مكتب سماحة السيد مرتضى المهري

أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ... بعد سرد قصص الامم الكافرة الغابرة يستنتج أنه لا فرق بين كفّار هذه الامّة والكفّار السابقين فتشملهم سنة الله تعالى في نزول عذاب الاستئصال اذا ما استمروا على طغيانهم. والخطاب يمكن أن يكون موجّها الى مجموع هذه الامّة اي الامّة التي ارسل اليها الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم وخوطبت بالقرآن الكريم وهم اهل مكة والجزيرة العربية فتكون الاضافة تبعيضية اي الكفار منكم ويمكن أن يكون الخطاب موجّها الى كفّار قريش خاصّة فتكون الاضافة بيانية من قبيل يوم الاحد فالمعنى أأنتم ــ وأنتم كفار ــ خير من اولئكم الكفار واسم الاشارة يشار به الى المذكورين في الآيات السابقة. وانما لم يقل (أأنتم خير من اولئكم) ليشير الى مناط الحكم وهو الكفر فحيث انه جامع بينكم فالحكم مشترك الا ان تكونوا خيرا منهم. وهذا أولى.

والمراد بكونهم خيرا أن تكون لهم ميزة تستوجب عدم نزول العذاب عليهم مهما طغوا وتجبروا من صفة ذاتية كالسخاء والعدل او عمل يمتاز به مجتمعهم كمساعدة الفقراء ونحو ذلك. والاستفهام انكاري فمعناه النفي ولا حاجة الى جواب مع أن الجواب واضح وهو أنه ليس لهذا القوم ميزة عليهم.

ويمكن أن يستفاد من الآية أن كل ما كان في تلك الامم من موجبات نزول العذاب موجود فيهم من الكفر واتهام الرسول والظلم واستعباد الضعفاء والكبر والغطرسة والا لكان ذلك ميزة لهم وحيث إن من الامم المذكورة هنا قوم لوط فيستفاد منه أن الانحلال الخلقي ايضا كان موجودا فيهم وان لم يكن بتلك الصورة ولعل من ذلك ما يقال من وجود نساء ذوات أعلام في مكة وان حاول بعض المؤرخين انكاره.

أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ... (أم) منقطعة فتفيد الاضراب والاستفهام الانكاري معا اي كفاركم ليسوا خيرا من اولئكم فهل لكم براءة في الزبر فأنتم آمنون من العذاب والمعنى ايضا هو النفي. والبراءة التباعد عن الشيء والخلاص والسلامة. والزبر جمع زبور اي الكتاب وهو فعول بمعنى اسم المفعول من زَبَر اي كَتَب والمراد الكتب السماوية. والمعنى أنهم يمكن أن لا يواجهوا عذاب الاستئصال بأحد أمرين اما أن تكون لهم ميزة عليهم تستوجب ذلك واما أن يكون لهم صكّ براءة وخلاص من عذاب الاستئصال نزلت في الكتب السماوية. ومن الواضح أنهم ليس لهم براءة فيها.

أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ... وهذا ايضا اضراب آخر وهذا القول اما ان يكون كلاما لبعضهم كما حكي ذلك عن ابي جهل يوم بدر فيكون اخبارا عن المستقبل او انه مما قاله بعضهم في مناسبة قبل الآية وان لم ينقل او انه حكاية لحالهم حيث يتصورون لانفسهم قوة أمام ارادة الله تعالى اعجابا بوحدتهم وتكاتفهم فالمعنى أنه لو فرضت بيننا وبين المسلمين مواجهة فانا منتصرون ولا يبعد أنهم يقولون ذلك في مقابل ارادة الله تعالى لا في مواجهة المسلمين اذ لم يكن لهم شوكة ذلك اليوم. وهذا ليس مستبعدا من جهل الانسان وغروره وهناك موارد كثيرة يبرز الانسان عضلاته امام ربه جهلا وسفاهة.

والجميع بمعنى المجتمِع اي نحن مجتمعون و(منتصر) صفة للجميع باعتبار لفظه فانه مفرد وان كان جمعا في المعنى. وهو اشارة الى اتفاقهم وأنهم يد واحدة في مقابلة ربّهم. والمنتصر اما بمعنى المنتقم كما مر في قوله تعالى (مغلوب فانتصر) او بمعنى الممتنع اي لا نهزم لاننا مجتمعون متكاتفون وأما تاويله بالتناصر فبعيد عن مفاد صيغة الافتعال.

سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ... جواب عن تفاخرهم واغترارهم بجمعهم واللام في (الجمع) للعهد اي سيهزم جمعهم والدبر الخلف ويولون الدبر اي يفرون. و(ولّى) اي أتبع الشيئ بالشيء فان قيل ولاه وجهه اي اقبل اليه وان قيل ولاه دبره اي خلفه فيكون بمعنى الاعراض او الفرار. والهزم هو الغلبة اي سيغلبون في المواجهة ويفرون. وهذا اذا كان اشارة الى ما حدث لهم في غزوة بدر فهو من الاخبار بالمغيبات. وبناءا على ما مرّ من احتمال أن يكون قولهم مجرد دعوى فرضية تجول في افكارهم حيث يتصورون أن جمعهم يقاوم الارادة الالهية كما تخيله كثير من الاغبياء كفرعون فالجواب أنه اذا أراد الله بكم سوءا فلا مردّ له ولا يبقى لكم طريق الا الفرار ولن ينفعكم الفرار.

بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ... اضراب عن تهديدهم بالعذاب الدنيوي للتنبيه على أن هذا ليس هو العذاب الموعود اذ قد لا يصاب الانسان في الدنيا بشيء فكم من طاغية أهلك الحرث والنسل وكفر بالله تعالى ولم يصبه شيء بل الموعد لمجازاة كل انسان على كل عمل صغير او كبير هو يوم القيامة. والساعة اي اللحظة عبّر بها عن تلك المرحلة من الكون باعتبار أنه يحدث فجأة ومن دون تطور ومرور بمراحل من الخلق.

وتكرار لفظ الساعة للتأكيد والتهويل. وأدهى أفعل تفضيل من الداهية اي الامر المنكر الفظيع الذي يأتيك من مأمن اي من حيث لا تنتظر ولا تتوقع وهكذا عذاب يوم القيامة فالانسان لا يتصور ما سيحدث هناك قال تعالى (وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ)[1] فهو بالنسبة للمنكرين يأتيهم من مأمن لأنهم لم يؤمنوا به أساسا وبالنسبة لكثير من المؤمنين ايضا داهية لأنهم لم يقدّروا عظمته ولم يتصوروه كما هو.

والمفسرون تبعوا الكشاف في تفسير الداهية بالامر المنكر الذي لا يهتدى الى طريق الخلاص منه ولكن ما ذكرناه هو الوارد في كتاب العين للخليل وفي كتب اللغة المعتبرة. و(أمرّ) بمعنى أشدّ مرارة وهو تعبير عن ما يشقّ تحمّله فالمعنى أن الساعة أدهى وأمر من عذاب الدنيا... أدهى لانها لا يمكن صدّها وأمرّ لانها لا يمكن الصبر عليها.

إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ... بيان لما يحدث لهم من العذاب وهو مجرد تقريب اذ لا يمكن تصويره على ما هو عليه لعدم انس أذهاننا بتلك الحقائق. وقلنا سابقا ان الاجرام من القطع. والمعروف أنه يطلق على من يكتسب أمرا كأنه يقطع لنفسه شيئا الا أنه لم يتعارف اطلاقه الا على من اكتسب شرا ولم يذكروا لذلك وجها وقلنا انه لا يبعد أن يكون السر في اختصاص الاطلاق بمن يكتسب شرا انه يقطع العلاقة بينه وبين مجتمعه ولذلك لا يطلق على كل من ارتكب اثما او خالف القانون الوضعي وانما يطلق في العرف على من يرتكب امرا فظيعا في المجتمع وقلنا انه في الشرع ايضا لا يطلق على كل مخالفة ولعل المراد بهم في القرآن من قطع علاقته بربه فلا يشمل الفساق من المؤمنين.

وقد ارتبك بعض المفسرين قديما وحديثا في تفسير الضلال ظنا منهم بأن المجرمين ليسوا هناك في ضلال وانما ضلالهم في الدنيا وحيث عطف عليه السعر وهو عذاب الآخرة بل أتي له بالظرف (يوم يسحبون) فلابد من تأويل الضلال بأن المراد به الهلاك او الخسران او يأول السعر بالجنون فيكون موضعهما الدنيا والتزم بعضهم بالتقسيم فضلالهم في الدنيا وسعيرهم في الآخرة مع أن في القرآن تصريحا بكونهم في الآخرة في ضلال عن السبيل قال تعالى (وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا).[2]

والسرّ فيه أن السبيل والصراط واحد ممتد من الدنيا الى الآخرة وفي الآخرة فمن ضلّ الطريق في الدنيا فهو مستمر في ضلاله هناك ايضا اي انه لا يجد في ذلك اليوم طريقا للخلاص. وقد جعل الضلال لهم ظرفا كما أن السعير ظرف لهم وذلك من جهة إحاطة الضلال بهم فهم لا يهتدون طريقا الا طريق جهنم كما قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا * إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا..).[3] والسعر جمع سعير اي النار المشتعلة.  

يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ... تصوير لمشهد من مشاهد العذاب للتقريب الى الاذهان وان كان ما هناك أعظم من أن نتصوره فالآية تصور المجرمين ملقون على وجوههم في النار وتسحبهم الملائكة هنا وهناك ليذوقوا مسّ النار بوجوههم وهي أكثر احساسا من سائر الاعضاء. وقوله (ذوقوا مسّ سقر) خطاب يخاطبون فيه ذلك اليوم فهنا قول مقدر اي يقال لهم. او أنه حكاية حال اي يناسب أن يقال لهم هناك كذا. والمسّ قيل انه بمعنى اللمس كما في المفردات فيكون كناية عن الاصابة وقال ابن سيدة مماسة الشيء للشيء ان يلقاه بذاته وهذا اوضح. و(سقر) علم لجهنّم مأخوذ من سقرته النار اذا احرقته وقيل لوّحت بشرته اي غيّرت لونها وهي غير منصرفة للعلمية والتأنيث وقيل انه اسم لموضع خاص او طبقة خاصة منها ولم يثبت.

 


[1] الزمر: 47

[2] الاسراء: 72

[3] النساء: 168- 169