وما يشاكله نظير ما امرنا به في الركوع والسجود فان المطلوب هناك هو اللفظ حتى لو لم يفهم الانسان معناه او لم يقصده غفلة كما هو الغالب.

كما أنه ليس بمعنى الاعتقاد بنزاهته تعالى فهو تحصيل للحاصل خصوصا اذا كان الخطاب للرسول صلى اللّه عليه وآله وسلّم، بل المطلوب انشاء التسبيح وهو حقيقة اعتبارية ينشئها الانسان باللفظ او بالكتابة اوالاشارة.

وللبحث في حقيقة الامور الانشائية مجال واسع في اصول الفقه.

ثم إن انشاء الحقائق الاعتبارية باللفظ أقوى من انشائها بغيره وأبعد من قصد غير الانشاء، ولذلك يهتم الانسان في العقود والمعاملات المهمة كالنكاح وكبيع العقار مثلا ان لا يكتفي بالفعل.

واذا اُنشئ التسبيح باللفظ فانه يتعلق طبعا بالاسم الكريم، وان كان القصد تسبيح الذات. فكما يصحّ الامر بتسبيح الذات كما قال تعالى (فسبّحه) كذلك يصح الامر بتسبيح الاسم بهذا الاعتبار.

ولعل من قال ان الباء للمصاحبة او السببية قصد هذا المعنى.

والحمد لله ربّ العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين.<