مكتب سماحة السيد مرتضى المهري

تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ...

هذه السورة تحث في بعض فصولها على القتال ومواجهة المعتدين من قريش الذين كانوا يصدون عن سبيل الله ويمنعون نشر الدعوة الاسلامية وهذا واضح من سياقها في مواضع متعددة من السورة ولكن تتوسط الايات الباعثة على القتال ايات اخرى كاحكام القبلة والصوم والطلاق وغيرها.

وهذه الآية ايضا من ضمن آيات القتال ولكنها تردّ على سؤال ربما يتغلغل في اذهان الناس وهو أن الرسل لماذا تسببوا في الاختلاف وتمزّق المجتمع ونشوب الحروب على اختلاف الدواعي فيها؟ ولماذا لم يتمكنوا من توحيد صفوف المجتمع على اساس الدين الالهي ليستقر الامن والسلام؟

وهذا السؤال يبدو واضحا بعد قصة طالوت فان الرسول صموئيل او شموئيل كما يقال لم يتمكن من توحيد الشعب الاسرائيلي في مواجهة العدو مع انهم جميعا اتباع سيدنا موسى عليه السلام فلماذا هذا التشعب والتشتت في الامم التابعة لرسالات السماء؟

وهذه الاية تشبه في مضمونها قوله تعالى (كَانَ النَّاسُ أُمَّـةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)[1]  

فالظاهر ان الغرض من الاية ليس تقديس الرسل ولا الاشارة الى التفضيل بينهم كما قيل بل الظاهر ان الاهتمام بذيل الاية وهو وجود الاقتتال بين الشعب الواحد من الامة التي تتبع الرسالة الالهية.

وكما ذكرنا في تفسير تلك الاية فانها تحذر الامة الاسلامية من الابتلاء بنفس الاختلاف الذي اوجب الاقتتال في الامم السالفة. وسيأتي ان شاء الله تعالى حديث في هذا الموضوع عن امير المؤمنين عليه السلام.

وتقديم تفضيل بعض الرسل على بعض لعله للاشارة الى الفرق بين من اتى بشريعة فهو يقود الامة كموسى عليه السلام ومن يتبع شريعة من سبقه كصموئيل في القصة السابقة ويلاحظ الفرق بينهما في القدرة على توحيد الشعب ومنع المنافقين من النفوذ الظاهر في المجتمع كما يلاحظ نفس الفرق بين موسى وهارون عليهما السلام في قصة السامري.

ومن هنا يتبين ان الاشارة في قوله تعالى (تلك الرسل) الى كل الرسل السابقين لا خصوص من ورد ذكره في الايات السابقة كما قيل. والظاهر ان الاشارة لا تشمل نبينا صلى الله عليه وآله وسلم وانما يقصد ذكر ما حصل للسابقين ليكون تنبيها لهذه الامة.

و(تلك) في قوله (تلك الرسل) اسم الاشارة للمؤنث البعيد وانما أتى به باعتبار الجمع ولعل الاتيان بما يختص بالبعيد للاشارة الى عظمة مقامهم او لبعدهم في الزمان.

ولعل الاتيان بالمفرد دون الجمع اذ كان من الممكن ان يقال (اولئك الرسل) من جهة انهم بأجمعهم على نهج واحد لم يصدر منهم خلاف في سبيل الدعوة ولا شذوذ فكأن هذه المجموعة انسان واحد جاء لعمل واحد طيلة القرون المتمادية.

والرسل جمع الرسول وهو صفة مشبهة من الرَّسل اي الانبعاث السهل ويطلق في القرآن الكريم على من يحمل رسالة الله تعالى الى قوم فهو مأمور بين قومه بتبليغ الرسالة ولا يختص باصحاب الشرايع عليهم السلام.

والتفضيل بمعنى اعطاء الفضل وهو الزيادة لبعضهم بمعنى ان بعضهم له مزية زائدة على الرسالة وذكر منها تكليم الله تعالى ومنها انه تعالى رفع بعضهم درجات.

وهناك بحث في المراد بالتكليم وانه هل يختص بموسى عليه السلام ام انه يشمل الوحي العام الذي لا يختص برسول دون رسول وذهب بعضهم الى انه اخص من الوحي ولكنه لا يختص بموسى عليه السلام بل ان رسولنا صلى الله عليه وآله وسلم حظي بالتكلم والحضور اقرب منه عليه السلام في المعراج حيث قال تعالى (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى).[2]

ولكن الظاهر أن المراد بقوله (منهم من كلّم الله) هو موسى عليه السلام وهذه ميزة اختصه الله تعالى بها كما قال تعالى (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا * وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا).[3]

ففي هذه الاية يصرح بان الانبياء كلهم اوحى الله تعالى اليهم. ومنهم بل اولهم هنا نبينا صلى الله عليه وآله وسلم ولكن موسى عليه السلام خصه بالتكليم.

وقال ايضا (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ..)[4] (قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي..)[5] حيث يظهر منه ان كلامه تعالى مع موسى عليه السلام مما خصه الله به وما ورد في قصة المعراج لا يدل على انه تعالى كلم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كما كلم موسى عليه السلام.

وتكليم الله تعالى ليس من الوحي كما ربما يتوهم ليقال انه لا يختص بموسى عليه السلام بل ان الوحي لا يختص بالانبياء قال تعالى (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ..)[6] بل يشمل بمعنى أوسع ما ألهم الله به الحيوان كما في قوله تعالى (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا..).[7]

ولكنه تعالى أوضح طرق القائه المعلومات الى احد من البشر في قوله (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ)[8] وقد بينت في تفسير الاية ما بلغه فهمي القاصر من الفرق بين الانحاء الثلاث.

والظاهر ان تكليم موسى عليه السلام من القسم الثاني اي من وراء حجاب وأما الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فقد اوحى اليه في المعراج كما قال تعالى (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى)[9] فالدنو والقرب لا يلازمان التكليم.

والتكليم من الكلم وله معنيان كما في كتب اللغة احدهما الجرح والاخر النطق بلفظ مفهم للمعنى. والتكليم لا يصدق الا بوصول اللفظ الى المخاطب ولا يختص بإخراج الصوت من الفم، ومن مقاطع الحروف، بل يصدق ايضا مع ايجاد الكلام بآلة او بدونها، مع وصول الصوت الى المخاطب، بحيث يعلم أنّ مصدر الكلام هو المتكلم بالذات.

وهذا الامر يتحقق في زماننا هذا بالأجهزة الالكترونية الحديثة كالأجهزة المنصوبة على الهواتف تتحدث اليك اذا اتصلت بالرقم، ويعلمك بما اُودع فيه من المعلومات المختلفة. فهذا ايضا نوع من التكليم، والصوت من الجهاز وليس تسجيلا لصوت انسان، ولكن هناك من يتحمل مسؤولية هذا الكلام، حتى لو لم يعلم بوصول الكلام اليك بالخصوص.

والحاصل أنّه لا مانع من التعبير عن ما يخلقه اللّه من صوت ويحدّث به بشرا كموسى عليه السلام بالتكليم، وهو تعبير على الحقيقة لا المجاز، وإن كان التكليم المتعارف لا يحدث بهذا النحو، ولكن الكيفية المتعارفة ليست دخيلة في مفهوم التكليم. ومثله كل ما ينسب الى اللّه تعالى من صفات تحمل في كيفيتها المتعارفة ما لا يليق به تعالى كالسمع والبصر والعلم وغير ذلك.

ولا وجه لتأويل تكليم اللّه تعالى بإلقاء العلم في روع الانسان، فإنّه ليس من التكليم في شيء، والا لم يختصّ الأمر بموسى عليه السلام، بل كان كل البشر ممّن كلّمه اللّه تعالى لأنّ كل ما لدينا من علم فانما هو منه تعالى شأنه.

وقد مر بعض الكلام حول ما ورد من التعبير بالقول واسناده الى الله تعالى في موارد كثيرة من القرآن خطابا للملائكة وللشيطان بل للارض والسماء في تفسير قوله تعالى (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً..).[10] وكذلك المراد بالقول في ما اسند الى الملائكة باجمعهم في الاية او الى الشيطان ونحو ذلك.

وأما تكليمه تعالى موسى عليه السلام فالظاهر انه بمعنى خلق الكلام بحيث يسمعه ومعنى كونه من وراء حجاب انه يسمع الكلام ولا يجد احدا فهذا في الواقع تكليم من اللّه تعالى مباشرة وليس وحيا وإلقاءا للعلم في خفاء ولا بتوسط ملك بين الرسول وربه.

ورفع بعضهم درجات... الظاهر أن كلمة درجات منصوبة بنزع الخافض والتقدير رفع بعضهم فوق بعض بدرجات. والدرجة المنزلة في الرفعة. والاصل فيه المشي الضعيف ولذلك يطلق الدرجان على مشية الشيخ والصبي كما ورد في كتاب العين وحيث ان صعود الدرج والسلم يتحقق شيئا فشيئا يطلق على كل مرحلة منه درجة.

والجملة هنا مبهمة فلا يعلم من المراد بالبعض ولا يعلم مورد الرفع فان الله تعالى عبر برفع الدرجات في عدة مواضع يراد من بعضها الرفعة في العلم كما في قوله تعالى (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ..)[11] وكذلك قوله (كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ).[12]

 بل ورد التعبير بالدرجات عن الامور المادية في الدنيا ايضا في قوله تعالى (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ).[13]

ويراد في بعضها درجات القرب لدى الله يوم القيامة كما في قوله تعالى (وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً..).[14] وغيرها من الآيات.

ولا تختص الدرجة بالمنزلة الرفيعة كما في المفردات بل ورد في القرآن في درجات النار قال تعالى (أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ * وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ).[15] وغيرها ايضا.

والحاصل ان رفع بعضهم درجات مبهم ولكن من المعلوم ان الرفع فيما يناسب مقام النبوة هو الرفع في العلم كما مر في ابراهيم ويوسف عليهما السلام ولعل من ذلك ما اوتي سليمان وداود عليهما السلام كما في قوله تعالى (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ * وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ).[16]

 ويمكن ان يكون المراد الرفع فيما اوتي من الكتاب والشريعة وفي المعجزات والتوفيق لنشر الدعوة وقيادة المجتمع وتاسيس دولة ونحو ذلك مما يلاحظ اختلاف الرسل في ذلك.

