مكتب سماحة السيد مرتضى المهري

فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ... اي فأعرض عنهم فانت لا تلام على كفرهم وعنادهم وهذا تصديق من الله تعالى أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد بذل غاية جهده في ابلاغ الدعوة وانهم اذا بقوا على كفرهم وعنادهم فليس ذلك لقصور او تقصير في التبليغ. والتعبير يستبطن تهديدا للمشركين ولذلك ورد في الروايات أن الصحابة خافوا من نزول العذاب الجماعي حين سماعهم للآية ولما سمعوا بالآية التالية اطمأنوا.

وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ... الجملة مكملة للآية السابقة اي لست ملوما على عدم استجابة القوم لدعوتك وانما واجبك التذكير ولا يضرك عدم تنبه المعاندين والطاغين فيوهن عزمك فان الذكرى انما تنفع المؤمنين. والمراد بهم من له قابلية الايمان كما مر مرارا او المؤمنين بالفعل حيث انهم يزيدون ايمانا ويتثبتون بالتذكير ولا شك ان تثبيت المؤمنين وتقوية ايمانهم وعزائمهم أهم من اصل الايمان فربما يؤمن كثير من الناس بأول معجزة يرونها بل بما لا يعتبر معجزة لدى اهل الخبرة والحكمة ولكنهم يرتدّون وينقلبون اذا رأوا ما لا يمكنهم توجيهه لضعف عقولهم فلا بد من الاستمرار في التذكير للمحافظة على ايمان المؤمنين وهذا لا بد منه في كل صاحب فكرة وهدف يريد تثبيته في المجتمع وهذا الاحتمال هو الاقرب في الآية ولذلك عبّر بالتذكير لا بالدعوة والابلاغ.

وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ... النون للوقاية وهي مكسورة لان التقدير (لتعبدوني) ابقيت الكسرة للدلالة على الياء المحذوفة واما نون المضارع فتحذف لان الفعل منصوب. وهي آية عظيمة تحدد مسار الانسان ووجهته في حياته حسب ارادة الخالق العظيم فالذي يجعل هذه الآية نصب عينيه ويعمل بها في كل شؤون حياته يكون في المسار الصحيح مهما آلت اليه النتائج في الدنيا ومن أعرض عنها ولو جزئيا فقد تخبط في مشيته وحاد عن هدف الخليقة.

وفي الآية مواضع للسؤال:

السؤال الاول: ما هي مناسبة الآية لما قبلها وما بعدها من الآيات؟

والجواب أن هذه الآية وما بعدها تبين ما يجب ان يرتكز عليه التذكير المأمور به في الآية السابقة وهو عبادة الله تعالى وحده وتحدد معنى الظلم والكفر الواردين في الآيتين الاخيرتين.

السؤال الثاني: أن الآية تحدد مسار الجن والانس وتبين الهدف المنشود من خلقهما ولم تتطرق للملائكة مع أنهم ايضا لم يخلقوا الا للعبادة وقد مدحهم الله تعالى بأنهم عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون .

والجواب أن الآية تنبّه البشر بالهدف من خلقهم لكي لا ينحرفوا عنه وكذلك الجن فانهم ايضا مخاطبون بالقرآن وقد مر بعض الكلام حول ذلك في تفسير سورة الاحقاف. وأما الملائكة فهم لا ينحرفون أبدا وليس ذلك من شأنهم والقرآن ليس خطابا لهم.

السؤال الثالث: ما هو الوجه في تقديم الجن على الانس؟ وهذا بالطبع ليس سؤالا أساسيا فان التقديم والتأخير لا يدلان على شيء. وان تعرض له المفسرون ووجهوه بأن السبب لعله سبق خلقهم لقوله تعالى (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ).[1]

السؤال الرابع: لماذا أتي بضمير الجمع في الآيات السابقة (بنيناها * فرشناها..) وتحول الى ضمير المفرد في هذه الآية؟ والجواب واضح كما أشرنا اليه آنفا من أن هذه الافعال تتحقق بوساطة القوى الغيبية والطبيعية وأما العبادة فهي لله وحده وخلق الجن والانس وان كان بتوسط الوسائط الا أن قصر السبب في عبادة الله وحده مناسب لعدم ذكرهم.

