مكتب سماحة السيد مرتضى المهري

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (258)

ثلاث موارد يبدو انها شواهد على ما مر في الاية السابقة. وفي بعض التفاسير ان كلها شواهد على انه تعالى يخرج الذين آمنوا من الظلمات الى النور ويهديهم الى طريق الحق كما حدث لابراهيم عليه السلام.

ولكن الظاهر ان المورد الاول من متابعة الذين كفروا للطاغوت فيخرجونهم من النور الى الظلمات فان الملك المذكور في الآية لم يتبع حجة ابراهيم عليه السلام ولم يؤمن بالله لمتابعته الطاغوت اي الشيطان كما ان قومه اتبعوه فاخرجهم - وهو الطاغوت - من النور الذي جاء به ابراهيم عليه السلام الى ظلمات الشرك.

ومهما كان ففي الموارد الثلاث هدايات من الله تعالى للناس عامة او لبعض الناس او لبعض اوليائه خاصة.

والاستفهام في قوله (ألم تر) في الاصل للتقرير فالمعنى انك ايها المخاطب تعلم بهذه القصة لان الرؤية بمعنى العلم ولكن المخاطب غالبا لا يعلم بها كما انه هنا لا يعلم ايضا فالمراد انشاء التعجيب اي الا تعجب من هذا الخبر؟!

والرؤية حيث كانت بمعنى العلم تعدت بالحرف اي ألم ينته علمك الى الذي حاج ابراهيم.. والتعبير بالرؤية عن العلم لاستحضار الحال فكأنّ الحادث امام المخاطب وهو يرى ما حدث. او ضُمّنت الرؤية معنى النظر اي ألم تنظر اليه والتعبير بالنظر مع عدم الحضور من باب استحضار الحال.

و(حاجّ) فعل ماض من المحاجّة وهي مأخوذة من الحُجّة وفسرها في العين بانها وجه الظفر عند الخصومة. وحيث ان كلا من المتخاصمين ياتي بحجته يقال لهذه المحاورة المحاجّة.

وقوله (في ربه) يدل على ان وجه الخصومة أن ابراهيم عليه السلام كان يدعو الى عبادة الله وحده وترك عبادة الاصنام فخاصمه الملك في ربه بان سأله (من ربك) كما سأل فرعون موسى عليه السلام ومعنى ذلك أنه أنكر ربوبية الله تعالى ولا يظهر منه انكار الخالق وانما يدعي تعدد الارباب كما هو مسلك الوثنيين ويدعي لنفسه الربوبية ايضا كما كان فرعون يدعيها. وقد ورد في الروايات ان الملك اسمه نمرود.

وقوله (أن آتاه الله الملك) تعليل لمحاجّته في الرب بتقدير اللام والمعنى أن الله تعالى آتاه الملك فتجبر وادعى الربوبية لانه رأى نفسه قادرا على ما يشاء. وفي اسناد ملكه الى اتيان الله تعالى تعريض به وبأمثاله ممن آتاه الله المال او السلطة فاستكبر على ربه كما قال تعالى (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى).[1]

وربما يستغرب اسناد اتيان الملك الى الله تعالى لانه كافر لا يستحق الملك ولذلك ذهب بعضهم الى ان الضمير يعود الى ابراهيم عليه السلام لقوله تعالى (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا)[2] وهو كلام غريب اذ لم يرد في اي مصدر انه عليه السلام كان ملكا والوارد في الآية الكريمة ان آل ابراهيم آتاهم الله ملكا عظيما في اشارة الى ملوك بني اسرائيل والعرب.

والصحيح أن المُلك كغيره من الامور بيد الله تعالى يؤتيه من يشاء كما قال (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).[3] ولكن الغالب في الملوك انهم لا يستحقونه وانما آتاهم الله تعالى فتنة لهم وللناس وربما يكون نقمة وعذابا يستحقونهما.

وقوله (اذ قال) ظرف لقوله (حاجّ) فالمحاجّة بدأت بعد أن أجاب ابراهيم عليه السلام عن سؤال الملك عن ربه والسؤال غير مذكور ولكنه يفهم من الجواب حيث قال عليه السلام (ربي الذي يحيي ويميت) فيفهم منه انه ساله عن ربه.

ومعنى جوابه عليه السلام انه استدل على ربوبيته تعالى بتكرر الحياة والموت في الكون باستمرار وهذا لا يمكن الا من رب قادر حكيم يتصرف في الكون بالاحياء والاماتة. والحياة والموت من أغرب الظواهر والا فكل ما يحدث في الكون دليل واضح على الربوبية.

ولكن نمرود ردّ ابراهيم عليه السلام بأنه ايضا يحيي ويميت فهو رب هذا الشعب وإلههم قال انا احيي واميت فان كان هذا هو مناط الربوبية فانا قادر عليه ولا شك انه لم يكن قادرا عليه ولا مدركا لحقيقة الامر الا انه خدع عامة الناس على ما في الروايات فاتى برجلين من السجن فقتل احدهما واطلق سراح الاخر واظهر للناس البسطاء انه احيا احدهما وامات الاخر.