واكثر المفسرين ذهبوا الى ان المراد بهذا البعض هو الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم بقرينة ان الاية ذكرت موسى وعيسى عليهما السلام وهما اصحاب شريعتين من الشرايع السماوية التي لها اتباع في المجتمع البشري ولم تذكر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مع انه افضل الانبياء فلا بد من ان يكون هو المراد بهذه الجملة.

واغرب من ذلك ما قاله جمع منهم بان السر في توسط ذكره صلى الله عليه وآله وسلم بينهما عليهما السلام هو ان امته هي الامة الوسط التي تامر بالمعروف وتنهى عن المنكر وشريعته هي الشريعة الوسطى السمحاء.

وضعف هذا الكلام واضح لا يحتاج الى تعليق فان مجرد ذكره بينهما لا يدل على شيء والوسطية في الامة والشريعة لا تناسب جعله وسطا مع ان الجملة لا قرينة فيها على الاختصاص بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم بل تدل بوجه عام على ان لكل من الرسل عليهم السلام درجته الخاصة به من حيث وظيفته في اداء الرسالة او جهات اخرى توجب قربه لدى الله تعالى. بل الظاهر كما مر ان الاشارة في قوله (تلك الرسل) لا تشمله صلى الله عليه وآله وسلم.

هذا مضافا الى ان الشرايع كلها من الله تعالى وكلها وسط بل الشرايع مع اختلافها شريعة واحدة كما قال تعالى (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ..).[17]

وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ...

مر الكلام في تفسير هذه الجملة في تفسير الاية 87 من هذه السورة ومجمل القول أن المراد بالبينات المعجزات الواضحة لان البينة الامر الواضح ولا يمكن لبشر ان يحيي الموتى ويبرئ الاكمه والابرص الا باعجاز.

وقوله تعالى (وأيّدناه) من التأييد اي التقوية وهي مأخوذة من الايد اي القوة كما في قوله تعالى (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ)[18] والروح موجود لا يرى ويطلق على ما يتقوم به الحياة. والقدس - بسكون الدال وضمها - الطهر والنزاهة. واضافة الروح الى الطهارة والنزاهة مبالغة في طهارة الروح فكأنها روح الطهارة لا الروح الطاهرة. وقد مر تفسير الجملة في تفسير الاية 87 من هذه السورة.

واختلف في المراد بروح القدس ويحتمل انه جبرئيل عليه السلام لقوله تعالى (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ..).[19] بضميمة ما دل على أنه هو الذي أنزل القرآن كقوله تعالى (قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللّه..).[20]

وقد مر في تفسير سورة الشورى البحث عن معنى الروح في قوله تعالى (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا..)[21] وذكرنا ان هناك روايات في تفسير الروح بمعنى اخر وانه موجود غيبي اخر ليس من الملائكة بل هو اعظم منها وليس المراد به جبرئيل عليه السلام وناقشنا في ما يستفاد منها بتفصيل.

ويبدو من هذه الاية أنّ التاييد بروح القدس خاص بعيسى عليه السلام وكذلك من الآية 87 من هذه السورة ومن قوله تعالى (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا).[22]

ولم يرد هذا التعبير في غيره من الرسل وان ورد التعبير بالتاييد بالروح للمؤمنين جميعا في قوله تعالى (أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ)[23] فيمكن القول بانه عليه السلام كان مؤيدا بأمر غيبي من الله تعالى عبر عنه بروح القدس او أن جبرئيل عليه السلام كان مرافقا له دائما.

 

وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (253)

قلنا ان الغرض من الاية الكريمة لا يبعد ان يكون التنبيه على هذا الامر وانه مشابه لما مر في الاية 213 من هذه السورة وحاصله أن الاختلاف الذي حصل في الامم السابقة بعد وفاة رسلهم انما كان بسبب بغي بعض الاتباع على بعض الامر الذي انتهى بهم الى الاقتتال وأن المراد تحذير هذه الامة من الوقوع في نفس المحذور.

وقوله تعالى (ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم) للاشارة الى هيمنته تعالى على الكون وما يحدث فيه لئلا يتوهم الانسان ان ما حدث في الاديان وأتباع الشرايع السابقة وما يحدث من هذا القبيل يقع رغما على ارادته تعالى فكأنّ الشيطان وجنوده يغلبون جنود الله سبحانه كما ربما يتفوه به بعض الناس والله تعالى هو العزيز الذي لا يغلب على امره.

ولذلك فان القران يكرر في هذه المواضع ان الامر تحت السيطرة وانه تعالى لو اراد ان يمنع من حدوث ذلك لفعل ولا يقاوم ارادته شيء ولكنه أراد ان يكون البشر حرا مختارا يفعل ما يشاء الى ان ينتهي به المطاف الى المحاسبة الالهية والله تعالى لا يخاف الفوت.

والمراد بالذين من بعدهم اي من بعد كل رسول لا من بعد الرسل فالامة التي تتبع رسولها كانت تختلف بعده وتقتتل. وقوله (من بعد ما جاءتهم البينات) يدل على أن الاختلاف لم يكن لجهل بالامر بل كان بعد الادلة الواضحة. والبينات جمع بينة بمعنى الواضح والموضح فالمراد أنهم عارضوا الحق الواضح البين عن قصد.

والجبرية يتمسكون بهذه الاية ونظائرها لاثبات ان الله تعالى يجبر الناس على المعصية ثم يعاقبهم وان الاختيار الذي نشعر به ليس الا توهما فنحن مسيرون بارادته تعالى وهذا اسناد للظلم الى الله وهو منزه عنه.

ومعنى الآية انه تعالى لم يشأ منعهم من الاقتتال بل أذن فيه لحكمة الهية وهي ان يكون الانسان مختارا في سلوك طريق الخير والشر ولولا ذلك لم يكن للصالحين درجة ولم يستحقوا ثوابا ولا للعاصين اثم ولا يستحقون عقابا.

ولذلك قال في الاستدراك (ولكن اختلفوا) فالله تعالى لم يلزمهم شيئا ولكنهم اختلفوا فنسب الاختلاف اليهم.

ولم يبين ما اختلفوا فيه ولكن صرح بأنه استوجب انقسامهم الى مؤمن وكافر وحيث ان المفروض ايمانهم بالله وبالرسالة فلا بد من كون الاختلاف في امر اخر ولكنه يستلزم الكفر فيا ترى ما هو مورد الاختلاف وما هو السبب؟

والامر يتضح بمراجعة الاية 213 من هذه السورة حيث قال تعالى (كَانَ النَّاسُ أُمَّـةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ..).

فالاختلاف وقع في الكتاب. والسبب البغي وتجاوز بعضهم على حق بعض اخر. وهذه الاية اصرح في كفر الباغين من الاية 213 وان دلت تلك الاية ايضا على ذلك بقوله (فهدى الله الذين امنوا لما اختلفوا فيه من الحق).

ويلاحظ ان بعض المفسرين يحاولون تطبيق الاية على ما حدث بين المسلمين من القتال بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ولكنهم يجتنبون ما يرونه منافيا لمذهبهم.

قال في المنار (أَمَّا الِاقْتِتَالُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ بِسَبَبِ الِاخْتِلَافِ فَأَوَّلُهُ مَا كَانَ بَيْنَ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ، وَكَانَتْ فِئَةُ الثَّانِي هِيَ الْبَاغِيَةُ).[24]

وهو غريب فان القتال وقع قبل ذلك بين الامام عليه السلام وجيش عائشة والزبير وطلحة والقتال يتبع الاختلاف المؤدي الى الكفر وهو حصل بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مباشرة وقبل ان يدفن بل وقع القتال ايضا ولكنهم عللوا قتلهم بانهم لم يدفعوا الزكاة لابي بكر وكانوا مسلمين ويصلون وانما توقفوا في خلافة ابي بكر فقال لو منعوني عقالا لقاتلتهم وخالف في ذلك عمر وجمع من الصحابة ولكنه قتلهم وسبى نساءهم!!!

وأغرب منه قول ابن عاشور (فَاخْتَلَفُوا خِلَافًا بَلَغَ بِهِمْ إِلَى التَّكْفِيرِ وَالْقِتَالِ وَأَوَّلُهُ خِلَافُ الرِّدَّةِ فِي زَمَنِ أَبِي بَكْرٍ ثُمَّ خِلَافُ الْحَرُورِيَّةِ فِي زَمَنِ عَلِيٍّ وَقَدْ كَفَّرُوا عَلِيًّا فِي قبُوله تحكيم الْحكمين ثُمَّ خِلَافُ أَتْبَاعِ الْمُقَنَّعِ بِخُرَاسَانَ الَّذِي ادّعى الإلهية..).[25]

فلم يذكر حرب الجمل ولا الصفين واكتفى بقتال الخوارج ولم يذكر قبل ذلك قتل عثمان ولا بعده مقتل سيد الشهداء الامام الحسين عليه السلام. وكل هذا نتيجة الاختلاف الذي حدث بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مباشرة في امر الخلافة فمنهم من آمن ومنهم من كفر.

والعجيب ان الامم السالفة حسبما اخبرنا الله تعالى في كتابه اختلفوا بعد رسلهم وهذه الامة اختلفت في عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وبحضوره حتى اخرجهم من بيته وهم اصحابه الذين آزروه ونصروه.[26]

فتبين ان الاختلاف الذي حصل في الامم السالفة والذي نزلت الايات في تحذير المسلمين من الابتلاء به ليس من الاختلاف في الفروع بل هو امر يستوجب الكفر والانحراف عن اصل الدين وتبين انه يحصل نتيجة الحسد والبغي من بعضهم على بعض وليس ناتجا من الجهل بحقائق الامور.