السؤال الخامس: أن الآية تحصر الهدف في العبادة مع أن الانسان مضطر الى العمل على هذا الكوكب وفق حاجاته الطبيعية فكيف يحصر نشاطه في العبادة؟

والجواب بوجهين:

الاول: ان الآية لا تحصر النشاط المسموح في العبادة وانما تحصر الهدف من الخلق في ذلك فلا مانع من عمله في سائر المجالات ولكنه بالطبع ينبغي أن يحدّ منها مهما أمكن ويقتصر على المقدار الضروري لا كما هو سيرتنا في الحياة حيث نجعل العبادة امرا هامشيا نلجأ اليها اذا سمحت لنا الاوقات وكنا فارغي البال فالذي يشغل بالنا في الغالب هو ما ينبغي ان يكون في الهامش والذي يجب ان نتفرغ له ونطرح كل شيء جانبا من اجله اصبح لنا حاجة ثانوية حتى ان اللعب يمنعنا في الغالب من المبادرة الى الصلاة بل ظهر في المجتمع الاسلامي من يفتي بأن اللاعب اذا زاحم الصوم لعبه جاز له ان يفطر!!! واين هذا من سيرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حيث كان ينتظر الاذان بفارغ الصبر ويقول (أرحنا يا بلال) مع أنه ما كان يشتغل في غير وقت الصلاة بشؤون الدنيا بل كان كل ما يفعله عبادة ولكنه كان يعشق الصلاة ويحب الاعراض عن الناس حتى المؤمنين والتوجه بكل قلبه الى ربه وكان على ما يروى يشتغل بعد صلاة الفجر بالدعاء والتعقيب الى طلوع الشمس ويجلس امير المؤمنين عليه السلام خلفه ويواجه الناس ويجيب على اسئلتهم حتى لا يمنعوا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من انقطاعه الى ربه.

والثاني: أن حصر الهدف في العبادة لعله يستوجب أن يحاول الانسان ان يجعل كل نشاطه عبادة وهذا أمر ممكن فالعبادة ليست بمعنى الصلاة والصوم والحج بل كل ما يعمله الانسان بقصد التقرب الى الله مع كونه مما يمكن التقرب به اليه يعتبر عبادة ويقال ان كثيرا من اولياء الله تعالى لا يعملون شيئا الا بقصد التقرب فهم دائما في عبادة حتى نومهم وتلذذهم وبالطبع من كان كذلك فانه لا يتناول في اكله وشربه الا بمقدار حاجته ليتقوى بذلك على الاتيان بما يجب ويتجنب ما يحرم ولا يبحث عن كل ما يتلذذ به.

السؤال السادس: انه كيف يكون لله تعالى هدف وغرض في خلقه لشيء من مخلوقاته وهو غني عن الخلق ولا نقص له ليستكمل بخلقه ولا حاجة له الى شيء ولا تنفعه عبادة الجن والانس وهذا امر واضح؟

والجواب عنه: أن الهدف ليس بمعنى ما نعتبره هدفا وغرضا لافعالنا مما يعود نفعه الينا بل هو بمعنى ما يعود الى نفس المخلوق فمعنى كون العبادة غرضا وهدفا في خلق الانسان أنه الهدف الذي يجب عليه ان يتبعه فان تركه فسوف يتضرر بنفسه. وبعبارة اخرى مقتضى حكمة الله تعالى ان تكون افعاله لحكمة وغرض ولا تكون عبثا ومقتضى غناه ان لا يعود النفع اليه فالحكمة في خلق الجن والانس هو العبادة ونفعها يصل اليهم. ولذلك لم يقل في التعبير عن الغرض (لاُعبد) او (لاكون معبودا) بل قال (ليعبدون) فالهدف هو عابديتهم لا معبودية الباري جل وعلا.

ويمكن أن يقرر الجواب بوجه آخر وهو أن عبادة الجن والانس لها تأثير مهم في الكون فالذي يعبد الله تعالى يربط بين السماء والارض ربطا اختياريا من الارض اي من عالم الطبيعة وربما لا نعقل تأثيره الا أن من المحتمل وجود هذا التأثير فهو يصحح كون الهدف من خلقهما العبادة الاختيارية وليس ذلك كالتسبيح التكويني الذي يصدر عن كل مخلوق كما قال تعالى (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ)[2] واذا كان كذلك فالذي لا يعبد الله تعالى من الجن والانس يعتبر وجوده زائدا لا فائدة فيه بل ربما يكون مضرا يجب حذفه. 