ورأى ابراهيم عليه السلام ان الجدال معه لاثبات ان الحياة والموت لهما معنى اخر وانك لا تقدر عليهما لا يجدي شيئا فأتاه عن طريق اخر واضح لعامة الناس وهو أن الكون يسير على قانون طبيعي بحكم الله تعالى وهو أن الشمس تطلع من المشرق فان كنت قادرا على التصرف في نظام الكون فأْت بها من المغرب. فسكت ولم يحر جوابا.

وربما يتوهم أنه كان بامكانه ان يرد عليه بان الله ايضا لا ياتي بها من المغرب ولكن هذا الجواب لا ينفعه لانه كان يدعي انه يتمكن من التصرف في الكون فهذا نقض على دعواه. ولذلك أتى في الجواب بالفاء الدال على الترتب حيث قال (فان الله..) اي يترتب على دعواك بانك تحيي وتميت هذا الامر وهو التمكن من تغيير نظام الكون.

واتى باسم الجلالة بدلا عن قوله ربي في الحجة الاولى لينبهه انه بهذه الدعوى يعارض الله تعالى وانه هو المراد بالرب وهو حسب اعتقاده الوثني ما كان يعارض الله تعالى.

فان قال احد كان لنمرود ان يقول بل انا الذي آتي بها من المشرق فقل لربك ان يأتي بها من المغرب. والجواب ان نمرود لم يكن يدعي انه خالق الكون وما كان بامكانه ان يدعيه بل كان وثنيا يعتقد بالله وانه خالق الكون وانما يدعي الربوبية ليستعبد الناس كما كان فرعون مصر يدعي ذلك ايضا ولذلك لم يعترض على قوله (فان الله ياتي بالشمس من المشرق) فهذا الامر كان مسلّما عنده.

وكان حجة ابراهيم عليه السلام في نفي ربوبيته تبتني على أن الرب هو خالق الكون حيث خلق الشمس بطريقة تاتي من المشرق لحكمة فيه وبذلك تمت حجته السابقة ايضا وأن المراد بالاحياء والاماتة خلق الحياة والموت واما إحياؤك وإماتتك فانما هو عن طريق استخدام بعض المؤثرات التي خلقها الله في الكون وهذا ما يفعله كل البشر.

وقوله تعالى (فبُهِت الذي كفر) اي دُهِشَ وتحيّر ومثله ايضا بَهِت. وتوصيفه بالكفر يشعر بالسبب اي كان تحيره بسبب كفره بربه.

والله لا يهدي القوم الظالمين.. الظلم وضع الشيء في غير موضعه كما في الجمهرة والصحاح ومعجم المقاييس ومنه الشرك ودعوى ما ليس له.

 والله تعالى يهدي كل البشر باراءة الطريق كما قال (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا)[4] وقال ايضا (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى..).[5] ولكنه لا يهدي الظالمين اي لا يوفقهم لمعرفة الحق فمنعهم عن الاهتداء نتيجة سوء عملهم.

والظاهر أن المراد هنا عدم هداية الملك الطاغي للحق الذي ارشده اليه ابراهيم عليه السلام حيث تحير ولم يجد جوابا ولكنه بقي على ضلاله ولم ينتفع من ارشاده لكونه ظالما طاغيا لا يطلب الرشاد فأعمى قلبه حب الدنيا والمال والجاه كغيره من الطغاة الظلمة فعدم هدايته يستند الى عمله ونفسياته والاستناد طبيعي وكل ما في الطبيعة فهو من الله تعالى.

 

أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (259)

(او كالذي) عطف على (الذي حاجّ ابراهيم) باعتبار معناه لا اللفظ لان المعنى هناك كالذي حاجّ حيث ان القصد من الجملة انشاء التعجيب من هذا الامر كأنه قال ألم تر كالذي حاج ابراهيم.. وامثاله كثير بين الناس وكلهم مثار للتعجب فهنا ايضا عطف على (الذي حاجّ) بلحاظ معناه وان كان مثل هذه القصة نادرا او لا يوجد مثلها تماما الا أن اصل الاستبعاد من إحياء الموتى ليس نادرا.

وربما يستبعد العطف على القصة السابقة بلحاظ ان الذي حاج ابراهيم كافر معاند والذي مرّ على هذه القرية رجل صالح وربما يستظهر من الاية كونه نبيا.

ولكن لا وجه للاستبعاد لان المراد عطف القصة على القصة لا الشخص فهو نظير قوله تعالى (أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ..)[6] حيث عطف على قوله تعالى (كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا..)[7] مع أن الصيّب ليس مشبها بالمستوقد نارا وانما التشبيه بين القصتين. وله نظائر.

ووقع الكلام في الرجل واختلفت الروايات فقيل هو ارميا وقيل عزير ولم اجد فيه رواية يمكن قبولها متنا او سندا ولم يرد ذكره في التوراة ولكن لا يبعد كونه عزيرا وهو من يدعى عندهم عزرا بلحاظ ان اليهود قالوا فيه انه ابن الله تعالى وتقدس فينبغي ان تكون له قصة عجيبة تستدعي هذا التوهم كما قالت النصارى في المسيح عليه السلام لولادته بدون اب.