وهنا حديث رواه الطبرسي يبين لنا حقيقة هذا الاختلاف روى عن الأصبغ بن نباتة قال (كنت واقفا مع أمير المؤمنين عليه السلام يوم الجمل فجاء رجل حتى وقف بين يديه فقال يا أمير المؤمنين كبر القوم وكبرنا وهلل القوم وهللنا وصلى القوم وصلينا فعلى ما تقاتلهم؟ فقال أمير المؤمنين عليه السلام على ما أنزل الله جل ذكره في كتابه فقال: يا أمير المؤمنين ليس كل ما أنزل الله في كتابه أعلمه فعلمنيه فقال علي عليه السلام: ما أنزل الله في سورة البقرة. فقال يا أمير المؤمنين ليس كل ما أنزل الله في سورة البقرة أعلمه فعلمنيه فقال علي عليه السلام هذه الآية "تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعدما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد" فنحن الذين آمنا وهم الذين كفروا. فقال الرجل: كفر القوم ورب الكعبة. ثم حمل فقاتل حتى قتل رحمه الله).[27]

وهناك احاديث في كتب القوم تدل على ارتداد الامة بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بل على ارتداد الاكثر بحيث يبقى منهم القليل منها ما رواه في البخاري عن خطبة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وفيه (أَلاَ وَإِنَّهُ يُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُصَيْحَابِي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لاَ تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ كَمَا قَالَ العَبْدُ الصَّالِحُ: {وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ، فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [المائدة: 117] فَيُقَالُ: إِنَّ هَؤُلاَءِ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ).[28]

وروى (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " بَيْنَا أَنَا قَائِمٌ إِذَا زُمْرَةٌ، حَتَّى إِذَا عَرَفْتُهُمْ خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَيْنِي وَبَيْنِهِمْ، فَقَالَ: هَلُمَّ، فَقُلْتُ: أَيْنَ؟ قَالَ: إِلَى النَّارِ وَاللَّهِ، قُلْتُ: وَمَا شَأْنُهُمْ؟ قَالَ: إِنَّهُمُ ارْتَدُّوا بَعْدَكَ عَلَى أَدْبَارِهِمْ القَهْقَرَى. ثُمَّ إِذَا زُمْرَةٌ، حَتَّى إِذَا عَرَفْتُهُمْ خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَيْنِي وَبَيْنِهِمْ، فَقَالَ: هَلُمَّ، قُلْتُ أَيْنَ؟ قَالَ: إِلَى النَّارِ وَاللَّهِ، قُلْتُ: مَا شَأْنُهُمْ؟ قَالَ: إِنَّهُمُ ارْتَدُّوا بَعْدَكَ عَلَى أَدْبَارِهِمْ القَهْقَرَى، فَلاَ أُرَاهُ يَخْلُصُ مِنْهُمْ إِلَّا مِثْلُ هَمَلِ النَّعَمِ).[29]

وروى مسلم قال (حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ الْحَوْضَ رِجَالٌ مِمَّنْ صَاحَبَنِي، حَتَّى إِذَا رَأَيْتُهُمْ وَرُفِعُوا إِلَيَّ اخْتُلِجُوا دُونِي، فَلَأَقُولَنَّ: أَيْ رَبِّ أُصَيْحَابِي، أُصَيْحَابِي، فَلَيُقَالَنَّ لِي: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ).[30]

قيل ان المراد بهم اهل الردة ولكن اهل الردة لم يصاحبوا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وقد ورد في الحديث أنهم رجال ممن صاحبني بل عبر عنهم باصيحابي والتصغير انما يؤتى به للاشارة الى الارتباط الوثيق نظير قولهم (اُخيّ) و(بُنيّ).

والحاصل ان الاختلاف الذي أوجب الكفر والارتداد في الامم السالفة هو التشكيك في بعض ما بلغه الرسل من عند الله تعالى سواء كان التشكيك في التسليم لامر الله او في تصديق الرسول وهذا ينطبق تماما على الاختلاف الذي وقع في الامة الاسلامية في امر الخلافة والامامة فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولا علاقة له باهل الردة ولكن الايمان والكفر هنا لا يتعلقان باصل التوحيد والرسالة فلا يستلزم الكفر الموجب للخروج عن الدين.

والتكرار في قوله تعالى (ولو شاء الله ما اقتتلوا) قيل انه للتاكيد وقيل انه للتعقيب عليه بقوله (ولكن الله يفعل ما يريد) ويحتمل ان يكون المراد انهم حتى مع اختلافهم كان من الممكن ان يجتنبوا الاقتتال ولو شاء الله لالهمهم ذلك لكي يجتنبوه ولكنه تركهم لحالهم فأدّى التباغض والحسد فيما بينهم الى الاقتتال.

والمراد بقوله (ولكن الله يفعل ما يريد) انه لا يمنعه شيء ولا يؤثر في ارادته شيء بل يفعل ما يريده ولكنه قطعا لا يريد امرا جزافا وانما يريده لحكمة. وحكمته تقتضي ان لا يريد إلزام القوم بان لا يتبعوا أهواءهم بل مقتضى الحكمة ان يتركهم ليفعلوا ما يشاءون وان ترتبت عليه المفاسد طيلة التاريخ الاسلامي.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (254)

الاية بظاهرها عامة تشمل الانفاق الواجب والمستحب ولكن الجملة الاخيرة تناسب الزكاة الواجبة حيث يستفاد منها ان الامتناع عن الزكاة كفر عملي بالدين وان لم ينكر وجوبها نظير اية الحج حيث قال تعالى (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ).[31] فالمراد بالكافرين من لم ينفق في سبيل الله تعالى.

ومهما كان فالآية تحث على الانفاق في سبيل الله وتنبه الانسان على امرين:

الاول: ان ما تنفقه ليس منك بل هو من رزق الله تعالى والخطاب للذين آمنوا وهم يعترفون بالطبع بان كل ما لديهم رزق من الله تعالى فلا وجه للتردد في الانفاق في سبيله وانما يتوقف من يرى انه اكتسبه بعلمه وبكدّ يمينه كما قال قارون على ما في قوله تعالى (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي).[32]

الثاني: ان الحياة الدنيا فرصة للانسان ليستفيد من عمله ومن الانفاق بماله فانه سيحشر يوم القيامة مع حاجته الشديدة الى ما يتمتع به في تلك الحياة الابدية مع انها لا يوجد فيها بيع ولا خلة ولا شفاعة فلا يمكنه ان يبيع شيئا من متاعه ويستبدله بما يحتاج اليه ولا تبقى هناك خلة ليستمد من خليله ولا يشفع له احد ان لم يكن له عمل ينفعه.

نعم الخلة باقية بين المتقين كما قال تعالى (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ)[33] فان كان منهم بقيت له خلة ولكنه غني عنها بعمله واما الشفاعة فقد مر الكلام حولها بشيء من التفصيل في تفسير قوله تعالى (وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ).[34]

والجملة الاخيرة تدل بظاهرها على حصر الظلم في الكفر لمكان الالف واللام وضمير الفصل فكأنه لا يوجد ظالم غير الكفار. وهذا قد يكون من باب ان ظلم الكافر اوضح ظلم واقبحه ولكن الظاهر كما مر ان المراد بالكافرين من امتنع من الانفاق في سبيل الله تعالى فيمكن ان يكون المراد بحصر الظلم فيهم نفيه عن المؤمنين الذين ينفقون اموالهم فالممتنع كافر بانعم الله تعالى حيث لم يصرفها في الوجه الصحيح وظالم لنفسه ولمجتمعه.

 

اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ...

هذه الآية من اعظم آيات القرآن وتسمى آية الكرسي لاشتمالها على هذه الكلمة. والروايات في فضلها واستحباب قراءتها كثيرة جدا في كتب الفريقين. وقد ورد الامر بقراءتها بداية السفر وحين النوم وحين الدفن وللشفاء وللحفظ وعند الاحتجام وحين الخوف وفي تعقيب الفرائض وفي بعض النوافل والصلوات المستحبة وحين الوقوف بعرفات وورد استحباب كتابتها للشفاء وعلى جدران البيت.

واسم الجلالة في اول الاية مبتدأ وما بعده من الجمل خبر له واولها (لا اله الا هو) وقد مر في تفسير البسملة في بداية تفسير سورة الفاتحة بعض الكلام حول اسم الجلالة وقلنا ان كلمة (الله) علم له تعالى وليس من مبتدعات الاسلام بل هو مذكور في كلام العرب الجاهلي.

واصله الاله حذفت الهمزة تخفيفا. قيل انه من الوله اي التحير لان العقول حائرة فيه. وقيل انه فِعال بمعنى المفعول من أَلَه اي عبد فهو بمعنى معبود. وقيل ان اصل اسم الجلالة اللاه من لاه يليه اي تستّر وتحجّب.

ومر الكلام حول جملة (لا اله الا هو) وهي كلمة التوحيد في تفسير الاية 163 من هذه السورة. ومجمل القول ان الاولى في التقدير ان يكون المراد بالاله من يستحق العبودية فمعنى الجملة لا يوجد من يستحق العبودية الا الله تعالى.

والحي والقيوم خبران عن اسم الجلالة ايضا او عن مبتدأ محذوف اي وهو الحي القيوم. والحي صفة مشبهة من الحياة وهي من الصفات الالهية الحسنى ويعبّر عنها بصفات الذات وتقابلها صفات الفعل التي تنتزع من افعاله تعالى. والمعروف أن اصول صفات الذات العلم والقدرة والحياة، فكل ما يذكر من الصفات الثبوتية له تعالى يعود الى هذه الاصول. واللّه العالم.

وتوصيفه تعالى بالحي يدفع توهم من يظنّ أنّ اللّه تعالى ليس فاعلا مختارا وأنّ ما يصدر منه إنّما هو مقتضى ذاته كما هو ظاهر بعض عبارات المتفلسفين فالذي يظنّ ذلك لا يختلف عن الملحد الذي ينفي وجوده تعالى ويظنّ أنّ الكون انما وجد بفعل الطبيعة التي لا حياة لها.

وكل الناس يعرفون معنى الحياة اجمالا حتى الاطفال حيث يفرقون بين الحي والميت ويعجز عن درك حقيقتها العلماء حتى الآن.