السؤال السابع: انه اذا كانت العبادة هي الهدف الذي يقصده الخالق من الخلق فكيف يمكن ان  يتخلف شيء عن ارادته تعالى؟ وكيف يمكن لبعض الناس ان لا يعبدوه ويخالفوا بذلك الغرض الذي قصده الله تعالى وبعبارة واضحة الهدف من الفعل امر يترتب عليه بصورة طبيعية فاذا اردنا نحن ان نصل الى هدف وعلمنا ما هي الوسيلة وحققناها فلا محالة يتحقق الهدف والله تعالى عالم بكل شيء فلا بد من ان يخلق ما يحقق هدفه فلماذا خلق هذه الخلائق الكثيرة من الثقلين التي لا تحقق الهدف؟

والجواب: ان الهدف هو العبادة الاختيارية ولا فائدة في عبادة يرغم العابد عليها ولا يتحقق هذا الهدف الا بما صنعه الله تعالى من خلق انسان عاقل جعل فيه شتى الغرائز مع العقل والقدرة على التفكير ثم ارسال الرسل وانزال الكتب وتعليمه وتثقيفه وتطميعه بالثواب وتحذيره من العقاب ليتحقق منه الهدف المنشود وهو حاصل من عبادة بعضهم. وربما يكون الهدف الاسمى هو العبادة التي لا تتسم بطلب الثواب والفرار من العقاب فجعل الله تعالى في بعض عباده قابلية المعرفة ليتمكنوا من خرق الحجب والوصول الى قمة العرفان الالهي بل الرؤية بالقلب ومشاهدة الجمال المطلق بعين البصيرة فيعبدونه عرفانا لحقه من دون طمع او خوف كما قال امير المؤمنين عليه السلام على ما نسب اليه (ما عبدتك خوفا من نارك ولا طمعا في جنتك ولكن وجدتك اهلا للعبادة فعبدتك). وبناءً على هذا الجواب فالالف واللام في الجن والانس للجنس كما اختاره العلامة الطباطبائي رحمه الله وليس للاستغراق فلا يلزم ان يكون الهدف من خلق كل فرد العبادة بل الهدف من خلق هذا الجنس هو تحقق العبادة ولو من بعضهم وهو حاصل بأكمل وجه.

ولكن قال بعضهم انه للاستغراق وان الهدف هو الصلاحية للعبادة بجعل الاختيار والقوى التي تستلزمها وهي حاصلة للجميع. وهذا خلاف ظاهر اللفظ مع انه غير صحيح فان مقتضاه ان الهدف حاصل بمجرد تحقق الصلاحية فالهدف محقق في الطبيعة ولا دخل للانسان في تحققه ولا يُحدث هذا الاعلان اي تحرك في الانسان نحو العبادة مع انه هو القصد من بيانه. هذا مع ان الصلاحية بذاتها لا يمكن ان تكون مقصودة بل هي مقصودة لهدف أسمى وهو تحقق العبادة بذاتها فلا فائدة في الصلوح ان لم تتحقق العبادة بالفعل فيعود الاشكال.

السؤال الثامن: انه لو كانت الآية تعني أن العبادة هي الهدف من الخلق فهي تنافي قوله تعالى (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)[3] بناءً على أن الاشارة في قوله (ولذلك) الى الاختلاف فهو تعالى خلقهم لكي يختلفوا. وكذلك تنافي قوله تعالى (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ)[4] والهدف بناءً على هذه الآية هو ان يكونوا وقودا لجهنم كما قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ..).[5]

والجواب عن الآية الاولى أن الاشارة انما هي الى الرحمة وهي جملة معترضة تبين أنهم لم يحققوا الهدف من خلقهم فاستحقوا النار والله تعالى انما خلقهم ليرحمهم وهي غاية وراء الغاية المذكورة في الآية مورد البحث فالله تعالى خلقهم ليعبدوه وانما أراد منهم العبادة ليرحمهم فهي الغاية النهائية والرحمة مقتضى رحمانيته لا يهدف من ورائها شيئا. واما عن الآية الثانية ان اللام هنا ليس لبيان الهدف والغرض بل لبيان العاقبة التي يصلون اليها لا محالة كما يقول الشاعر (لدوا للموت وابنوا للخراب) والانسان لا يهدف من طلب الولد الموت ولا يهدف من البناء ان يهدم ولكنهما العاقبة المحتومة فالعاقبة لهؤلاء هي النار لانهم لا يعقلون بقلوبهم ولا يبصرون بأعينهم ولا يسمعون بآذانهم مع أنها تؤدي وظائفها بالطبع والواقع أن لام العاقبة هي لام الغرض ولكن كونه غرضا انما يصح بنحو الادعاء او التجوز فمعنى الآية بناءً على ذلك ان الله تعالى وان خلقهم ليرحمهم الا انهم حيث تنجر بهم اعمالهم الى النار فكأنه تعالى خلقهم ليكونوا وقود النار.