كما اختلفوا في القرية التي مر عليها وانها هل هي بيت المقدس او غيرها وهذا مما لا يؤثر على تاريخ القصة ولا على الهدف المنشود من ذكرها ومن المستبعد جدا ان يكون المراد بيت المقدس بل الظاهر من الاية انه كان يمر في طريقه الى مكان اخر ومعه حماره وطعامه وشرابه فمر بالصدفة على قرية خربة. والقرية تطلق على كل مجتمع بشري سواء كان مدينة او ريفا او غيرهما والاصل فيها قرى اي جمع.

ومهما كان فانه تعالى لم يتعرض لذكر الرجل ولا القرية لان القرآن ليس بصدد ذكر القصص والتواريخ الا بمقدار ما لا بد منه للوصول الى الغرض من ذكر القصة وهو الامر التربوي او العقائدي المترتب عليها.

وهي خاوية على عروشها.. هذا التعبير ورد في ثلاث مواضع من الكتاب العزيز. والخُواء له معنيان في اللغة على ما يبدو وهما الخلو والسقوط. والعروش جمع عرش كل بناء مرتفع والمراد هنا السقوف فالظاهر ان معنى هذه الجملة الحالية أن القرية كانت ساقطة على سقوفها اي سقطت السقوف وسقطت عليها الجدران التي هي قوام القرية.

والسؤال هنا عن وجه استبعاد الرجل الاحياء هنا وما هي خصوصية هذه القرية حيث أثار فيه هذا السؤال؟

ذهب بعضهم الى انه لم يستبعد إحياء الموتى وانما استبعد إحياء هذه القرية بعد هذا الدمار الذي أصابها فأراه الله تعالى قدرته في إحياء الموتى ليعلم انه على كل شيء قدير.

وهذا تأويل بعيد جدا اذ لم يصدر وعد من الله تعالى بانه يحيي القرى الميتة فلا موجب لتوقع إحيائها مضافا الى أنه لا موجب للاستبعاد فبمقدور البشر اعادة بناء المدن. ولذلك عمد بعضهم الى تأويل آخر لتوجيه ذلك.

قال ابن عاشور (وَالْقَرْيَةُ هِيَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ رَآهَا فِي نَوْمِهِ كَذَلِكَ أَوْ رَآهَا حِينَ خَرَّبَهَا رُسُلُ بُخْتُنَصَّرَ، وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ كَانَ مِمَّنْ سُبِيَ مَعَ (يَهُويَا قِيمَ) مَلِكِ إِسْرَائِيلَ وَهُوَ لَمْ يَقَعِ التَّخْرِيبُ فِي زَمَنِهِ بل وَقع في زَمَنِ (صِدِقْيَا) أَخِيهِ بَعْدَ إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً).

والآية بعيدة عن هذه التأويلات والظاهر أنه مر على قرية خربة قديمة لم يبق من آثارها الا القليل فاستغرب إحياء أهلها الذين ماتوا قبل قرون فأماته الله تعالى ليريه إحياء الموتى. فقوله (أنّى يحيي هذه الله بعد موتها) بتقدير المضاف اي أنّى يحيي اهل هذه القرية بعد موتهم كما في قوله تعالى (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا..)[8] اي اهل القرية.

وهذا القول اي السؤال عن إحياء الموتى يحتمل ان يكون مما سبق الى ذهنه حتى لو كان نبيا فهو بشر على كل حال وليس هذا من الاعتقاد او الشك بل مجرد فكر خطر على قلبه وهذا لا ينافي العصمة فهو نظير قوله تعالى (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا..)[9] والتعبير عنه بالقول لا ينافي ما ذكرناه كما بيناه في تفسير قوله تعالى (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً..).[10]

فأماته الله مائة عام ثم بعثه.. صريح الآية ان الله تعالى أماته وبعد مائة عام بعثه والمفسرون قالوا ان الظرف اي مائة عام ليس ظرفا لنفس الموت لانه يحدث في لحظة بل لبقائه ميتا ولكن صاحب المنار تبعا لشيخه اعتبر الظرف ظرف الموت وفسر الموت بالسبات نظير نوم اصحاب الكهف. وحاول بذلك منع لبثه ميتا مائة عام.

ولكن يلاحظ عليه أن النوم ايضا يحدث في لحظة وانما تعارف تحديد النوم بامد معين فيقال نام كذا ساعة او كذا يوما بلحاظ ان الانسان ينتبه عادة بعد النوم فيحدد لنومه مدة ولا يحدد للموت لانه عادة لا امد له ولكنه هنا كان له امد في علم الله تعالى ولذلك جعل له ظرفا.

وأما تفسير الموت بالنوم فمما لا وجه له ولا يناسب السؤال الذي حدث له فهو استغرب احياء الموتى لا ايقاظ النائمين وهذا امر واضح وانما تهرب صاحب المنار وغيره من احياء الموتى في هذه الحياة لرفض امكان الرجعة واستدلوا بقوله تعالى (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى..).[11] والجواب ان هذا هو الغالب ولا ينافي بعض الاستثناءات.

