مكتب سماحة السيد مرتضى المهري

فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ... الفاء للتفريع اي حيث تبين مصير الفريقين فاستمرّ في تذكيرك وتحذيرك لتتم الحجة على الناس ولا تهتمّ بما يتوسّلون به من أعذار لعدم الانصياع للرسالة الالهية ثم يذكر بعض أعذارهم بصورة استنكار فمنها اتهامهم له تارة بالكهانة واخرى بالجنون. والفاء الثانية للتعليل اي يجب الاستمرار في التذكير لانك لست ــ بحمد الله وبما انعم عليك ربك ــ بكاهن ولا مجنون. والباء في (بنعمة) للسببية اي ما انت بسبب ما انعم الله به عليك كاهنا ولا مجنونا.

قيل انه لا يصح ان يكون سببا لان اكثر الناس كذلك فليس امتنانا خاصا به ولذلك أوّله العلامة الطباطبائي قدس سره بان المراد انك بنعمة الله عليك لا يمكن ان تكون من هذا القبيل فليس مجرد النفي. ولكن الظاهر انه لا حاجة الى التأويل فكل من ليس كذلك انما هو بنعمة ربه ولا حاجة الى تخصيص النعمة به صلى الله عليه وآله وسلم.

والكاهن من كان يخبر عن المستقبل بدعوى اطلاعه على الغيب عن طريق الجن وكانت الكهنة في ذلك العهد تعمد الى إخبار الناس عن الغيب بهذه الدعاوي الفارغة. ولكن الظاهر ان بعضهم كان يتلقى واقعا بعض الاخبار عن طريق الجن وأن الجن كانوا يتلقون الغيب عن الملائكة باستراق السمع ويزيدون عليه من عندهم ايضا ولما ولد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم او لما بعث انتهت الكهانة لان الجن منعوا من استراق السمع فلم يتمكنوا من ايصال الاخبار اليهم. وفي الآيات والاخبار ما يستفاد منه ذلك قال تعالى (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا)[1] وقد مر بعض الكلام حول ذلك في تفسير سورة الصافات.

أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ... (ام) منقطعة اي بل أيقولون شاعر وهكذا الحال في كل الموارد التالية والاضراب بمعنى نفي المورد السابق وبيان عذر اخر منهم. وقوله شاعر خبر لمبتدأ محذوف اي هو شاعر. والتربص: الانتظار وتوقع حدوث شيء ولو في المستقبل. والمنون: الموت. اطلق عليه لانه يقطع الملذات والمنّ هو القطع. والريب في الاصل هو الشك ويقال لما يُخاف وقوعه رابني الامر فيمكن ان يكون الريب مصدرا بمعنى المريب وتكون اضافة الريب الى المنون من اضافة الصفة الى الموصوف اي نتربص به الموت الذي يخاف منه وقيل المنون بمعنى الدهر وريب المنون حوادثه.

وهذا القول منقول عن بعضهم حيث كانوا يمنّون انفسهم بانه صلى الله عليه واله وسلم يموت كما مات من قبله من الشعراء ويبقى الناس يرددون شعره دون أن يتبعون دينه. وهذا كلام غريب لا يصدر من عاقل فان الفرق واضح بين دعوة الى دين وبين شعر ينشد حول شؤون الحياة في الدنيا والاول يستتبع مؤمنين يدافعون عنه ويتبعونه دون الثاني الا انهم لكبرهم وطغيانهم لم يتمكنوا من متابعة الراي السديد ولا من ابداء قول سديد فكانوا يتخبطون في مواجهة الرسالة المجيدة.

قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ... قيل: معناه انتظروا موتي فانا ايضا انتظر موتكم ولكنكم تنتظرون لي موتا طبيعيا وانا انتظر هلاككم بعذاب من الله تعالى ولو بايدي المؤمنين كذا في التفاسير. ويمكن ان يكون المعنى وانا ايضا انتظر موتي فلا يضرني الموت متى أراده الله تعالى فانه لا يأتيني الموت الا بعد أن ينتهي دوري وتنتهي مهمتي في أداء الرسالة كما أراده الله تعالى ولا يهمني الموت بعد ذلك بل انا استقبله بترحاب وانتظره فان الموت للمؤمن راحة وهو يتشرف بلقاء ربه فلا منقصة فيه بل هو انتقال الى مرحلة من الكمال قال تعالى (مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ)[2] ويؤيد هذا الاحتمال قوله تعالى (معكم) حيث يمكن ان يستفاد منه انه ينتظر ما ينتظرونه بعينه.

أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا... الاحلام إما ان يكون جمع حُلُم ــ بضمتين ــ او جمع حِلْم ــ بكسر فسكون ــ والاول بمعنى الرؤيا الباطلة والثاني بمعنى التأني والحكمة والمفسرون اعتبروه هنا بالمعنى الثاني باعتبار أن قريشا كانت تدعي الحكمة والعقل قيل لانهم كانوا يجتمعون مع مختلف الناس في الحج والعمرة فيزيدون خبرة وعقلا. والحلم وان لم يكن بمعنى العقل الا انه يستلزمه فيعبر به عنه والمعنى هل ان حكمتهم وعقلهم ــ كما يدّعون ــ هو الذي أمرهم بهذا اي بمواجهة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بهذا النحو من التخبط فتارة يعتبرونه كاهنا وتارة مجنونا واخرى شاعرا؟! وكيف يجمع بين الجنون والكهانة او الجنون والشعر؟! وهل من العقل مواجهة المنطق والاحتجاج بهذا النحو؟! ومعنى الامر البعث والتحفيز. وهذا التعبير ينفي عنهم العقل والحكمة والرزانة وليس ــ كما يتوهم ــ إقرارا لما كانوا يدّعونه من العقل والحكمة.

ويمكن ان تكون الاحلام جمع الحُلُم بمعنى الرؤيا الباطلة ويعبّر بذلك عن الاماني الكاذبة والاوهام فيكون الامر أوضح والاستفهام على الاول استنكار على اساس الاستهزاء بادعائهم الحكمة وعلى الثاني استنكار لمتابعة الاوهام والاحلام. والتعبير بالامر تجوز بمعنى انها هي السبب.

أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ... (أم) هنا ايضا منقطعة اي بل أهم قوم طاغون وقرئ (بل هم). اي ليس ما يقولون نتيجة تفكر وتدبير وحكمة او ليس من تاثير الاوهام والاحلام بل نتيجة طغيانهم وكبرهم وعدم انصياعهم للحق كما قال تعالى (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ).[3] واعتبر الطغيان صفة للقوم لا لافرادهم للاشارة الى أنه أصبح جزءا من كيانهم القومي فلا يكادون يتركونه.

أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ... عود الى مجموعة الاتهامات فهم تارة يتهمون الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالكهانة وتارة بالجنون واخرى بانه شاعر والمنقول في هذه الآية انهم يتهمونه بالكذب على الله تعالى. والتقول هو صنع القول من نفسه واسناده الى غيره وهذا مما لا يمكنهم ان يقولوه معتقدين به لانه صلى الله عليه وآله وسلّم كان بين اظهرهم اربعين سنة لم يسمعوا منه كذبا ولا رأوا منه خيانة ولذلك عرف بينهم بالصادق الامين ولذلك ردّ على هذا القول بانهم لا يؤمنون اي انهم يعلمون أن كلامهم باطل وهم لا يقولونه عن جدّ (وهذا يفهم من الاضراب) ولكن المشكلة تكمن في نفوسهم التي تأبى الايمان بالحق.

وهذه صفة نوع من البشر المنطوي على نفسه لا يتفتح ولا يقبل ولا ينصاع للحق مع وضوحه فهو دائما يتأبى من الايمان خصوصا بالامور الغيبية وكأن الرفض لكل ما يقال له جزء من طبيعته. والنبي صلى الله عليه وآله وسلم ابتلي بهذا النوع الصلف من الناس. ونرى اليوم ايضا أن اتباعهم على نفس الشاكلة. ويلاحظ أن كثيرا من الناس ملتزمون بالمبادئ القبلية والعشائرية اكثر من الالتزام بالدين بالرغم من انهم مسلمون يؤمنون ظاهرا بالله تعالى وباليوم الآخر فكيف بمن لم يؤمن ابدا.

فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ... ردّ على اتهامه صلى الله عليه وآله وسلم بالتّـقوّل والافتراء حيث ان معنى ذلك أن هذا القرآن من صنع البشر فالردّ على أساس أنه ان كان هذا من صنعه صلى الله عليه وآله وسلم فهو بشر مثلكم فأْتوا بحديث مثله وهذا تحدّ لهم وقد تحدّى القرآن جميع البشر بل الجن والانس ولم يتمكن أحد طيلة القرون أن يأتي بمثله.

والقرآن كسائر أنحاء الكلام والكلام من صنع البشر ومن الغريب أن البشر بالرغم من عداء جمع كبير منهم خصوصا المشركين ثم العرب من اهل الكتاب وبالرغم من التحدّي وبالرغم من كون بعضهم في قمّة الادب العربي وظهور بعض المحاولات الا أنه لم يدّع أحد أنه تمكن من انجاز ما يقابل القرآن ولو جزئيا. فما هو السّرّ فيه هل هو في تركيب الكلمات ام في جرس الالفاظ ام في المعاني ام في كل ذلك ام في امر آخر مجهول؟ وهذا الابهام حيّر الالباب ولذلك ذهب بعض اهل النظر الى أن هذا من باب الصرف بمعنى أن الله تعالى يصرف الانسان ويمنعه تكوينا والا فالانسان قادر بطبعه من الاتيان بمثله. وهذا غير صحيح قطعا بملاحظة جميع الجوانب بل حتى بملاحظة الجانب اللفظي.

والتحدّي هنا ليس بسورة او بعشر سور او بالقرآن كله كما في سائر الموارد بل بحديث يكون مماثلا لهذا الحديث وهو يشمل ما لو كان بضع جمل متفرقة. والتحدي لا ينحصر في الجانب الادبي من الحديث وان كان هو بذاته من اهم الجوانب بل هو معجز من جهات شتى نشير اليها اجمالا والتفاصيل في موضع آخر.

فالقرآن معجز من جهة الاخبار عن المغيبات التي وقعت بعد نزول الآية ومنها بعض الحقائق التي ما كان البشر في ذلك العهد يعلمها الى ان توصل اليه العلم الحديث.

ومعجز من جهة اشتماله على قوانين منظمة ومتكاملة ومتناسبة لتنظيم الحياة الاجتماعية مما لا يمكن ان يفقهه الانسان المتعلم بنفسه حتى بعد قرون فكيف بذلك العهد.

ومعجز من جهة اشتماله على احسن واقوى تصور للكون ولعلاقة الانسان بربه ولمعرفة الله تعالى وصفاته ولمعرفة انبيائه عليهم السلام وتنزيه ساحتهم عما الصق بهم من تهم في الكتب المحرّفة والموضوعة والتاريخ الظالم.

ومعجز من جهة تناسق مضامينها وتوافقها بالرغم من انها تليت على الناس طيلة ما يقارب ربع القرن وفي ذلك يقول تعالى (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا).[4] والاختلاف يحصل في تصانيف البشر في مثل هذه المدة بسبب الاشتباه والنسيان وبسبب التطور وتبدل الفكر ولاسباب اخرى.

ومعجز من جهة انه صدر من انسان امي لم يقرأ ولم يكتب ولم يحضر محضر معلم طيلة اربعين عاما وتاريخه واضح وهو معروف لدى الناس بذلك. قال تعالى (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ)[5] وقال ايضا (قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ)[6] وغير ذلك. 

 


[1] الجن: 8-9

[2] العنكبوت: 5

[3] الانعام: 33

[4] النساء: 82

[5] العنكبوت: 48

[6] يونس: 16