مكتب سماحة السيد مرتضى المهري

شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى... (شرع) اي جعل الشريعة والمنهاج أو بمعنى (أوضَحَ وبيَّنَ). والخطاب في قوله (لكم) للمؤمنين. والآية في سياق الحديث عن الوحي من جهة وحدة الشرائع في رسالات الانبياء. والغرض ليس وحدة الشريعة في كل الجزئيات والفروع، بل وحدة الاصول في العقائد والاحكام. اما العقائد فواضح لانها حقائق لا تتغير. واما الاحكام فكل الشرائع تدعو الى الصلاة والصوم والزكاة، وان اختلفت في كيفياتها لاختلاف اللغات والشؤون التي تدعو الى الخصوصية، فالصلاة موجودة حتى الآن في الطقوس الدينية لليهود والنصارى وسائر الاديان. والصوم كان في الامم السابقة كما قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ).[1] والحجّ مما أذّن به ابراهيم عليه السلام. والزكاة ايضا موجودة في دعوات الانبياء كما قال عيسى عليه السلام في المهد (وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا).[2]  

كما أنّ تحريم المحرمات الاساسية لا تختلف فيه الاديان. وما نجده من النصارى من شرب الخمر واكل لحم الخنزير من جهة مخالفتهم لشريعتهم لانهما محرّمان في التوراة، واليهود ملتزمون بذلك حتى الآن، والمسيح عليه السلام لم يأت بشريعة ناسخة لكل أحكام التوراة، بل كان مصدّقا لها، وانما أحلّ بعض ما حرّم اللّه عليهم كما قال تعالى حكاية عنه عليه السلام (وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ)[3] وهو ما حرّمه اللّه تعالى على بني اسرائيل لبغيهم فكان ذلك عقوبة لهم. وهذا الامر اي الالتزام بأحكام التوراة مذكور في الانجيل الحالي ايضا، ولذلك يعبّرون عن التوراة بالعهد القديم. وكذلك حكم القصاص موجود في التوراة كما قال تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ..).[4] وهكذا تحريم الربا مثلا كما قال تعالى (وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ..)[5] وأمّا تحريم الزنا واللواط فواضح، وقصة قوم لوط مشهورة.

والحاصل أنّ اصول الاحكام في الشرائع واحدة وان اختلفت الطقوس. ولعله لذلك عبّر عن سائر الشرائع بالذي وصّاهم اللّه به وعبّر عمّا في هذه الشريعة بما اُوحي الى الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلّم، فان الوصية لا تطلق على كل ما ابلغوا به بل تختص بما يهتمّ به من الامور وهي اصول الشرايع المشتركة، فالدين الذي يجب اتّباعه مجموع ما اوحي الى الرسول من التفاصيل وخصوص ما وصّى به اللّه تعالى في الشرائع السالفة، لا كل ما اوحي اليهم.

وبدأ بذكر نوح عليه السلام لأنّه أقدم الانبياء الذين أتوا بشريعة. والغرض من البدء بأقدمهم الاشارة الى مبدأ هذا الدين، وأنّه متوغّل في أعماق التاريخ البشري. وأمّا قبل نوح عليه السلام فالظاهر أنّه لم يكن الا أوامر متفرقة حيث لم تتشكل حضارة بشرية ولا اجتماع بشري يحتاجون الى قوانين تنظّم حياتهم.

ولعلّ تقديم ذكر الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلّم على سائر الرسل للتنبيه على كونه أفضلهم، كما قدّمه على جميعهم في قـوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ..).[6] ويتبيّن من الآية أنّ هؤلاء الخمس هم أصحاب الشرائع، وأنّ سائر الانبياء كانوا يتّبعون شرائعهم.

أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ... (أن) إمّا مصدرية والمصدر المأوّل بدل عن قوله (ما وصى..) وما بعده، وإمّا مفسّرة بلحاظ أنّ قوله (وصّى) و(اوحينا) بمعنى القول. فالمعنى على الاحتمال الاول أنه تعالى شرع لكم وجوب اقامة الدين وعدم التفرق فيه وعلى الاحتمال الثاني شرع لكم ما قاله لك وللانبياء السابقين من وجوب اقامة الدين وعدم التفرق فيه.

وربما يتوهّم التنافي بين ما يفهم من الجملة السابقة من الاشارة الى وحدة الشرائع في الاصول كما أسلفنا وبين هذه الجملة حيث تفسر ما شرعه اللّه تعالى وأوصى به في الشرايع السابقة وأوحى به الى الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلّم بهذين الامرين فقط: إقامة الدين وعدم التفرق فيه فلا يشمل اصول الشرايع.