والكلام هنا ليس في حقيقتها وانما في المعنى المراد بالحي حين اطلاقه على الله تعالى لان المراد به في الاطلاق على الحيوان والانسان كونه متحركا وله احساس ونموّ وربما تطلق الكلمة على النبات ايضا لمجرد كونه ينمو ولكن لا يمكن ان تكون هذه الامور مناط اطلاق الحي على الله تعالى لتنزهه عن الاتصاف بها.

فيتبين بذلك ان المناط في صدقه امر وراء ذلك بل حتى في الانسان والحيوان تصدق الحياة حتى لو فقد بعض هذه الامور اي الحركة والاحساس والنمو فلا بد من كون المناط في صدقها امرا اخر وهذه الامور مظاهر لها وربما تظهر الحياة بوجه اخر.

كما ان الجن ايضا موجود حي ولا نعلم كيفية حياتهم وهل لهم اجسام تختلف عن اجسامنا ام انهم لا اجسام لهم كما لا نعلم انهم هل لهم احاسيس كاحاسيسنا او نمو كنمونا ومع ذلك نصفهم بالحياة.

وكذلك الملائكة فهم احياء ايضا وليسوا اجساما كما ان روح الانسان بعد وفاته له حياة خاصة به وليس جسما ولا نعلم خصائص حياته الا ما ورد في القران حيث قال تعالى (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ)[35] فكل هذه خصائص الحياة التي يتمتع بها الانسان الشهيد بعد موته.

وقال العلامة الطباطبائي قدس سره (وبذلك أذعن الانسان أن هناك وراء الحواس أمرا آخر هو المبدأ للاحساسات والادراكات العلمية والافعال المبتنية على العلم والإرادة وهو المسمى بالحياة ويسمى بطلانه بالموت فالحياة نحو وجود يترشح عنه العلم والقدرة).[36]

ولكن الظاهر ان الحياة تصدق بدون العلم والقدرة كما في النباتات وفي الكائنات الحية الميكروبية والخلايا الحية للجسم ونحو ذلك نعم العلم والقدرة من آثار الحياة وهناك تعاريف للحياة لا تنحصر فيما ذكره المفسرون. والحاصل ان تعريف الحياة المادية غير واضح فكيف بما يشمل الحياة فيما وراء الطبيعة.  

ولهذا السبب لم يفسر بعض اللغويين الحي الا انه خلاف الميت ولا شك في ان الذي يعتقد بوجود الله ويؤمن به يصفه بالحياة باعتبار ان كل ما يراه في الكون من آثار قدرته وعلمه فهو الحي واقعا وكل ما يوصف بالحياة غيره فحياته منه تعالى.

والحياة التي نشاهد آثارها في الحيوان والانسان انما هي امر عرض على الجماد فان الاصل في هذه الاشياء جماد لا حياة له فحياة هذه الاشياء امر عارضي زائل وليست باقية فالحياة الواقعية هي الحياة الربانية الازلية الابدية الذاتية.

ولذلك وردت الكلمة هنا خبرا بالالف واللام مما يدل على انحصار صفة الحياة فيه تعالى كما قال ايضا (هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ..)[37] وهذه الاية اظهر في الحصر فكل ما سوى الله تعالى ميت والحي في الحقيقة هو الله تعالى لان حياة غيره حياة بالعرض ومتقومة بارادته تعالى فلو نفينا عن غيره الحياة لم يكن جزافا لان الحياة الحقيقية هي التي لا تزول ولا تستند الى ارادة حي اخر.

وذكر هذا الوصف بعد كلمة التوحيد هنا وقبلها في الاية الانفة الذكر يستفاد منه التعليل اي حيث لا حي الا هو فلا اله الا هو وذلك لان الالوهية لا تليق بمن يعتريه الفناء والزوال كما قال ابـراهيم عليه السلام على ما في قوله تعالى (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ).[38]

والقيّوم فيعول من القيام وهي صيغة المبالغة. والقيام كناية عن تدبير الامور والربوبية المطلقة. والرب هو المالك للشيء المصلح له ووجه الكناية ان الانسان اذا اراد ان يصلح شيئا ويهتم به يقوم عليه. وهذه الصفة ايضا مشمولة للحصر فلا قيوم الا الله تعالى اذ لا يمكن لشيء ان يكون قائما على امور كل اجزاء الكون غيره تعالى فهو رب العالمين.

وليس من موارد هذا القيام ما ورد في قوله تعالى (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ..)[39] كما في بعض التفاسير كالميزان[40] لان القيام في هذه الآية بمعنى الاحاطة والسيطرة على كل ما يصدر من الانسان من صغيرة وكبيرة لانه علق القيام بما كسبته النفس وليس من القيام على الشيء بمعنى اصلاحه وتدبير اموره.

 

لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ...

هذه الصفة مقتضى كونه تعالى قيوما على كل شيء اذ لا يمكن ذلك لمن يغفل عن الشيء ولو في اقل من لحظة فكيف بمن ينام. والسنة اصلها الوسن كعدة من الوعد وصلة من الوصل ومعناها النعاس. والنوم معروف والله تعالى منزه عن هذه العوارض كما هو واضح.

وقد وقع الكلام في السر في هذا التعبير لان المناسب ان يقال لا تاخذه نوم ولا سنة لان السنة اضعف من النوم فاذا لم تاخذه السنة فلا ياخذه النوم بطريق اولى فقيل ان الاشكال يبتني على ان يكون الاخذ بمعنى العروض فيقال ان عدم عروض السنة يستلزم عدم النوم بطريق اولى ولكن الصحيح ان معناه الغلبة فالمعنى لا يؤثر فيه عامل ضعيف ولا قوي.

وهذا الجواب ارتضاه العلامة الطباطبائي رحمه الله ولكن الجواب انما يصح في ما اذا كان المورد تعرض عليه هذه العوامل فيقال انه لا يؤثر فيه الضعيف بل لا يؤثر فيه القوي ولكنه تعالى لا يعرض عليه شيء من ذلك فالاخذ هنا يجب ان يكون بمعنى العروض لا الغلبة.

وقيل ان الوجه في ذلك هو الترتيب في الوجود فان السنة تاتي قبل النوم فذكرت اولا وهذا ايضا غير صحيح لان السنة ربما تاتي من دون نوم كما ان النوم ربما يغلب على الانسان فجاة ولا يتقدمه نعاس.

وقيل ان الوجه فيه هو ان ذكر السنة لا يغني عن ذكر النوم لما مر آنفا من أنّ السنة ربما تاتي بدون النوم وكذلك العكس وهذا ايضا غير صحيح لانه وان صح ذلك الا ان الذي لا تاخذه السنة وهو النوم الخفيف لا ياخذه النوم الكامل.

والصحيح ان هذا التعبير كناية عن عدم غفلته تعالى عن اقل شيء وانه لا يشغله شان عن شان والا فالنوم والسنة لا موضوع لهما فيه تعالى ولذلك ففي هذا المقام لا يختلف تقديم اي منهما على الاخر اذ لا يوجد بالنسبة اليه تعالى اختلاف بينهما.

 

لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ...

اللام هنا لاثبات الملكية الحقيقية. وتقديم الجار والمجرور يفيد الحصر اي ان كل ما في الكون له لا لغيره وهذا لرد تصور بعض البشر حيث يرون غيره ربا للكون ومتصرفا فيه بالاستقلال حتى من كان يظن ان البشر بنفسه حر في تصرفه.

والسماوات والارض كناية عن الكون كله بما في ذلك عالم الملائكة وما وراء الطبيعة ولا يراد خصوص المجرات والاجرام الفلكية مع الارض. والتعبير عن الكون كله بالسماوات والارض إمّا باعتبار ان الانسان اذا نظر الى ما حوله لا يجد الا سماءا تظله وارضا تقله فيصح التعبير عن الكون بالسماوات والارض.

وإمّا باعتبار ان المراد بالسماوات ما وراء الطبيعة لانها اعلى وارفع من عالم الطبيعة ولكن ليس علوا مكانيا بل من حيث الرتبة والمقام والمراد بالارض عالم الطبيعة لا خصوص هذا الكوكب فيشمل كل ما في الكون من المجرات والاجرام العظيمة.

ولم يقل (له السماوات والارض) لان هذا التعبير لا يشمل الجزئيات انما يشمل الكون ككل والمقصود بيان أن كل ذرة من ذرات الكون ملك له تعالى.

فان قلت ولكن هذا التعبير لا يشمل نفس السماوات والارض فالجواب ان السماوات ليست الا عالم ماوراء الطبيعة والارض ليست الا عالم الطبيعة فليس هناك امر وراء ما يوجد فيهما.

والملكية هنا ليست بمعنى انه يملكها اعتبارا او له الحق في التصرف فيها بل بمعنى انها تفتقر في كيانها ووجودها اليه ابتداءا واستدامة فكل اجزاء الكون متقومة بارادته تعالى ولو لم يرد بقاءها لانعدمت.

وهذه الحقيقة اذا آمن الانسان بها يهدأ باله ولا يعرضه خوف واضطراب نتيجة ما يراه من الاخطار في الدنيا لانه يعلم ان كل ذلك من الله تعالى وانه هو المالك للجميع والمسيطر عليها وان كل ما يراه من الحوادث لا تحدث الا بارادته فيتوكل عليه ويسلم امره له ويرتاح مطمئن البال مستريحا وما يصدر منه من معالجة او مقاومة انما هو امتثال لامره تعالى.

 

مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ...

(من) استفهامية والاستفهام للانكار و(ذا) اسم اشارة وهو خبره والموصول بدل عنه او صفة له اي لا يوجد من يشفع عنده الا باذنه ولعل الاتيان باسم الاشارة مع عدم وجود من يشار اليه للتحقير اي تحقير هذا التوهم وهو تعبير متعارف.

والمعروف في التفاسير ان المراد بالشفاعة توسط المقربين عند الله تعالى يوم القيامة للعفو عن المذنبين وهي التي ينفيها بعضهم أساسا مع وجود الايات والروايات الواضحة في ذلك ويحصرها بعضهم في ما يدعيه المشركون من شفاعة الاصنام كما قالوا (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى).[41]

ولكن الصحيح ما ذكره العلامة الطباطبائي قدس سره من ان المراد بها هو الوساطة في التاثير في الكون وتحقق الحوادث لانها هي التي تناسب سياق الاية التي تتحدث عن قيوميته تعالى وربوبيته المطلقة وحفظه لجميع اجزاء الكون.

