مكتب سماحة السيد مرتضى المهري

هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى... قيل ان (هذا) اشارة الى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وقيل الى القرآن الكريم وهو أولى لتوصيف النذر بالاولى ولو كان المراد الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم لقال الأولين فيحتاج الى تأويله بالجماعة. والنذر جمع نذير بمعنى المنذر او بمعنى الانذار وهو على الثاني اسم للمصدر اي الانذار بمعنى الاعلام والابلاغ في خصوص ما يشتمل على تخوف فهو بمعنى التخويف. والغرض من هذه الآية التنبيه على أن هذا الانذار استمرار للرسالات السابقة التي قد سمعتم بها ورأيتم آثارها فليس أمرا جديدا مستغربا وقد تكرر في القرآن التنبيه على ذلك.

أَزِفَتِ الْآَزِفَةُ... أَزِف اي قَرُب من الازف بفتح الاولين اي القرب فالمعنى أن الآزفة اي القيامة قد قربت كما قال تعالى (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ..)[1] والسر في اعتبارها قريبة أنها بالقياس الى عمر الطبيعة قريبة وان تأخرت قرونا كما قال تعالى (إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا)[2] ويحتمل أن يكون القرب باعتبار قرب الموت من كل أحد فالمجال ضيّق للانسان والوقت قريب اذ لا يمكنه تلافي ما فاته طيلة حياته بعد الموت حتى لو تأخرت القيامة ويحتمل أن يكون القرب باعتبار أن البعد الزماني انما هو بملاحظة إطار الطبيعة التي نعيشها واما اذا خرجنا عن هذا الاطار فكل الحوادث مجتمعة او متقاربة ولذلك يجيب البشر اذا سئلوا بعد البعث عن عدد السنين التي عاشوها بعد الموت الى البعث (لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ..).[3]

واما التعبير عن يوم القيامة بالآزفة فيحتمل أن يكون بلحاظ قربه كما مر ويحتمل أن يكون بمعنى آخر ذكرناه في تفسير قوله تعالى (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ..)[4] وهو أن الآزفة مصدر كالعاقبة والعافية، فهو مثل التعبير عنه بيوم الحسرة، ويوم التلاق، ويوم التناد، ويوم التغابن، ويوم الجمع، ويوم الفصل، ويوم الدين. فلعل المراد هنا أنّه يوم القرب بمعنى تقارب الناس واجتماعهم او بمعنى الضيق، فانه ايضا من معاني الازوف، وأصله واحد لأنّ الضيق ملازم للتقارب.

لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ... قيل ان (كاشفة) وصف لمحذوف اي نفس كاشفة ولا يبعد أن يكون مصدرا بمعنى الكشف اي لا يكشفها الا هو. وقوله (من دون الله) اي غيره تعالى والمراد بالكشف ابعادها ومنع وقوعها فلا يقدر عليه أحد الا الله تعالى وهو لا يفعل وعلى هذا فالآية تمنع كل أمل في عدم وقوعها يأمله المجرمون. ويحتمل ان يكون الكشف بمعنى تبيين موعدها فيكون كناية عن انها مجهولة للجميع كما قال تعالى (لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ)[5] وقيل ان المراد انه لا يكشف الكرب ذلك اليوم الا الله تعالى وهو بعيد.

أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ... الظاهر أنه اشارة الى الحديث عن يوم القيامة وقد تكرر في القرآن نقل تعجبهم من احياء العظام بعد الموت وقيل اشارة الى القرآن ومهما كان فالمراد من تعجبهم استبعادهم وتكذيبهم. والاستفهام لاستنكار هذا الاستبعاد والتعجيب منه والفاء للتفريع على ما سبق. اي كيف تستغربون وتستبعدون هذا الحديث وتضحكون ولا تبكون مع أن النذر جاءت في الصحف الاولى وجاءكم النذير والامر من الله تعالى وهو القادر على كل شيء والموعد قريب؟؟!!

ولاشك أن هذا أمر غريب أن ينذر الانسان بمستقبل مجهول خطير وهو لا طريق له الى معرفة صحة الخبر عن عدمها ولا سبيل له الى الكشف عن هذا الغيب المكنون والشواهد تساعد على وقوعه فيستهزئ ويضحك مع أن من حقه أن يبكي للخطر المحدق به وهو محتمل على الاقل وهو لم يعدّ لذلك اليوم عدّته.

وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ... الجملة حالية اي تضحكون حال كونكم سامدين وللسمود معنيان يناسبان المقام احدهما التكبر ورفع الرأس غرورا وامتناعا من سمد البعير اذا رفع رأسه في سيره والآخر اللهو والسهو والغفلة. وقيل السمود: الغناء اي لاهين خائضين في الطرب والملاهي غافلين عن ما ينتظركم من الاهوال.

فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا... الفاء للتفريع اي مادام الشأن كذلك فاغتنموا الفرصة قبل الضياع واسجدوا لله واعبدوه لعله يتوب عليكم ويغفر لما مضى منكم. وفي الروايات أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم حين تلا هذه السورة على الناس وانتهى منها سجد وسجد المسلمون والمشركون جميعا الا الوليد بن المغيرة فاكتفى بأن رفع كفا من التراب فوضع جبهته عليه.

واستغرب المسلمون ذلك اليوم عمل المشركين كما استغربه المفسرون وأوّله بعضهم بما رووه كذبا وافتراءا أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم حين تلاوته لقوله تعالى (أفرأيتم اللات والعزى) ذكر جملتين او اكثر في مدح الاصنام قالوا ان الشيطان اوقعها على لسانه (والعياذ بالله) فاعجب المشركون بذلك ومن هنا سجدوا في نهايتها وهو كلام باطل ويبتني على أساس باطل ينتهي بقائله الى الكفر.

والصحيح كما هو واضح أنه لو صح خبر السجود فان السبب فيه تأثر المشركين في تلك اللحظة من الآيات القوية النافذة ومن تلاوة الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله وسلّم فلم يتمالكوا أنفسهم وسقطوا خاشعين وكم له من نظير فان ضمير الانسان مهما كان فاسدا ربما ينبهه ويبعثه على الاعتراف والاقرار بما لا يقر به رسميا وليس عدم اقراره لعدم وضوح الامر له بل لاغراض فاسدة وهذا كان شأنهم في مواجهة الرسالة.

والحمد لله رب العالمين وصلى الله على رسوله الامين وآله الميامين.

 


[1] القمر: 1

[2] المعارج: 6-7

[3] المؤمنون: 113

[4] غافر: 18

[5] الاعراف: 187<