ومن هنا قال في الكشاف (ثم فسر المشروع الذي اشترك هؤلاء الأعلام من رسله فيه بقوله "أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ" والمراد: إقامة دين الإسلام الذي هو توحيد اللّه وطاعته، والإيمان برسله وكتبه، وبيوم الجزاء، وسائر ما يكون الرجل بإقامته مسلما، ولم يرد الشرائع التي هي مصالح الأمم على حسب أحوالها، فإنها مختلفة متفاوتة. قال اللّه تعالى "لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا"[7]..). فيبدو من كلامه أنّ الذي اتّحدت فيه شرايع السماء هو العقيدة فقط بل هذا هو ما يظهر من عبارة بعض آخر ايضا.

ولكنّ الجملة السابقة واضحة الدلالة على أنّ المراد التنبيه على وحدة الشرائع العملية في اصولها مضافا الى وحدة العقيدة، وذلك لأنّ المراد بالدين في قوله تعالى (شرع لكم من الدين..) القوانين والاحكام الشرعية وهو واضح، كما أنّ قوله (والذي أوحينا اليك) يشمل كل الشريعة ويبعد كل البعد تخصيصه بجملة واحدة.

والصحيح أنّ هذه الجملة لا تنافي دلالة الجملة السابقة على وحدة الشرايع، لأنّها إن كانت بدلا فهي بدل اشتمال بمعنى أنّ الذي شرعه اللّه في جميع الشرايع يشمل هذا الامر، وإن كانت مفسّرة ــ وهذا الاحتمال أولى ــ فمعناه أنّ الامر الصادر من اللّه تعالى هو هذا الامر لأنّه مقول القول حسب الفرض الا أنّ الجملة السابقة مستخلصة منه. وأما قوله تعالى (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) فناظر الى تفاصيل الاحكام التي تختلف فيها الشرائع.  

وهذا نظير أن يقال (فرض اللّه عليكم الجهاد أن قاتلوا المشركين) فالامر الصادر هو هذا القول (قاتلوا المشركين) بتأويل الفرض الى القول، وأما المفعول وهو الجهاد فهو مستخلص منه. وهنا ايضا القول الصادر هو (أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه) ويستخلص منه أنّه تعالى شرع على جميع الامم شريعة واحدة ودينا واحدا من حيث الاصول وان اختلفت المناهج.

وأمّا كيف يستخلص منه ذلك فتوضيحه أنّ المراد بإقامة الدين هو إقامة الدين العامّ الذي اشتركت فيه شرايع السماء. ومعنى إقامته العمل بكل الأحكام والالتزام بها وحفظها من التحريف والتغيير لتنتقل سليمة الى الأجيال الآتية، والمراد بعدم التفرّق فيه ــ اي في الدين ــ أن لا يوجب اختلاف الرسل والمناهج تفرّقا بين الامم فالدين واحد قال تعالى (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللّه الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ..).[8] وقال ايضا (قُلْ آمَنَّا بِاللّه وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ..).[9]

فالمراد بعدم التفرّق ليس عدم تفرق كل اُمّة في شريعتها الخاصّة فحسب، بل الخطاب لجميع الامم، والمراد عدم تفرّقهم عن الدين الأساس الجامع بين الشرايع. ومعنى ذلك أنه لا يحقّ لمن يدّعي متابعة موسى عليه السلام أن يرفض الانصياع لرسالة عيسى عليه السلام، وكذلك كل من بقي من أتباع الأديان السابقة لا يجوز لهم التعصّب لما يختصّون به بعد بعثة نبيّنا صلى اللّه عليه وآله وسلّم.

وعليه فمفاد هذه الآية هو بعينه ما صرّح به تعالى في قوله (وَإِذْ أَخَذَ اللّه مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ).[10] والتأكيد الوارد في هذه الآية وأخذ الميثاق والعهد من الرسل انما هو من أجل تنبيه الأجيال الذين يأتون بعدهم ويتبعون ملتهم، فلا تجوز لهم متابعة الشريعة السابقة بعد بعثة الرسول الجديد، خصوصا أنّ الرسل السابقين كانوا يبشّرون بالرسالة القادمة، كما قال تعالى في حكاية كلام عيسى عليه السلام (وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ..).[11]

وضمير (فيه) كما قلنا يرجع الى الدين. ومعنى ذلك أنّ الوحدة المطلوبة هي الوحدة تحت راية الدين لا مطلق الوحدة كما قال تعالى (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّه جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا)[12] فالمطلوب الاتحاد مع الاعتصام بحبله تعالى.

والواقع أنّ الدين حدّ فاصل. والحدود لا تكون حدودا حقيقية الا اذا كانت مانعة جامعة فحدود البلد هي التي تشمل جميع أراضيه لا يشذّ منها شيء ولا تتجاوزها الى حدود بلد آخر. والحدّ في التعريف لا يكون حدّا صحيحا الا اذا شمل جميع أفراد المفهوم المعرَّف ولم ينطبق على شيء من أفراد غيره. والدين ايضا حدّ فاصل فلا يتم الالتزام به الا اذا منع من الاتحاد بغير المتدين والعداء مع المتدين. قال تعالى (وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ)[13] وليس معنى ذلك محاربة الغير بل عدم موالاتهم.