وهناك موارد اخرى من لفظ الشفاعة في القران يراد بها هذا المعنى بمقتضى قرينة السياق ايضا كقوله تعالى (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ..).[42]

ويلاحظ انه اتى بنفي الشفيع من دون اذن مترتبا على تدبير الامر وليس بينهما عاطف فمعناه ان تدبيره للامور بواسطة الشفعاء وهم الوسائط الغيبية والطبيعية الا انها لا تعمل شيئا الا باذنه تعالى. وسيأتي ان المراد في الاية خصوص الوسائط الغيبية.

والوساطة هنا لحاجة المخلوق الى واسطة فالنقص في القابل لا في الفاعل والله تعالى غني عن خلقه فهذه الوساطة كالوساطة في القاء الوحي الى الرسل كما قال تعالى (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ)[43] ومعنى الآية ان البشر ليس له القابلية في ان يكلمه الله تعالى الا بهذه الطرق ولذلك لم يقل ما كان لله ان يكلم بشرا بل قال ما كان لبشر ان يكلمه الله. 

ومثله قوله (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ).[44]

فسياق هذه الاية ايضا مرتبط بالخلق وتدبير امور الكون من عرش الربوبية والاية تنفي ان يكون للخلق ولي ولا شفيع من دونه تعالى. وليس معنى النفي من دونه انه تعالى شفيع كما هو واضح بل معناه انه هو الذي يحدد من يكون وسيطا في تدبير الكون وليس لأحد ان يفترض مخلوقا وسيطا وهو الشفيع او مدبّرا وهو الولي.

فهذه الاية ايضا تردّ على تصور المشركين من وجود ارباب في الكون ينفّذون امر الله تعالى والاصنام تمثل تلك الارباب والله تعالى ينفي وجود الارباب وينفي وجود الوسائط الا من جعله واسطة فيكون شفيعا باذنه. وكذلك قوله تعالى (وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى)[45]

ومثل هذه الاية قوله تعالى (وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ).[46] حسب تفسير العلامة قدس سره على ما نقلناه واوضحناه في محله.

ومجمل القول فيها أن هذه الاية تشير الى حالة الملائكة في انتظار الامر الالهي في تدبير الامور وأنهم في حالة فزع وتهيّب من الامر الذي يصدر منه تعالى. وكتب اللغة مجمعة على ان معنى (فُزّع عن قلوبهم) كشف الفزع عنها. وذلك بصدور الامر الالهي فيقول بعضهم لبعض ماذا قال ربكم ويجيبون (الحق) اي ما قاله هو الحق.

وهذا طبعا ليس من قبيل الكلام وانما هو تعبير يصوّر حالتهم. وهذا الفزع والخوف في انتظار الاذن والامر الالهي يعكس مدى اهتمامهم بان لا يتوانوا في تنفيذ الامر وهم لا يتوانون ولا يفلت من ايديهم فقد وصفهم الله تعالى بانهم لا يعصون ما امرهم ويفعلون ما يؤمرون كما وصفهم بانهم اقوياء على ما يراد منهم وغلاظ شداد.

وهذا الخوف والفزع مذكور في آيات اخرى ايضا كقوله تعالى (يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)[47]  وايضا قوله (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ).[48]

فالمراد ان الوسائط في التكوين سواء كانت وسائط غيبية كالملائكة او طبيعية كالعلل والاسباب المادية فانها لا تؤثر في تحقق المطلوب الا اذا اراد الله تعالى ولا يمكن لاي واسطة سواء كان ملكا او رسولا او وليا او طبيبا او غير ذلك ان يحقق امرا يقصده الا باذنه تعالى.

والحاصل ان الشفاعة هي الوساطة وهي لا تختص بالتوسط في طلب العفو من الله تعالى يوم القيامة بل هي في الوساطة التكوينية اوضح. والاصل فيه لغة ضم شيء الى شيء ففي معجم المقاييس انه يدل على مقارنة الشيئين وفي المفردات انه ضم الشيء الى مثله وحيث ان الطالب للشيء يضم الى طلبه وسيطا يعبر عنه بالشفيع.

وربما يقال ان حمل الشفاعة على ما يشمل السببية التي عبر عنها بالشفاعة التكوينية، خلاف ظاهر الكلمة من الناحية اللغوية في معنى المصطلح، لأنها ظاهرة في حركة الإنسان في التوسط لإنسان آخر لإيصال الخير إليه أو دفع الشر عنه.

والصحيح أن الشفاعة بهذا المعنى ليست الا مصطلحا عاميا وتطبيقها على يوم القيامة عقيدة شركية وكل ما ورد في القرآن من نفي الشفاعة يوم القيامة يعود الى هذه العقيدة الفاسدة. وبما تلوناه من الآيات الكريمة يتبين ان لها معنى اخر في مصطلح القرآن وانها أظهر في السببية التكوينية سواء بالوسائط الغيبية كالملائكة او الطبيعية.

ولكن الظاهر ان المقصود في الآية خصوص الوسائط الغيبية وفي هذا نختلف عما ذكره العلامة الطباطبائي قدس سره من التعميم. والسبب في التخصيص ان الوسائط الغيبية هي التي يدّعى فيها انها ارباب تدبّر الامور وتؤثّر في الكون وتنفع وتضر بنفسها. ولذلك تتخذ آلهة وتعبد من دون الله تعالى. ولعل بعض بسطاء المسلمين يعتقدون مثل ذلك في بعض اوليائه تعالى وهذا شرك يجب تطهير العقيدة الاسلامية منه.

وقد بيّنّا في عدة مواضع أن التبرك والاستشفاء والتوسل بالانبياء والاولياء عليهم السلام ليس من هذا القبيل فنحن لا نعتقد فيهم الاستقلال وانما نعتقد ان التوسل بهم تارة يكون بالدعاء من الله تعالى في حضورهم او الحضور عند قبورهم وهم احياء وارواحهم حاضرة وتارة يكون بطلب الدعاء منهم وهذان الامران مذكوران في قوله تعالى (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا).[49] فان الاية تحث على الاستغفار في حضور الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وعلى طلب الاستغفار منه.

واما طلب الحاجة من النبي او الولي مباشرة فهو ايضا لا يستلزم الشرك اذا كان مع الاعتقاد بانه لا يقدر على شيء الا باذنه تعالى وقد قال تعالى في شان عيسى عليه السلام (وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي..).[50]

ثم ان دعوى المشركين شفاعة الشفعاء لا تختص بيوم القيامة بل هم لا يؤمنون بالآخرة وانما يدّعون لهم الشفاعة والوساطة في الدنيا ويعتقدون انهم يؤثرون في الكون فيتوسلون بهم في استنزال الرزق ونحوه ودفع الضرر من الجدب والحرب وغيرهما وما يعبدون الاصنام الا لانها تمثل الارواح العالية ولعلهم يقصدون الملائكة.

والقرآن يرد عليهم في ايات كثيرة بان الذين تدعونهم من دون الله لا يملكون شيئا ولا يقدرون على شيء حتى على نفس التوسط والشفاعة الا باذنه تعالى وهذا فيما لو فرض كونهم وسطاء في الواقع كالملائكة اما الاصنام فليس التوسل بها الا جهلا وغباءا. وهذه الآية ايضا في نفس السياق فالشفاعة المنفية فيها هي الشفاعة التكوينية.  

وقد مر الكلام حول الشفاعة بشيء من التفصيل في تفسير قوله تعالى (وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ).[51]

يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ...

(ما بين ايديهم) تعبير عما هو أمام الانسان لان اليدين مسلطتان على ما هو أمامه فكأن الشيء الذي امامه بين يديه. والظاهر ان المراد بما بين ايديهم هنا اي ما هو حاضر لهم يرونه والمراد بما خلفهم ما لا يشهدونه من الغيب سواء كان قبل ذلك ام بعده ام كان غائبا عنهم.

وقيل المراد بما بين ايديهم الدنيا وبما خلفهم الاخرة وقيل بالعكس وقيل يعلم ما كان قبلهم وما كان بعدهم وقيل ما بين أيديهم من خير أو شر وما خلفهم مما فعلوه كذلك وقيل ما يدركونه وما لا يدركونه.

والكلام هنا في مرجع الضمير في قوله (ايديهم) و(خلفهم) فقيل انه يعود الى ما في السماوات وما في الارض والمراد العقلاء وهو بعيد لان اكثر ما في الكون ليسوا عقلاء فلا يمكن ان يراد بقوله ولا يحيطون بشيء من علمه الا بما شاء ما يشمل الحجر والمدر.

وقيل ان المراد الخلائق كلهم وان لم يسبق لهم ذكر الا انه يعلم من السياق فيشمل الملائكة والجن والانس.

وهذا الاحتمال مذكور في عدة من التفاسير والغالب ايضا لم يخصوا قوله (بشيء من علمه) بعلم الغيب بل بكل علمه فمعناه ان العلم ليس الا منه تعالى وهو لا يمنح منه شيئا للناس الا بمقدار.

وهذا امر واضح لا شك فيه كما ان علمه تعالى بما بين ايديهم وما خلفهم باي معنى فسرناه امر واضح ولكن يبقى السؤال على هذا الاحتمال في انه ما هو علاقة هذا الامر بالسياق الذي تقصده الاية اي التاكيد على الربوبية المطلقة وتدبير امور الكون وحفظ السماوات والارض؟! فبناءا على هذا التفسير تبقى هذه القطعة لا علاقة لها بما قبلها ولا بما بعدها.

والظاهر أن الضمير يعود الى الشفعاء المعلوم من قوله (من ذا الذي يشفع..) كالملائكة او كل ما يدعى كونهم وسائط في تدبير الكون. اما الوسائط المادية التي تؤثر في الطبيعة من دون ارادة فيبعد حمل الآية على ما يشملها وان ذكره العلامة الطباطبائي رحمه الله لان نفي الاحاطة العلمية بما عنده تعالى من الغيب لا يناسب اسناده الى هذه العوامل حتى بالتجوز بل الظاهر كما مر ان المراد خصوص الوسائط الغيبية كالملائكة.

