مكتب سماحة السيد مرتضى المهري

سورة القمر مكية كما هو واضح من مضامينها وفيها اشارة الى معجزة شق القمر وتنديد بتكذيب المشركين للرسول صلى الله عليه واله وسلم وتحذير من نزول العذاب عليهم كما نزل على الاقوام السابقة مع اشارة سريعة الى قصصهم ثم المقارنة بينهم وبين هؤلاء وانهم ليسوا خيرا من الاقوام السابقة.

اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ... الجملة الاولى من الآية اخبار عن اقتراب موعد القيامة وقد مر قريبا البحث عن ذلك في تفسير قوله تعالى (أَزِفَتِ الْآزِفَةُ)[1] والساعة الجزء الصغير من الزمان واللام للعهد فالمراد اللحظة المعهودة وهي لحظة فناء هذا الكون سميت بذلك لسرعة حدوث الفناء واما الجملة الثانية فظاهرها الاخبار عن حادث وقع في عصر نزول الآية وهو انشقاق القمر ويبدو من التعبير أن له علاقة باقتراب الساعة فلعله يعدّ من أشراطها وعلاماتها ولا يمنع هذا الاحتمال البعد الزمني بينهما لما مر في تفسير الآية المذكورة من أن هذا القرب يمكن ان يكون بملاحظة عمر الطبيعة. ولكن ما هي هذه الحادثة؟

ورد في روايات عديدة قيل انها بلغت حد التواتر وقال العلامة الطباطبائي انها مستفيضة أن القمر انشق في عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم كمعجزة كونية تدل على نبوته. قال الشيخ الطوسي قدس سره في التبيان (ومن أنكر انشقاق القمر وأنه كان، وحمل الآية على كونه في ما بعد ــ كالحسن البصري وغيره واختاره البلخي ــ فقد ترك ظاهر القرآن لأن قوله (انْشَقَّ) يفيد الماضي وحمله على الاستقبال مجاز. وقد روى انشقاق القمر عبداللَّه بن مسعود وانس بن مالك وابن عمر وحذيفة وابن عباس وجبير بن مطعم ومجاهد وإبراهيم، وقد أجمع المسلمون عليه ولا يعتد بخلاف من خالف فيه لشذوذه لان القول به اشتهر بين الصحابة فلم ينكره أحد فدل على صحته وأنهم اجمعوا عليه فخلاف من خالف في ما بعد لا يلتفت اليه‏).

وفي تفسير القمي (وقوله وَانْشَقَّ الْقَمَرُ فإن قريشا سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم أن يريهم آية، فدعا الله فانشق القمر بنصفين حتى نظروا إليه ثم التأم فقالوا هذا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ أي صحيح)

وفيه ايضا (حدثنا حبيب بن الحسن بن أبان الآجري قال حدثني محمد بن هشام عن محمد قال حدثني يونس قال قال لي أبو عبد الله عليه السلام: اجتمعوا أربعة عشر رجلا أصحاب العقبة ليلة أربع عشرة من ذي الحجة، فقالوا للنبي صلى الله عليه وآله وسلّم: ما من نبي إلا وله آية فما آيتك في ليلتك هذه فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلّم ما الذي تريدون فقالوا إن يكن لك عند ربك قدر فأمر القمر أن ينقطع قطعتين، فهبط جبرئيل عليه السلام وقال يا محمد إن الله يقرئك السلام ويقول لك: إني قد أمرت كل شي‏ء بطاعتك، فرفع رأسه فأمر القمر أن ينقطع قطعتين، فانقطع قطعتين فسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلّم شكرا لله وسجد شيعتنا، ثم رفع النبي صلى الله عليه وآله وسلّم رأسه ورفعوا رءوسهم، ثم قالوا يعود كما كان فعاد كما كان، ثم قالوا ينشق رأسه فأمره فانشق فسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلّم شكرا لله وسجد شيعتنا، فقالوا يا محمد حين تقدم سفارنا من الشام واليمن فنسألهم ما رأوا في هذه الليلة فإن يكونوا رأوا مثل ما رأينا علمنا أنه من ربك وإن لم يروا مثل ما رأينا علمنا أنه سحر سحرتنا به، فأنزل الله اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ إلى آخر السورة).