ويمكن أن يقال بوجه آخر ان الله تعالى خلق الجن والانس ليعبدوه ولكن هذا ــ كما مر ــ هو الغرض من خلق الجنس لا من خلق كل فرد وحيث كان الهدف لا يترتب الا في ظرف الاختيار فكان لا بد من انحراف كثير منهم عن الصراط المستقيم المؤدي الى عبادة الله ثم الى القرب لديه تعالى فكون الاكثرية متوجهين الى طريق جهنم نتيجة طبيعية لخلقهم احرارا عقلاء وهو بدوره داخل في الهدف الاساسي من الخلق فصح أن يقال انهم خلقوا من اجل جهنم وذلك كما أن من يأتي بجيش جرار ليكسب نصرا فهو يعلم أن كثيرا منهم سيقتل وهو نتيجة طبيعية للحرب فيصح ان يقال ان الغرض من تجنيد كثير منهم هو الموت مع أنه ليس هو الغرض ولو تمكن القائد لحافظ على حياة كل فرد منهم الا أن الحرب بطبيعتها تؤدي الى موت كثير منهم فالموت للبعض غرض ايضا ولكنه غرض ثانوي لا بد منه لتحقيق النصر وكذلك انحراف الكثير بل الاكثر غرض ثانوي لابد منه بطبيعة الحال لتحقيق الهدف الاسمى وهو عبادة الاحرار التي لا تتحقق الا ببذل الحرية للجميع وهو بدوره يجرهم الى النار بسوء اختيارهم.

مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ... (من) زائدة تفيد التأكيد اي لا اريد منهم رزقا ولا جزءا من رزق. وهذه الآية تبين أن الله تعالى غني عن عباده ولا يقصد من عبادتهم او عبوديتهم مصلحة لنفسه وهذا امر واضح فالله تعالى لا يطلب من الانسان رزقا ولا يريد منه ان يطعمه بل هو لا يحتاج الى رزق ولا الى طعام فذكر ذلك مع كل وضوحه للتنديد بمن يمنّ على الله تعالى بعبادته وكأنه بذلك يرزق ربه شيئا او يقدم له طعاما وهذا غاية في الاستهزاء بهم والتشنيع عليهم. والرزق له معنى واسع ــ كما مر الكلام حوله في تفسير الآية 22 من هذه السورة ــ فهو يشمل كل ما يتوقف عليه تكامل الشيء. وذكر الاطعام بعد الرزق من باب ذكر الخاص بعد العام لمزيد من التشنيع بذكر اوضح مصاديق الرزق مع وضوح غناه تعالى عنه.

إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ... تعليل لعدم طلبه تعالى الرزق من أحد فان الرزق كله منه والاتيان بالضمير يفيد الحصر والرزاق مبالغة في الرازقية بل ليس هناك رازق غيره بالمعنى الذي ذكرناه في الآيات السابقة حيث ان الرزق من شؤون الربوبية وهو مرحلة ما بعد الخلق لكل موجود حي.

ولعلك تسأل: لماذا جعل الوصف المنحصر فيه تعالى الرزاق وهو من المبالغة مع انه لا رازق غيره فكان الاولى ان يقال هو الرازق؟

والجواب: انه حيث كان تعالى لا يكتفي في رزق الخلق بمقدار الكفاية بل يزيد في رزقهم حسب ما هو موجود في الطبيعة ولا يختص ذلك بشأن من الشؤون بل يرزقهم من كل جهات الحاجة المادية والمعنوية ويزيدهم في كل ذلك فلم يناسب توصيفه بالرازق بل هو الرزاق. اما زيادته في الحاجات المادية فهي واضحة فالله تعالى لم يقتصر في هذا المجال برفع الحاجة بل خلق لنا من الفواكه وغيرها كل ما لذّ وطاب وزيّن الارض بالمناظر الطبيعية الخلابة وهدى الانسان الى خلق انحاء الزينة في المسكن والملبس وغيرهما. واما الزيادة في الحاجات المعنوية فهو بلطفه العميم لم يكتف بان وهب للانسان العقل وهو كاف في الحجية بل ارسل الرسل وانزل الكتب وجعل له الحجج والائمة الذين يدعون الى الصراط المستقيم وهم بسيرتهم مثل للمؤمن الصالح.