ومثله قوله تعالى (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ).[52] والمراد بالعباد المكرمين الملائكة الكرام واليهم يعود الضمير في (ايديهم وما خلفهم).

وعلمه تعالى بما بين ايديهم وما خلفهم يعني الاحاطة الكاملة بهم فلا يمكنهم اي عمل خارج عن ارادته تعالى والغرض من ذلك نفي اي سلطة لهم على الكون الا بالمقدار الذي حدده الله تعالى لهم. وحيث اتى بهذه الجملة من دون عطف يظهر منه انه السبب في عدم تسلطهم على الشفاعة الا باذنه بمعنى ان وساطتهم محدودة بما جعله الله لهم ولا يمكنهم تجاوز هذا الحد وبذلك تنتفي عنهم الشفاعة المطلقة.

والمراد بقوله (ولا يحيطون بشيء من علمه) الاحاطة العلمية ففيه تشبيه العلم الكامل بالشيء من جميع الجهات بالاحاطة كأن علمه امر احاط بذلك المعلوم من كل جانب.

والظاهر ان المراد بعلمه تعالى معلومه الذي استأثر به وهو الغيب اي لا يحيط الشفعاء بشيء مما يعلمه الله تعالى من الغيب الا بما شاء اي ما اراد الله تعالى ايصاله اليهم من اخبار الغيب كما اوصله الى بعض عباده الاصفياء كالانبياء والاولياء.

فهذا نظير قوله تعالى(عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا)[53] وقد بينا  في تفسير الآية ما يفيده هذا الاستثناء.

وعدم الاحاطة بالغيب هو الاساس في نفي الربوبية عن غيره تعالى لان الربوبية المطلقة تتوقف على الاحاطة بالغيب ولذلك فان الربوبية لا يمنحها الله تعالى لاحد مهما كان شأنه والاشتراك في الربوبية مستحيل كما قال تعالى (وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا).[54]

وخرج بقوله (لا يحيطون) من يتنبأ بالغيب بوسائل غير طبيعية او بالحدس الثاقب او ملاحظة الشواهد الاجتماعية او السياسية ونحو ذلك مما يوجب اخبار بعض الناس بما سيحدث في المستقبل فان ذلك ليس من الاحاطة وانما هو من الحدس الصائب. واما العلم بالغيب فهو خاص بالله تعالى وبمن اراد الله اعلامه ببعض الغيب.   

وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255)

الكرسي بضم الكاف وكسره ما يجلس عليه واصله من الكرس اي التلبد والاجتماع كأنّ الجالس عليه يجمع نفسه وهو كناية عن عموم السلطة والحاكمية والتدبير ومعنى سعة الكرسي للسماوات والارض هو أن الكون كله تحت سلطانه وتدبيره ولا يشذ في الوجود شيء عنه ولا فرق بين العرش والكرسي في هذا المعنى.

ويدل على ما ذكرنا حديث رواه الصدوق قدس سره عن ابي عبد الله عليه السلام وهو حديث طويل في اثبات وجود الله تعالى وبعض صفاته ومنها (قال السائل فقوله (الرحمن على العرش استوى) قال أبو عبد الله عليه السلام: بذلك وصف نفسه وكذلك هو مستول على العرش بائن من خلقه من غير أن يكون العرش حاملا له ولا أن يكون العرش حاويا له ولا أن العرش محتاز له ولكنا نقول هو حامل العرش وممسك العرش ونقول من ذلك ما قال (وسع كرسيه السماوات والأرض) فثبتنا من العرش والكرسي ما ثبته ونفينا أن يكون العرش والكرسي حاويا له أو يكون عز وجل محتاجا إلى مكان أو إلى شيء مما خلق بل خلقه محتاجون إليه).[55] فقوله عليه السلام (ونقول من ذلك ما قال وسع كرسيه السماوات..) مع ان مورد السؤال هو العرش يدل على ان المراد بهما امر واحد.

ولكن المفسرين اختلفوا قديما وحديثا في معنى الكرسي فقيل هو العرش وقيل هو موضع القدمين!! من العرش ورووا في ذلك رواية وقيل هو العلم روي عن ابن عباس وقيل في توجيهه ان الكرسي يعبر به عن العلم لان العلماء يجلسون عليه وقيل هو الملك.

وفي الميزان انه مرتبة من العلم قال العلامة (المراد بسعة الكرسي إحاطة مقام السلطنة الإلهية فيتعين للكرسي من المعنى انه المقام الربوبي الذي يقوم به ما في السماوات والأرض من حيث إنها مملوكة مدبرة معلومة فهو من مراتب العلم..).

ولا يؤوده حفظهما... اي لا يثقل عليه حفظ السماوات والارض. قال في العين تقول (آدني هذا الامر ويؤودني أَوْدا وأُأُودا اذا بلغ منك المشقة).

وارجاع ضمير التثنية لعله باعتبار ان التعبير كما قلنا كناية عن الطبيعة وما وراءها اي الكون باكمله. وهذا مترتب على سعة الكرسي لجميع الكون فكله تحت قبضته.

وهذا المعنى اي حفظ السماوات والارض ورد بتعبير اخر في قوله تعالى (إِنَّ الله يُمْسِكُ السماوات والأرض أَن تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً)[56] بناءا على ان الامساك بمعنى المنع اي يمنعهما من الزوال بزوال النظام الذي يحكم فيهما ومما لا شك فيه ان بقاء هذا النظام الدقيق هو اساس حفظ الكون.

ولعل المراد بالحفظ في هذه الاية ايضا حفظ النظام الكوني ويمكن ان يشمل انحاء اخرى من الحفظ ايضا نظير ما مر في هذه السورة حيث قال تعالى (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ)[57] فهذا احد موارد حفظ النظام الكلي على كوكب الارض بالخصوص او في المجتمع البشري فحسب.

واما حفظ افراد البشر من الحوادث فقد ورد ايضا في قوله تعالى (سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ * لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ..)[58] وان اختلف في تفسيره.

وكذلك في قوله تعالى (قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ)[59] وامثالها من الايات التي تنبه على رجوع الانسان الى ربه اذا لم يجد طريقا للنجاة وهي ايات كثيرة.

منها قوله تعالى (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ).[60]

ولعل الحفظ بهذا المعنى مشمول ايضا لاية الكرسي ولذلك ورد الامر بقراءتها للحفظ من الحوادث وغيرها.

ولا يعني ذلك ان الانسان لا يتعرض للحوادث كما هو واضح بل المراد انه تعالى يحفظ الانسان من كثير منها كما قال تعالى (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ)[61] ودفع البلاء عن الانسان مشهود بوضوح يشعر به كل انسان خلال نشاطه اليومي. وفي دعاء كميل (وكم من عثار وقيته وكم من مكروه دفعته).

وهو العلي العظيم... العلو: الرفعة. والعظمة بمعنى الكبر والقوة على ما في معجم المقاييس وهو استعارة عن كونه تعالى اكبر مقاما وأعلى شأنا وأرفع قدرا من ان يحيط به الافهام وتناله العقول والاوهام. ولعل تناسب ذكر الوصفين لما سبق هو انه تعالى اجل شأنا من ان يتصور فيه ان يثقل عليه حفظ السماوات والارض.

والجملة تدل بمقتضى الضمير والالف واللام على حصر الوصفين فيه تعالى وذلك بلحاظ ان صيغة فعيل تدل على ما قالوا بكون الوصف ثابتا لا يزول ولا شك ان الذي لا يزول علوه وعظمته هو الله تعالى.

ومن جهة اخرى حيث ان العلو والعظمة امران اضافيان فكل عال يعتبر عاليا بالنسبة الى ما هو ادنى منه وفي نفس الوقت ادون مما هو اعلى منه وكذلك الكبر والقوة سواء في ذلك كبر الحجم او كبر القدرة والمقام. واما العلو والعظمة فيه تعالى فهما مطلقان لا يحدهما حد فهو ارفع شأنا من ان تتناوله العقول وأعظم واكبر من ان يوصف.

وايضا فكل علو وعظمة يفرضان لشيء انما يصح اسنادهما اليه بتفضل وانعام من الله تعالى واما توصيفه بهما فهو بنفسه ولذلك يقال انه المتعالي والمتعاظم والمتكبر لان كل هذه الصفات من ذاته تعالى وليس من غيره.     

 

لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256)

الاكراه اجبار الغير على تحمل ما يكره. والكراهة ضد المحبة. والدين يطلق على مجموعة من العقائد والاحكام. والمراد به هنا الدين الاسلامي او مطلق الدين الالهي.

ولا شك في انه لا يمكن ان يكون المراد نفي وجود الاكراه في مجموعة الاحكام الشرعية فتكون الجملة نظيرة قوله صلى الله عليه وآله وسلم (لا ضرر ولا ضرار)[62] لان الاكراه موجود في الاحكام الشرعية لا محالة بمعنى ان المسلم يلزم بحكم الشرع ان لا يخالف بعض الاحكام ولا يرتكب الموبقات والا فيجري عليه الحد وربما يقتل بل لا يختص بالمسلم فهناك احكام يلزم بها غير المسلم اذا اراد ان يعيش بين المسلمين.

واختلفوا في توجيه هذه الجملة على اقوال:

القول الاول: ان يكون المراد منع الزام احد باعتناق الدين الاسلامي فلا يحق لاحد اجبار غيره حتى لو كان ابنه او عبده ان يدخل في الاسلام وأن يُظهر ذلك بالنطق بالشهادتين.