والنهي عن التفرّق ــ كما أشرنا اليه ــ يشمل تفرّق كل اُمّة في ما بينهم ايضا. وهذا تحذير للمسلمين في عهد الرسالة بأن يحافظوا على ما شرع اللّه لهم من الدين ولا يختلفوا فيه حتى يسلّموه الى الاجيال الآتية. وستأتي في كلامه تعالى الاشارة الى ما حصل للاديان والشرائع السابقة للتنبيه على أنّ هذه الامة ايضا ستبتلى بمثل ذلك.

كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ... الظاهر أنّ المراد ممّا تدعوهم اليه هو الايمان باللّه تعالى وبرسالات الانبياء عليهم السلام وما ينتج من هذا الايمان من ضرورة الاتيان بالواجبات وترك المحرمات ونحو ذلك من لوازم الشريعة فهذا هو الذي كبر عليهم وشق عليهم قبوله مع انه امتداد لكل ما دعا اليه الرسل طيلة التاريخ البشري، ومنهم ابراهيم عليه السلام الذي يدعي هؤلاء الانتماء اليه.

اللّه يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ... الاجتباء هو الاختيار والاصطفاء. واصله من الجباية بمعنى الجمع، ومنه جباية الخراج والضريبة. ومن هنا عداه بـ (الى) اي يجمع اليه من يشاء اي يختارهم من بين الناس. والانابة: الرجوع والمراد التوبة.

وفي مرجع الضمير في (اليه) في الجملتين احتمالان:

الاحتمال الاول: ان يعود الى اسم الجلالة. وعلى ذلك يحتمل ان يكون المراد اجتباء الرسل، ويكون ردا على المشركين وان لم يشر الى كلامهم، فانهم انما كبر عليهم ما دعا اليه الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم لانهم رفضوا اختياره رسولا عليهم، بدعوى أنّ فيهم من هو اولى منه، كما قال تعالى (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ)[14] فرفضوا رسالته حسدا واستكبارا، وهذه الجملة تردّ عليهم بأنّ اللّه تعالى يجتبي اليه من يشاء من الرسل نظير قوله تعالى (اللّه أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ..)[15] والجملة التالية لبيان أنّ اللّه لا يهدي اليه الا من ينيب، اي يتوب اليه تعالى.

الاحتمال الثاني: ان يعود الضمير في الموضعين الى (ما تدعوهم اليه) وهو الدين اي يجتبي من البشر من يشاء ويسوقه الى الدين، فيكون الاجتباء مقدمة للهداية، وتكون الجملة التالية مبينة لمورد تعلق المشيئة، وهو الانابة الى اللّه تعالى، فيكون المعنى أنه تعالى يختار من يشاء للهداية الى الحق وهو ما تدعوهم اليه ولكنه لا يختار جزافا بل يختار من ينيب اليه.

وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ... يعود السياق الى الكلام عن الوحي في الرسالات السابقة، حيث مرّت الاشارة الى أنّ الامم اُمروا أن يقيموا الدين ولا يتفرقوا فيه لينقلوه الى الاجيال التالية بدون تحريف وبدون شك في مضامينه، ولكنهم تفرّقوا بعد ما جاءهم العلم عن طريق الرسول فلم يكونوا معذورين بالجهل. والظاهر أنّ المراد تفرّقهم بعد عهد الرسالة. وكان السبب في تفرّقهم هو البغي بينهم. والبغي في الاصل: الطلب. ويطلق الباغي على من يطلب شيئا ليس له، فالسبب في تفرّقهم هو اعتداء بعضهم على بعض، وتطاولهم وطلب بعضهم ما ليس له. وهذا بالطبع يتعلّق بما ورثته الامّة من رسولها كالخلافة.

ويحتمل أن يكون التفرق في هذه الآية مختلفا عنه في الآية السابقة فانّ المنع هناك انّما كان عن التفرّق في أصل الدين المشترك بين الشرايع بمعنى أن أتباع كل شريعة لا يتعصبوا لشريعتهم في قبال ساير الشرايع السماوية، والبغي هنا تسبّب في تفرّق الامة الواحدة في دينهم وبذلك تشكّلت المذاهب المتفرقة، وكل فرقة تفسّر الدين بما يروق لها ويضمن مصالحها. ويحتمل ان يكون التفرق الممنوع في تلك الآية شاملا لهذا التفرق.

وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ... في هذه الجملة احتمالان:

الاول: أن يكون المراد بالكلمة ما كتب اللّه على نفسه من إمهال الناس الى وقت نزول العذاب في الدنيا او الى يوم القيامة، ومعنى سبق الكلمة سبق إرادته تعالى الأزليّة. وقوله (الى أجل مسمّى) متعلق بمحذوف يفهم من سبق الكلمة حيث يدلّ على الامهال، اي لولا كلمة سبقت من اللّه تعالى بأن يمهلهم الى اجل مسمى لقضي بينهم. والاجل المسمى موعد نزول العذاب او موعد الموت او يوم القيامة، ومعنى القضاء بينهم الحكم على بعضهم بالعذاب والهلاك وهم الباغون الظالمون، وانّما يكون ذلك قضاء وحكما بينهم لأنّــه ينتهي لمصلحة الفريق الآخر فيهلك بعض الناس وينجو بعض آخر.

