مكتب سماحة السيد مرتضى المهري

تعدد زوجات الرسول (ص)

تعدد زوجات الرسول (ص)

 

من المعروف أن الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلّم تزوج بثمانية عشر امراة وتوفي عن تسع.. فربما يتساءل: كيف تزوج الرسول كل هذه النساء مع أنه لا يجوز الزواج بأكثر من اربع في وقت واحد ؟  وكيف نبرر تعدد زواجه صلى اللّه عليه وآله وسلّم ونردّ على من يتهمه بمتابعة الشهوات والعياذ بالله؟

والجواب عن السؤال الاول أنّ الله تعالى شرّع له صلى اللّه عليه وآله وسلّم حكما خاصا وهو مذكور في سورة الاحزاب .

قال تعالى: " يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحلَلنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاتِي آَتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللهُ عَليكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَليْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا (50) تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آَتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَلِيمًا (51) لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا (52)". 

وقد تشبّث أعداء الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلّم بكثرة ازواجه وبهذه التسهيلات التي خصّه الله بها للوقيعة في الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلّم واتهامه بما لا يليق، مع أنّ من الواضح أنّه كان أبعد ما يكون عن متابعة الشهوات، فقد بقي الى سن الخامسة والعشرين لم يتزوّج مع سهولة الزواج في ذلك العصر، وكونه في غاية العزّ لدى العشيرة وفي قريش باكمله، ولم يسمع احد منه بزلّة طيلة شبابه، والا لأوصموه بعد ما كان يقبّح عاداتهم وسننهم، بل يحتقر آلهتهم.

ثم إنّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم تزوّج وهو في عنفوان شبابه بامراة تكبره بخمسة عشر عاما، وهي السيدة خديجة سلام الله عليها، وبقيت زوجته الوحيدة الى أن توفيت، ولم يتزوج بعدها الى ان انتقل الى المدينة، فتزوّج كل أزواجه هناك، وبقي الى آخر العمر يذكر خديجة، ويتأسّف عليها ممّا أثار حفيظة عائشة، فقالت له: قد رزقك اللّه خيرا منها، فقال: لا والله ما رزقني خيرا منها. وروي بوجوه اُخر.

وكلّ هذه المناكح إنّما حدثت بعد ان تجاوز الثالثة والخمسين، وكل نسائه صلى اللّه عليه وآله وسلّم ثـيّـبات الا عائشة. فهل يمكن ان ينسب ذلك الى اتّباع الشهوات.

والذي ثبت تاريخيا أنّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم كان يتزوج النساء من قبائل مختلفة ليحقّق المصاهرة بينه وبين قبائل العرب، وكانت العرب ــ ولا زالت ــ تهتمّ بهذا الامر، وتدافع عن اصهارها. وكانت المصاهرة الطريق السهل لسد باب الحرب بين القبيلتين، بل كانوا يرغمون قبيلة القاتل أن يزوجوا فتاتهم لرجل من قبيلة المقتول لحقن الدماء.

والحاصل أنّ المصاهرة كانت وسيلة للتحابّ والتوادّ، وكانت سياسة الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلّم قائمة على ذلك. وقد رووا أنّ هناك موارد خطب فيهم الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلّم وأرجأ الامر، فكانوا يكتفون بذلك يتباهون به في المجتمع العربي.

وربّما كان بعض مناكحه لوجوه اخرى كزواجه بزينب حيث كان الغرض منه كسر السنن الجاهلية التي منها الامتناع من الزواج بحليلة المتبنى واعتبار المتبنى ابنا يتبعه كل أحكام الاولاد.

بل الغرض هو ذلك من أصل تزويجها لزيد ثم تطليقها ثم زواج الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلّم بها، فان الذي يظهر من الآيات الكريمة في سورة الاحزاب أنّ كل ذلك كان بأمر من الله تعالى لكسر السنن الجاهلية، حيث إنّ زواجها من زيد ايضا كان مخالفا لسننهم من جهة عدم الكفاءة العرفية بينهما.

وقد ذكرنا في تفسير سورة الاحزاب أن الاهتمام لم يكن بنفس هذه السنن، بل الهدف الاسمى هو قطع صلة المجتمع بالافكار الموروثة لئلا يبقى له مرجع ومستند الا شريعة السماء.

وذكرت وجوه اخرى في سائر موارد زواجه صلى اللّه عليه وآله وسلّم.

كل ذلك يبيّن الامر بوضوح، ويعلم وجه الحكمة في هذا التشريع، وأنّ الله تعالى لأيّ سبب سهّل أمرالزواج على الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلّم ورفع الحرج عنه .

هذا ويصح أن نعتبر الآية ــ بوجه ــ محدّدة لمناكح الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلّم فإنّه لم يسمح له بالزواج بمن شاء. وقد صرّح بالتحديد في الآية 52 من سورة الاحزاب.

ولعل الوجه في ذلك أنّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم كان يقع في حرج في مواجهة توقّعات الناس في أن يتزوج منهم، فحدّد الله مناكحه ليكون له العذر في رد من يتقدم اليه بهذا الطلب.

وبهذا يتبين السرّ في اهتمام الوحي بهذه المسالة التي ربّما يعدّ الاهتمام به غريبا بالنظر الى شخصية الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلّم وعظمة الرسالة الالهية. ويتبين أنّ مسالة مناكح النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم كانت موضع اهتمام العرب آنذاك، وأنّها كانت تحرج الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلّم. والله العالم.