قال كم لبثت قال لبثت يوما او بعض يوم.. يحتمل في هذه المحاورة ان تكون بالوحي لانه كان نبيا او بارسال ملك. والمراد باللبث البقاء في هذا الحال وهو لا يعلم انه مات فيتصور كونه نائما فقال يوما او بعض يوم. والظاهر ان الترديد بلحاظ انه علم بالوقت الذي كان فيه منتبها لما حوله وراى نفسه متاخرا بعض الوقت فظن انه نام يوما وزيادة او انه نام بعض اليوم وهو مقدار الفرق بين لحظة انتباهه ولحظة الحوار مع ربه.

فاخبره الله تعالى انه بقي مائة عام ولعله لم يعلم قبل هذا الحوار بموته ولو لم يخبره الله تعالى لكان يعلم به بعد مراجعته الى وطنه.

فانظر الى طعامك وشرابك لم يتسنه.. اختلف اللغويون في اصل السَنَة انها سنهة فحذفت الهاء ام انها سنوة فان كانت سنهة كما في العين ومعجم المقاييس فالهاء هنا اصلية وان كانت سنوة فالفعل يتسنى وبالجزم يكون يتسنّ والهاء للسكت فتسقط بالوصل بما بعده.

ومهما كان فالفعل مأخوذ من السنة اي الحول والمعنى ان الطعام والشراب جديدان في الظاهر كأنه لم تمر عليهما سنة وكانوا يقولون سنهت النخلة او تسنهت اذا مر عليها السنون كما في الصحاح وغيره. فالاعجاز الذي أراه الله تعالى هو أن الطعام والشراب لم يتغير اوصافهما مع انهما بقيا مائة عام ومن الطبيعي ان يفسد الطعام والشراب بعد هذه المدة الطويلة بل لا يبقى منهما شيء.

وانظر الى حمارك.. يحتمل ان يكون المراد انظر اليه كيف تسري الحياة في جسمه فالامر بالنظر اليه لمعرفة كيفية احيائه وهو ما فصله في الجملة التالية بقوله (وانظر الى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما).

ويحتمل ان يكون المراد انظر الى حمارك كيف بقي حيا طيلة هذه المدة وعليه فالمراد بالنظر الى العظام كيف ننشزها اي عظام جسمه لا جسم الحمار.

وقيل اي انظر اليه كيف تفرقت اجزاؤه لتعلم انك مكثت مدة طويلة. وهو بعيد لان الاجزاء طيلة هذه المدة لا يبقى لها اثر.

ولنجعلك آية للناس.. الواو تدل على ان هناك معطوفا عليه مقدرا والظاهر أن المراد انظر الى الطعام والشراب والحمار لتعلم أن الله على كل شيء قدير ولنجعلك آية للناس حيث انه يرجع الى اهله واصحابه من بقي منهم او من سمع به وبغيابه فيكون احياؤه بعد قرن من الزمان آية لهم تدلهم على قدرته تعالى.

وانظر الى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما.. يحتمل كما مر ان يكون المراد عظام الحمار ويحتمل ان يكون المراد عظام جسمه قالوا ان الله تعالى احيا بعض جسمه ومنه عينه ليرى كيف تسري الحياة في سائر أعضاء جسمه.

ويؤيد هذا الاحتمال الفصل بين الامر بالنظر الى الحمار وهذه الجملة بقوله (ولنجعلك آية للناس) والسر في هذا الفصل أن ما يراه من كيفية الاحياء آية خاصة به لا يراه غيره فلا يشمله جعله آية للناس.

وننشزها افعال من النشز وهو الارتفاع فالانشاز هو الرفع فلعل المراد تركيب بعض العظام على بعض او المراد رفع جسم العظم حيث انه بطول المدة اصبح مفتتا. وقرئت ننشرها بالراء. والنشر: الاحياء اي انظر كيف نحيي العظم ثم نكسوه لحما.

فلما تبين له قال اعلم أن الله على كل شيء قدير.. اي فلما تبين له كيف يحيي الله الموتى قال ذلك. وقيل يمكن ان يكون التبين ايضا متعلقا بقوله (ان الله على كل شيء قدير) وهو بعيد لان ما رآه ليس هو القدرة على كل شيء ولكنه استنتج منه ذلك لانه من اغرب ما يحدث في الكون بل هو اغربه على الاطلاق.

والكلام في أن حدوث هذا التبين والعلم هل ينافي كونه نبيا فان المؤمن فضلا عن النبي يجب ان يكون مؤمنا بذلك فهو من اصول الايمان؟

الجواب أن هذا التبين والعلم لا يعني كونه شاكا في ذلك بل كان مؤمنا عالما به ولكن النبي ايضا معرض لوساوس الشيطان كما حدث لادم وليونس عليهما السلام بل للرسل عامة كما في قوله تعالى (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا..)[12] وقد ورد في الاحاديث ايضا.

