مكتب سماحة السيد مرتضى المهري

وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ... الكسف: القطعة. والظاهر أن قوله من السماء متعلق به لا بقوله (ساقطا) بقرينة قوله تعالى (أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا..) فالكسف في هذه الآية صفة للسماء اي يحول السماء الى قطع ويسقطها والمراد بالسماء ما يعلونا من الاجرام الفلكية والقطع منها الحجارة الساقطة من جهة العلو فمعنى الآية انهم اذا رأوا حجارة تسقط عليهم من فوق يقولون في خداع لانفسهم انه سحاب مركوم اي متراكم كي لا يعترفوا بأن العذاب نزل عليهم كل ذلك لكبرهم وعنادهم كما قال تعالى (وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُون).[1]

قيل ان هذه الآية جواب عما حكي عنهم في سورة الاسراء من المطالبة بآيات من الله تعالى تدل على رسالته صلى الله عليه وآله وسلّم حيث قال تعالى (وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا..)[2] فالجواب من الله تعالى انه حتى لو نزلت عليكم قطع من السماء لكابرتم وقلتم انه سجاب مركوم. ولكن الظاهر أن الامر بالعكس وان قولهم المنقول في سورة الاسراء ناظر الى هذه الآية وذلك لقولهم (كما زعمت) فيبدو انه اشارة الى ما ورد في هذه الآية ونظائرها.

ولعل سائلا يسأل: لماذا لم يقل (ولو يروا) لان العذاب لم ينزل عليهم طيلة عهد الرسالة والتعبير بقوله (وان يروا..) يوهم ان العذاب سينزل وسيقولون ذلك.

والجواب أن الله تعالى في موارد من كتابه الكريم هدّدهم وحذّرهم من نزول العذاب من السماء منها قوله تعالى (فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ)[3] ولعل اوضحها قوله تعالى (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ)[4] وما بعدها من الآيات حيث ان ظاهرها وقوع العذاب ولذلك ارتبك المفسرون في تطبيق الآيات وذكرنا في تفسيرها ان كل المحاولات غير مجدية وابدينا احتمال ان يكون المراد مجرد التحذير وبيان استحقاقهم للعذاب ولمعرفة التفاصيل راجع تفسير سورة الدخان. ومن هنا كان التعبير في هذه الآية ايضا موهما للوقوع ولعلهم لذلك قالوا في سورة الاسراء (او تسقط السماء كما زعمت..) والله العالم.

وغريب امر هذا العناد في الانسان واغرب منه خداعه لنفسه فهو يرى العذاب نازلا عليه والحجارة لا تشبه السحاب ولكنه يدس رأسه في التراب كالنعامة ويقول انه سحاب مركوم كما قال ابن نوح عليه السلام (سآوي الى جبل يعصمني من الماء) وهو يرى أن الوضع غير طبيعي ويرى أن أباه ركب السفينة وفيها نجاته ولكن الغرور والعناد ومجابهة الحق مسيطرة على عقله وبصيرته. ولعل قوم عاد لما رأوا العذاب عاندوا ايضا فقالوا انه عارض ممطرنا. ولكن لا يبعد فيهم الخطأ.

فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ... اي فاتركهم ولا تهتم بشأنهم وهذا تهديد لهم بأن الله تعالى سيعذبهم. واضافة اليوم اليهم باعتبار أنه يوم عذابهم او هلاكهم. وليس المراد بالترك ترك التصدي لدفع شرهم حتى يقال انه نسخ بآيات القتال كما انه لا يعني عدم الاستمرار في التبليغ لعدم الفائدة وان صدر ذلك في رسالات سابقة قال تعالى (وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آَمَنَ..)[5] والصعق يدل على الصوت الشديد فاذا غشي على الانسان او مات بسبب الصاعقة يقال انه صُعق والظاهر ان المراد بهذا اليوم يوم القيامة ويراد بالصعق الغشية من شدة العذاب ويمكن ان يراد به يوم النفخة الاولى حيث يصعق من في السماوات ومن في الارض ولا يبعد القول انه يشمل الارواح في عالم البرزخ فلا يقال ان المخاطبين لا يبقون احياء الى ذلك اليوم.

ويبعد حمله على عذاب الدنيا لقوله في آية تالية ان لهم عذابا دون ذلك. وأغرب منه ما استقربه بعض من ان المراد به يوم موتهم وان كان طبيعيا لان الصعق بمعنى الموت. ويرده أن الآية لا تدل على عذاب يلقونه يوم الموت فلا وجه لتعقيبه بان لهم عذابا دون ذلك.

يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ... المراد به يوم نفخ الصور او يوم القيامة كما مر والمعنى أنهم لا يمكنهم الكيد لا انهم يكيدون في ذلك اليوم ولا ينفعهم الكيد وهو تعبير متعارف. وينقطع في ذلك اليوم الانتصار بالغير لانقطاع كل حول وقوة فانه لا حول ولا قوة الا بالله تعالى وفي ذلك اليوم يرفع الاختيار والخلافة الالهية في الارض فلا يتكلم احد الا باذن خاص فضلا عن نصر وانتصار.

وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ... دون ذلك اي اقرب اليهم زمانا من عذاب الآخرة فالمراد اما عذاب الدنيا او عذاب البرزخ. والظاهر ان المراد بالذين ظلموا هم المشركون المذكورون سابقا وانما ابدل الضمير بالاسم الظاهر للتنبيه على السبب ولعل المراد بالعذاب ما اصيبوا به يوم بدر او انهم يعذبون في عالم البرزخ وان كان المستفاد من الآيات والروايات انه خاص ببعض الظلمة كآل فرعون فيبعد ان يراد بالذين ظلموا عموم الظلمة اذ الغالب منهم لا يعذبون في الدنيا ويبعد ان يعمهم عذاب البرزخ ايضا. ويظهر من قوله تعالى (ولكن اكثرهم..) ان هناك فيهم من يعلم ذلك ولو اجمالا او لانه يعلم ان ما يخبر به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم واقع لامحالة كما كانوا يعترفون به ولكنه يبدي شجاعة منه وتهورا لكبره وطغيانه وعناده.

وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا... في معنى الجملة احتمالات:

الاول: أنّ معناها اصبر على ما تقاسيه من أذى المشركين الى أن يأتي حكم ربك فيهم بالعذاب او غلبة المؤمنين عليهم، فاللام في قوله (لحكم) بمعنى (الى).

الثاني: أنّ معناها اصبر على ما تلقاه من الشدائد لتلقّي أحكامه تعالى وشريعته ولتبليغها في المجتمع، واللام في قوله (لحكم..) للتعليل اي اصبر على ذلك لكي تنزل عليك أحكام الله تعالى.

الثالث: ان يكون اللام لتعليل الصبر اي اصبر لان ربك يحكم عليك بالصبر.

نعم لابد من الصبر على متابعة احكام الله تعالى وعلى تلقيها وعلى تبليغها فكل ذلك مما يشق على الانسان غالبا والرسول صلى الله عليه وآله وسلم تحمّل الشدائد في سبيل تبليغ الرسالة امتثالا لهذا الامر المتكرر في الكتاب العزيز وصبر عليها. وكان يكفيه لتلقي الطاقة اللازمة لهذا الصبر المرير استشعار أنه بعين الله تعالى كما في هذه الآية. ولعل الاتيان بصيغة الجمع في قوله (باعيننا) للتنبيه على انه تعالى يحفظه من كل جهة. والتعبير بربك يثير فيه صلى اللّه عليه وآله وسلّم حماسا شديدا للقيام بواجبه حيث إن هذا الامر دخيل في تربيته وتكوين شخصيته الممتازة التي أراد الله تعالى أن يقوي بها دينه ويهدي بها عباده.

 وهذا الاعلام من الله تعالى للانسان بقدر ما يملؤه طاقة وقوة وعزيمة يثقل كاهله بالمسؤولية الضخمة فليست هذه من العناية العامة التي ينعم بها البشر بل الموجودات كلهم فكل شيء لا يستمر ولا يبقى الا بعين الله تعالى وعنايته الا أن هذا الخطاب يدل على اهتمام خاص بالشخص واحتفاء به واحاطته بالنعمة العظمى كما قال تعالى خطابا للرسول صلى الله عليه وآله وسلم (إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا).[6]

ومثله ما خوطب به موسى وهارون عليهما السلام (إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى)[7] فانه تعالى مع الجميع ويسمع ويرى كل شيء الا انه يبعث بالطمأنينة في نفسيهما بالاعتناء بهما على وجه خاص ومثله قوله تعالى خطابا لموسى عليه السلام (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي)[8] وما خوطب به نوح عليه السلام (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا).[9] والعين مما يعبر به عن الحفظ والحراسة. ولكن العلامة الطباطبائي قدس سره ذكر في تفسير الآية وجها آخر وهو أن المراد اصبر فإنك بمرأى منا بحيث لا يخفى علينا شي‏ء من حالك ولا نغفل عنك ففي تعليل الصبر بهذه الجملة تأكيد للأمر بالصبر و تشديد للخطاب. وهو بعيد جدا خصوصا بملاحظة سائر الموارد التي اشرنا اليها.

وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ... الباء للمصاحبة اي ليكن تسبيحك لله تعالى وتنزيهه عما لا يليق به مصاحبا لحمده والثناء عليه بما يليق به مما وصف به نفسه وذلك لانه ربك الذي يدبر شؤونك ويحفظك بعينه التي لا تنام ولا يتركك ولا يهمل امرك. ويمكن ان يكون المراد بحال القيام حين يقوم من النوم او حين يقوم من مكانه ومجلسه او حين يقوم للصلاة كما قيل او حين يقوم بواجبه الذي القي على عاتقه اي تبليغ الرسالة او حينما يكون قائما اي غير نائم فالقيام هنا مطلق وليس لتسبيحه وتحميده تعالى وقت محدد.

وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ... اي سبحه بعضا من الليل لان بعضه للراحة والنوم وادبار النجوم ظرف اي في وقت ادبارها ومغيبها وبروز ضوء الصبح ولهذا ورد (ادبار) منصوبا. قيل ان المراد بالتسبيح وقت ادبار النجوم صلاة الصبح ولا دليل عليه. ويستفاد من الآيتين بناءا على ان قوله (حين تقوم) يشمل كل اوقات اليقظة او القيام باي عمل ان يكون الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مشغولا بالتسبيح والتحميد ليلا ونهارا الا وقت النوم وهو ما كان يفعله الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فكل حديثه كان يدور حول تسبيحه تعالى وتمجيده واما حمل الآيتين على بعض الصلوات اليومية خاصة فلا موجب له ولا قرينة عليه.

والحمد لله اولا وآخرا والصلاة والسلام على رسوله محمد وآله الطاهرين.  

 


[1] الحجر: 14- 15

[2] الاسراء: 90- 92

[3] فصلت: 13

[4] الدخان: 10- 11

[5] هود: 36

[6] الاسراء: 87

[7] طه: 46

[8] طه: 39

[9] هود: 37