الثاني: أن تكون الكلمة إشارة الى إرادته تعالى إبقاء الامور مبهمة غامضة ليتمّ الامتحان والابتلاء. وقد مرّ في نظيرتها في سورة فصّلت احتمال أن يكون المراد بالقضاء بينهم تبيّن الحقائق، وبالاجل المسمّى يوم القيامة، كما صرّح به في آيات اخرى. فالمعنى أن اللّه تعالى لم يبين لهم حقائق الامور ليتم الابتلاء الى أن يأتي الاجل المسمى وهو موعد يوم القيامة فتظهر الحقائق ويقضي اللّه بين الناس في ما كانوا فيه يختلفون. وهذا الاحتمال أقرب.

وقال العلامة الطباطبائي رحمه اللّه: إنّ المراد بالكلمة خطابه تعالى في بدء هبوط الانسان الى الارض مما يدلّ على استمرار التمتع والاستقرار في الدنيا الى يوم القيامة. وذلك كقوله تعالى (وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى‏ حِينٍ).[16] ولكن لا حاجة الى تقدير خطاب او آية مذكورة في القرآن كما يحاوله العلامة وجمع من المفسرين في امثال هذه الموارد فلا مانع من أن تكون الكلمة في هذه الموارد كناية عن الارادة الالهية.

وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ... المراد بالذين اُورثوا الكتاب الجيل المتأخر عن عهد الرسالة حيث ورثوا الكتاب من الجيل الاول وهم في شكّ منه اي من الكتاب. والشك المريب اي المصاحب للاتّهام. والريب: التهمة. وهذا نتيجة تفرّقهم واختلافهم في العهد الاوّل، فان الاجيال المتأخّرة توارثت الكتاب مع الشكّ، إمّا في أصله من احتمال التحريف في الالفاظ وإمّا في معناه من احتمال التحريف في التفسير، فان كل فرقة تحاول تحريف النص او تفسيره ليوافق أهواءها، كما نلاحظه في مذاهب ديننا بالنسبة الى الكتاب والسنة.

وهذا هو الحاصل في الامم السابقة. والآية الكريمة تحذّر الامة الاسلامية من الوقوع في نفس الخطأ. وهي فعلا قد وقعت فيه، فاختلفوا بعد عهد الرسالة، بل بدأت بوادره في عهدها المجيد، واستمرّ الاختلاف والتفرقة، وأثّر حتى في الطقوس الدينية التي تتكرر في اليوم مرات كالصلاة والوضوء، بل حتى الذي يعلن في المآذن فإنّ الاختلاف وقع في الأذان حتى في أتباع المذهب الواحد، ناهيك عن الاحكام المهمّة السياسية، كلزوم تعيين الحاكم عن طريق الشورى او النصب الالهي، وغير ذلك.

ومثل هذه الآية قوله تعالى (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللّه الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ..)[17] وقوله تعالى في بني اسرائيل (وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ * ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ).[18]

وفي هذا المعنى آيات كثيرة. وأقربها الى ما نحن فيه من حيث البدء بالتنبيه على وحدة الشرائع آية آل عمران، ومن حيث الامر بالاستقامة التي جاء هنا ايضا ما في سورة الجاثية، وأوضح منه قوله تعالى (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ * وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ).[19] وهذه الآيات في مقام تحذير المسلمين من الوقوع في التفرقة والاختلاف، وقد صرّح به في قوله تعالى (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ).[20]

فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ... الظاهر أنّ اللام في قوله (فلذلك) بمعنى (الى) اي فادع الى الدين الواحد الذي انزله اللّه على رسله، وتقديم الجار والمجرور يفيد الحصر اي لا تدع الى دين غيره. وهذا إعلام بأنّ ما يدعو اليه الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلّم هو ذلك الدين الموحّد وليس أمرا جديدا.

وقيل: إنّ اللام للتعليل، اي حيث حدث هذا الافتراق والاختلاف في الامم السابقة، او حيث شرع اللّه لكم ما شرع للامم السابقة فادع الى الدين الالهي الصحيح. وعلى هذا الاحتمال لا بد من تقدير المفعول للامر بالدعوة بخلاف الاحتمال الاول.

وقوله تعالى (واستقم كما امرت) اي استقم على نشر هذه الدعوة كما امرك اللّه تعالى، اي استقامةً كالاستقامة التي أمرك اللّه بها، والاستقامة بمعنى الاستواء والاعتدال، والاصل فيه القيام بمعنى الانتصاب، وباب الاستفعال يؤكده، والانتصاب في العمل يلازم الثبات.

