مكتب سماحة السيد مرتضى المهري

السورة مكية وتتعرض لموضوع المعاد وترد على اقاويل المشركين حول هذا الموضوع ثم تبين الجزاء هناك حسب الاعمال وتشير الى عذاب الاستئصال الذي اصاب اقواما من المكذبين بالرسالات.

وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا... أقسم الله تعالى في كتابه العزيز بمجموعة من المخلوقات تتناسب مع ما يراد بيانه والمراد هنا بيان أن وعد الله حق والمراد مطلق وعده او خصوص وعده بالجزاء يوم القيامة وأن يوم الجزاء آت لا محالة. والقسم لدى التحليل ربط بين أمر يراد بيانه او تعهد بفعل او ترك وبين شخصية المقسم به فاذا قلت والله لافعلن كذا فانك تربط بين علاقتك بالله تعالى واكرامك وتعظيمك له وبين هذا التعهد فكأنك تقول: كما أني لا انفك من اكباري وتعظيمي لربي كذلك لا انفك من هذا التعهد. وكذلك اذا قلت والله كان الامر كذا فانك تربط بين هذا التعظيم وبين صدقك في الاخبار بهذا الشيء. واللّه تعالى يقسم بكثير من مخلوقاته كالشمس والقمر والليل والنهار وغيرها. وربما تبدو كرامة بعض ما يحلف به غريبة لنا. ولعل الوجه في ذلك أنّ نسبة الخلائق اليه تعالى من حيث التكوين نسبة واحدة، وكرامتها ليست الا من جهة استنادها اليه تعالى ودلالتها على قدرته وعلمه وعموم ربوبيته، وانما يختار من بينها ما يناسب المقسم عليه.

والذاريات من ذرت الريح الشيء بمعنى أسفّته وأطارته فالظاهر أنه قسم بالرياح التي تذرو التراب ونحوه. وقوله (ذروا) مفعول مطلق يؤتى به لتأكيد المضمون وكأنه لدفع توهم ارادة المعنى المجازي فاذا قلت ضربته ضربا تؤكد ان المراد بالضرب هو الضرب واقعا لا معنى آخر. ولذرو الرياح دور عظيم في تصفية الجو من الاتربة والابخرة والروائح الكريهة ولقح الاشجار وتكوين السحب ونقلها وغير ذلك مما وصل اليه العلم وما لم يصل.

فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا... الوقر: الحمل الثقيل. فلا يبعد ان يكون المراد بالحاملات السحب حيث انها تحمل المطر او الثلج ولعل الوجه في عطفها على الرياح الذاريات بالفاء الدالة على الترتيب من جهة أن الرياح هي السبب في تكوّن الغيوم وفي حركتها وانتقالها ولعل التعبير بالذرو ايضا يناسبها من جهة أن الرياح تذرو الابخرة وتجمعها وتذهب بها الى أجواء باردة فتتكون الغيوم وحيث ان الفاء عطفت الحاملات على الذاريات فيتعلق بها القسم المذكور ايضا. وقيل ان كل هذه الاوصاف الاربعة اوصاف للرياح فالذاريات هي الرياح التي تنشئ السحاب أولا والحاملات الرياح التي تحمل السحب الى اماكن مختلفة والجاريات الرياح التي تجري بالسحب بعد حملها والمقسمات الرياح التي تفرق الأمطار على الأقطار.

وروى القمي في تفسيره عن أبيه عن ابن أبي عمير عن جميل عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله «وَ الذَّارِياتِ ذَرْواً» فقال: إن ابن الكواء سأل أمير المؤمنين عليه السلام عن الذَّارِياتِ ذَرْواً قال الريح وعن فَالْحامِلاتِ وِقْراً فقال هي السحاب وعن فَالْجارِياتِ يُسْراً قال هي السفن وعن فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً فقال الملائكة. وروت العامة هذا الحديث ايضا عنه عليه السلام بطرق مختلفة.