وروى الشيخ الطوسي قدس سره في الامالي بسنده عن علي عليه السلام قال: (انشق القمر بمكة فلقتين فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اشهدوا، اشهدوا بهذا)[2]

وفي مجمع البيان (قال ابن عباس اجتمع المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم فقالوا إن كنت صادقا فشق لنا القمر فرقتين فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم إن فعلت تؤمنون قالوا نعم و كانت ليلة بدر فسأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم ربه أن يعطيه ما قالوا فانشق القمر فرقتين ورسول الله ينادي يا فلان يا فلان اشهدوا. وقال ابن مسعود انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم شقتين فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم اشهدوا اشهدوا. وروي أيضا عن ابن مسعود أنه قال والذي نفسي بيده لقد رأيت حراء بين فلقي القمر. وعن جبير بن مطعم قال انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم حتى صار فرقتين على هذا الجبل وعلى هذا الجبل فقال ناس: سحرنا محمد فقال رجل: إن كان سحركم فلم يسحر الناس كلهم. وقد روى حديث انشقاق القمر جماعة كثيرة من الصحابة منهم عبدالله بن مسعود وأنس بن مالك وحذيفة بن اليمان وابن عمر وابن عباس وجبير بن مطعم وعبدالله بن عمر وعليه جماعة المفسرين إلا ما روي عن عثمان بن عطاء عن أبيه أنه قال معناه وسينشق القمر وروي ذلك عن الحسن وأنكره أيضا البلخي. وهذا لا يصح لأن المسلمين أجمعوا على ذلك فلا يعتد بخلاف من خالف فيه ولأن اشتهاره بين الصحابة يمنع من القول بخلافه‏)

وفيه ايضا عن مناقب ابن شهراشوب (أجمع المفسرون والمحدثون سوى عطاء والحسن والبلخي، في قوله تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ أنه اجتمع المشركون ليلة بدر إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: إن كنت صادقا فشق لنا القمر فرقتين. فقال صلى الله عليه وآله وسلم: إن فعلت تؤمنون؟ قالوا: نعم. فأشار إليه بإصبعه، فانشق شقتين رئي حراء بين فلقيه وفي رواية: نصفا على أبي قبيس، ونصفا على قعيقعان. وفي رواية: نصفا على الصفا، ونصفا على المروة. فقال صلى الله عليه وآله وسلم: اشهدوا اشهدوا فقال ناس: سحرنا محمد، فقال رجل: إن كان سحركم فلم يسحر الناس كلهم‏ وكان‏ ذلك قبل الهجرة، وبقي قدر ما بين العصر إلى الليل وهم ينظرون إليه، ويقولون: هذا سحر مستمر. فنزل وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ الآيات. وفي رواية: أنه قدم السفار من كل وجه، فما من أحد قدم إلا أخبرهم أنهم رأوا مثل ما رأوا).[3]

هذا كل ما ورد من روايات الشيعة وروى الحضيني او الخصيبي رواية مطولة فيها غرائب كثيرة لم انقلها لعدم الوثوق بمذهب الرجل ولم أجد رواية في الكتب الحديثية المعتبرة حول ذلك، وهذه الروايات ضعيفة ومرسلة ويظهر من عبارة الشيخ الطوسي والطبرسي انهما استندا الى روايات العامة.

ومن الغريب بعد ذلك ما ورد في الميزان حيث قال (أقول: ورد انشقاق القمر لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم في روايات الشيعة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام كثيرا وقد تسلمه محدثوهم والعلماء من غير توقف).

نعم روت العامة في ذلك روايات كثيرة في صحاحهم وتفاسيرهم. ولم يختلف المفسرون القدامى منهم في ذلك الا ما تقدم نقله من التبيان ومجمع البيان وغيرهما كما أن بعض المتأخرين منهم شككوا في الامر مع أن القصة منقولة في الصحاح وقيل ان الروايات فيه متواترة وان كان التواتر في جميع الطبقات غير ثابت بل الثابت خلافه خصوصا في طبقة الصحابة ولكن يكفيهم وروده في الصحاح.

 ومهما كان فقد استند النافون الى وجوه من الاعتراض نتعرض لها في ما يلي ونقتصر على المهم منها:

الاعتراض الاول: أن هناك آيات تدل على أن الله تعالى لا يرسل آية معجزة لتأييد رسالة الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم خلافا لمن سبق من الرسل.

وهذا الامر مما يصر عليه جمع من الكتاب الاسلاميين الجدد وينكرون على أساسه كل ما يروى من معجزات صدرت على يد الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم. واستدلوا بقوله تعالى: (وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآَيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآَتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآَيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا)[4] وبقوله تعالى: (وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا).[5]

والصحيح أنه لا يمكن انكار صدور معجزات على يد الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم فان بعضها ورد في القرآن الكريم بصراحة وهو الاسراء حيث اسري به ليلا من المسجد الحرام الى المسجد الاقصى. ومنها اخباره عن المغيبات وموارده كثيرة جدا وقد جمعت في كتاب (الاحاديث الغيبية) الجزء الاول. ومنها استجابة دعواته وهو مما اعترف به المشركون ايضا وكانوا يخافون من ذلك وقد مر في تفسير سورة النجم قصة عتبة بن ابي لهب ودعاء الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم عليه بان يرسل الله عليه كلبا من كلابه وخوف ابيه عليه وافتراس الاسد له.

