مكتب سماحة السيد مرتضى المهري

تفسير اية التطهير

 

 

ما يأتي منقول من تفسير سورة الأحزاب الاية رقم 33 علي الرابط

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

إنما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ظاهر السياق يقتضي أن يكون الخطاب لنساء النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، فإمّا ان يخصّهنّ أو يعمّهنّ، كما أنّ ظاهر السياق يقتضي أن تكون هذه الجملة، تعليلا للأحكام السابقة، فيكون المعنى ان اللّه تعالى لم يأمركنّ بذلك لمصلحة تعود إليه، بل ليذهب عنكنّ الرجس، نظير قوله تعالى في سورة المائدة :6 بعد ذكر حكم الوضوء والتيمم: (ما يُريدُ اللّه لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُريدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) وغير ذلك من الموارد. ولكن لم يقل أحد من الأقدمين بالاختصاص إلا ما نسبوه إلى عكرمة مولى ابن عباس. كما أنه لم ينقل في التاريخ من أحد من نساء النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم دعوى أنّها من أهل البيت، وأنّها من الذين أذهب اللّه عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. والروايات في تخصيص أهل البيت بأصحاب الكساء (النبيّ وبضعته الزهراء وزوجها وابناها) سلام اللّه عليهم تجاوزت حدّ التواتر، بحيث لا يستطيع أبغضهم لأهل البيت، إنكارها ولذلك نجد سيد قطب يمرّ على هذه المسألة مرّ الكرام ويمتدح أهل البيت رغما على أنفه، ولا يصرّح بالمقصود منهم! ونجد الطبري في جامع البيان ينقل اختلاف المفسرين في المراد بأهل البيت، ثم ينقل روايات كثيرة تصرّح بحديث الكساء أو ما بمعناه، ويتبعها بحديث واحد عن عكرمة يقول فيه إنّ المراد أزواج النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم مع أنه لا يسنده الى الرسول أو أحد الصحابة! وهذه الروايات منقولة في أكثر كتب الحديث والتفسير. وهناك بعض المناوئين يقول: إنّ هذه الروايات الكثيرة لا تدلّ على الحصر! فلننقل عن الطبري بعض ما يدل على الحصر فقط. قال في حديثه عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: (نزلت هذه الآية في خمسة: فيّ وفي علي وحسن وحسين وفاطمة إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا). وفي رواية عن أم سلمة رضي اللّه عنها قالت: (لمّا نزلت هذه الآية "إنما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا" دعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم عليا وفاطمة وحسنا وحسينا، فجلّل عليهم كساءا خيبريا، فقال: اللّهم هؤلاء أهل بيتي اللّهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. قالت ام سلمة: ألست منهم؟ قال: أنتِ إلى خير). ومثلها روايات أخرى عنها وعن غيرها، وفي كثير منها ذكر الكساء، وأنّ الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم جمعهم تحتها، ثم تلا الآية. والظاهر أنّه أراد بجمعهم تحت الكساء تحديد أهل البيت بالمذكورين، بحيث يمنع من ورود غيرهم تحت هذا العنوان. والحاصل أنّ ملاحظة الروايات لا تبقي شكّا للمنصف، أنّ المراد بأهل البيت هم النبي وابنته وبعلها وابناها صلوات اللّه عليهم، ولكن يبقى السؤال في أنّه كيف يمكن ذلك بملاحظة السياق، مع أنّ ظاهر الجملة هو التعليل، فلا بد من أن يكون المراد خصوص الأزواج أو ما يعمّهنّ. ولا يضرّ بذلك اختلاف السياق، حيث إنّ الجمل السابقة تشتمل على الضمير المؤنث، والضمير في هذه الجملة للمذكر، وذلك لأن التذكير يمكن أن يكون بلحاظ كلمة الأهل، أو باعتبار اشتمال المجموعة على رجل، ولا أقل من النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، ولذلك ورد نفس التعبير في خطاب الملائكة لزوجة ابراهيم عليه