منها ما رواه الكليني قدس سره بسند معتبر عن حمزة بن حمران عن أبي عبد الله عليه السلام قال (ثلاثة لم ينج منها نبي فمن دونه: التفكر في الوسوسة في الخلق والطيرة والحسد إلا أن المؤمن لا يستعمل حسده).[13]  

وهذه الوساوس لا توجب الشك ولا تزيل اليقين ولكن الانسان بحاجة الى توفيق من الله تعالى وتاييد لرفع هذه الوساوس وهو ما يحظى به الانبياء طيلة حياتهم الرسالية كما يأتي في الآية التالية ان ابراهيم عليه السلام يطلب من الله ما يوجب له الطمانينة.

ولكن ورد في بعض التفاسير كآلاء الرحمن والميزان ما معناه ان قوله (اعلم أن الله على كل شيء قدير) يدل على أن ما حدث لم يؤثر في علمه وايمانه شيئا لانه قال اعلم ولم يقل علمت ليكون علمه مترتبا على التبين وحدوث ما حدث وفعل المضارع يدل على الاستمرار.

الا ان قوله تعالى (فلما تبين له قال..) صريح في انه كان هناك شيء لم يتبين قبل هذه الحادثة فلما تبين له قال اعلم وفعل المضارع كما يدل على الاستمرار يدل على الحدوث في الحال فهو علم بذلك علم اليقين بعد ما تبين له ولا ينافي ذلك انه كان من اهل اليقين قبل ذلك لان اليقين قابل للتشديد والتاكيد ومما لا شك فيه ان ما نعلمه بالبرهان القطعي يزيد وضوحا بالرؤية بالعين او الاحساس المباشر.

ويلاحظ في هذا المجال قصة موسى عليه السلام وما كلمه به ربه في الطور قال تعالى (وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ)[14] فهو مع انه موضع عنايته تعالى من بدو ولادته كما قال (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي).[15] ومع انه راى قبل ذلك ما يكفيه لليقين التام الكامل الا انه امام ربه وفي تلك المرحلة الحاسمة من حياته ولى مدبرا ولم يعقب.

وهذا ليس امرا غريبا فهو امام تجربة جديدة تهز مشاعره من الاعماق. ولكنه تعالى آمنه وطمأنه (يا موسى لا تخف) لانه يجب ان يتسلح بنفس مطمئنة لمواجهة اقوى شيطان بشري. وهكذا يربي الله تعالى اولياءه ورسله.

 

وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي...

الجملة اما استيناف واما عطف على الاية السابقة فعلى الاول يمكن ان يكون الظرف متعلقا بقوله (اذكر) اي واذكر اذ قال ابراهيم.. وعلى الثاني فهو عطف على المعنى كما مر ذكره في الاية السابقة فتعود الجملة الى قوله تعالى (ألم تر الى الذي..) اي الم تر الى هذا الزمان حيث قال ابراهيم..

ثم ان دعاءه عليه السلام بقوله (ربّ) وهو مخفف ربي يظهر منه ان الحاجة التي طلبها من الله تعالى امر خاص به ودخيل في تربيته الشخصية. وقوله (أرني..) يدل على أنه لا يطلب دليلا وبرهانا على الاحياء لانه لا يشك في قدرته تعالى وانما أراد أن يرى ذلك بعينه.

ويظهر من قوله (كيف تحيي الموتى) ان المطلوب هو رؤية كيفية الاحياء لا اصله كما في القصة السابقة والا لكان يؤمر بان يدعو ميتا سواء كان انسانا او حيوانا ليقوم حيا وما كان بحاجة الى هذه الطريقة المعقدة فالذي اراده عليه السلام رؤية كيفية الاحياء مع تفرق اجزاء الانسان.

فجاءه الوحي بالسؤال عنه: (أولم تؤمن) والظاهر ان الواو حالية والتقدير أتطلب ذلك والحال أنك لم تؤمن بقدرة ربك على الاحياء؟ وقيل ان الواو عاطفة واختلف فيما هو المعطوف عليه فقيل اي ألم يوح اليك ولم تؤمن؟ وقيل ألم تعلم ولم تؤمن؟

ولا شك أن ابراهيم عليه السلام كان في قمة الايمان وهو الرسول العظيم وخليل الرحمن والله تعالى علام الغيوب يعلم بايمانه وبدرجة ايمانه فالاستفهام ليس على حقيقته وقد وقع الكلام في وجه توجيه هذا السؤال اليه عليه السلام.

فقال بعضهم ان الهمزة ليست للاستفهام انما هي للتقرير بمعنى اخذ الاقرار منه بانه يؤمن بالله تعالى وبقدرته الكاملة على كل شيء.

ولكنه غير مقنع لانه تعالى يعلم انه مقر بايمانه وانه بلغ اعلى مراتبه فلا وجه لاخذ الاقرار منه وانما يؤخذ الاقرار من المنكر او ممن يظهر منه ما ينافي الاقرار.

وقال في الكشاف (ليجيب بما أجاب به لما فيه من الفائدة الجليلة للسامعين).

ومعنى ذلك ان الله تعالى ساله ذلك وهو يعلم انه سيجيب هذا الجواب فينقله الله لنا وفي ذلك فائدة جليلة. ولكن السؤال يثير الشك فكان الاولى ان يخبرنا الله تعالى بانه عليه السلام كان مؤمنا بقدرته تعالى ولكنه اراد ان يطمئن اكثر من ذي قبل.