وفي هذا التعبير تنبيه على أنّ هذه الدّعوة تستلزم التضحيات، وتستدعي حروبا ومشاكل كثيرة، كما هو المتوقع في مثل تلك الظروف، وفي مثل هذه الدعوة. فالقصد من هذه الآية الكريمة تقوية عزيمة الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلّم والذين آمنوا معه حتى لا تباغتهم المشكلات المستعصية، بل يكونوا على حذر واستعداد لمواجهتها.   

وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ... وذلك لأنّ الاهواء لا تتبع الحق، فكلٌّ يهوى ما يستسيغه، وان كان باطلا او أضرّ بالآخرين، كما قال تعالى (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ..).[21] وكما أنّ متابعة الأهواء تضرّ في قيادة المجتمع كذلك تضرّ في نشر الدعوة الالهية، وذلك لأنّ الدين ــ كما تبيّن ــ واحد، والرسول يجب أن يدعو الى هذا الدين الواحد، وهذا لا يتلاءم مع مراعاة أهواء كل مجموعة من أتباع الاديان السابقة، لما يوجد بينهم من مشاحنات وعصبيات. ومن هنا نهى اللّه تعالى رسوله من متابعة أهوائهم في نشر الدعوة.

والظاهر أنّ الضمير يعود الى أهل الكتاب، وبوجه أدقّ الى الذين اُورثوا الكتاب في عهد الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلّم. وقد ورد النهي عن متابعة أهوائهم في مواضع اخرى ايضا من الكتاب العزيز، قال تعالى (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللّه وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللّه لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللّه مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللّه وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللّه إِلَيْكَ..).[22]

ويلاحظ في سياق الآيتين تشابه شديد بما ورد في هذه الآية، ففي الاولى تصديق هذا الكتاب للكتب السابقة كما امر الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلّم هنا باعلان ايمانه بالكتب. وفيها ايضا الامر بالحكم بينهم بما أنزل اللّه تعالى وهو مشابه للامر بالعدل بينهم، ثم كرّر في الآية الثانية الحكم بينهم بالعدل وعدم متابعة أهوائهم للتأكيد على الحكم السابق. ويبدو من ذيل ما نقلناه من الآية أنّ ما كانوا يهوونه، ويحاولون فيه جرّ الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلّم الى مكيدتهم هو صرفه عن نقل بعض ما يوحى اليه من القرآن الكريم.

وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللّه مِنْ كِتَابٍ... أي أعلن لأهل الكتاب إيمانك بكل الكتب السماويّـة السابقة، لان مناط الايمان هو أن يكون الكتاب والدين من قبل اللّه تعالى، ولا يختلف في ذلك الرسول المنزل عليه. والتعبير بما أنزل اللّه من كتاب لا بالكتب بوجه عام لئلا يشمل الكتب المحرّفة.

وإعلان هذا الإيمان من أهمّ الخطوات للنفوذ في قلوب أتباع الديانات السابقة، كما انه تصريح رسمي بأنّ هذا الدين وهذه الدعوة امتداد لرسالات الانبياء السابقين ليكسب مكانته المناسبة في قلوب العرب سواء آمنوا ام لم يؤمنوا. وفي نفس الوقت يحثّ المؤمنين على عدم التعصب الاعمى، وان لايكون التفافهم حول هذه الدعوة بدواع قبلية او طائفية، او على اساس أنّ هذا دين العرب، او أنّ القرآن نزل بلغتنا، او نزل على آبائنا وأجدادنا.

والحاصل ان هذا الاعلان يرفع هذا الدين عن مستوى العلاقات الاجتماعية الضيقة الى الدين العام الذي يؤمن به جميع المؤمنين بالاديان السماوية طيلة التاريخ البشري، كما يحاول تقريب صفوف المؤمنين برسالات السماء في ذلك العهد في مقابلة المشركين، وبذلك يبعث الرهبة والتهيّب في قلوبهم.

وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ... اختلف في اللام في قوله (لاعدل..) وأمثالها كقولـه تعالى (وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ)[23] فقيل: زائدة بتقدير (أن)، وقيل: انها للتعليل وأن متعلق الامر محذوف فيقدر هنا (وامرت بالعدل لاعدل بينكم) وقيل غير ذلك ومهما كان فالملاحظ من استعمالات القرآن الكريم أن هذا اللام التي تأتي بعد الامر او الارادة تفيد معنى (أن) بحيث لو ابدلتها بها لم يختلف المعنى ويتبين ذلك بوضوح بملاحظة قوله تعالى (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)[24] وقوله (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)[25] وايضا قوله تعالى (فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ)[26] وقوله (وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ).[27]