السلام: (قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) هود : 73 . وربما يجاب عن السؤال بأن هناك موارد عديدة في القرآن، ينتقل السياق من موضوع إلى موضوع آخر دون ارتباط، فترى صدر الآية في موضوع وذيلها في موضوع آخر، ولكل جملة شأن للنزول. وهذا الكلام صحيح، إلا انّه ربما يستبعد ذلك في المقام، من جهة ظهور الجملة في التعليل مما يدل على الإرتباط. ولكن لا يبعد القول بأن الجملة ليست ظاهرة في التعليل، لعدم تناسب المضمون لأن يكون علة للاحكام السابقة، خصوصا بملاحظة أنّ الاوامر لم تنته الى هذه الجملة، والآية التالية ايضا تتضمن امرا متوجها اليهنّ. والسياق يقتضي أن يذكر التعليل في آخر الاوامر والنواهي. وعلى كل حال، فبملاحظة الروايات القطعية والمتواترة لا يبقى شك في عدم ارتباط الجملة بما قبلها. وأما السبب في ذكر الجملة في هذا المكان مع عدم ارتباطها بما قبلها، فيمكن أن يقال فيه أمران : الأمر الأوّل: أنّ وضع مثل هذه الجملة في هذا الموضع، إمّا انه صدر ممن جمعوا القرآن بعد الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلّم لغرض في نفوسهم، وإمّا أنّه بأمر من الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم بغية الحفاظ على هذه الجمل التي لا تعجب المتسلّطين. ونظير ذلك تماما قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) المائدة: 3، فإنّ قوله تعالى (اليوم يئس الذين كفروا...) مع ما يشتمل عليه من مفهوم واضح، لا يناسب الجملة التي اشتملت عليها سابقا ولاحقا. ومن الغريب أن يسبقها جزء من حكم تحريم الميتة واخواتها، ويلحقها جزء آخر. وعبثا يحاول بعض الكتّاب والمفسرين ربط هذه الجملة بالحكم المذكور، فإنّ تحريم هذه الأمور وتحليلها في حال الاضطرار، لا يوجب يأس الذين كفروا، ولا يوجب إتمام النعمة، مضافا إلى أنّ هذا الحكم ، ورد في الكتاب العزيز في ثلاث موارد قبل نزول هذه الآية: مرتين في مكة في سورتي الأنعام والنحل، ومرة في أوائل الهجرة في سورة البقرة. و سورةالمائدة من أواخر السور نزولا. فلا يبقى شكّ للباحث أنّ الذي أوجب يأس الذين كفروا، وإكمالَ الدين، وإتمامَ النعمة، وتثبيت الإسلام كدين للامة، هو أمر في غاية الأهمية، ولابدّ من أن يكون ذلك موجبا لامتداد هدف الرسالة بعد وفاة الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم، حيث إنّ الكفار والمنافقين، والذين في قلوبهم مرض، والذين كانوا يكيدون لجوهر الإسلام وأساسه المكائد تلو المكائد، كانوا يتربّصون وفاة الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم لينالوا بغيتهم، وقد ورد التصريح بذلك في الكتاب العزيز، قال تعالى: (أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ) الانبياء: 34، وقال تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ) الطور: 30. فالذي يوجب يأسهم، هو نصب من يتولى نشر الرسالة وحفظ الشريعة بعده، كما ورد في روايات كثيرة جدا، أنّ الجملة نزلت يوم الغدير حيث نصب الرسول عليا سلام اللّه عليه إماماً للناس، وبيّن أنّه المولى لمن كان الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلّم مولاه، ودعا ربّه أن يوالي وليه ويعادي عدوه. ولا يمنع استعلاء الآخرين على منبر الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم، من الإستمرار في أداء الرسالة، كما أنّ أكثر الأنبياء و الرسل، إنّما باشروا عملهم وأدّوا رسالتهم، بالرغم من مطاردة الطغاة والجبابرة إيّاهم، بل قتل كثير منهم وتشريد الآخرين، فإنّ هذه الرسالة ليست رسالة حكومة أو قيادة سياسيّة، وإنما هي رسالة إلهيّة، لم يقصد بها إلا إتمام الحجة على البشر، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حيّ عن بينة. وقد