مكتب سماحة السيد مرتضى المهري

سورة الطور مكية تتناول موضوع المعاد والتأكيد على وقوع ما وعده الله تعالى يوم القيامة من الثواب والعقاب مع بيان بعض خصائص الامرين ثم تؤكّد على رسالة الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلّم وتردّ على أقاويل المشركين وتسويلاتهم بطريقة السؤال والاستنكار وتأمره صلى الله عليه وآله وسلّم بالصبر مع التهديد بالعذاب لمناوئيه.

وَالطُّورِ... قيل المراد به الطور بالمعنى العام وهو يطلق على كل جبل وقيل يطلق على كل جبل فيه شجر ولم يثبت ذلك ففي معجم المقاييس انه في الاصل بمعنى الامتداد في الشيء ولذلك سمي به الجبل. ولكن الظاهر أن المراد بالطور هنا طور سيناء وهو الجبل الذي نودي بجانبه موسى عليه السلام بالرسالة قال تعالى (وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا)[1] وهو من أعظم بقاع الارض حيث تجلى فيه الله تعالى لكليمه وأمره بأن يخلع نعليه فانه بالوادي المقدس وسماه في موضع آخر طور سينين وأقسم به ايضا قال تعالى (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ).[2] والمعروف أنه اسم جبل في فلسطين ولكن بعض التحقيقات الأخيرة تؤكد أنه وراء خليج العقبة في اراضي الحجاز حاليا والله العالم.

ومهما كان فان الله تعالى بدأ هذه السورة بالقسم بمقدسات على الارض وامور مبهمة او غيبية لبيان أمر عظيم وهو وقوع العذاب الالهي في موعده المقرر لا محالة حيث قال تعالى (ان عذاب ربك لواقع). وقد مر الكلام في ما اقسم به الله تعالى في تفسير سورة الذاريات.

وقد تكرر القسم بامور مبهمة في القرآن وهذا نوع من الادب الرمزي حيث يؤتى بمقدمات مبهمة يحثّ السامع على التأمل في النص وفي المعنى الذي هو المقصود بالذات وهو مذكور بصراحة. ولعل مناسبة القسم بالطور لهذا الامر هو أنه تعالى منّ على البشر بتجليه في الطور لارسال الرسول اليهم وإبلاغهم رسالة السماء وتحذيرهم من العذاب الذي يترتب على ظلمهم في الارض.

وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ... السطر صف مجموعة من خطوط الكتابة او الشجر او البشر ونحو ذلك فهو يدل على اصطفاف بانتظام. والكتاب: المكتوب. والرق: الجلد الرقيق الذي كان يستعمل قديما في الكتابة. والنشر هو البسط. فالمقسم به هنا كتاب كتبت اسطره في صفوف منتظمة وعلى صفحات من جلد رقيق وهو منشور اي لم يلفّ ويجمع بل هو مفتوح يقرأه من يشاء. او المراد من النشر الانتشار في الناس فهو ليس كتابا مغمورا لا يعرفه الناس.

ولعل التخصيص بالرق لئلا يشمل ما لو كانت مجموعة من المطالب المنتظمة ولكن لم تكتب ولم تنشر. ولا يبعد بقرينة الطور ان يكون المراد به التوراة وهي من اوسع الكتب انتشارا في تلك الحقبة من الزمان ويتبين مناسبة القسم بما ذكرناه في القسم بالطور. وقيل المراد به المصحف الشريف. وقيل الكتاب الذي يلقاه الانسان منشورا يوم القيامة وقد سجل فيه اعماله. ويلاحظ ان الكلمة نكرة فتنطبق على اي كتاب بهذا الوصف وهذا يزيد في ابهامه.

وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ... العمران يطلق على البناء وعلى كثرة اختلاف الناس الى مكان مّا. وعلى كل منهما يمكن ان يحمل قوله تعالى (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ..).[3] والمعروف ان المراد بالبيت هنا الكعبة المعظمة سميت به على أساس المعنى الثاني للعمران وذلك لكثرة الطائفين حولها وعدم انقطاعهم وقيل هو بيت المقدس بقرينة الطور. ولكن هناك روايات في كتب الفريقين مفادها ان البيت المعمور موضع في السماء تصلي فيه الملائكة فقد روى السيوطي في الدر المنثور عدة روايات عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم وعن امير المؤمنين عليه السلام في ذلك وورد ذكره في روايات كثيرة ايضا من طرقنا وهي وان لم تفسر الآية الا انها تفسر هذه الكلمة.

وقد مر بعض الكلام حول هذا المعنى في تفسير قوله تعالى (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ..)[4] حيث ذكرنا الاشكال في نزول القرآن في ليلة واحدة مع انه نزل في اكثر من عشرين سنة واجيب عنه بوجوه منها ان القرآن نزل في ليلة القدر في البيت المعمور وهو بيت في السماء ثم نزل تدريجا على الارض. واعترض على هذا الوجه باستغراب تفسير البيت المعمور ببيت في السماء باعتبار ان المراد به في قوله تعالى (وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ) الكعبة المعظمة. وقلنا هناك ان ذكر هذا البيت ورد في روايات كثيرة في كتب الفريقين سنذكر بعضها فالاستغراب لا وجه له ولا يبعد ان يكون له معنيان بل يمكن ان يكون المراد به هنا ايضا ذلك ولعل المراد بالبيت الذي في السماء غير ما هو المفهوم من اللفظ لدينا.

وقد ورد ذکره في الدعاء (12) من الصحيفة السجادية ومضمونه الصلاة على الملائكة الكرام قال (والطائفين بالبيت المعمور) ويبعد ارادة الكعبة المعظمة.

وروى الكليني بسنده عن حفص بن غياث عن أبي عبدالله عليه السلام قال: (سألته عن قول الله عز وجل: "شهر رمضان الذي انزل فيه القرآن" وإنما انزل في عشرين سنة بين أوله وآخره؟ فقال أبوعبدالله عليه السلام: نزل القرآن جملة واحدة في شهر رمضان إلى البيت المعمور ثم نزل في طول عشرين سنة.. الحديث)[5] ورواه الصدوق عنه ايضا.[6]

وروى الكليني ايضا بسند صحيح عن زرارة والفضيل عن أبي جعفر عليه السلام قال: (لما اسري برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى السماء فبلغ البيت المعمور وحضرت الصلاة فأذن جبرئيل وأقام فتقدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصفّ الملائكة والنبيون خلف محمد صلى الله عليه وآله وسلم).[7]

وروى عن علي بن محمد عن إسحاق بن محمد عن عبدالسلام بن صالح عن الرضا عليه السلام في الذي تدركه الصلاة وهو فوق الكعبة قال: إن قام لم يكن له قبلة ولكنه يستلقي على قفاه ويفتح عينيه إلى السماء ويعقد بقلبه القبلة التي في السماء البيت المعمور ويقرأ فإذا أراد أن يركع غمض عينيه فإذا أراد أن يرفع رأسه من الركوع فتح عينيه والسجود على نحو ذلك).[8] وهذه الرواية ضعيفة لا يعمل بها.

وفي حديث (أما بدء هذا البيت فإن الله تبارك وتعالى قال للملائكة: "إني جاعل في الارض خليفة " فردت الملائكة على الله عزّ وجلّ فقالت: "أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء" فأعرض عنها فرأت أن ذلك من سخطه فلاذت بعرشه فأمر الله ملكا من الملائكة أن يجعل له بيتا في السماء السادسة يسمى الضراح بإزاء عرشه فصيره لاهل السماء يطوف به سبعون ألف ملك في كل يوم لايعودون..)[9]

الى غير ذلك من الروايات وهي كثيرة وفي ابواب مختلفة. وورد في المقدمة التاسعة من تفسير الصافي تفسير البيت المعمور بقلب الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم.[10] ولكنه لا دليل عليه وروايات الفريقين صريحة في انه بيت في السماء الا ان السند ضعيف في اكثرها ولكن فيها ما هو معتبر سندا. ومهما كان فظاهر الآية وان انصرف الى الكعبة المعظمة ولكن لا يبعد ارادة ما ورد في الروايات مع انها لم ترد في تفسير الآية. وعلى كلا المعنيين يتبين وجه مناسبة القسم للمقسم عليه وهو حتمية وقوع العذاب يوم القيامة بملاحظة ما ذكرناه في القسم بالطور.

وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ... الظاهر أن المراد به السماء كما قال تعالى (وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظا..)[11] وقال ايضا (وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ)[12] وسيأتي في تفسيرها ــ ان شاء الله ــ أنّ المراد بها الغلاف الجوي لانها هي التي نجدها كالسقف قد رفعت فوقنا واما الاجرام الفلكية التي نراها فكوكبنا جزء منها وليست سقفا مرفوعا فوقنا.

وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ... من معاني السجر الملء فقوله والبحر المسجور اي المملوء ماءا وهذه البحار من آيات الله الكونية ومن نعمه على الانسان. وقيل اي الذي ذهب ماؤه وذلك في يوم القيامة وعلى هذا فالسجر من الاضداد قال الخليل رحمه الله (والبحر المسجور المفعم الملآن وقال وقوله تعالى واذا البحار سجّرت اي غيضت) وغيض بمعنى نقص.

وقيل ان السجر بمعنى الاتقاد وان منه قوله تعالى (وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَت) [13] اي اُشعلت نارا وقد ورد السجر بمعنى الايقاد وتهييج النار ومنه سجرت التنور وقد قال تعالى (فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ)[14] وعليه فيكون المراد هنا الاقسام بالبحر المشتعل نارا يوم القيامة او حين اقترابها.

وفسره بعضهم بالمواد الذائبة التي تشتعل في جوف الارض وكأنه استبعد اشتعال البحر. الا أن هذا المعنى والذي قبله لا يناسبان سائر ما اقسم به هنا فان قوله تعالى (واذا البحار سجرت) بصدد بيان وقايع يوم القيامة او ما هو قريب منه واما هنا فانما يقسم ببعض آياته تعالى ونعمه على الانسان على أن عذاب يوم القيامة لواقع ولذلك فرق الخليل بين الآيتين في معنى الكلمة فالظاهر ان المراد في هذه الآية هو المعنى الاول اي المملوء.

إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ... هذه هي الجملة المقسم عليها. والظاهر ان المراد به عذاب يوم القيامة لقوله (يوم تمور السماء مورا) وهو يوم القيامة ولانه العذاب الذي ليس له دافع واما عذاب الدنيا فتدفعه امور كثيرة منها وجود الرسول بين قومه ومنها الاستغفار لقوله تعالى (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)[15] حتى ان قوم يونس ارتفع عنهم العذاب بعد نزوله كما قال تعالى (فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ).[16]

واختيار كلمة (ربك) بدلا عن اسم الجلالة يتضمن تهديدا لكفار مكة المناوئين للرسول صلى الله عليه وآله وسلم. والوقوع في الاصل ليس بمعنى الحدوث بل الهبوط من فوق وان استعمل كثيرا في الحدوث فالتعبير ربما يدل على أن العذاب حاضر مهيأ وكأنه في مكان مرتفع ينتظر الامر ليقع على من أراد الله عذابهم وهم المكذبون ليوم الدين لقوله تعالى (فويل يومئذ للمكذبين).

مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ... (من) زائدة تفيد تأكيد انتفاء اي دافع عن العذاب اي ما يدفعه ويمنع تحققه. والمراد ازالة كل توهم باحتمال التغيير والتأخير فان الانسان المغفل كثيرا ما يمنّي نفسه بمثل ذلك فاذا رأى من الآيات ما يرغمه على تصديق الرسالات فهو يحاول ان يقنع نفسه باعذار واهية ليستمر في تمتعه بالشهوات في الدنيا ومنها احتمال ان يتبدل الرأي او يحدث ما يمنع من وقوع ذلك كما لو حذّرت المراصد الفلكية مثلا باحتمال حدوث اصطدام بين الارض وبعض المذنبات مما يوجب هلاك البشر باجمعهم او اكثرهم فان الغالب وان خافوا على انفسهم الا انهم يمنّون انفسهم باحتمال حدوث انحراف في مسار المذنب وهكذا يتوهم الانسان أن أخبار يوم القيامة ايضا من هذا القبيل.

يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا... الظرف متعلق بقوله تعالى (ان عذاب ربك لواقع) والمور فُسِّر في اللغة تارة بالتردد السريع عَرْضا ويراد به الاضطراب واخرى باللين وثالثة بالسيلان يقولون مار الدم اوالدمع اي سال. والمفسرون فسروا الكلمة هنا بالاضطراب.

والكلام في أنه ما هو المراد بالسماء في هذه الآية؟ وما هو المراد باضطرابها؟ ومتى يقع؟ والوارد في التفاسير أن السماء هي مجموعة الكواكب والمجرات وأن هذا الاضطراب مقدمة لزوال النظام الكوني وأنه من حوادث الساعة اي يوم فناء هذا الكون. قال في الميزان (فيه إشارة إلى انطواء العالم السماوي كما يذكره تعالى في مواضع من كلامه كقوله: إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ [17] وقوله: يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُب.. ِ[18] وقوله: وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ.. [19] كما أن قوله: وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً إشارة إلى زلزلة الساعة في الأرض التي يذكرها تعالى في مواضع من كلامه كقوله: إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا * وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا * فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا [20] وقوله: وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً[21]).

ولكن الظاهر أن مور السماء ليس بمعنى زوالها فهو نظير انشقاق السماء وقد قال تعالى (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا * الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا)[22] وتشقّق السماء في هذه الآية على الظاهر بمعنى انفتاح ابوابها وتمكن الانسان من الارتباط بالملائكة بعد ان كان محروما عنهم في هذا العالم ولذلك كان التشقق بالغمام وهو السحاب والمراد به هنا ما يبقى بين الانسان والملك من حائل خفيف ولذلك ايضا نزل الملائكة تنزيلا بمعنى انهم نزلوا عن سموّهم وترفعهم عن الاختلاط بالبشر.

ومثله قوله تعالى (وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ)[23] فالسماء باقية ولكنها واهية اي مسترخية ضعيفة وقوله (وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا)[24] وغيرها من الآيات مما يدل على بقاء السماء يوم القيامة ولكنها واهية مفتوحة الابواب ووردة كالدهان وهي كالمهل اي الزيت او النحاس المذاب. وهذه الآيات تختلف في مضمونها عما يدل على فناء الكون المادي من الكواكب والمجرات كقوله تعالى (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ).[25]

وهكذا يتبين أن المراد بالسماء هنا عالم الملائكة لا السماء بالمعنى المادي كما يتبين أن ظرف وقوع هذا الامر هو يوم القيامة وليس يوم انهدام العالم وطي السماء ويدل على ذلك ما سنذكره ان شاء الله تعالى في تفسير الآية التالية.

وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا... المعروف في تفسير الآية أن المراد بتسيير الجبال زوالها وانعدامها يوم فناء الكون وقد مر بنا كلام العلامة الطباطبائي قدس سره وهو امر محتمل هنا وفي مثل قوله تعالى (وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ)[26] قال العلامة في تفسيرها (سيرت بما يصيبها من زلزلة الساعة من التسيير فتندك وتكون هباءا منبثا وتصير سرابا على ما ذكره سبحانه في مواضع من كلامه) ومثله قوله تعالى (يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا)[27] وانهدام الكون أمر واقع لامحالة لقوله تعالى (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ)[28] وغيرها من الآيات.

ولكن الظاهر ان الآيات التي تخبر عن تسيير الجبال او بعضها على الاقل تحكي حوادث يوم القيامة لا يوم انهدام الكون المادي قال تعالى (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا * يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ..)[29] فقوله تعالى (يومئذ يتبعون الداعي..) يدل على أن هذا من خصائص يوم القيامة حيث يحيي الله تعالى نفوس البشر.