واختلف في المراد بالعدل فقال بعضهم: إنّ المراد به تحقيق العدالة بين المتخاصمين فيختص بمورد القضاء، والمعنى انه اذا تخاصمتم إليّ فاني اعدل بينكم. ولكن الظاهر ــ على فرض كون المراد تحقيق العدالة ــ أن يكون المراد ما يعمّ العدل في الشؤون الاجتماعية، والتعايش مع الآخرين. والسياق يقتضي ان يكون الخطاب موجها الى أهل الكتاب الا ان ذلك لا يمنع من ان يكون المراد بضمير الخطاب عامة الناس فيكون المعنى ان هذا الدين يعدل بينكم يا اهل الكتاب وبينكم وبين غيركم. وهذا الاعلان الرسمي يعلنه الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلّم بأمر من اللّه تعالى، وهو في مكة تحت الضغط والاضطهاد، ولكنه برنامج الحكومة والنظام الذي سيفرضه على المجتمع، يعلنه ليكون من يريد اتّباعه على علم بذلك، فيؤمن وهو على بصيرة من امره.

هذا اذا فرض أنّ المراد تحقيق العدالة في المجتمع، ولكن الانسب أن يكون المراد المساواة في الدعوة، فلا يقدّم قوما على قوم، فهذه الدعوة وهذا الدين ليس خاصّا بقوم ولا قبيلة، ولا اهل لسان او بلد، وليس دين بني هاشم ، ولا دين قريش، ولا دين العرب. وهذا ما يناسب وقوعه ضمن الامر بالدعوة.

اللّه رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ... ثلاث جمل يؤمر الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلّم ان يردّ بها محاجّة اهل الكتاب في اللّه تعالى كما عبر به في الآية التالية ومعنى محاجّتهم في اللّه دعواهم الاختصاص به، وأنهم أحباؤه واولياؤه دون سائر الناس، كما قال تعالى (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللّه وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ..)[28] وغيرها من الآيات.

واستدل على نفي المحاجّة في اللّه تعالى بأمرين:

الاول: أنّه تعالى كما هو ربّكم كذلك هو ربّنا. ومردّ هذا الاستدلال الى أنّ العلاقة باللّه تعالى ابتداءا علاقة المربوب بربّه وفي هذه العلاقة لا يختلف البشر فهو ربّ الجميع.. ربّ المرسلين والمرسل اليهم.. ربّ المتقين والعاصين.. ربّ الانس والجن.. ربّ السماوات والارضين.. وربّ الخلق أجمعين.. فلا ميزة لأحد من البشر في ذلك، ونسبة الخلائق كلهم الى اللّه تعالى نسبة واحدة.

الثاني: أنّ الاختصاص باللّه تعالى ان كان من جهة العمل فلنا أعمالنا ولكم                                                                                   أعمالكم اي لكلّ من الشرائع طريقة خاصّة من اللّه تعالى، كما قال (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا..)[29] وكلّ الشرائع منتسبة اليه تعالى. واختلاف المناهج لا يوجب قربا ولا بعدا من اللّه تعالى، وانما الذي يؤثر في ذلك هو التصرف الشخصي من خلوص النية وعدمه، ومن الالتزام بأوامره تعالى ونواهيه وعدمه.

والجملة الاخيرة اي قوله تعالى (لا حجة بيننا وبينكم) كالنتيجة للجملتين الاوليين ومعناها أنه لا يحق لاحد من الفريقين أن يحتجّ على الآخر ويدّعي الاختصاص باللّه تعالى فهو رب الجميع وهو مشرع جميع الشرايع فنفي الحجة من البين بمعنى استنكار المحاجّة من قبلهم نظير قوله تعالى (قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللّه وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ).[30]      

وبهذا يتبين أن المراد بجملة (لنا اعمالنا ولكم أعمالكم) في الآيتين ليس هو اختصاص مسؤولية كل انسان بأعماله، ولا عدم التزاحم كما في الميزان، ولا عدم تأثير السيء من الاعمال في مصير الطرف الآخر كما في روح المعاني، ولا غير ذلك مما ورد في التفاسير. بل المراد أن اختصاص كل اُمة بشريعة ومنهج خاص لا يقتضي قربه ولا بعده، فكل ذلك من اللّه تعالى. والدليل على ذلك أنّهم احتجّوا بميزة خاصة بهم كاُمّة لا كأشخاص، ولم يحتجّوا بحسن العمل او سوئه، فالجواب المناسب لاحتجاجهم هو أنّه ليس لكم ميزة تقرّبكم الى اللّه تعالى كاُمّة، لا من حيث أصل الانتساب الى اللّه تعالى، لأن نسبة الجميع واحدة، وهي نسبة المربوب الى الربّ، ولا من حيث الشريعة لأنها كلها من اللّه تعالى.