أدّى أميرالمؤمنين وأبناؤه المعصومون صلوات اللّه عليهم اجمعين، رسالتهم بأحسن وجه، وصانوا أصل الشريعة والدّين من أن تناله أيدي التحريف وأورثوه شيعتهم من بعدهم، وحفظوا ايضا ظاهر الاسلام من الزوال والسقوط، كما كان هو الهدف الأقصى لورثة الجاهليّة، وقد صرّح بعضهم بأنّ اللازم هو دفن الاسم الذي يتلى على المنائر خمس مرات كل يوم. وقد حاولوا ذلك بأساليبهم الشيطانية تارة بدعوى تحريف القرآن، وتارة بدعوى أنّ الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلّم كان يتأثّر بإلقاء الشياطين (يكفي في ذلك قصة الغرانيق العلى وهي مذكورة في عدة من المجاميع الحديثية والتفاسير راجع المعجم الكبير للطبراني ج7 ص414 وقد ردّ على ذلك جمع من المتاخرين والف الالباني كتابا في رد هذه القصة ولكن الكلام في اصل المحاولة) كما تفوّه به آباؤهم في الجاهلية، وتارة بمنع السنّة من الكتابة والنشر بدعوى أنّ في الكتاب ما يكفي الامّة وأنّ الناس يشتغلون بالسنة ويتركون الكتاب، وتارة بمنع العترة الطاهرة من نشر الحقائق وردّ الشبهات، وتارة بقتل أبناء رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلّم وتشريدهم، وتارة بمحاولة إخفاء آثار النبوّة والرسالة، وتارة بنشر الملاهي والمفاسد الخلقية في المجتمع الاسلامي حتى صارت مدينة الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلّم مركزا لنشر الاغاني والملاهي، وقام خليفة المسلمين بشرب الخمر في الملأ العام، وأرسل جاريته لتصلّي بالناس فريضة الصبح، وجاء الخليفة الامويّ في حال السكر يؤمّ المسلمين، وغير ذلك من الفضائح والفجائع. كل ذلك محاولة لطمس آثار النبوّة ومحق الدين من أساسه، والعلماء من سائر المذاهب لا يزيدون مع كل ذلك الا ترويجا لسلطانهم، ودعوة للزوم متابعتهم واطاعتهم بما لفّقوه من روايات كاذبة ونسبوه الى الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلّم من لزوم إطاعة وليّ الأمر وان كان فاسقا ظالما. ولم يكن في المسلمين صوت يدعو الى الخلاف، ويحاول حفظ أساس الدين وظواهره، الا أئمّة أهل البيت عليهم السلام فلم يألوا جهدا في الحفاظ على هذا الظاهر الذي بأيدينا، وبذلوا في سبيل ذلك أرواحهم الطاهرة. والعالم الاسلامي يشهد تضحية سيد الشهداء الامام الحسين عليه السلام في هذا السبيل. ولنعد الى ما كنا عليه من بيان السبب في ذكر الجملة في هذا المكان، فهذا هو الأمر الأول. ويبتني على دعوى عدم الإرتباط نهائيّا، كما أنّ جملة إكمال الدين لا ترتبط بما قبلها وما بعدها نهائيا، فإن كان النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم هو الذي أمر بوضعها هنا ــ كما هو مقتضى تواتر النقل ــ فلعلّه لغرض الحفاظ على الجملة من أيدي التحريف والحذف.. وتشترك آية التطهير مع آية الإكمال في السبب الذي يدعو إلى إخفائها والحفاظ عليها، كما لايخفى. الأمر الثاني: هناك ارتباط بين هذه الجملة والتي قبلها، وإن لم يشمل عنوان أهل البيت للنساء، وذلك لأنّ الغرض من هذه الجملة حثّ الزوجات على امتثال أوامر اللّه تعالى، لأنّهنّ ينتسبن إلى بيت أراد اللّه لأهله الطهارة، وأذهب الرجس عنهم. وهذا لا بأس به في نفسه، إلا أنّ الجملة تأبى الحمل على ذلك، إذ يتوقف على تقدير من دون قرينة، فإنّ السياق لا يشتمل على ما يفيد هذا المعنى. نعم يمكن أن يقال: إنّ مجرد ذكر هذه الجملة في ذيل هذه الأوامر، مع العلم بأنّها لا ترتبط بالنساء، يوهم أنّ اللّه تعالى أراد هذه الطهارة، لكل من يسكن هذا البيت ولو نسبيّا، وهذا يكفي في الحثّ المذكور واللّه العالم. هذا وقد استدلّ الشيعة الإمامية بهذه الآية على عصمة أصحاب الكساء سلام اللّه عليهم، بل عصمة الأئمة الطاهرين عليهم السلام بأجمعهم. وتوضيح الإستدلال