وقال تعالى (وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا)[30] وهو كالصريح في ان تسيير الجبال يتم في يوم الحشر ومثله قوله تعالى (إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا * وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا * فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا).[31]  حيث ورد بعدها قوله (وكنتم ازواجا ثلثة..) وذلك لا يكون الا يوم الحشر اي بعد النفخة الثانية وهنا ايضا تدل الآيات التالية على ذلك فان قوله تعالى (فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ..) واضح في المراد بهذا اليوم وكذلك قوله تعالى (إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا * وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا * يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا)[32] وهكذا غيرها.

وملاحظة مجموعها تقضي بأن المراد بها أمر آخر غير زوال الكون الذي يتحقق بالنفخة الاولى وهذا الامر هو انكشاف الواقع في المحشر وعدم امكان تستر الانسان بشيء ولا اللجوء الى شيء كالجبال فما في سورة طه من أنه تعالى ينسف الجبال ويترك الارض مستوية لا فيها مرتفعات ولا تعاريج او طرق ملتوية يمكن ان يكون كناية عن عدم امكان التستر ذلك اليوم وأنّ الحقائق واضحة مكشوفة للجميع وكذلك بروز الارض في سورة الكهف وحمل الارض والجبال ودكهما معا في سورة الحاقة وغير ذلك من التعابير الواردة في الآيات.

والحاصل أنه لا يبعد ان يكون تسيير الجبال هنا ايضا كناية عن عدم امكان التستر في ذلك اليوم ولا اللجوء الى ملجأ فان الانسان الساذج ربما يمنّي نفسه باللجوء الى ما يلجأ اليه في الارض، كما قال ابن نوح عليه السلام (سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّه إِلَّا مَنْ رَحِمَ..).[33] ولعل هذا هو السبب في سؤال المشركين عن الجبال المنقول عنهم في الآية التي نقلناها عن سورة طه (ويسألونك عن الجبال) فكأنهم كانوا يمنون أنفسهم باللجوء اليها والاختفاء فيها.

ومن الاخطاء الخطيرة للانسان مقارنة حقائق ذلك العالم بما يراه ويشعر به هنا وهذا الخطأ نجده في المؤمنين ايضا. والكافر وان أنكر يوم القيامة الا أنه لا يمكنه نفي الاحتمال فهو يمنّي نفسه ايضا بهذه الاماني الخاطئة وكان منهم من يدفن معه المجوهرات او يحمل معه السلاح ومنهم من يعوّل على بطشه وقوته كما حكي عن بعض كفار قريش او على ماله او وجاهته او على شفعائه وهكذا.. والقرآن يرفع هذه الغشاوة عن اعين البشر ويصرح بان ذلك اليوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة ولا ينفع مال ولا بنون. وما ورد في هذه الآيات ايضا يدخل في هذا السياق ويبين للانسان انه لا مهرب ذلك اليوم من عذاب الله تعالى بل ان عذاب الله تعالى على الارض ايضا لا مهرب منه كما قال نوح عليه السلام في جواب ابنه.

فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ... الويل كلمة تقال للتنديد بأحد والتقبيح لفعله ويظهر من موارد الاستعمال أن معناها يختلف حسب الموارد والذي تفيده هنا هو التهديد. والمراد بالمكذبين الذين يكذبون بيوم الدين وذلك بقرينة ان السياق وارد في التأكيد عليه وهذا اعلام من الله تعالى بتعاسة حال المكذبين بيوم الدين في ذلك اليوم حيث يواجهون عقاب الله تعالى وهو حصيلة اعمالهم فكيف يكون حالهم وقد كانوا في خوض يلعبون؟!