وقال في المنار (إِنَّ الْإِيمَانَ بِهَذَا السِّرِّ الْإِلَهِيِّ وَالتَّسْلِيمِ فِيهِ لِخَبَرِ الْوَحْيِ وَدَلَائِلِهِ وَأَمْثَالِهِ هُوَ مُنْتَهَى مَا يُطْلَبُ مِنَ الْبَشَرِ فَلَوْ كَانَ وَرَاءَ الْإِيمَانِ وَالتَّسْلِيمِ مَطْلَعٌ لِنَاظِرٍ لَبَيَّنَهُ اللهُ لَكَ وَفِي هَذَا الْإِرْشَادِ لِخَلِيلِ الرَّحْمَنِ تَأْدِيبٌ لِلْمُؤْمِنِينَ كَافَّةً وَمَنْعٌ لَهُمْ عَنِ التَّفَكُّرِ فِي كَيْفِيَّةِ التَّكْوِينِ وَإِشْغَالِ نُفُوسِهِمْ بِمَا اسْتَأْثَرَ اللهُ تَعَالَى بِهِ فَلَا يَلِيقُ بِهِمُ الْبَحْثُ عَنْهُ).

ومعنى ذلك أن طلب ابراهيم عليه السلام لم يكن في محله وما كان ينبغي له ان يسال ويطلب.

ولكن لو صح ذلك فما كان ينبغي ان يستجاب طلبه بل يكتفى بهذا السؤال ويقال له اذن يكفيك ايمانك ولا تطلب اكثر من ذلك.

وقال الشيخ الطوسي قدس سره في التبيان (والالف في قوله «أَوَلَمْ تُؤْمِنْ» ألف إيجاب قال الشاعر "ألستم خير من ركب المطايا - وأندى العالمين بطون راح" أي قد آمنت لا محالة فلِمَ تسأل ذا؟).

ولكن يبقى السؤال عن توجيه هذا السؤال من الله تعالى وهو اعلم بما في الضمائر.

يمكن ان يقال ان الغرض منه تنبيهه عليه السلام على ما يجب ان يكون قصده من طلبه او على ما هو في واقع ضميره وان لم يلتفت اليه وكثيرا ما نطلب من الله تعالى شيئا ولا نلتفت الى السر في هذا الطلب فنحتاج الى من ينبهنا على ذلك.

وهنا يربي رب العالمين عبده وخليله ويبين له ان ايمانك كامل وانما تطلب هذا الامر ليطمئن قلبك بهذه الطريقة اي بتوجيه هذا السؤال الملفت الى باطن ضميره ليرى هو بنفسه ان الذي يدعوه الى هذا الطلب هو اطمئنان القلب.

قال بلى ولكن ليطمئن قلبي.. (بلى) حرف جواب ياتي بعد النفي ليدل على الاثبات ولو قال نعم لكان معناه قبول النفي اي عدم الايمان ومثله قوله تعالى (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى..)[16] ولذلك قيل (ولو قالوا نعم لكفروا).

والاطمئنان سكون بعد انزعاج - على ما في مفردات الراغب – وفسر في سائر كتب اللغة بانه السكون وهو في الاصل توصيف للارض المنخفضة يقال ارض مطمئنة ولعله باعتبار ان الانسان يطمئن فيها بالتستر او يستقر فيها.

والمراد بالطمأنينة في القلب هنا هو الاستقرار والسكون في ايمانه عليه السلام بقدرة الله تعالى والايمان له مراتب وكذلك الاطمئنان ولذلك يحاول اقرب البشر الى الله تعالى النيل من المزيد فقوله عليه السلام (وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) انما قاله وهو مطمئن قبل ذلك ولكنه اراد زيادة الاطمئنان وهو امر قابل للزيادة ولا شك ان الاطمئنان بعد الرؤية بالعين ليس كما كان قبله.

قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (260)

اول شيء اُمر به الخليل عليه السلام ان ياخذ اربعة من الطير وهنا يقع السؤال في وجه هذا العدد وفي خصوصية الطير اما العدد فربما لا يكون له وجه خاص وانما القصد ان يكون مجموعة من الطيور واما خصوصية الطير فلعله من جهة انها اسرع في الوصول الى الداعي.

واما قوله تعالى (فصرهن اليك) فقد قيل ان المراد فقطعهن ولكن الوارد في اكثر كتب اللغة أن الصور بمعنى الميل قال في العين (الصور الميل) الى ان قال (وقوله تعالى فصرهنّ اليك اي فشفقهن اليك) الى ان قال (ويقال فصرهن اي فضمّهنّ ويقال قطّعهن..).

وقال ابن دريد في الجمهرة (وقد قرئ فصُرهنّ اليك وفصِرهنّ اليك فمن قرأ فصرهن بضم الصاد اراد ضمهن اليك ومن قرا فصرهن بكسر الصاد اراد قطعهن والله اعلم من قولهم صاره يصيره اذا قطعه).

ولم يذكر القطع في معجم المقاييس وقال الراغب في المفردات (فصرهن اي املهن من الصور اي الميل وقيل قطعهن صورة صورة..) فيظهر منه انه اول الصور بمعنى التقطيع الى جعلهن صورة صورة وهو تاويل بعيد جدا.