ومنها شفاء المرضى على يده وهو ايضا كثير ومما اشتهر منه شفاء اميرالمؤمنين عليه السلام عن رمد في عينه يوم خيبر وانه لم يجد الما في عينه بعد ذلك ابدا. ومنها الاستسقاء به في الاسلام والجاهلية وشعر ابي طالب عليه السلام في ذلك معروف. ومنها أن الارضة أكلت صحيفة قريش في الكعبة الا جملة (باسمك اللهم). ومنها ما ظهر في اختفائه في الغار من نسيج العنكبوت وبيض الحمام. ومنها اشباع الناس وارواؤهم بطعام قليل وماء قليل وذلك في الحروب وغيرها ومما اشتهر من ذلك اشباعه المشركين يوم الانذار من طعام قليل وارواؤهم من ماء قليل وكذلك قصة ضيافة جابر لاصحاب الخندق.

ومنها الخبر المذكور في نهج البلاغة حيث قال عليه السلام:

(وَلَقَدْ كُنْتُ مَعَهُ لَمَّا أَتَاهُ الْمَلَأُ مِنْ قُرَيْشٍ فَقَالُوا لَهُ يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ قَدِ ادَّعَيْتَ عَظِيماً لَمْ يَدَّعِهِ آبَاؤُكَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ بَيْتِكَ وَنَحْنُ نَسْأَلُكَ أَمْراً إِنْ أَنْتَ أَجَبْتَنَا إِلَيْهِ وَأَرَيْتَنَاهُ عَلِمْنَا أَنَّكَ نَبِيٌّ وَرَسُولٌ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ عَلِمْنَا أَنَّكَ سَاحِرٌ كَذَّابٌ فَقَالَ وَمَا تَسْأَلُونَ قَالُوا تَدْعُو لَنَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ حَتَّى تَنْقَلِعَ بِعُرُوقِهَا وَتَقِفَ بَيْنَ يَدَيْكَ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ فَإِنْ فَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ ذَلِكَ أَتُؤْمِنُونَ وَتَشْهَدُونَ بِالْحَقِّ قَالُوا نَعَمْ قَالَ فَإِنِّي سَأُرِيكُمْ مَا تَطْلُبُونَ وَإِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكُمْ لَا تَفِيئُونَ إِلَى خَيْرٍ وَإِنَّ فِيكُمْ مَنْ يُطْرَحُ فِي الْقَلِيبِ وَمَنْ يُحَزِّبُ الْأَحْزَابَ ثُمَّ قَالَ: يَا أَيَّتُهَا الشَّجَرَةُ إِنْ كُنْتِ تُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَتَعْلَمِينَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَانْقَلِعِي بِعُرُوقِكِ حَتَّى تَقِفِي بَيْنَ يَدَيَّ بِإِذْنِ اللَّهِ فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ لَانْقَلَعَتْ بِعُرُوقِهَا وَجَاءَتْ وَلَهَا دَوِيٌّ شَدِيدٌ وَقَصْفٌ كَقَصْفِ أَجْنِحَةِ الطَّيْرِ حَتَّى وَقَفَتْ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ مُرَفْرِفَةً وَأَلْقَتْ بِغُصْنِهَا الْأَعْلَى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَبِبَعْضِ أَغْصَانِهَا عَلَى مَنْكِبِي وَكُنْتُ عَنْ يَمِينِهِ فَلَمَّا نَظَرَ الْقَوْمُ إِلَى ذَلِكَ قَالُوا عُلُوّاً وَاسْتِكْبَاراً فَمُرْهَا فَلْيَأْتِكَ نِصْفُهَا وَيَبْقَى نِصْفُهَا فَأَمَرَهَا بِذَلِكَ فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ نِصْفُهَا كَأَعْجَبِ إِقْبَالٍ وَأَشَدِّهِ دَوِيّاً فَكَادَتْ تَلْتَفُّ بِرَسُولِ اللَّهِ فَقَالُوا كُفْراً وَعُتُوّاً فَمُرْ هَذَا النِّصْفَ فَلْيَرْجِعْ إِلَى نِصْفِهِ كَمَا كَانَ فَأَمَرَهُ فَرَجَعَ فَقُلْتُ أَنَا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِنِّي أَوَّلُ مُؤْمِنٍ بِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَوَّلُ مَنْ أَقَرَّ بِأَنَّ الشَّجَرَةَ فَعَلَتْ مَا فَعَلَتْ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى تَصْدِيقاً بِنُبُوَّتِكَ وَإِجْلَالًا لِكَلِمَتِكَ فَقَالَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ بَلْ ساحِرٌ كَذَّابٌ عَجِيبُ السِّحْرِ خَفِيفٌ فِيهِ وَهَلْ يُصَدِّقُكَ فِي أَمْرِكَ إِلَّا مِثْلُ هَذَا؟ يَعْنُونَنِي...)[6]وغير ذلك وهو كثير. وقد اُلّفت في ذلك الكتب.

