مكتب سماحة السيد مرتضى المهري

كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ... قوم لوط عليه السلام كانوا ايضا يسكنون في منطقة قريبة من الحجاز وقد ورد في آية أن مدينتهم كانت في طريق يمرون عليها كثيرا قال تعالى: (وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ)[1] وقد مر الكلام حول المراد بالنذر.

إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ... يذكر العذاب النازل عليهم قبل ذكر شركهم وعنادهم لان المقصود من ذكر هذه القصص الانذار بذكر ما جرى على امثال المخاطبين. والحاصب الريح التي تحمل الحصباء ولعل المراد به هنا ما كان يحمل حجارة خاصة لا الحصباء التي حولهم وذلك لقوله تعالى (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ)[2] وقال تعالى ايضا (إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ)[3] فلعلها لم تكن من قبيل الحصباء الموجودة على وجه الارض او أنها كانت بوضع خاص او في موضع خاص ومهما كان فالظاهر أن التعبير بالحاصب لا يدل على كونه مجرد ريح شديدة ألقت عليهم بحصباء الوادي كما توهمه التسمية.

وآل لوط أهل بيته والمراد ما عدا امرأته التي استثنيت في مواضع اخرى وقيل ان أهل بيته بنتان فقط والله العالم وهو بعيد عن قوله تعالى (إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا امْرَأَتَهُ...)[4] والسحر الثلث الاخير من الليل حيث ان العذاب نزل عليهم صباحا كما في عدة مواضع ومنها هنا والظاهر انه كان عند شروق الشمس لقوله تعالى (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ).[5]

نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا... (نعمة) مفعول لاجله اي نجيناهم لننعم عليهم بالابتعاد عن عذاب الاستئصال الذي يخص الظالمين والتعبير بأن النعمة كانت من عندنا مع أن كل النعم من عنده تعالى ليدل على اختصاصهم بلطف وعناية خاصة من الله تعالى حيث انهم لم ينجرفوا الى الفساد الخلقي الذي تلوثت به مدينتهم ولم يتأثروا بتلك البيئة الفاسدة التي لم تبق من أهل المدينة أحدا وهذا من غريب تأثير المفاسد الاخلاقية والجنسية فانها تجرف الجميع الا من عصم الله تعالى.

ويلاحظ من نقل القرآن الكريم لقصص الامم السالفة أن في كل قرية ومجتمع كان منهم جماعة مؤمنون وان قلوا الا هذه المدينة فقد مر في سورة الذاريات قوله تعالى (فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ)[6] بل ان هذا البيت وهو بيت النبوة لم يخل من الشرك والكفر بل اتصف به الركن الثاني من البيت اي امرأة الرسول لوط عليه السلام.

كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ... اي ان هذه النعمة من جهة أنهم شكروا نعمة ربهم والشكر قد يكون بالقول وهو ميسور للجميع وقد يكون بالعمل بأن يستعمل الانسان ما أنعم الله تعالى به عليه في ما وضعه له وهذا ربما يشقّ على كثير من الناس ويقابله كفر الآخرين من أهل المدينة فهم شذّوا وانحرفوا وبدّلوا نعمة الله كفرا فالغريزة التي جعلها الله تعالى في الانسان والحيوان ضمانا لبقاء النسل استعملوها في غير ما وضعها الله له وهو كفران بالنعمة.

وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ... البطش: الاخذ الشديد. والبطشة الواحدة من البطش وعبر بما يفيد الوحدة تنبيها على سرعة اهلاكهم وعلى عظمة اخذه وعقابه تعالى فتكفيهم بطشة واحدة. وانما أنذرهم لان نزول العذاب على الامم مشروط حسب السنة الالهية بوجود الرسول المنذر فالله تعالى لا يستأصل قوما الا بعد أن يبعث فيهم انسانا معصوما طاهرا يشهد له الكل بالطهارة والنزاهة كما قالوا (أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ)[7] وينذرهم بطشة الله تعالى ومع ذلك فان الله تعالى يمهلهم مادام فيهم من يمكن أن ينتبه.