ولو فرض صحة تفسير الصَّور بالتقطيع فيشكل من جهة قوله (اليك) اذ لا معنى لقولك فقطعهن اليك واما القول بانه يُضمّن معنى أملهن فلا وجه له لان التضمين ايضا يجب ان يكون مع تناسب بين المعنيين ولا يوجد اي علاقة بينهما.

قال العلامة الطباطبائي قدس سره (وقرائن الكلام يدل على إرادة معنى القطع وتعديته بإلى تدل على تضمين معنى الإمالة فالمعنى أقطعهن مميلا إليك أو أملهن إليك قاطعا إياهن على الخلاف في التضمين من حيث التقدير).[17]

ولكن التضمين ليس بمعنى تقدير كلمة اخرى بل بمعنى ان نفس الكلمة تتضمن معنى اخر فلا بد من المناسبة بينهما كما يقال في قوله تعالى (يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ)[18] ان التربص ضمن معنى الامتناع والصيانة او في قوله تعالى (فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً)[19] ان يضاعفه ضمن معنى يصيره او في قوله تعالى (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا)[20] ان الرؤية ضمن معنى النظر وهكذا.

نعم ربما يقال ان هناك تقديرا في الجملة وهذا ليس من التضمين وذكر العكبري في التبيان وجوها من التقدير للجمع بين المعنيين منها أَمِلْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ قَطِّعْهُنَّ ومنها فَقَطِّعْهُنَّ بَعْدَ أَنْ تُمِيلَهُنَّ إِلَيْكَ ثم قال (وَالْأَجْوَدُ عِنْدِي أَنْ تَكُونَ إِلَيْك حَالًا مِنَ الْمَفْعُولِ الْمُضْمَرِ تَقْدِيرُهُ فَقَطِّعْهُنَّ مُقَرَّبَةً إِلَيْكَ أَوْ مُمَالَةً).[21]

وهذه التقديرات لا مبرر لها ولا قرينة عليها بل هناك تنافر شديد بين التقطيع والامالة التي تحكي عن نوع من العطف والاشفاق عليها بل اللطف بها والانس بها بحيث يحصل ارتباط وثيق بينه وبينها واين هذا من الذبح والتقطيع؟!

هذا مضافا الى انه لا موجب لهذا التفسير وانما اضطروا الى ذلك لوجود روايات تدل على انه عليه السلام امر بتقطيعهن ولم يجدوا في الآية هذا اللفظ فحاولوا تطبيق الصور عليه مع انه لا حاجة الى ذلك اذ يكفي قوله تعالى (فاجعل على كل جبل منهن جزءا) فانه يستلزم التقطيع.

فالصحيح ان المراد من قوله تعالى فصُرهن اليك ضُمّهن اليه بحيث تتحقق علاقة وثيقة ويقال - كما مر - ان الطير سريع التاثر في هذا المجال ولعل الغرض من ذلك انها بعد رجوعها الى الحياة تعود اليه بمجرد ان يدعوها.

ويمكن ان يكون الضمّ وايجاد العلاقة مقدمة للتاثير عليها في ارجاعها الى الحياة بدعوته لانه امر مجهول لنا ولا نعلم كيف تمكن ابراهيم عليه السلام من احياء الطيور ولا شك انه اعجاز تحقق بامره تعالى الا انه ربما يتبع قانونا لا نعلمه.

ونظير ذلك تاثير عصا موسى عليه السلام في شق البحر وفي تفجر ينابيع الماء من الحجر ولا شك ان كل ذلك كان باعجاز من الله تعالى ولكن تاثير الانسان فيه بامره تعالى ربما يتوقف على امر اخر وليس هذا كامره تعالى الى الشيء ان يكون فيكون.

ومثله ايضا نفخ عيسى عليه السلام في تماثيل الطير كما في قوله تعالى (وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي,,)[22] فان اذنه تعالى يكفي ولكن استناد الامر الى عيسى عليه السلام يتوقف على هذا النفخ.

وقد ورد في الروايات ان الطيور الاربعة كانت انواعا مختلفة والروايات ايضا مختلفة في ذلك وورد ايضا ان الجبال كانت عشرة فذبح الطيور وقطعها تقطيعا وخلطها ثم جعل على كل جبل من الخليط جزءا.

روى الكليني بسند معتبر عن ابي بصير عن ابي عبد الله عليه السلام في حديث (ثم التفت – اي ابر اهيم عليه السلام - فرأى جيفة على ساحل البحر نصفها في الماء ونصفها في البر تجيء سباع البحر فتأكل ما في الماء ثم ترجع فيشدّ بعضها على بعض فيأكل بعضها بعضا وتجيء سباع البر فتأكل منها فيشدّ بعضها على بعض فيأكل بعضها بعضا فعند ذلك تعجب إبراهيم عليه السلام مما رأى وقال "رب أرني كيف تحيي الموتى" قال: كيف تخرج ما تناسل التي أكل بعضها بعضا؟ "قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي" يعني حتى أرى هذا كما رأيت الأشياء كلها" قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا" فقطّعهن واخلطهن كما اختلطت هذه الجيفة في السباع التي أكل بعضها بعضا فخلط "ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا" فلما دعاهن أجبنه وكانت الجبال عشرة).[23]