وأما الآيات المشار اليها في كلام النافين لمعجزات الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم وغيرها مما يتوهم منه ذلك فان بعضها يدل على أن الآيات انما تنزل من الله تعالى وأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم بذاته لا يمكنه ان يأتي بآية كغيره من الرسل وانما دورهم هو التبليغ والانذار كما قال تعالى: (وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآَيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ)[7] وقال تعالى: (وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآَيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ)[8] وهذا حكم عام لجميع الرسل وهو واضح قال تعالى: (وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآَيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ)[9] كما هو الحال في سائر الامور.

وبعضها يدل على أن الله تعالى لا يرسل الآيات حسب اقتراح الناس رأفة بهم لان سنته تعالى في خلقه – على ما يبدو من بعض الآيات – أنه اذا أرسل الآية المقترحة ولم يؤمن الناس فانه يعذبهم عذابا شديدا قال تعالى: (قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ)[10] وذلك بعد طلب عيسى عليه السلام المائدة بطلب من الحواريين ولعل من هذا القبيل قوله تعالى: (وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُون‏)[11] الى غير ذلك من الآيات.

وبعضها يدل على أن الله تعالى لا يرسل الآيات لانهم لا يؤمنون بها فلا اثر لها كقوله تعالى: (وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ)[12] وقوله (بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآَيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ * مَا آَمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ)[13] وقوله تعالى: (وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ)[14] ونحوها من الآيات.

ومن هنا يتبين الجواب عن ما استندوا اليه من آيات سورة الاسراء التي تتضمن طلبات خاصة من المشركين فانها من قبيل الآيات التي تدل على أن ارسال الآية لا يكون الا من قبله تعالى حيث يأتيهم الرد في نهايتها (قل سبحان ربي هل كنت الا بشرا رسولا) فليس المراد بالآية ان الله تعالى لا يبعث بآية على يد الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله وسلّم بل المراد أن ذلك منوط باذنه تعالى ومن الواضح انه لا يستجيب لكل طلب ويستحيل ان يستجيب الله تعالى لكل طلب من البشر حتى المؤمنين الصالحين فكيف بالكافرين قال تعالى: (وَلَوِاتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فيهِن‏...)[15] بل ان طلبات الناس تتناقض غالبا او دائما فيستحيل الجمع ذاتا.

وأما الآية الاولى (وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآَيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآَتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآَيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا) فالظاهر أن المراد بالآيات فيها هو الآيات المقترحة بقرينة وجود آيات كثيرة واهمها القرآن فلا يمكن ان يقصد بها في الآية مطلق الآيات والمراد بالمنع ما يمنع من اقتضاء الحكمة فانها تقتضي بالذات ارسال الآيات الا أن تكذيب الاولين يمنع من تأثير هذا الاقتضاء فما تقتضيه الحكمة في النهاية عدم الارسال ولعل السبب أن القلوب متشابهة والآخرون يتبعونهم في ذلك كما دلت عليه آيات كثيرة فاذا كان المراد الآيات المقترحة فان تكذيبها ربما يستوجب نزول عذاب الاستئصال والله تعالى يريد ان يمهل الناس.

ويؤيد هذا الاحتمال الاستشهاد بتكذيب ثمود للناقة وهي كانت آية مقترحة على ما في الروايات وان لم يثبت ذلك كما سياتي ان شاء الله تعالى. وعليه فقوله تعالى وما نرسل بالآيات الا تخويفا بمعنى أن الآيات اذا استوجبت نزول الهلاك فلا يبقى مورد للتخويف فالحكمة تنافي ذلك.

ويمكن ان يكون المراد بهذه الآية نفي الارسال لعدم ترتب الفائدة المرجوة منه كما مر وهذا الامر لا يقتضي عدم الارسال مطلقا وانما هو حجة في مورد المطالبة بارسال الآية فيقال لهم انكم لا تؤمنون كما لم يؤمن من قبلكم ولا ينافي ذلك ان يرسل الله تعالى آيات لاتمام الحجة وليؤمن من ليس معاندا وهذا هو الجواب الفصل. وعلى كل حال فالآية لا تنفي نزول الآيات بقول مطلق كما هو واضح اذ القرآن بنفسه أعظم آية.

وربما يقال ان هذه الآية اي شق القمر من الآيات المقترحة حسب ما ورد في الروايات فان كان المستفاد من الآيات أن الله تعالى لا يرسل الآيات المقترحة فالحكم يشمل هذا المورد فيعود الاشكال. ومن هنا اضطر بعض المفسرين الى قبول الروايات لتواترها وعدم قبول ما تضمنته من الاقتراح فقال ان الآية وقعت ولكن لم يكن باقتراح المشركين ويمكن ان يقال انهم طلبوا آية فاختار الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم ذلك ليكون أعظم وقعا في نفوسهم.