والتماري من المراء وهو الجدال والشك وقد مر الكلام في النذر. وقد بلغ بهم التشكيك الى أن كذّبوا بما أنذرهم به بل استعجلوا بالعذاب كما قال تعالى (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ)[8] والكلام هنا في ما تفيده صيغة التفاعل في المراء فقيل: ان التماري مبالغة في التشكيك فالمعنى أنهم كذّبوا بالنذر ولذلك عدّي بالباء فان الشك يتعدى بـ (في) وقيل: ان المراد أنهم تداولوا الشك في ما بينهم فكل منهم كان يشكّك الآخر. وقد مرّ في تفسير قوله تعالى (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى)[9] احتمال أن يكون المراد التظاهر بالشك فان هذا هو مقتضى هذه الصيغة.

وربما لا يكون التظاهر بالشك لإراءة الغير فان من غريب أمر الانسان خداعه لنفسه ومحاولته اظهار ما يخفي خلافه لنفسه فاذا راجع ضميره ووجدانه علم أنه غير شاكّ ولكنّه لا يحبّ أن يؤمن بما يمنعه من متابعة أهوائه وملذّاته فيحاول أن يشكّك نفسه وأن يظهر لنفسه أن هذا موضع شكّ. ومن هنا قال تعالى (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا)[10] والخداع في هؤلاء وهم فرعون وقومه بلغ مرحلة الجحود خلافا لما هم مستيقنون به فكيف بالشك؟

وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ... المراودة الاصرار على طلب الشيء وتكرار المراجعة واصله من الريادة بمعنى الطلب ومنه الرائد اي الذي يبعثه القوم في طلب الماء والكلاء ومنه الارادة بمعنى الطلب ايضا. وعدي بـ(عن) لتضمينه معنى التخلي عن الضيف وتركهم وشأنهم وكان غرضهم أن يفعلوا الفاحشة بهم وهذا كان من فتن الله تعالى في آخر فرصة لهم لتصحيح موقفهم او الاصرار على شذوذهم وقذارتهم فأرسل الملائكة في هيئة شباب حسان الوجوه فما كان من القوم الا أن هجموا على دار نبيهم يطالبونه بضيفه وهو ايضا على ما في الآيات الكريمة ما كان يعلم حقيقة الامر فساءه مجيء الملائكة وهو يحسبهم شبابا وضاق بهم ذرعا وقال انه يوم عصيب حيث يواجه قومه ويطالبونه بهم قال تعالى (وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ * قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ * وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ * قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ)[11] ولكن الملائكة (قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ...).[12] ولا شك أن الذين أتوا لم يكونوا كل أهل المدينة الا أن الله تعالى نسب الفعل اليهم جميعا لرضاهم به ولذلك عمّهم العذاب.

وطمس العين لم يرد ذكره في جميع موارد ذكر هذا القوم الا هنا والمعروف أن الطمس بمعنى محو الشيء وازالته ولذلك فسروا الآية بأن عيونهم مسحت ولم يبق حتى مواضعها ولكن الظاهر أنه أعم من ذهاب العين والاثر وأن طمس النجوم بمعنى ذهاب ضوئها فلا يبعد أن يكون المراد ان عيونهم عميت فلم يروا أحدا. وروي عن بعضهم القول بانهم إنما حجب إدراكهم فدخلوا المنزل ولم يروا شيئا فجعل ذلك كالطمس فعبر به عنه. ولكنه لا يناسب تعقيب الآية بكون ذلك عذابا لهم. وكان يكفيهم ذلك للايمان بالرسالة والكف عن شذوذهم وكفرهم ولكنهم أصروا على موقفهم فتمت الحجة عليهم ولله الحجة البالغة.

فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ... خطاب لهم والتعبير يصوّرهم وكأنهم أحياء حين نزول الآيات ويسمعون الحديث عن ما حدث لهم وحينما يجدون أنفسهم وقد طمست أعينهم يخاطبون (فذوقوا عذابي ونذر) ولعل الوجه في توجيه الخطاب الاشارة الى انهم شعروا بأنه عذاب من الله تعالى ومع ذلك لم يرجعوا عن غيهم وضلالهم. والكسرة في راء (نذر) تدل على ياء المتكلم اي نذري والمراد بها ما وعد بالانذار وهو العذاب الذي كذبوا به بل طالبوا به. والذوق: الاحساس بالطعم. ويستعمل مجازا في غيره كتذوق الرحمة او العذاب او الموت.

وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ... التصبيح هو الاتيان صباحا يقال صبّحناهم اي أتيناهم صباحا فالمعنى أن العذاب أتاهم صباحا والبكرة اول الصباح وهو الاول من كل شيء ولذلك يقال لاول الاولاد البِكر والمراد هنا اول طلوع الشمس كما مر. والظاهر أن توصيف العذاب الشامل الذي نزل عليهم بالمستقر باعتبار مقابلته للعذاب السابق وهو طمس العيون فتدل الآية على أنه كان عذابا مؤقتا كما أنه كان خاصا بالمجموعة المهاجمة ولكن المفسرين قالوا ان المراد ثباته بلحاظ اتصاله بعذاب البرزخ او القيامة.

فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ... أعاد الخطاب السابق الذي افترضهم يواجهون الخطاب والعذاب فعلا. ولعل الوجه في التكرار أن الاول ورد بعد الطمس ولتلك المجموعة منهم وهذا بعد عذاب الاستئصال ولجميعهم ومهما كان فالخطاب يفيد معنى استشعارهم بانه عذاب من السماء وليس حادثا طبيعيا. ولم يرد هذا الخطاب في سائر القصص المنقولة هنا بل ورد السؤال عن كيفية العذاب والنذر حثا على التأمل فيه ولعل السبب هو اظهار شدة الغضب على هؤلاء اذ لم يؤمن منهم أحد ولأنهم ارتكبوا الفواحش غير مبالين بانذار الرسول. كما يلاحظ في سرد حكايتهم فرق آخر في التعبير وهو التأكيد على ما وقع بالقسم المقدر الذي تدل عليه اللام وأداة التحقيق وهو (قد) وقد تكرر ذلك في هذه الآيات.

وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ... مر الكلام حول الآية.  

وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ... وهؤلاء خامس الاقوام المذكورة هنا لتنبيه المشركين. وذكر قصتهم ملخصا اذ الغرض هو التذكير بما فصل القول فيه في غير مورد والظاهر أن المراد بآل فرعون قومه وجنوده كما عبّر بهذين في موارد اخرى والنذر اتتهم كلهم والعذاب ايضا شملهم فليس المراد قرابته كما قال بعض المفسرين. وقد مر الكلام حول النذر.

كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ... المراد بالآيات المؤكدة بقوله (كلها) الآيات التسع التي ارسل الله تعالى موسى عليه السلام مصحوبا بها كما قال تعالى (وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ..)[13] وهي العصا واليد والخمسة التي ذكرت في قوله تعالى (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ...)[14] مع ما ذكر في قوله تعالى (وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ)[15] فتكون الآيات تسعة بناءا على ما قيل من أن السنين غير نقص الثمرات فالمراد بالاول الجدب الناتج من عدم نزول المطر ونضوب الماء وهو غريب في بلاد النيل واما الثاني وهو نقص المواد الغذائية فقد ينتج من عوامل اخرى حتى مع وجود الامطار وحيث كان الغرض من ذلك التنبيه فلا يبعد أنه تعالى ابتلاهم في وقتين مختلفين ليكون كل منهما آية مستقلة.

ولكن الاقرب انهما واحد وأما الآية التاسعة فقد قيل انه غرقهم في البحر وردّ بأنه عذاب وليس آية تنبههم. ويمكن تبديله بفتح الطريق اليابس في البحر لموسى عليه السلام فانه في الواقع من أعظم الآيات وكان ينبغي تنبههم لذلك ولكن الطغيان والغباء استوليا عليهم فاقتحموا البحر والله بذلك أتم الحجة عليهم.

والاخذ هو التناول ويستعار للقهر والانتقام واختيار الوصفين العزيز والمقتدر يناسب طغيان فرعون وخيلاءه حيث اعتبر نفسه العزيز المقتدر مع أن العزة والقدرة ليستا الا من الله تعالى يؤتيهما من يشاء. والعزة بمعنى المنعة اي الذي لا يتحكم في ارادته شيء.

 


[1] الصافات: 137- 138

[2] هود: 82- 83

[3] العنكبوت: 34

[4] الحجر: 59- 60

[5] الحجر: 73

[6] الذاريات: 36

[7] النمل: 56

[8] العنكبوت: 29

[9] النجم: 55

[10] النمل: 14

[11] الحجر: 67- 70

[12] هود: 81

[13] النمل: 12

[14] الاعراف: 133

[15] الاعراف: 130