وقد تكرر التعبير في القرآن بالخوض وهو في الاصل بمعنى الورود في الماء بحيث يغمره. ويستعار به لمن اشتغل بشيء والتهى به بحيث لم ينتبه الى ما حوله والى ما ينتظره من خطر ولا يطلق غالبا الا في مورد الانغمار بالباطل والخوض فيه قال تعالى (وَإِذا رَأَيْتَ الَّذينَ يَخُوضُونَ في‏ آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا في‏ حَديثٍ غَيْرِهِ...).[34] اي يخوضون في تكذيب الآيات والاستهزاء بها.

وتنكير الخوض للتعجيب منه اي في خوض عجيب وفعل المضارع يدل على الاستمرار والمراد انهم بصورة مستمرة في حال اللعب خائضين فيه وذلك لان كل ما يهمهم شأنه فهو لعب وباطل. واللعب هو الفعل الذي لا تترتب عليه نتيجة مهمة الا ما يترتب على افعال الاطفال من الانشغال بالاشياء التافهة لئلا يشتغلوا بما يضرهم. وكل ما يفعله مكذبو القيامة من هذا القبيل حتى ما اعتبروه من الامور الجادّة كالتجارة والسياسة والدراسة والبحث العلمي فانهم في جميع الاحوال يلعبون بمعنى انهم تستهويهم الامور التافهة وتشغلهم عن اهم الامور والاخطار فالذي يسير نحو الهاوية بقطار سريع يجب ان لا يشغله شيء الا محاولة انقاذ نفسه ومن معه فاذا اشتغل بأيّ امر آخر مهما كانت نتيجته فانه اشتغال بامر تافه في تلك الحال وهذا حال الركب البشري البائس في جميع القرون.

هذا في ما اذا كان شغلهم الشاغل مما يتراءى له في ظاهر الامر فائدة ــ كما يظنون ــ من تجارة وسياسة ودراسة ونحو ذلك وان كان كلها لعبا ولهوا اذا اشتغل الانسان بها عن الآخرة والاهتمام بشؤونها ولكن الافظع في هذا العصر ــ وهو على ما يقال عصر العلم والعولمة ــ ان اكثر ما يشغل بال الغالب من الناس حتى الكبراء والامراء هو اللعب بمعناه الواضح والصريح وهم لا يتورعون عن تسميته لعبا فتجد ان اكثر الدول تصرف الاموال الطائلة في سبيل اللعب ككرة القدم مثلا ولا يغرنكم تسميته عند بعضهم بالرياضة فما هو الا اخفاء للحقيقة وخداع للنفس فما يهتمون به في هذا الشأن ليس من الرياضة النافعة للجسم بل هو كما يعترفون به منشأ لبعض الامراض.

اضف الى ذلك ما يسمونه بالفن من انحاء الغناء والموسيقى المثيرة والافلام الناشرة للفساد الاجتماعي والداعية للانحلال الخلقي الى غير ذلك مما يترفع المؤمن حتى من ذكره. وليس هذا الخوض العجيب في اللعب الا نتيجة الكفر المنتشر في عواصم الثفافة البشرية والذي تصلنا امواجه شئنا ام ابينا. والسر في حثّ الدول على ذلك هو إغفال الناس عن الاوضاع السياسية والاقتصادية للبلد ليتمكن سراق المال العام من نهب الثروات.     

يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا... (يوم) ظرف للدّعّ وبدل عن (يوم تمور) او مفعول لفعل مقدر اي اذكر يوم يُدعُّون. والدعّ هو الدفع بعنف وشدة. والمعنى واضح ولكن ربما يثير هذا التعبير استغرابا في النفوس فهو يصوّر التعامل مع الكفار والمجرمين بقسوة وعنف لا مثيل له في الارض وهكذا سائر التعابير التي نجدها في القرآن الكريم في هذا الموضوع ولعل بعض الغافلين يستبعد ان يكون ذلك واقعيا ويتوهم أنه للتهويل ولكن القائل هو الله تعالى وهو لا يعبّر بمبالغة.