وفي الدر المنثور عن عدة من المجاميع الحديثية قال جاء صبيغ التميمي إلى عمر بن الخطاب فقال أخبرني عن الذَّارِياتِ ذَرْواً قال هي الرياح ولولا أني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول ما قلته قال فأخبرني عن الحاملات وِقْراً قال هي السحاب ولولا أني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقوله ما قلته قال فأخبرني عن الجاريات يُسْراً قال هي السفن ولولا أني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقوله ما قلته قال فأخبرني عن المقسمات أَمْراً قال هنّ الملائكة ولولا أني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقوله ما قلته ثم أمر به فضرب مائة وجعل في بيت فلما برأ دعاه فضرب مائة أخرى وحمله على قتب وكتب إلى أبي موسى الأشعري امنع الناس من مجالسته فلم يزالوا كذلك حتى أتى أبا موسى فحلف له بالايمان المغلظة ما يجد في نفسه مما كان يجد شيئا فكتب في ذلك إلى عمر فكتب عمر ما أخاله الا قد صدق فخلّ بينه وبين مجالسة الناس‏.

ولم يتبين ذنب هذا الرجل المبرر لهذه العقوبة. وما أظن اول الحديث مطابقا للواقع ففي رواية اخرى في الدر المنثور ايضا سأل صبيغ التميمي عمر بن الخطاب عن الذَّارِياتِ ذَرْواً وعن الْمُرْسَلاتِ عُرْفاً وعن النَّازِعاتِ غَرْقاً فقال عمر: اكشف رأسك فإذا له ضفيرتان فقال: والله لو وجدتك محلوقا لضربت عنقك ثم كتب إلى أبي موسى الأشعري أن لا يجالسه مسلم ولا يكلمه‏.

فالظاهر أنه لم يجب على سؤاله وانما أمر بهذا الحكم الغريب لانه سأله عما لا يعلمه!!! والظاهر أنه اعتبر حلق الرأس علامة كونه من الخوارج لانهم كانوا يحلقون رؤوسهم وكانوا يسألون هذه المسائل لايجاد الشبهة في أفكار العامة ولا شك انه من خبثهم كما أن ابن الكوا الذي سأل أميرالمؤمنين عليه السلام كان منهم ايضا وله مواقف كثيرة من الخبث في مقابله عليه السلام ولكنه لم يضربه ولم يهنه بل أجابه عن كل ما سأل وما واجه الخوارج بعنف الا بعد أن قتلوا الناس ونشروا الرعب في المجتمع. ولو كانوا لمجرد أفكارهم الخاطئة يستحقون القتل لقتل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ذا الثديّة وجماعته فهو بالرغم من التحذير عنهم وعن أفكارهم لم يأمر بقتلهم. ثم انه تبين بعد الكشف عن رأسه أنه ليس منهم فما المبرر لضربه وإبعاده؟!

ومن غريب ما في الحديث انه لو لم يسمع التفسير من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لم يقله؟! وما المانع من تفسير المفردات خصوصا في مثل قوله تعالى (والذاريات ذروا) فانه لا يحتمل غير الرياح؟! فهذا كله قرينة على أن صدر الحديث مجعول مع أنه لا يناسب رأي الخليفة حول القرآن والحديث حيث انه صاحب الكلمة المشهورة (ان الرجل ليهجر حسبنا كتاب الله) وهو الذي منع كتابة الاحاديث النبوية واستمر المنع قرنا او اكثر وعذره في ذلك ان الناس يشتغلون بالاحاديث وينسون كتاب الله تعالى فلو كان فهم معاني الآيات متوقفا على الاحاديث لم يكن وجه لما صنعه.

ومهما كان فما ورد في بعض التفاسير من ان الاوصاف كلها للرياح بعيد في نفسه لبعد توصيف الرياح في الوصف الرابع بانها تقسم الامور ولا وجه لتخصيصها بالامطار كما قالوا فان الوارد في الآية (فالمقسمات امرا) فالانسب هو ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام ولو ثبتت الرواية فهو المتعين قطعا.

فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا... اي الجاريات بيسر وسهولة. وقد تبين مما مر أن المراد بها على الظاهر السفن التي تجري في البحر بيسر وسهولة بالرغم من انها تحمل أثقالا عظيمة وهذه من النعم الكبرى التي منّ الله تعالى بها على عباده وتطرّق لذكرها كثيرا في كتابه العزيز والسفن كانت من قديم الزمان والى يومنا هذا من أرخص وأقوى وسائل الحمل والنقل. ولعل عطف الجاريات بالفاء الدال على الترتيب كما مر من جهة أن جريانها بسبب الرياح ايضا. واذا حملت على معنى الرياح فالتعبير عن حركتها باليسر باعتبار انها تسير الى كل جهة لا يعترض طريقها شيء الا الجبال الشامخات.

فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا... بناءً على التفسير المأثور يراد بها الملائكة الكرام لانهم بأمره تعالى يقسمون الارزاق وغيرها من التقادير حسبما اُمروا به والتأنيث باعتبار الجمع كقوله تعالى فيهم ايضا (وَالصَّافَّاتِ صَفًّا * فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا * فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا)[1] وقد مر في تفسيرها انهم طوائف من الملائكة وجاء في نفس السورة التعبير عنهم بالجمع المذكر قال تعالى (وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ)[2] ومثل التعبير عنهم بالمقسمات امرا توصيفهم بالمدبرات امرا في سورة النازعات. والتدبير من الله تعالى كما قال (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ)[3] ولكن حيث ان الملائكة هم الوسطاء والشفعاء وعن طريقهم ينزل التدبير صح التعبير عنهم ايضا بالمدبرات امرا. قال تعالى (وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى)[4] وهذه الآية تدل على أن الملائكة شفعاء في الخلق والتدبير ولكن شفاعتهم لا تكون الا باذنه تعالى.

ولعل التعبير الالصق بدورهم هو ما ورد هنا فان تقسيم الامر بمعنى ايصال التدبير الخاص بكل شيء اليه. ولعل وجه العطف بالفاء هنا على الرياح من جهة أن الرياح تحمل السحاب الى المكان الذي قُدِّر له المطر والمطر مما يقسّمه الملائكة، ومنه ايضا الارزاق التي تنتقل بالسفن وبدفع الرياح. وأما من فسر الجميع بالرياح فاعتبر التوصيف بالتقسيم من جهة تقسيم الامطار على المناطق المختلفة. وهو غير صحيح لان الرياح ليست هي التي تقسم الامطار وانما توصل السحب وتحركها مضافا الى ان التقسيم لم يتعلق في الآية بالمطر ليسند الى الرياح بل بالامر ولا معنى لاسناد تقسيم الامر الى الرياح وانما يصح اسناده الى الملائكة والامر يشمل المطر وغيره.

إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ... (ما) موصولة فالمعنى أن الذي وعدكم الله تعالى صادق بمعنى أنه يتحقق لا محالة والتوصيف بلحاظ فاعل الوعد فالاسناد مجازي نظير قوله تعالى (عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ)[5] مع ان الرضا صفة صاحب العيشة، ويمكن ان تكون (ما) مصدرية بمعنى أن الوعد او الوعيد صادق ومتحقق. وهذه الجملة هي المقسم عليها ومناسبة ما اقسم به الله تعالى ان حركة الرياح والسحب والسفن وتقسيم الامور والارزاق والامطار كلها من باب تدبير الامور وهذا مما يدل على أن الله تعالى ينظم الامور بحيث يتحقق ما وعد به من الرزق والخلق واحياء الارض الميتة وغيرها مما له دخل في تنظيم الحياة على هذا الكوكب. فبناءً على ذلك يمكن ان يكون المراد بما توعدون تدبير الامور بما يشمل الرزق ونحوه والمعاد ايضا ويمكن ان يراد به خصوص المعاد كما صرح به في الآية التالية التي يمكن ان تكون تفسيرا لهذه الآية فيكون المعنى بناءً على ذلك انه كما حقق الله تعالى ما وعدكم من الرزق والتدبير كذلك يحقق ما وعدكم من الجزاء يوم المعاد.

وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ... الدين هو الجزاء وسيأتي ذكر يوم الدين في السورة ومن هنا يبدأ التعرض لهدف السورة وهو التأكيد على البعث والنشور ويتبين بذلك أن هذه الاقسام لالفات الانظار الى بدائع تدبيره تعالى في الكون مما يدل على أن الخلق لم يتم عبثا وجزافا ليكون ذلك حافزا للايمان باليوم الآخر. وذكر العلامة الطباطبائي رحمه الله وجها آخر للعلاقة بين هذه الاقسام والمقسم عليه وهو أن ما اقسم به كلها تسير سيرا والمقسم عليه هو نهاية السير الى الله تعالى وهو جيد.

 


[1] الصافات: 1- 3

[2] الصافات: 165- 166

[3] السجدة: 5

[4] النجم: 26

[5] القارعة: 7