ولكن الظاهر أن هذا الحكم ايضا ليس مطلقا وليس كل آية مقترحة يستوجب ارسالها وتكذيب المقترحين لها نزول عذاب الاستئصال اذ ليس هناك دليل تدل على هذا الحكم بقول مطلق وانما يستفاد ذلك من موارد خاصة فلعل هناك خصوصية في بعض الآيات تستوجب ذلك بل ربما لا يختص الحكم بالمقترحات وانما ينزل العذاب بنزول بعض الآيات وتكذيب الناس بعدها حتى لو لم تكن مقترحة كما يفهم من قوله تعالى (مَا آَمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ).[16] فان الامم السالفة لم يكن هلاكها باجمعها بسبب الآيات المقترحة كما هو واضح.

ويدل على ذلك أن هناك في الروايات موارد عديدة من الآيات المقترحة جاء بها الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم ومنها ما ورد في الخطبة القاصعة في نهج البلاغة كما مر وهذه القصة منقولة في مصادر اخرى ايضا بوجوه اخر على ما اشار اليه الشراح.

قال ابن ابي الحديد في الشرح: (وأما أمر الشجرة التي دعاها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم فالحديث الوارد فيها كثير مستفيض قد ذكره المحدثون في كتبهم وذكره المتكلمون في معجزات الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم والاكثرون رووا الخبر فيها على الوضع الذي جاء في خطبة امير المؤمنين عليه السلام ومنهم من يروي ذلك مختصرا أنه دعا شجرة فأقبلت تخدّ اليه الارض خدّا وقد ذكر البيهقي في دلائل النبوة حديث الشجرة ورواه ايضا محمد بن اسحاق بن يسار في كتاب السيرة والمغازي على وجه آخر).

الاعتراض الثاني: أن الحدث باعتبار كونه حدثا غريبا ومهما وكونه في السماء يتيح الفرصة لجمع كثير من الناس في الجزيرة العربية على الاقل أن يشاهدوه وبالنتيجة أن يتناقلوه فلا بد من أن يكون من المتواترات القطعيات التي تسجّل في التواريخ بل يعتبر تاريخا بنفسه فيقال مثلا سنة شقّ القمر كسائر الحوادث التي تعتبر تاريخا كعام الفيل بل هو اولى من هذا الحادث وغيره. بل كونه في السماء يستدعي أن يسجّل في المراصد العالمية وفي كتب التاريخ حتى في خارج الجزيرة العربية.

ويمكن الجواب باحتمال قلة الحاضرين وغفلة الغالب من الناس عن ذلك، ومجرد كونه في السماء لا يستدعي توجه عامة الناس فهو ليس له صوت يجلب الانتباه، والحادث لم يستمر طويلا بل عاد القمر الى حالته الاصلية في وقت قصير فغفلة عامة الناس حتى في نفس المكان ليس امرا مستبعدا كما أن غالب الناس لا ينتبهون للخسوف وبذلك يتبين الجواب عن سرّ عدم التسجيل في المراصد فان الحدث لم يكن ظاهرا في مراكز وجود المراصد لاختلاف الافق وقصر الوقت لو فرضت هناك مراصد في ذلك العهد.

الاعتراض الثالث: أنه لو وقع ذلك لكان الاولى في جواب تحدي المشركين ومطالبتهم لآية ان يقال لهم قد جاءتكم أعظم آية فكذّبتم بها وليس من المناسب حينئذ أن يجابوا بأن الآيات عند الله أو أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم بشر وليست الآيات تحت سلطته وقدرته أو أن الاولين كذبوا بالآيات فلا نستمر في ارسالها ونحو ذلك ولم نجد في القرآن موردا واحدا يقابلون فيه بالتنبيه على ذلك مع وضوح أنه نقد وارد. وليست هذه الآية كسائر المعجزات التي يمكن أن لا يراها الا الجمع الحاضر كانتقال الشجرة بل هذه آية يراها أكثر الناس فتتم بها الحجة على الجميع.

والجواب عن ذلك أولا أن هذه الآية والآية التالية معا بصدد النقد والرد عليهم بهذا التحدي وبأنهم أعرضوا عن هذه الآية فهذا هو المورد الواحد الذي تبحثون عنه.

وثانيا بأن تاريخ نزول الآيات والسور غير قطعي ولعل هذه الآية حدثت في اواخر العصر المكي للرسالة كما ورد ذلك في بعض الروايات التي مرّ ذكرها وعليه فكل ما ورد من الآيات المذكورة تكون قبلها.

وثالثا بأن هذا الحدث ربما لم يره كثير من الناس ولم يصدقوا ما حكي لهم او تظاهروا بعدم التصديق ــ كما هو دأبهم ــ فطالبوا بآية اخرى.

وهناك وجوه اخرى من الاعتراض ذكرها بعضهم وهي ضعيفة جدا لا يعتنى بها. هذا كله في مقام الثبوت واما في مقام الاثبات فقد اتضح مما ذكرناه أن الروايات عند اهل السنة صحيحة مستفيضة فمن الغريب ما ينقل من بعضهم من النفي او الترديد واما عن طرقنا فلا يثبت بالروايات ولكن يكفي في اثبات ذلك الآية الكريمة فانها ظاهرة كما قلنا في حكاية وقوع الحادث في الماضي كما مر عن شيخ الطائفة قدس سره. والنافون يقولون ان المراد شق القمر يوم القيامة او قبيله فيكون من اشراط الساعة وأن الاتيان بفعل الماضي من جهة أنه أمر مؤكد او من جهة حكاية حال المستقبل نظير قوله تعالى (وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجي‏ءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُون)[17] وكذلك ما قبلها وما بعدها من الآيات ومثله كثير مما ينقل فيه حوادث يوم القيامة بصيغة الماضي.

