مكتب سماحة السيد مرتضى المهري

وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ... الظاهر أن المراد بالسماء بقرينة مقابلتها بالارض والتعبير بالبناء ما يعلونا من الاجرام الفلكية او الفضاء الذي تسبح فيه الاجرام. والأيد مخفف الايدي جمع يد وهي كناية عن القوة ولعل في الجمع اشارة الى ان بناء السماء قد تجلّت فيه انحاء من القدرة والقوة. وتنكيرها للتنبيه على عظمتها اي بقوة ايما قوة لا توصف بوصف ولا تعرّف بحد. والتعبير بالبناء يقتضي التدرج ولاشك أن مظاهر القوة والقدرة في بناء الاجرام الفلكية واضحة حتى قبل أن يكتشف البشر خصائصها وما تبتني عليه من دقة رياضية فالانسان الساذج ايضا تعجبه عظمة ما يدرك كبرها وشدة ضوئها كالشمس كما تعجبه دقة مطالع النجوم ومغاربها وكيفية حركتها وتناسق مواضعها وغير ذلك من الشؤون وأما بعد تقدم العلوم والابحاث الفلكية فقد تبينت القدرة والعظمة بوضوح.

وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ... يمكن أن يكون الموسع بمعنى القادر اي وانا لقادرون قدرة مطلقة ومثله قوله تعالى (وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ)[1]  وقيل انه من السعة في الرزق اي انا لموسعون في رزق العباد الذي هو في السماء كما ذكره في آية سابقة. وهو بعيد لا يناسب الجملة السابقة مع ان السماء هناك تختلف معنى عن السماء هنا كما اشرنا اليه في تفسير تلك الآية. ويحتمل ــ كما قيل ــ ان يكون المراد به التوسعة في خلق الافلاك والاجرام السماوية وينقل عن بعض علماء الفلك أن النجوم تتباعد بسرعة مذهلة وان الفضاء يتمدد بين المجرات باستمرار وان حجمه الآن يبلغ نحو عشرة أضعاف حجمه منذ بداية تمدده ويقال ان انيشتاين حاول أن يحسب وزن العالم بكامله ثم عدل عن ذلك لمّا تبين له أن الكون لا حد له ولا نهاية حيث دلت البحوث العلمية الدقيقة أن المجرات يبعد بعضها عن بعض ملايين السنين الضوئية وكذلك الأنظمة الشمسية وأن هذا البعد يزداد ويستمر مما يكشف عن أن الفضاء الرحب يتسع آنا بعد آن. فهذا هو معنى أن الله تعالى يوسع السماء. ولا يبعد انطباق الآية على هذا المعنى ولكن لا يصح التحتم في ذلك. والمعنى الاول هو الاوضح.

وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ... فرشناها اي بسطناها ومهدناها لكم والبسط في مقابل القبض يمكن ان يراد به بسط ما على وجه الارض من حجارة وجعلها ترابا ورملا يتمكن الانسان من استخدامه للسكن والتحرك والبناء والزرع ونحو ذلك ويمكن ان يراد اخراجها من تحت الماء او اعداد وسائل الحياة عليها. ثم مجّد الله تعالى نفسه بقوله (فنعم الماهدون) وهو في الواقع بمعنى نعم التمهيد في اشارة الى عظمة هذه النعمة للبشر حيث ذلل الله تعالى لهم الارض ومهد لهم كل وسائل الحياة عليها. ولعل التعبير بالجمع للتدليل على أن هناك قوى كثيرة سخرها الله تعالى لتنفيذ هذه المهمة ويقال ان التعبير عن العظماء بضمير الجمع انما هو من جهة أن الفعل وان كان مستندا اليهم الا انه يتحقق بمجموعة العوامل التي تعمل بامرهم وان كانت النسبة تختلف في مورد الاسناد الى الله تعالى.

وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ... الزوج والزوجان: المثلان المتقارنان ولا يطلق الا اذا كان كل منهما مكملا للآخر بوجه كزوجي الباب والحذاء ومنه الذكر والانثى من الحيوان والنبات وقد مر الكلام في ارتباك التفاسير في تأويل هذه الكلمة عند ذكر النبات في تفسير قوله تعالى (وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ)[2] وقلنا ان تأويله تبين بوضوح عند اكتشاف أن كل نبات يشتمل على الصنفين ولكن الاشكال يتعاظم في هذه الآية حيث ان ظاهرها وجود المثلين المتقارنين في كل شيء فأوّله الراغب في المفردات بأنه اشارة الى تركب كل شيء من الوجود والماهية وأوّله المفسرون الجدد بأنه اشارة الى تركب الاجسام من الذرة وتركبها من جزءين موجب وسالب وكلا التأويلين لا ينطبقان على ظاهر الآية لان ظاهرها أن الزوجين صنفان موجودان من كل نوع لا أن كل شيء مركب من زوجين حتى يأول بالوجود والماهية او الالكترون والبروتون.

ويمكن ان يقال كما ذكرنا سابقا في تفسير قوله تعالى (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ..)[3] ان التعبير بكل شيء يعني في كل مورد ما يناسبه وليس على اطلاقه فملكة سبأ لم تؤت من كل شيء قطعا فالمراد انها اوتيت كل شيء تحتاج اليه في ملكها وسلطانها من قوة وثروة وعلم وجنود وفي قوله تعالى (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ)[4] لا يراد به تبيان كل حقائق الكون فهي لا تحصى كثرة بل المراد كل ما يحتاج اليه الانسان لمعرفة ربه وتحصيل رضاه وثوابه. وعلى ضوء ذلك فالظاهر أن المراد به هنا بقرينة الآية السابقة كل شيء يحتاج اليه الانسان في حياته على الارض التي فرشها الله له ومهّدها ولعل المراد خصوص الحيوان والنبات . والظاهر أن المراد بالتذكر تذكر ربهم الذي انعم عليهم بكل ذلك.

ولكن ورد في الكافي حديث عن اميرالمؤمنين عليه السلام وردت فيه هذه الآية قال (وبمضادته بين الاشياء عرف ان لا ضد له وبمقارنته بين الاشياء عرف ان لا قرين له، ضاد النور بالظلمة واليبس بالبلل والخشن باللين والصرد بالحرور مؤلف بين متعادياتها ومفرق بين متدانياتها، دالة بتفريقها على مفرقها وبتأليفها على مؤلفها وذلك قوله تعالى: ومن كل شئ خلقنا زوجين لعلكم تذكرون..) ويظهر من ذلك أن المراد بالتذكر تبيّن أنه تعالى جعل المزاوجة والمقارنة بين الاشياء فلا زوج له ولا قرين ولكنه لا يفسر معنى وجود الزوجين من كل شيء. وهذا الحديث ورد في الكافي في الجواب عن سؤال ذعلب ولم يرد ذلك في نهج البلاغة في جوابه وانما ورد في خطبة اخرى هي خطبة التوحيد ولم يرد في ذيله ذكر الآية الكريمة نعم روى الصدوق حديثا عن الامام الرضا عليه السلام وأنه خطب بذلك عند المأمون وورد فيه ذكر هذه الآية والجملات شبيهة تماما بما ورد عن امير المؤمنين عليه السلام والسند ضعيف وحديث الكافي مرفوع لا سند له. والله العالم بحقيقة الحال.

فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ... قالوا ان التقدير قل يا محمد.. صلى الله عليه وآله وسلّم بقرينة قوله تعالى (اني لكم منه نذير مبين) وأن هذه الجملة من كلام الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم. ولكنه خلاف ظاهر السياق ولا مانع من كونه خطابا من الله تعالى للناس فهو يخوفهم من نفسه كما قال تعالى (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ)[5] والتعبير هنا عجيب متفرد في القرآن فهو يدعو الى الفرار الى الله تعالى كأن هناك ما يخاف منه غيره. والفرار: الهروب من الشيء. ولذلك ذكر المفسرون أن المراد الفرار من المعاصي والشرك والتوجه الى غيره ولكنه يعقبه بقوله اني لكم منه نذير مبين ومعناه ان الذي يجب ان تفروا منه ايضا هو الله تعالى ففروا اليه منه والمعنى انه هو الضار النافع فالسماء والارض بيده والرزق والعذاب بامره فلا تتوجهوا الى غيره فقوله (اني لكم منه..) تعليل للفرار ممن يجب الفرار منه وهو الله تعالى وليس تعليلا للفرار اليه كما يتوهم.

وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ... في الميزان ان هذا النهي يفسر الفرار المذكور في الآية السابقة ولكن الظاهر أنه مكمل له والمعنى فروا اليه وحده ولا يغرنكم الاعلام الفاسد فتتوهموا أن هناك غيره ممن يمكن اللجوء اليه أو أنه يشاركه في التأثير. ومعنى تكرار الانذار يتضح بما ذكرناه فالانذار الاول لبيان أن الفرار منه اليه وهو كما قلنا تعليل للزوم الفرار منه والانذار الثاني للتنبيه على خطر الشرك وضم غيره اليه في اللجوء والفرار فان ذلك ايضا مما يجب تجنبه والحذر منه فان الله تعالى لا يلجئ الا من توجه اليه وحده وترك ما سواه وراءه وأخلص في دينه ويرفض من يكون في قلبه ذرة من التوجه الى الغير واعتباره مؤثرا في الكون من دونه تعالى. والمبين بمعنى أنه نذير يبين وجه الانذار او انه يؤكد الانذار فانذاره واضح لا مجال لتأويله.

كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ... الاشارة الى الحالة التي كان يعيشها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنون في مكة حيث كان المشركون يتهمون الرسول بالسحر تارة لانه يتلو على الناس ما يؤثر فيهم تأثيرا عميقا فيميلون اليه وكأنهم يساقون اليه من غير اختيار ويفرق بذلك بين الاب واولاده والاخ واخيه ويتهمونه بالجنون تارة اخرى لانه يرفض ما يغرونه به من المال والجاه مما لا يرفضه عاقل حسب ظنهم. فالآية الكريمة تسلي الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين بأن هذا ليس بدعا منهم بل هو ما ابتلي به الرسل السابقون ولم يشذّ منهم أحد فكلهم قد ابتلي في مرحلة من مراحل الرسالة على الاقل بهذه الاتهامات و(من) الثانية زائدة تفيد التأكيد على الشمول.

أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ... الاستفهام للتعجب اي كأنهم تواصوا به مع أن من الواضح عدمه والغرض منه انشاء الاستغراب من تشابه الاقوام والمجتمعات البشرية في مواجهتهم للرسالات فكأنهم قد تواصوا بذلك وهذا الامر مما يؤكد عليه القرآن في عدة موارد فيحكي كلام المشركين في مواجهة الرسل السابقين بتعبير واحد كما يحكي كلام الرسل في تبليغ الدعوة والرسالة بتعبير واحد ايضا مع ان الواقع بالطبع ليس كذلك بدقة وانما أتي بتعبير واحد من جهة الحكاية بالمعنى والغرض من وحدة التعبير عن كلام الرسل عليهم السلام بيان وحدة الرسالة اما في نقل كلام المناوئين فالغرض هو استغراب اتفاق الامم على مواجهة الحق بلسان واحد فكأنهم قد تواصوا به. وقوله (بل هم طاغون) اضراب عن ذلك فهي تنفي التواصي والمراد به التواصي على مواجهة الرسالات وعدم الانصياع لها لا خصوص التعبير بالسحر والجنون وتبين الآية ان السبب في توافقهم على مواجهة الرسالات أمر آخر وهو اتحاد العلة في جميعهم وهي الطغيان على الحق وعدم الاستسلام لما ينافي اهواءهم ونزواتهم.

 


[1] البقرة: 236

[2] ق: 7

[3] النمل: 23

[4] النحل: 89

[5] ال عمران: 28، 30