وتوصيفه بالقوة لدفع توهم أنه بحاجة الى من يساعده في اي شأن من شؤونه والحصر هنا ايضا يفيد انه لا قوة في الكون الا به تعالى بل لا وجود الا به فكل شيء سواه ليس الا نفس الافتقار الى الله تعالى. والمتين من المتن اي القوة والصلابة الثابتة فالقوة فيه تعالى لا يستند الى شيء ولا يعتمد على شيء وكل قوة تفرض غير قوته يستند الى قوته تعالى بل غالبا ما يستند الى قوى طبيعية ايضا فليس هناك قوة ذاتية ثابتة الا قوته تعالى.

فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ... الذنوب مأخوذ من الذَنَب وسمي به الدلو العظيم ولعله كان له ذنب فسمي به ثم استعير للحظ والنصيب قال الشاعر (لنا ذنوب ولكم ذنوب) اي حظ من ماء البئر. والآية تهدد المشركين وتعبر عنهم بالذين ظلموا لان الشرك بنفسه ظلم قال تعالى (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)[6] وليس الشرك ظلما على الله كما يتوهم فان الظلم لا يقع عليه تعالى كما قال (وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)[7] بل الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه ولا يتوقف صدقه على وجود مظلوم.

ويمكن ان يكون السبب في التعبير انهم ما كانوا يكتفون بشركهم بل كانوا يمنعون الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من نشر دعوته ويمنعون الناس من الارتباط به والاستماع اليه فحذرهم الله تعالى في مواضع من كتابه الكريم بأنهم يستحقون مثل ما نزل على الامم السالفة من العذاب وهم المراد باصحابهم في الآية عبر بذلك للمشابهة بينهم فالمراد بالذنوب النصيب والعاقبة. وحيث كانوا يستهزئون بهذه التحذيرات ويقولون (متى هذا الوعد ان كنتم صادقين) ردّ عليهم ونهاهم عن الاستعجال بالعذاب بقوله تعالى (فلا يستعجلون) بكسر النون وتقدير الياء اي لا يستعجلوني ولا يطلبوا مني العجلة فان ذلك ليس في مصلحتهم وانما يؤخرهم الله رفقا بهم ولعلهم يهتدون. وسيأتي الكلام حول تحقق هذه العاقبة.

فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ... الويل كلمة تقال للتنديد بأحد والتقبيح لفعله ويختلف معناها باختلاف الموارد كما يظهر من موارد الاستعمال والذي تفيده هنا هو التهديد كما هو واضح. والمراد بالذين كفروا هم نفس من عبر عنهم بالذين ظلموا ولكنه لم يأت بالضمير بل ابدله الى الاسم الظاهر تنبيها على أن المناط في استحقاق العذاب هو الكفر.

والمعروف في التفاسير أن المراد باليوم الموعود يوم ينزل عليهم العذاب بأيدي المؤمنين ويستأصل شأفتهم وهو يوم بدر. ولكنه بعيد لانه ليس كذَنوب السابقين من الكفار حيث لم ينزل العذاب يوم بدر على جميع الظلمة ولم يستأصلهم. والفاء في قوله (فويل) تدل على الترتب وان التحذير من هذا اليوم يترتب على مضمون الآية السابقة وهو تشابه عواقبهم مع من قبلهم. وقيل ان المراد به يوم القيامة وهذا أبعد لنفس الوجه السابق لان الظاهر من الآية السابقة ان المراد عذاب الاستئصال في هذه الدنيا.

ويحتمل أن يكون المراد ما ذكرناه في تفسير قوله تعالى (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ)[8] من أن المراد تهديدهم بأن ذلك متوقع وانكم تستحقونه وليس اعلاما بالتحقق فعلا لان لنزول عذاب الاستئصال شروطا لم تتحقق فيهم ولذلك قال تعالى (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)[9] ولمّا آل الامر الى تفكك قواعدهم ودخول الناس في دين الله افواجا لم يبق ما يستوجب نزول العذاب العام. وقد مر بعض الكلام حول هذا الموضوع ايضا في تفسير قوله تعالى (وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا).[10]

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطاهرين ونسأل الله التوفيق لاكمال هذا التفسير. 

 


[1] الحجر: 26- 27

[2] الاسراء: 44

[3] هود: 118- 119

[4] الاعراف: 179

[5] التحريم: 6

[6] لقمان: 13

[7] البقرة: 57/ الاعراف: 160

[8] الدخان: 10

[9] الانفال: 33

[10] الفتح: 25