ويمكن الجواب عن ذلك بوجوه ثلاثة:

الوجه الاول: أن هذه الآية تختلف عن تلك الآيات فالمقام هناك مقام ذكر حوادث يوم القيامة كآية سورة الزمر لقوله تعالى قبل ذلك (وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَميعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى‏ عَمَّا يُشْرِكُون‏) ثم يأتي بعد ذلك التعبير بالماضي عما سيحدث في تلك المرحلة من مراحل الكون (ونفخ في الصور) (وأشرقت الارض) (وسيق الذين كفروا) الى آخر السورة ولكنه هنا يبدأ القول باقتراب الساعة وهو اي الاقتراب أمر حاضر وليس حكاية عن أمر مستقبل فعطف انشقاق القمر بصيغة الماضي لا يناسب أن يكون من حوادث الساعة بل من علاماتها التي تحققت بالفعل ايذانا باقترابها.

الوجه الثاني: أن المذكور في القرآن الكريم من تبدل حالة القمر عند تحقق الساعة هو الخسف قال تعالى (فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ * وَخَسَفَ الْقَمَرُ)[18] وهو زوال نوره ويعلم من الآيات الكثيرة أن السماوات تتبدل ومعناه أن هذا الكون الذي نجده بشموسه واقماره وكواكبه يزول من أساسه وهذا غير الانشقاق الذي يتحقق بانتصاف الكرة الى فلقتين وهذه نقطة مهمة وواضحة غفل عنها النافون والمثبتون.

الوجه الثالث: ما في مجمع البيان واختاره العلامة رحمه الله من الاستشهاد بالآية التالية (وان يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر) فان تعقيب الآية بذلك يشهد على أنهم رأوا آية فأعرضوا وقالوا سحر مستمر ولا يمكن حمل ذلك على ما سيكون من حوادث يوم القيامة فانهم في ذلك اليوم لا ينكرون بل يتبين الامر الواقع للجميع من دون خفاء. كما أنه لا يمكن حمل الآية في هذه الآية على آيات القرآن فانها آيات مسموعة وليست مرئية فالتعبير يدل على أن هناك آية بل آيات رأوها وأعرضوا عنها ومنها آية انشقاق القمر لتناسب التعقيب.

والنافون يقولون ان الآية التالية لا تنظر الى ما تضمنته الآية الاولى وانما تنظر الى موقف المشركين تجاه أيّ آية من آيات الله في الكون ويقولون انها لا تنظر الى آيات فعلية حدثت وقوبلت باعراضهم بل المراد أن ذلك هو موقفهم تجاه أي آية فرضية يرونها.

أما موقفهم تجاه آيات الله تعالى في الكون فلا يمكن أن يكون المقصود بالآية الكريمة لأنهم وان أعرضوا عنها الا أنهم لا يقولون فيها أنه من السحر كما هو واضح وأما حمل الآية على أيّ آية فرضية فغريب جدا فان الله تعالى لا يوجه اليهم تهمة الاعراض والقول بانه سحر لمجرد افتراض أن يرسل اليهم آية ويعتبر ذلك عذرا لعدم الارسال لولا أن ذلك صدر منهم كرارا وأنهم شاهدوا من الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم آيات عديدة خصوصا بملاحظة التعبير بانه سحر مستمر مما يدل على كثرة الآيات التي شاهدوها فهذه الآية تدل بوضوح على ردّ ما زعموه من عدم ارسال الآية كما تدل بوضوح على أن المراد بالانشقاق آية كونية شاهدوها واعرضوا عنها.

ونحن بالنتيجة نكتفي في مقام الاثبات على ما تدل عليه الآيتان الكريمتان ويعتضد ذلك بالروايات المذكورة وليست هي المستند الاساس. والسبب في قلة نقل الحديث في كتبنا عدم اهتمام محدثينا بنقل روايات التفسير والتاريخ والادعية والزيارات وعكوفهم على الاهتمام بالاحكام الشرعية ولذلك نجد الاختلاف والغموض في كثير من شؤون تاريخ المعصومين عليهم السلام حتى في مواليدهم ووفياتهم ويمكن ان يسند ذلك الى تلف كثير من كتب اصحابنا بسبب الظلم الذي لحقهم من المتسلطين ومن عامة الجهلة والسفهاء وفي ذلك تاريخ حافل بالمآسي.