ويتبيّن ايضا ضعف ما ورد في التفاسير من أنه لا بدّ من تأويل ما ورد في الآية الكريمة من نفي الحجة لأنّ الحجة ثابتة للرسول صلى اللّه عليه وآله وسلّم على أهل الكتاب، فكيف يمكن نفي وجود الحجة بين الفريقين؟! فاضطروا الى القول بأن المراد لا محاجّة ولا مخاصمة بيننا وبينكم فحيث لا مخاصمة فلا وجه لاقامة الحجة. مع أن المحاجّة مستمرة بين الفريقين فلا وجه لهذا التأويل. بل الصحيح أن نفي الحجّة بمعنى استنكار احتجاجهم في اللّه تعالى بدعوى القرب لديه فان هذا هو الذي يتنافى مع كونه تعالى ربّ الجميع، ومع استناد الشرائع كلها اليه، وهذا هو المصرح به في الآية التي نقلناها من سورة البقرة.

نعم هناك فرق في التعبير بينهما ففي سورة البقرة يستنكر احتجاجهم في اللّه، وهنا ينفي وجود الحجة بين الفريقين، بمعنى أنه كما لا يصحّ لكم أن تجادلوا في اللّه وتدّعوا الاختصاص به كذلك لا يصحّ من قبلنا. وهذا الاختلاف في التعبير لعلّه من جهة موضع النزول، فهذه الآية نزلت في مكة، ولم تحصل بين الفريقين مواجهة بالفعل، بينما نزلت سورة البقرة في المدينة، مضافا الى الفرق بين حالتي المسلمين في الموضعين.

ولا يتوهم أن الآية تدل على أن أعمالنا وأعمالهم صحيحة وذلك لان اعمال اتباع الشرائع السابقة صحيحة قبل نزول الشريعة المتاخرة الناسخة وهذا ما صرح به تعالى في قوله (وَإِذْ أَخَذَ اللّه مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ)[31] فقوله تعالى (لتؤمننّ به) اي برسالته ومعنى ذلك متابعة شريعته وليس المراد مجرد الدعوة الى النصرة. وهذا التاكيد الوارد في الآية من اخذ الميثاق والاقرار والشهادة ليس الا لنسخ الشريعة الذي يصعب على الامم قبوله.

اللّه يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ... هذه الجملة ليست من صلب الاستدلال على نفي المحاجّة، بل هو ردّ لتوهم آخر وقد اختلفت الصياغة فيه بين الآيتين ففي سورة البقرة أضاف الى استنكار المحاجّة قوله تعالى (ونحن له مخلصون) وأضاف هنا هذه الجملة، والظاهر أنّ الغرض منهما الردّ على ما يمكن أن يتوهّم بعضهم من اختصاصهم بالفضل، لما فيهم من الالتزام بالدين، والاخلاص لله تعالى، فأجاب عنه في سورة البقرة بأننا مخلصون له، وأجاب هنا بأن مصير الأشخاص منوط بأعمالهم وبنياتهم، وهذا لا يتبيّن في هذه النشأة، فكلّ انسان يمكنه أن يدّعي صحة طريقه وخلوصه في العمل، وانما يتبيّن ذلك يوم الجمع حيث ينتهي المصير اليه تعالى، فيجمع بين الخلائق كلهم ليحاسب كلّ أحد، ويجازيه بعمله.

والمراد بضمير التكلم مع الغير في قوله (بيننا) الفريقان اي الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلّم ومن تبعه وآمن به ويقابلهم الذين اورثوا الكتاب في ذلك العهد وهم المناوئون من اليهود والنصارى والتركيز على الجمع بين الفريقين من جهة أن الفضل المزعوم لا يتبيّن صدقه وكذبه الا بالجمع بينهما للمقايسة والموازنة. وهذا الامر يختلف عن مقارنة الشرائع، فان المقارنة بينها ممكنة في هذه النشأة. 

وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللّه مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ... اختلف المفسرون في تفسير هذه الآية، وفي المراد بالمحاجّة في اللّه تعالى، وفي خصوص مرجع الضمير في قوله (استجيب له)، وفي المراد بالاستجابة.

ويتبيّن بما ذكرناه في تفسير الآية السابقة أن المراد بالذين يحاجّون في اللّه أهل الكتاب، وقلنا إن المراد أنهم كانوا يدّعون الاختصاص به وأنهم أبناء اللّه وأحباؤه كما قال تعالى (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ..)[32] وأما ما ورد في بعض التفاسير من أنّ المراد احتجاجهم في دين اللّه او ان المراد المشركون لانهم يحاجّون في شأن اللّه وهو الوحدانية او يحاولون نفي ربوبيته تعالى وابطال دينه كما في الميزان، كل ذلك وغيرها خلاف الظاهر وتقدير بلا موجب بل هذا نظير قوله تعالى (قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللّه وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ)[33] اي لِمَ تدّعون اختصاصكم باللّه وهو رب الجميع؟! وقد مر الكلام حول هذه الآية آنفا. ومثله ايضا قوله تعالى (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ)[34] اي لِمَ تزعمون ان ابراهيم عليه السلام كان منكم مع أنه كان قبل التوراة والانجيل؟! فالاحتجاج هنا ايضا بهذا النحو.  