ولكن الذي يهوّن الخطب أن هذا التعامل ليس مع كل من عصى وخالف حتى الكفار منهم بل هو عاقبة المكذبين والمراد بهم المشركون من قريش وامثالهم في كل عصر ممن لا يألون جهدا لبثّ الكفر وتكذيب الرسالات بل يعلنون عداءهم لله تعالى والله قد أمهلهم في الدنيا ولم يعذبهم فما زادوا الا كفرا وبغضا فحقّت عليهم كلمة العذاب.

هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ... هل هذه جملة تقال لهم حين يصلون الى حافة النار تنكيلا بهم فان الكلام ربما يجرح النفوس بما لا تجرحه المدى والسيوف ام انه لسان الحال فهم حيث يجدون ذلك كأنهم يخاطَبون بهذه الجملة ويُعيَّرون بتكذيبهم لهذه الحقيقة الواضحة ؟ يحتمل كلا الامرين ولكن الاقرب في النظر هو الثاني.

أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ... تعيير آخر لهم على الوجهين السابقين حيث كانوا يتهمون الانبياء بالسحر حين مشاهدة الآيات والمعجزات فيقال لهم ذلك اليوم لو كان كل ذلك سحرا فهل هذه النار ايضا من السحر وليست حقيقة ــ وهذا هو معنى الفاء في الآية ــ ام انتم لا تبصرونها كما كنتم تدعون انكم لا تبصرون آيات الله تعالى؟ هذا وهم يرونها باعينهم وتلفح وجوههم وهجها وهذا غاية في التهكم والاستهزاء.

اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ... الصلي مقاساة حرارة النار والاحتراق بها ولا يبعد ان يكون الخطاب امرا تكوينيا فهم مرغمون على الاحتراق والصلي ويقال لهم ان صبرهم هنا لا فائدة فيه فالانسان في الحياة الدنيا اذا صبر على الآلام يحصل على قوة جسمية وروحية وربما يحصل على ثواب في الآخرة ولكن الصبر يوم القيامة لا اثرله وكذلك الجزع فهو ربما يفيد في الدنيا ويجلب ترحما وشفقة من المباشر للتعذيب او الآمر به وهو هناك لا يؤثر شيئا فالصبر والجزع مساويان وهذا الامر ايضا مما يتبين هناك بوضوح فلا حاجة الى خطاب. و(سواء) مصدر بمعنى اسم الفاعل اي متساويان وهو خبر لمبتدأ مقدر اي صبركم وعدم صبركم متساويان والمصدر لا يثنى ولا يجمع.

إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ... هذه الجملة تردّ على من يستغرب هذه القسوة في التعامل مع الكفار والمشركين وذلك لان الجزاء هناك ليس قانونا وضعيا حتى يلاحظ فيه التناسب مع الجريمة بل هو انعكاس لنفس العمل وتجسيم له فما يجده الانسان هو نفس العمل بوجه ولا ينفعه الندم هناك فان العمل لا ينفك من عامله في اي عالم من العوالم. 

 


[1] مريم: 52

[2] التين: 1- 2

[3] التوبة: 18

[4] الدخان: 3

[5] الكافي ج2 ص 628

[6] الامالي ص119

[7] الكافي ج3 ص365 باب بدء الاذان

[8] الكافي ج3 ص470 باب الصلاة في الكعبة وفوقها

[9] الكافي ج4 ص265 باب بدء البيت

[10] تفسير الصافي ج1 ص65

[11] الانبياء: 32

[12] الغاشية: 18

[13] التكوير: 6

[14] غافر: 72

[15] الانفال: 33

[16] يونس: 98

[17] الانفطار: 1-2

[18] الانبياء: 104

[19] الزمر: 67

[20] الواقع: 4- 6

[21] النبأ: 20

[22] الفرقان: 25- 26

[23] الحاقة: 16

[24] النبا: 19

[25] ابراهيم: 48

[26] التكوير: 3

[27] المزمل: 13

[28] ابراهيم: 48

[29] طه: 105- 108

[30] الكهف: 48

[31] الواقعة: 4- 6

[32] المزمل: 12- 14

[33] هود: 43

[34] الانعام: 68