أنّ الإرادة من اللّه تعالى، قد تكون تكوينية، وقد تكون تشريعية. فالإرادة التكوينية هي أن يريد اللّه لشيء أن يكون.. وهذه الإرادة من اللّه تعالى، لا يمكن أن تتخلف عن المراد. قال سبحانه : (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) يس: 82، فهذا الأمر، أي قوله "كن" يحكي عن إرادة تكوينية، ويتعقبها تحقق الشيء المراد لا محالة. وأما الإرادة التشريعية، فهي أن يريد اللّه تعالى ويطلب من أحد أن يعمل عملا أو يترك أمرا باختياره، وهنا يمكن أن يطيعه المأمور ويمكن أن لا يطيع، كما هو الحال في جميع الأوامر والنواهي الشرعية. والإرادة في الآية الكريمة، لا يمكن أن تُحمل على الإرادة التشريعية، فإنّ طلب اجتناب الرجس لا يختص بأهل البيت، بل اللّه تعالى يريد لكل الناس اجتنابه، إرادة تشريعية. والآية تدلّ على أن هذا الأمر خاصّ بأهل البيت، لمكان قوله "إنّما" الدال على الحصر.. والمراد حصر الإرادة في ذلك، مضافا إلى وضوح أنّ الآية في مقام المدح، ولا مدح في ذلك كما لا يخفى، فتعيّن أنّ المراد، إرادة إذهاب الرجس عنهم تكوينا الدال على العصمة. هكذا قالوا، ولكن لاحاجة الى دعوى افادة "إنّما" للحصر فإنّه محل كلام في الأدب العربي، ولا يبعد القول إنّها لا تدل على ذلك إلا بملاحظة القرائن المكتنفة بها، مضافا إلى أنّ حصر الإرادة بقول مطلق في إذهاب الرجس غير معقول، فلابدّ من كونه حصرا إضافيّا وهو أيضا لا يفيد إلا التأكيد، فيكفي في دعوى الحصر، الوجه الثاني، وهو وضوح أنّ الآية في مقام امتداح أهل البيت وبيان امتياز خاصّ بهم، خصوصا بملاحظة الروايات المذكورة التي تصرّح بعدم الشمول حتى لزوجات النبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلم.. هذا مضافا إلى أنّ الإرادة هنا، متعلقة بفعل اللّه تعالى وهو إذهاب الرجس، فحملها على الإرادة التشريعية، لا يتمّ إلا إذا كان تعليلا للأحكام السابقة، فتكون هذه الجملة نظير قوله تعالى: (مَا يُرِيدُ اللّه لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) المائدة: 6 في ذيل بيان حكم الوضوء والتيمم. وأما اذا تبين ــ بفضل الروايات المتواترة ــ أنّ الجملة لا ترتبط بهذه الأحكام، وأنّها جملة مستقلة مستأنفة، فلا يمكن حملها على الإرادة التشريعية قطعا. والرجس هو القذارة، والمراد القذارة المعنوية كما لا يخفى.. ويشمل ذلك كل ما يوجب بعدا عن اللّه تعالى، أو خسّة ودناءة في النفس، فيشمل كل المعاصي والصفات الرذيلة. وليس في الآية ما يقيّده، فتدل على عصمة اهل البيت عليهم السلام بوضوح، وأكّد ذلك بقوله: (ويطهّركم تطهيرا) فالطهارة أيضا بمعنى النزاهة، والبعد عن ما يلوّث الروح الإنسانية السامية. ثم إنه ربما يتوهم أنّ حمل الإرادة على الإرادة التكوينية، يستلزم الإلجاء والقسر وهو ينافي الإختيار، ولا تبقى فضيلة للعصمة، على هذا الفرض. والجواب عنه: أنّ كل شيء لا يكون إلا بإرادته تعالى، إلا أنّه يكون كما أراد، فان أراد أن يتحقق الفعل عن الفاعل باختياره، يصدر باختياره.. وإن أراد أن يصدر عنه مجبورا، فهو يصدر عنه كذلك؛ واللّه تعالى إنما أراد إذهاب الرجس عن المعصومين، بسبب ما أودع فيهم من علم وتقوى وخشية منه، وهذه عوامل توجب صدور الفعل والترك عن إختيار، فلا يكون إلا كما أراد اللّه سبحانه. وأما تعميم العصمة للأئمة الطاهرين عليهم السلام عن طريق هذه الآية، فإنّما يتم ببعض الروايات الواردة عن طرقنا، حيث ورد في ذيل حديث أم سلمة قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: (أنت على خير إنما أنزلت فيّ وفي أخي وفي ابنتي وفي ابنيّ وفي تسعة من ولد ابني الحسين خاصّـة ليس معنا أحد غيرنا...) راجع تفسير الصافي. وللعصمة وتعميمها أدلة اخرى من الكتاب والسنة تطلب من محالّها.