والظاهر أنّ المراد بالاستجابة استجابة الناس للدين الجديد والوجه في خصوصية هذا الظرف وتأثيره في كون حجتهم داحضة أنهم كانوا قبل أن يؤمن الناس بالرسول صلى اللّه عليه وآله وسلّم هم أتباع شريعة السماء فحسب فكانوا على حقّ اذا ادّعوا اختصاصهم بمتابعة الحق لأنهم كانوا في قبال المشركين وأمّا بعد استجابة الناس للرسالة الجديدة فليسوا هم أتباع شريعة السماء بل هم كفار ناقضون لعهده تعالى وذلك للآية التي مرّت آنفا أي قوله تعالى (وَإِذْ أَخَذَ اللّه مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ).[35]   

 والمراد من قوله تعالى (لتؤمننّ به ولتنصرنّه) ايمان أتباع الرسل ونصرتهم ايضا ولو كان الرسول بنفسه حيّا لزمه الوفاء بالعهد كما يلزمه ابلاغ هذا الامر لأتباعه وقد عملوا بذلك كما قال تعالى (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللّه إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ..)[36] فهو يصدّق ما مضى ويبشّر بما يأتي لتبقى الرسالات متواصلة بعضها ببعض ولا تتشكل امم متخالفة في التوحيد ولكن أهواء الناس ومتابعة الكبراء منعت من تحقق هذا الامر طيلة تاريخ الرسالات!!!

والحاصل أن المدّعين متابعة الشرايع السابقة لا تصح دعواهم بعد نزول الشريعة اللاحقة ولا تقبل منهم دعوى الاولوية بالقرب لدى اللّه تعالى اذا آمن الناس بالرسالة الجديدة بل المؤمنون الجدد أولى منهم بالتقرب اليه تعالى وأولى منهم بمتابعة الرسل ولذلك قال تعالى (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا..).[37]

ومن هنا يتبين الوجه في التقييد باستجابة الناس بدلا من التعبير بنزول الشريعة الجديدة او بعث الرسول الجديد فان استجابة الدعوة من الناس لها خصوصية من حيث تحقق امة هم اقرب الى الرسالات ممن يدّعون الانتماء اليها.    

وعلى ما ذكرنا يمكن أن يعود الضمير في (له) الى اللّه تعالى اي من بعد استجابة الناس لدعوته تعالى الى الدين الجديد عن طريق الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلّم ويمكن أن يعود الى الرسول وان لم يسبق ذكره لانه يعلم من قوله ( والذين يحاجّون) بلحاظ أنّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم طرف الاحتجاج، اي الذين يحاجّون الرسول فانهم لايحاجّون غيره صلى اللّه عليه وآله وسلّم. ولكن ارجاع الضمير الى اسم الجلالة أولى كما هو واضح.

و(داحضة) بمعنى باطلة، والدحض في الاصل بمعنى الزلّة والانزلاق، فالتعبير يدل على عدم الثبات والاستقرار وهو علامة البطلان. وقوله (عند ربهم) بمعنى أنّ احتجاجهم وان لقي قبولا عند بعض الناس، الا أنه عند اللّه تعالى احتجاج باطل لا اساس له. وحيث إنّهم يعلمون بطلان حجّتهم عند اللّه تعالى، ومع ذلك يحاولون خداع عامّة الناس بها فعليهم غضب من اللّه تعالى، ولهم عذاب شديد يوم القيامة.

والسر في هذا التشديد عليهم مع أن مجرد بطلان الحجة ودعوى التقرب الى اللّه تعالى لا يستوجب ذلك هو ما ذكرناه من أنّ عدم ايمانهم بالرسالة الجديدة نقض لما عاهدوا عليه ربهم عن طريق الرسل كما صرح به في الآية 81 من سورة آل عمران التي مر ذكرها.

 


[1] البقرة: 183

[2] مريم: 31

[3] آل عمران: 50

[4] المائدة: 45

[5] النساء: 161

[6] الاحزاب: 7

[7] المائدة: 48

[8] آل عمران: 19

[9] آل عمران: 84- 85

[10] آل عمران: 81

[11] الصف: 6

[12] آل عمران: 103

[13] الفتح: 29

[14] الزخرف: 31

[15] الانعام: 124

[16] البقرة: 36

[17] آل عمران: 19

[18] الجاثية: 17- 18

[19] هود: 110- 112

[20] آل عمران: 105

[21] المؤمنون: 71

[22] المائدة: 48- 49

[23] الانعام: 71

[24] التوبة: 32

[25] الصف: 8

[26] التوبة: 55

[27] التوبة: 85

[28] المائدة: 18

[29] المائدة: 48

[30] البقرة: 139

[31] آل عمران: 81

[32] المائدة: 18

[33] البقرة: 139

[34] آل عمران: 65

[35] آل عمران: 81

[36] الصف: 6

[37] آل عمران: 68