وَإِنْ يَرَوْا آَيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ... الآية: العلامة والمراد بها هنا علامة النبوة التي تدل على صدق دعوى الرسول صلى الله عليه واله وسلم وقوله (آية) نكرة وظاهر التنكير أنهم يعرضون عند رؤية كل آية ويدل ايضا على أنهم قد رأوا آيات عديدة في صحة دعوى الرسالة وأعرضوا عن كلّها وادّعوا أنها من السحر والاتيان بالفعل المضارع يدلّ على انهم مستمرون في ذلك مهما طال الزمان وأنهم لا يتنبهون أبدا فهم معاندون مستمرون في عنادهم والسبب أنهم يعرفون الحقّ وقد عرفوه من أول بزوغه لأنهم كانوا يعرفون الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم ويثقون بصدق حديثه وأمانته ولكنهم لم يؤمنوا برسالته عنادا واستكبارا وقد قال تعالى (وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ).[19]

وقولهم سحر مستمر خبر مبتدأ محذوف اي هذا سحر مستمر بمعنى أن كل ما شاهدوه من آياته وعجائبه فهو من السحر فالاستمرار بمعنى الدوام والاتصال وهذا التعبير ايضا يدل على أنهم رأوا آيات عديدة منه صلى الله عليه وآله وسلّم. وقيل إن الاستمرار من مرّ الحبل اذا فتله فهو بمعنى الاستحكام والقوة وسحر مستمر اي قويّ وقيل انه من مرّ الشيء اذا ذهب وزال فهم يقصدون أنه زائل وقيل غير ذلك. وقد مرّ الكلام في الاستشهاد بهذه الآية على أن المراد بانشقاق القمر ما تحقق في ذلك الزمان لا ما يتحقق عند الساعة.

وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ... اي كذّبوا الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم او كذّبوا بالآيات والمعجزات واعتبروها سحرا ولكن لم يكن تكذيبهم عن عدم اقتناع او عدم تمامية الحجة والدليل وانما اتبعوا في ذلك أهواءهم ونحن نجد حولنا كثيرا من الناس ينكرون الحق عنادا واستكبارا في مواضيع مختلفة وليس كلها من العقائد الاساسية بل حتى في معرفة الرجال سواء في عالم الدين او السياسة او غير ذلك.

والاستقرار بمعنى الثبات والأمر بمعنى الشيء فالمعنى واضح وهو أن كل شيء له استقرار وثبات ولكن ما هو المراد بهذه الجملة في هذا الموضع؟

الظاهر ان المراد بها أن كل شيء ثابت في موضعه الحقيقي ولا يضره التكذيب وسيظهر الحق للجميع يوما مّا ويندحر الباطل ويزول ففي هذه الجملة تهديد لمن يتبع هواه وينكر الحق كما قال تعالى: (وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حين).[20] وقيل: ان المراد أن نبوته صلى الله عليه وآله وسلّم وكل أمر يتعلق به مستقر ثابت لا يزول والغرض من ذلك ان ييأس المشركون من أن ينالوا من أمره شيئا. وقيل: ان كل شيء في الكون ثابت في محله وموضعه الا البشر الذي لا يؤمن بالله تعالى فانه يتخبط ويتبع هواه.

وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ... وهذا تهديد صريح وهو يؤيد القول الاول من الاقوال في الآية السابقة والأنباء أي الاخبار كما في كتب اللغة ولكن العسكري في الفروق خصه بخبر لا يعلم به السامع. والمراد أخبار الامم السالفة والمزدجر مصدر ميمي من الازدجار والاصل فيه الازتجار افتعال من الزجر ابدل التاء دالا لتناسب الزاي والافتعال هنا بمعنى المجرد اي الزجر وهو المنع اي قد جاءهم ما يكفي للمنع من متابعة الاهواء من أخبار الامم السالفة في القرآن وفي ما قبله من الكتب وفي ما سمعوه من أحاديث الماضين بل شاهدوا آثارهم بل كان فيهم من شهد بعضها كقصة أصحاب الفيل. ويمكن أن يراد بالانباء ما يشمل أنباء يوم القيامة.

حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ... (حكمة) بدل عن (ما) في قوله تعالى (ما فيه مزدجر) فالذي جاءهم حكمة بالغة، والحكمة في الاصل المنع والحكيم من يمتنع من فعل كل ما لا يليق به والمراد بها هنا الكلام الذي يمنع الانسان من متابعة الهوى. والبلوغ الوصول وهو في كل موضع بمعنى الوصول الى حد خاص وهنا كناية عن وصول الحكمة غاية كمالها في التأثير فهو كلام الله سبحانه وهو الخبير بما يناسب المخاطب فاذا أتى بحكمة لتمنعه من عمل فما يقوله غاية ما يمكن أن يقال ولا يمكن أن يزاد عليه او ينقص منه.

فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ... الاغناء الكفاية اي ما تكفيهم النذر و(ما) يمكن أن تكون نافية او استفهامية للانكار اي ما الذي تكفيه النذر. والنذر جمع نذير بمعنى المنذر او بمعنى الانذار وهو على الثاني اسم للمصدر اي الانذار بمعنى الاعلام والابلاغ في خصوص ما يشتمل على تخوف فهو بمعنى التخويف. والفاء في صدر الجملة للتفريع أي اذا لم تؤثر فيهم الحكمة البالغة التي أتتهم من الله تعالى فكيف يكفيهم المنذرون اي الرسل او لا يكفونهم شيئا او لا يكفيهم غير القرآن أي شيء يشتمل على الانذار. والغرض من هذه الآية ان ييأس الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم من هداية القوم ويناسب ذلك ما مرّ من أن السورة من أواخر ما نزل في العهد المكي.

فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ... الفاء للتفريع ايضا أي أعرض عنهم بعد أن تبيّن أنهم لا يهتدون ولا تؤثر فيهم الحكمة البالغة التي أنزلها الله تعالى فانت لا تغني عنهم شيئا ولا تؤثر فيهم أبدا وفي هذا التعبير تهديد ووعيد واضح ويقتضي انتظار ما يبين موعد هذا التهديد. وجملة (يوم يدع الداع) مستأنفة بتقدير اذكر اوانتظر ذلك اليوم وهذه الجملة تشير الى ذلك الموعد ولا يمكن ان يكون (يوم) ظرفا لقوله (فتول عنهم) كما هو واضح.

والمراد بالداعي قيل هو الملك الذي يدعوهم الى القيام باذن الله وهو المراد بالمنادي في قوله تعالى (وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ)[21] فقيل هو جبرئيل وقيل هو اسرافيل عليهما السلام. والصحيح ان المراد بالداعي هو الله سبحانه لقوله تعالى (يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا)[22] وايضا قوله (ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ).[23]

والنُكُر وصف لقوله (شيء) وهو مبهم وقلّت في الاوصاف هذه الصيغة ومعناه الامر الفظيع الذي تنكره النفوس اي لم تعهد مثله فالاهوال يوم القيامة لا تشبه ما نجده في الدنيا ولعل ما نراه او نسمع به في الدنيا من الزلازل وفوران البراكين والصواعق ونحوها احدثها الله تعالى في الطبيعة لتقريب ذلك الامر المنكر الى الاذهان تخويفا وانذارا ولذلك سميت بالآيات اي علامات يوم القيامة وليست شبيهة لها تماما قال تعالى (إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ).[24]

خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ... خشّع جمع خاشع وهو حال من فاعل (يخرجون) و(أبصارهم) فاعله اي يخرجون من الاجداث خاشعة أبصارهم. والخشوع بمعنى الذّلّ وهو صفة للنفس ولكنه يظهر بوضوح في العين اذا تعمق في الانسان الاحساس بالمذلّة والحقارة. والاجداث جمع جدث بفتحتين اي القبر. وتشبيههم بالجراد المنتشر بلحاظ كثرتهم وتموّجهم او بلحاظ عدم اتّزانهم في الحركة فان أسراب الجراد تتحرك باختلال لا تتجه الى جهة محدّدة وأكّد على هذه الحالة بتوصيفها بالانتشار.

مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ... (مهطعين) حال آخر من فاعل (يخرجون) وهو بمعنى مسرعين او مادّين أعناقهم او مسمّرين أحداقهم وبكلّ ذلك فسّرت الكلمة في اللغة وكلّ ذلك من علامات المذلّة والخشوع ولكن قوله (الى الداع) يناسب الاسراع. وقد مرّ أن الداعي هو الله تعالى. وجملة (يقول الكافرون) استينافية تبين حالهم ايضا ولعلّ التصريح بالفاعل من دون ذكر الضمير مع أنّ الكلام خاصّ بهم للتأكيد على إبعاد المؤمنين عن هذه الحالات ولكن عنوان الكافر يوم القيامة ربما يشمل كثيرا ممن يدعون مسلمين او مؤمنين كمن ترك الصلاة او الحج وغير ذلك. والتوصيف بالعسر خاص بيوم السؤال والمحاسبة واما العذاب فلا يعبر عنه بالعسر فان العسر بمعنى المشقة. ومثل ذلك قوله تعالى (وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا).[25]

 


[1] النجم: 57

[2] الامالي ص341

[3] مناقب ال ابي طالب ج1 ص106

[4] الاسراء: 59

[5] الاسراء: 90- 93

[6] نهج البلاغة الخطبة 192 المعروفة بالقاصعة

[7] العنكبوت: 50

[8] الانعام: 35

[9] الرعد: 38

[10] المائدة: 115

[11] الانعام: 8

[12] الانعام: 7

[13] الانبياء: 5- 6

[14] الحجر: 14- 15

[15] المؤمنون: 71

[16] الانبياء: 6

[17] الزمر: 69

[18] القيامة: 7- 8

[19] الانعام: 110

[20] ص: 88

[21] ق: 41

[22] الاسراء: 52

[23] الروم: 25

[24] الحج: 1

[25] الفرقان: 26