وقوله ثم ادعهن اي باسمائهن فاما ان يكون المراد اسم الجنس لانها كانت من اجناس مختلفة او انه بسبب الارتباط الوثيق معها جعل لكل واحد منها اسما. ولكن كيف كانت الدعوة تصل اليها وهي ميتة فمن الملاحظ ان الحيوان الحي يرتبط بصاحبه ويعرفه ويستجيب لطلبه اذا ناداه باسمه كما انه يستجيب للاصوات المتعارفة بينه وبين الناس فيقف ويتحرك ويعمل غير ذلك ولكن الحيوان الميت لا يسمع شيئا فهل كان هناك ربط بينه عليه السلام وبين ارواح هذه الطيور؟ وهل لها ارواح وان لم تكن كروح الانسان؟ الامر غير واضح.

ويحتمل ان الله تعالى جعل في هذا الصوت الذي يصدره لدعوة الطيور تأثيرا في بثّ الحياة فيها فليست هناك دعوة موجهة اليها واقعا وانما الاثر يترتب على هذا الصوت بارادته تعالى نظير ما مر من تاثير موسى وعيسى عليهما السلام. 

والسعي: العدو. والمراد هنا ان الطيور أتته بسرعة.  

واعلم أن الله عزيز حكيم.. يلاحظ ان هذا التعقيب بدئ بقوله واعلم.. مما يدل على ان هذا تنبيه زائد له عليه السلام وليس تعليلا لما مر.

ولعل الوجه فيه تنبيه الخليل عليه السلام بأنه تعالى اذا أراد إحياء الموتى فلا يمنعه شيء ويكفي في تحقق مراده ان يريده. والعزة بمعنى انه لا يؤثر فيه شيء ولا يمنع من تحقق مراده شيء فتفرق اجزاء الموتى لا يمنع من إحيائها بمجرد الارادة ولكنه تعالى حكيم اي انه يعمل على اساس ما تقتضيه الحكمة فأراك الاحياء بهذه الطريقة لحكمة فيها والا فإحياؤه تعالى لا يتوقف على هذه المقدمات والله العالم.

هذا هو التفسير الظاهر والواضح للاية الكريمة وهو الوارد في روايات الفريقين وعليه معظم المفسرين ولكن نقل عن ابي مسلم تفسير شاذ واتبعه صاحب المنار تبعا لشيخه.

قال في المنار في بيان مقولة ابي مسلم (وَالْكَلَامُ هَاهُنَا مَثَلٌ لِإِحْيَاءِ الْمَوْتَى وَمَعْنَاهُ خُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَضُمَّهَا إِلَيْكَ وَآنِسْهَا بِكَ حَتَّى تَأْنَسَ وَتَصِيرَ بِحَيْثُ تُجِيبُ دَعْوَتَكَ فَإِنَّ الطُّيُورَ مِنْ أَشَدِّ الْحَيَوَانِ اسْتِعْدَادًا لِذَلِكَ ثُمَّ اجْعَلْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا عَلَى جَبَلٍ ثُمَّ ادْعُهَا فَإِنَّهَا تُسْرِعُ إِلَيْكَ لَا يَمْنَعُهَا تَفَرُّقُ أَمْكِنَتِهَا وَبُعْدُهَا مِنْ ذَلِكَ كَذَلِكَ أَمْرُ رَبِّكَ إِذَا أَرَادَ إِحْيَاءَ الْمَوْتَى يَدْعُوهُمْ بِكَلِمَةِ التَّكْوِينِ "كُونُوا أَحْيَاءً" فَيَكُونُوا أَحْيَاءً كَمَا كَانَ شَأْنُهُ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ إِذْ قَالَ لِلسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ).

ومقتضى هذا التفسير ان يكون المراد بقوله (ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا) اي واحدة من الطيور ولو كان هذا هو المراد لكان الصحيح ان يقال واجعل كل واحدة منهن على جبل ولا وجه للتعبير عنه بالجزء.

مضافا الى ان ابراهيم عليه السلام طلب من ربه ان يريه كيف يحيي الموتى وهذا الكلام ليس جوابا لطلبه فهو لم ير شيئا وهذا التمثيل لا يشرح كيفية الاحياء خصوصا اذا كانت الشبهة من جهة تفرق الاجزاء.

 


[1] العلق : 6 - 7

[2]  النساء : 54

[3] ال عمران : 26

[4] الانسان : 3

[5] فصلت : 17

[6] البقرة : 19

[7] البقرة : 17

[8] يوسف : 82

[9] يوسف : 110

[10] البقرة : 30

[11] الدخان : 56

[12] يوسف : 110

[13] الكافي ج 8 ص 108

[14] النمل : 10

[15] طه : 39

[16] الاعراف : 172

[17] الميزان ج 2 ص 374

[18] البقرة : 228

[19] البقرة : 245

[20] البقرة : 243

[21] التبيان في اعراب القران ج 1 ص 212

[22] المائدة : 110

[23] الكافي ج 8 ص 305