وهذا ما ورد في عدة روايات رويت في شان نزول الاية منها ما رواه الطبري بسنده عن عامر، قال (كانت المرأة من الأنصار تكون مقلاتا[63] لا يعيش لها ولد فتنذر إن عاش ولدها أن تجعله مع أهل الكتاب على دينهم فجاء الإسلام وطوائف من أبناء الأنصار على دينهم فقالوا: إنما جعلناهم على دينهم ونحن نرى أن دينهم أفضل من ديننا وإذ جاء الله بالإسلام فلنكرهنهم فنزلت "لا إكراه في الدين" فكان فصل ما بين من اختار اليهودية والإسلام فمن لحق بهم اختار اليهودية ومن أقام اختار الإسلام).

وروى ايضا عن ابن عباس (قوله "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي" قال: نزلت في رجل من الأنصار من بني سالم بن عوف يقال له الحصين، كان له ابنان نصرانيان وكان هو رجلا مسلما، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: ألا أستكرههما فإنهما قد أبيا إلا النصرانية؟ فأنزل الله فيه ذلك).[64]

القول الثاني انه خاص باهل الكتاب روى الطبري عن قتادة انه قال (أكره عليه هذا الحي من العرب لأنهم كانوا أمة أمية ليس لهم كتاب يعرفونه فلم يقبل منهم غير الإسلام ولا يكره عليه أهل الكتاب إذا أقروا بالجزية أو بالخراج ولم يفتنوا عن دينهم فيخلى عنهم).

وروى عن الضحاك في قوله:"لا إكراه في الدين" قال: (أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقاتل جزيرة العرب من أهل الأوثان، فلم يقبل منهم إلا "لا إله إلا الله" أو السيف. ثم أمر فيمن سواهم بأن يقبل منهم الجزية فقال: لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي).

ويستدل لهذا القول بقوله تعالى (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ).[65] فيكون الحاصل أنه لا اكراه في الدين مع اهل الكتاب فهم لا يجبرون على الاسلام بل تقبل منهم الجزية.

ويبدو من العلامة الطباطبائي قدس سره موافقة هذا القول نوعا ما حيث قال في ضمن كلام طويل (ان القتال الذي ندب إليه الاسلام ليس لغاية احراز التقدم وبسط الدين بالقوة والاكراه بل لإحياء الحق والدفاع عن أنفس متاع للفطرة وهو التوحيد وأما بعد انبساط التوحيد بين الناس وخضوعهم لدين النبوة ولو بالتهود والتنصر فلا نزاع لمسلم مع موحد ولا جدال..).[66]

القول الثالث انه منسوخ بايات القتال وهي كثيرة وتدل بعضها على ان القتال ليس دائما للدفاع كقوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِم)[67] وقوله تعالى (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ)[68] بناءا على ما مر في تفسير الآية من أن المراد بها استمرار القتال الى ان يؤمنوا وينتهوا عن الشرك والكفر. وكذلك قوله تعالى (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ).[69]

واختار هذا القول جمع من المفسرين منهم صاحب المنار. وقال ابن عاشور في التحرير والتنوير ان الامر بالعكس وهذه الاية تنسخ الحكم بالقتال.

اما روايات شان النزول فلا يصح شيء منها مضافا الى ان الالزام بدفع الجزية ايضا لا يخلو من اكراه ولا فرق في الاكراه بين التهديد بالقتل حتى يسلم او التخيير بينه وبين اعطاء الجزية خصوصا بهذا التعبير (عن يد وهم صاغرون). فهذا التخصيص لا وجه له.

والصحيح ان هذه التفاسير مبتنية على أن المراد بهذا النفي النهي عن اكراه الغير اما اذا قلنا بان المراد نفي الاكراه من الله تعالى فمثل هذا المضمون لا يمكن ان يخصص ولا ينسخ فليس هذا حكما شرعيا وانما هو بيان لحقيقة تكوينية وهي أن الله تعالى لا يكره الناس على قبول الدين واما النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلا يمكنه ذلك فضلا عن غيره من اولياء الامور.

قال تعالى (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)[70] فالاكراه لا يكون الا من الله تعالى كما ورد في هذه الاية ونظائرها وهي كثيرة وهذا هو الذي تنفيه هذه الاية بمعنى ان الله تعالى لا يكره احدا على قبول الدين.

واما غيره تعالى فلا يمكنه ذلك لان العقيدة لا يمكن الاكراه عليها والاسلام اساسه العقيدة فكما ان الاكراه على الكفر لا يوجب الكفر فالاكراه على الاسلام لا يوجب الا لقلقة اللسان بالشهادتين وهو ليس من الدين في شيء.

واما مقاتلة المشركين وغيرهم فهي انما شرعت ليكون الدين كله لله ولا يكون في المجتمع البشري دين حاكم متسلط الا الاسلام وليس لالزام الناس على قبول العقيدة فهو امر غير ممكن والدين اساسه العقيدة.

وقوله تعالى (قد تبين الرشد من الغيّ) مكمل لنفي الاكراه والمراد أن الله تعالى شاء ان يخير الانسان في التدين والكفر وانما يبعث له ما يهديه الى الحق كما قال تعالى (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا).[71]

 فهذه الجملة ليست تعليلا كما يقال بل هي مكملة لما سبق وانما قيل بانها تعليل بناءا على ان الجملة الاولى للنهي عن الاكراه اما اذا كانت بيانا لحقيقة من سنن الله تعالى فلا وجه لكونها تعليلا لان عدم الاكراه ليس بسبب تبين الطريق بل لانه تعالى اراد الاختيار للانسان وانما يبعث الله تعالى من يتبين به الرشد من الغي وقد بعث وانزل الكتاب المبين فتبين الرشد من الغي.

والرُشْد بضمة فسكون والرَشَد بفتحتين الهداية الى الطريق الصحيح الموصل الى المطلوب وهو نقيض الغيّ والضلال اي الضياع وعدم الاهتداء الى الطريق. وهناك اختلاف في بعض كتب اللغة في وجود الفرق بين الرُشد والرَشَد وعدم الفرق.

قوله (فمن يكفر بالطاغوت..) الفاء للتفريع على ما سبق وهو تبين الرشد من الغي. والطاغوت مصدر من الطغيان وتفيد المبالغة. والطغيان تجاوز الحد في العصيان وتطلق على كل من طغا وتجبّر على اللّه تعالى كالشيطان وجبابرة البشر ومن ادّعى الالوهية بالقول او بالفعل بل تطلق تجوزا على ما يعبد من دون الله تعالى كالاصنام ويستوي فيها المفرد والجمع والتذكير والتأنيث. ويدل على ذلك قوله تعالى في الاية التالية (اولياؤهم الطاغوت).

ومعنى الكفر بالطاغوت ترك عبادة الاصنام وكل ما يعبد من دون الله تعالى وربما يكون الصنم انسانا وربما تكون العبادة الطاعة العمياء. وكل ما يصنعه الانسان بيده ثم يعبده او يطيعه فهو صنم فالشخصيات الزائفة التي يعتقد البشر وجوب اطاعتهم والخضوع لهم من الملوك والكبراء وشيوخ العشائر وغيرهم ممن لا يتميزون عن سائر الناس بعلم وحكمة ولم يعينهم الله تعالى اولياء على الناس وانما فرضوا سلطتهم قهرا وجورا وتبعهم الناس جهلا فهم اصنام يعبدون من دون الله وهم من الطاغوت التي يجب الكفر به.

قال تعالى (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا).[72]

وبدأ بذكر الجهة السلبية من الايمان وهي الكفر بغيره تعالى مما يعبده الناس لان النفس يجب ان تخلو اولا من الشرك والفساد ثم تتزين بالايمان بالله تعالى وعبادته اذ لا يجتمع في القلب حبه تعالى مع حب الطاغوت واتّباعها.

فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها.. الضمير يعود الى العروة وهي ما يقبض من الكوز ونحوه واختلف في اصله وفي معجم المقاييس ان الاصل فيه اللزوم والثبات وحيث ان اليد تثبت على العروة وتلازمها سميت بذلك. وتشبيه الايمان بالعروة لانه وسيلة التمسك بالله تعالى وهو موضع الرجاء الوثيق.

والاستمساك تاكيد في الامساك لما قالوا من ان زيادة الالفاظ تدل على زيادة المعاني فليس باب الاستفعال هنا للطلب ويمكن ان يعتبر من نفس المعنى بلحاظ انه لاهتمامه بالامساك عليها فكأنه يطلب زيادة الامساك او استمراره.

وتوصيف العروة بالوثقى بمعنى انها مستمسك يطمئن به الانسان ولا يخاف من عواقبه فان الانسان يحتاج في حياته الى امر تطمئن اليه نفسه فيتشبث به في مواقع الخطر ولا شك أن اوثق ما يمكن ان يتشبث به هو أقواها وأقدرها على دفع المخاطر ورفع العوارض والله تعالى هو القادر على كل شيء وكل الامور تبدا منه وتنتهي اليه فالايمان به هو العروة الوثقى. والوثقى افعل تفضيل اي الايمان اوثق عروة ولا يوجد اوثق منها للارتباط بالله تعالى.

ثم وصفها بانها لا انفصام لها والفصم انكسار الشيء من دون بينونة ويقابله القصم فهو يدل على الانكسار والبينونة. والايمان هو العروة التي لا تنفصم عن السبب الذي يرجى منه النجاة اي الرحمة الالهية فضلا عن الانقصام والبينونة.

وقوله والله سميع عليم بمنزلة السبب لكون الايمان هو العروة الوثقى لان اي سبب يوصلك الى من ترجو منه الخير يحتمل ان يضعف في الاتصال به فلا يخبره ولا حاجة هنا الى من يخبره تعالى بحاجتك فهو يسمع منك كل دعاء ونداء وهمسة بل هو عليم بما يدور في خلدك ويطرأ على قلبك بل هو عليم بكل ما هو أصلح لك فيعينك قبل ان تدعوه بل قبل ان تعلم بما يصلحك.  

 

اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (257)

الولي فعيل من الولاية وهي في الاصل بمعنى القرب ويكنى بها عن المتابعة والنصرة والاعانة ونحوها والله تعالى ولي الجميع كما قال (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ)[73] وهو مولى الجميع كما قال (هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ).[74]

ولكن هذه الولاية المطلقة بمعنى السلطة اما كونه تعالى ولي المؤمنين خاصة ومولاهم فهو بمعنى انه يتولى امورهم ويعينهم وينصرهم كما قال تعالى (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ).[75]

والمراد بالطاغوت الذين هم اولياء للكفار شياطين الجن والانس ويعبر عنهم بالطاغوت لطغيانهم على ربهم. ومعنى ولايتهم للكفار تسلطهم عليهم بالتاثير في نفوسهم وهذه الولاية والسلطة منحت لهم من الله تعالى كما قال (إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ)[76] وقال ايضا (أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا).[77]

والكلام في معنى اخراج المؤمنين من الظلمات الى النور فانهم حيث آمنوا فقد خرجوا من الظلمات الى النور فما هي الظلمات التي يخرجهم الله منها بعد الايمان؟ كما ان السؤال ياتي ايضا في اخراج الذين كفروا من النور الى الظلمات لانهم اختاروا الظلمة فلم يكونوا في نور.

يمكن ان يقال ان المراد بالنور طريق الحق الموصل الى رضا الله تعالى والمراد بالظلمات كل ما يبعد الانسان عن طريق الحق من وساوس الشيطان وما ينشره اهل الضلال ودعاة الكفر وما يثير فيه النزعة الى الفساد والفسق بشتى انواعه وهي كثيرة جدا ولذلك ورد بصيغة الجمع والمراد بالنور في مقابل كل ما يدعو الى الشر هو طريق الحق وهو واحد.

والانسان طيلة حياته يبتلى بهذه النزعات والاثارات والشبهات فان استمسك بالعروة الوثقى كما ورد في الآية السابقة فان الله تعالى ياخذ بيده ويوفقه لسلوك طريق الحق والابتعاد عن الباطل سواء في مجال العقيدة او العمل واذا استسلم للطاغوت فانهم يجرونه الى مصائدهم ويبعدونه عن طريق الحق. والمغريات لديهم كثيرة جدا.

وبذلك يتبين أن الانسان دائما امامه طريقان حق وباطل فالمؤمن بفضل من الله تعالى يختار طريق الحق ويترك الظلمات والكافر ينساق الى الباطل ويترك طريق النور فمعنى اخراج المؤمن من الظلمة ابعاده عن مغريات الفساد وشبهات المضلين ومعنى اخراج الطاغوت للكافر من النور حثه على ترك طريق الحق ومتابعة الشهوات وليس في ذلك إجبار على الانسان لا في هداية الله تعالى للمؤمن ولا في إضلال الطاغوت للكافر.

وكما ان المؤمن يبتلى بمغريات الفساد ودعوات الضلال ووساوس شياطين الجن والانس كذلك الكافر يعرض له من دعوات الخير ومشاهدة ايات الله تعالى في الكون ومسالك الحياة ما ينبغي ان يسوقه الى طريق النور الا انه حيث كفر بربه واتبع الطاغوت فلا يوفق لسلوك طريق الحق وترك ظلمات الكفر والفساد.

ولقائل ان يقول إن الواقع الخارجي والشواهد المحسوسة لا تؤيد ذلك فاننا نجد أن الذين آمنوا ايضا يسلكون طريق الباطل اما في العمل فلا ينجو من اغراء الشيطان الا القليل واما في العقيدة فالاختلاف الملحوظ بين المؤمنين بالله في عقائدهم الى درجة التقاتل والتكفير يدل بوضوح على انهم ليسوا جميعا على الحق بل يمكن ان يقال ان كل فرقة منهم له جنوح الى بعض العقائد الباطلة ولا تجد فيهم من يكون كل ما يعتقد به حقا ونورا كما يظهر من الاية الكريمة فما هو المراد باخراجهم من الظلمات الى النور؟

والجواب أن المراد ليس اخراج كل من آمن بالله وبالرسالات بالاكراه والجبر من الظلمات الى النور ولا ما ورد في بعض التعابير من أنه تعالى بطريق اللطف يخرجهم بل المراد أنه تعالى هيأ للمؤمن الارضية الصالحة للهداية الى الحق والابتعاد عن الباطل فأرسل الرسل وانزل الكتب فمن كان فيه رغبة الى الصلاح فالطريق واضح.

والدليل على ذلك الآيات التي تحدد طريقة هذا الاخراج كقوله تعالى (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ).[78]

فمن هذه الآية نعلم أن الذي يخرج المؤمن من الظلمات الى النور باذنه تعالى هو الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وما يبينه للناس والكتاب الذي اتى به لهدايتهم. 

وكذلك قوله تعالى (الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ).[79] وهنا يصرح ان الذي يخرجهم الى النور باذن ربهم هو الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عن طريق الكتاب العزيز فليس هناك اخراج بجبر بل هو اراءة للطريق الحق فمن اراد ان يتبع النور فالطريق ممهد له.

وأما التقييد بأن ذلك كله مهما كان فهو بإذن الله تعالى فلا يعني أن دعوة الرسول وإراءته للطريق لا أثر لهما وان المؤمنين انما يهتدون بلطف من الله تعالى وبعد ذلك يتبعون الرسول كما يتوهم بل التقييد من جهة أن كل امر في الكون لا يتحقق الا باذنه تعالى حتى إغواء الشياطين يتم بإذنه تعالى كما قال (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا).[80] فكل ما يتحقق من دعوة الرسول وتأثيره في المؤمن ومتابعة المؤمن له انما يتم باذنه تعالى وكذلك في جانب الاضلال والغواية.

نعم من آمن بالله وبالرسالة وبكل ما جاء به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأخلص في نيته وحاول معرفة طريق الحق ولم يتعصب لاباطيل السلطة الغاشمة فالله تعالى يهديه ويوفقه كما قال تعالى (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ).[81]

ويظهر من الاية التي قبلها ان مورد الاية هم المسلمون الذين آمنوا بالله ورسوله في الظاهر حيث يقول (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ).

ومن هنا يمكن ان يقال ان عنوان (الذين آمنوا) في هذه الآية لا يشمل كل من آمن في الظاهر بل المراد الايمان الثابت والتسليم لكل ما اتى به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كما قال تعالى (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).[82]

كما أن عنوان (الذين كفروا) لا يختص بالمشركين والملحدين واهل الكتاب بل يشمل بعض من يدّعون الاسلام كما كانوا في عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والله تعالى لم يعتبرهم من المؤمنين بل قابل بين الفريقين وجمع بينهم وبين الكفار في عدة ايات بل صرح بانهم أسوأ حالا كما في قوله تعالى (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ).[83]

ويظهر ذلك بوضوح في قوله تعالى (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ).[84]

وقد ذكرنا في تفسير الآية ما ينفع في هذا المقام والحمد لله اولا واخرا.

والجملة الاخيرة اي قوله تعالى (اولئك اصحاب النار هم فيها خالدون) خطيرة جدا وتبدد آمال من يزعم ان المسلم مهما كان لا يخلد في النار بناء على تعميم الذين كفروا لمن لا يتبع هدايات الله في الكتاب والسنة وان أسلم في الظاهر.

 


[1] البقرة : 213

[2] النجم : 13 - 17

[3] النساء : 163 - 164

[4] الاعراف : 143

[5] الاعراف : 144

[6] القصص : 6

[7] النحل : 68

[8] الشورى : 51

[9] النجم : 8 - 10

[10] البقرة : 30

[11] الانعام : 83

[12] يوسف : 76

[13] الزخرف : 32

[14] النساء : 95 - 96

[15] الاحقاف : 18 - 19

[16] النمل : 15 - 16

[17] الشورى : 13

[18] الذاريات : 47

[19] النحل: 102

[20] البقرة: 97

[21] الشورى : 52

[22] المائدة : 110

[23] المجادلة : 22

[24] المنار ج 3 ص 42

[25] التحرير والتنوير ج 3 ص 42

[26] مر بعض الكلام حول القصة في تفسير قوله تعالى (ولكن البر من امن بالله..) البقرة : 177

[27] الاحتجاج ج 1 ص 249

[28] صحيح البخاري ج 6 ص 55 باب (وكنت عليهم شهيدا) على ما في المكتبة الشاملة

[29] صحيح البخاري ج 8 ص 121 باب الحوض على ما في المكتبة الشاملة

[30] صحيح مسلم ج 4 ص 1800 باب اثبات حوض نبينا صلى الله عليه وسلم على ما في المكتبة الشاملة

[31] ال عمران : 97

[32] القصص : 78

[33] الزخرف : 67

[34] البقرة : 48

[35] ال عمران : 169 - 171

[36] الميزان ج 2 ص 329

[37] غافر : 65

[38] الانعام : 76

[39] الرعد : 33

[40] الميزان ج 2 ص 330

[41] الزمر : 3

[42] يونس : 3

[43] الشورى : 51

[44] السجدة : 4

[45] النجم : 26

[46] سبا : 23

[47] النحل : 50

[48] الانبياء : 28

[49] النساء : 64

[50] المائدة : 110

[51] البقرة : 48

[52] الانبياء 26 - 28

[53] الجن : 26 - 27

[54] الكهف : 26

[55] التوحيد ص 248

[56] فاطر : 41

[57] البقرة : 251

[58] الرعد : 10 - 11

[59] الانعام : 63 - 64

[60] يونس : 22 - 23

[61] الشورى : 30

[62] الكافي ج 5 ص 293 باب الضرار

[63] قال الخليل في العين (ناقة مِقلات وبها قَلَت وقد اقلتت فهي مُقْلِت وهي التي تضع واحدا ثم يقلت رحمها فلا تحمل وامراة مقلات ليس لها الا ولد واحد)

[64] راجع جامع البيان في تفسير الاية

[65] التوبة : 30

[66] الميزان ج 2 ص 343

[67] التوبة : 73

[68] البقرة : 193

[69] الانفال : 39

[70] يونس : 99

[71]  الانسان : 3

[72] النساء 60

[73] الشورى : 28

[74] يونس : 30

[75] محمد : 11

[76] الاعراف : 27

[77] مريم : 83

[78] المائدة : 15 - 16

[79] ابراهيم : 1

[80] الاسراء : 64

[81] محمد : 17

[82] النساء : 65

[83] النساء : 145

[84] البقرة : 213