مكتب سماحة السيد مرتضى المهري

الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ...

مجموعة آيات تتعرض للتنديد بالربا وهو عمل شنيع مضاد للانفاق فالمنفق يساعد الفقير بماله ويرفع عنه حاجته والمرابي ياخذ مال الفقير ظلما وذلك لان الذي يقترض بربا لا يقترض الا وهو محتاج والمرابي ياخذ منه الفائدة من دون مقابل.

وكذلك في الربا المعاملي فان الذي يبيع الحنطة مثلا اثناء السنة للزارع الفقير الذي يامل بربح في زرعه في مقابل مقدار اكثر من الحنطة وقت الحصاد يستغل حاجته لكسب مقدار كبير من الحنطة بلا مقابل.

والاكل معروف ويقصد به هنا مطلق التصرف في المال ولعل الوجه في هذا التعبير ان الحاجة العامة في المال تتعلق برفع الجوع والاكل.

والربا مصدر ربى يربو اي زاد ونما ومنه الربوة للمرتفع من الارض والاصل فيه المد اي الرباء وتكتب الكلمة في الخط القرآني بالربوا ايضا ولعله للاشارة الى اصله الواوي واضافة الالف لئلا يشتبه بالربو كما كانوا يكتبون الصلوة والزكوة بالواو.

ويطلق الربا في الشرع على اخذ الزيادة في المعاملة والقرض فالربا المعاملي يتحقق ببيع مقدار من الشيء باكثر منه وهو حرام في موارد خاصة مذكورة في الفقه. والاصل فيه ان الاغنياء كانوا يشترون الطعام اكثر من حاجتهم والزارع الفقير كان اذا احتاج الى الحنطة مثلا اثناء السنة ياتي الى الغني ليشتري منه وليس له مال فيبيعه باكثر من مقداره وقت الحصاد.

والربا في القرض يتحقق بان يقرضه مالا ويشترط عليه الزيادة فاذا حل الاجل ولم يدفع زاد عليه وهكذا كانوا يزيدون على الربا وياخذونه على الفائدة المشروطة ايضا وهكذا كانت تزيد اضعافا مضاعفة.

وقد ورد منع الربا في القران بالتدريج كما كان في تحريم الخمر فاول اية نزلت بشانه في سورة الروم وهي مكية قال تعالى (وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ)[1] فيلاحظ انه هنا اكتفى بانه لا يربو عند الله واما ما نزل في المدينة فبلغ الى حد المحاربة مع الله ورسوله.

ولكن يحتمل ان لا يكون المراد بالربا في سورة الروم المعنى المتعارف كما ذهب اليه جمع كثير من المفسرين وورد ايضا في بعض رواياتنا.

روى الكليني قدس سره بسنده عن ابراهيم بن عمر اليماني عن أبي عبد الله عليه السلام قال (الربا رباءان ربا يؤكل وربا لا يؤكل فأما الذي يؤكل فهديتك إلى الرجل تطلب منه الثواب أفضل منها فذلك الربا الذي يؤكل وهو قوله عز وجل (وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله) وأما الذي لا يؤكل فهو الربا الذي نهى الله عز وجل عنه وأوعد عليه النار).[2] ولكن ابراهيم اليماني فيه كلام.

لا يقومون الا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس.. في المراد بالقيام احتمالان فالمشهور بين المفسرين ان المراد به القيام يوم القيامة كما في قوله تعالى (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ).[3] وورد ذلك في بعض روايات العامة.

وفي التفسير المنسوب الى علي بن ابراهيم (حدثني أبي عن ابن أبي عمير عن هشام عن أبي عبد الله عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما أسري بي إلى السماء رأيت قوما يريد أحدهم أن يقوم فلا يقدر أن يقوم من عظم بطنه، فقلت من هؤلاء يا جبرئيل قال هؤلاء الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَس).[4]

فهذه الرواية ايضا تدل على ان المراد بالقيام قيامهم يوم القيامة بناء على ان ما كان يراه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في المعراج كانت تمثيلا لما يتحقق يوم القيامة.

وهناك من يقول بأن المراد قيامهم في الدنيا ففسره بعضهم بالنهوض كما في المنار وفسره جماعة بقيامهم باخذ الربا.

والقيام يعبّر به عن كل امر يعمله الانسان مهتمّا به باعتبار انه يكون اكثر تسلّطا عليه حال القيام فيقال انه قام بتأليف الكتاب مع انه يعمله جالسا في الغالب، فالقيام كناية عن الاهتمام بالامر وفي معجم المقاييس انه بمعنى العزم وقد استعمل في القرآن في غير النهوض كما في قوله تعالى (وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ)[5] وقوله (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ).[6]

والتخبط والخبط: الضرب او الضرب الشديد كما في اكثر كتب اللغة وفي المفردات الضرب على غير استواء ولم اجد هذا القيد في سائر كتب اللغة ولعله اخذه من قول زهير (رأيت المنايا خبط عشواء من تصب – تمته ومن تخطئ يعمّر فيهرم) ولكن عدم الاستواء هنا يفهم من قوله (عشواء) لا من الخبط. وفي كثير من التفاسير فسر الخبط بانه الضرب من غير استواء منها التبيان للشيخ الطوسي والكشاف.

والاولى ان يكون التخبط هنا بمعنى الافساد كما في الصحاح قال (تخبطه الشيطان اي افسده) وهكذا جاء في المصباح والقاموس. وقال ابن سيدة في المحكم (خبطه الشيطان وتخبطه مسه باذى).

والمسّ في الاصل بمعنى اللمس ويطلق على الجنون لاعتقادهم بانه ينشأ من مسّ الشيطان. والظاهر ان قوله (من المس) متعلق بقوله يتخبطه وعليه فالمعنى لا يقومون يوم القيامة او لا يقومون في الدنيا او لا يقومون باخذ الربا الا كما يقوم المجنون او المصروع الذي يفسده الشيطان من المس و(من) تعليلية اي يفسده بسبب مسه مما يوجب جنونه.

وقيل انه متعلق بقوله يقومون فالمعنى لا يقومون يوم القيامة او في الدنيا بسبب الجنون الا كما يقوم المجنون ومن الواضح انه غير صحيح خصوصا ان المرابي ليس مجنونا يوم القيامة فلا يصح تعليله بجنونه.

وقيل انه متعلق بقوله يقوم فيكون المعنى لا يقوم المرابي يوم القيمة او في الدنيا الا كما يقوم المجنون بسبب جنونه. ويرده ان الجنون ليس سببا للقيام.

والكلام هنا في اصل هذا التشبيه فانه يبتني على الاعتقاد بان الجنون ينشأ من مس الشيطان وهو خلاف الواقع فقال بعضهم انه لا مانع من كون بعض انحاء الجنون ناشئا منه وان كان له علل طبيعية في الجسم حسبما تبين في الطب الحديث بل حتى في الطب القديم كانوا يربطون بينه وبين ما يعتقدونه من المؤثرات.

قال في الكشاف (وتخبط الشيطان من زعمات العرب يزعمون أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرع والخبط الضرب على غير استواء كخبط العشواء، فورد على ما كانوا يعتقدون..)

وتهجم عليه بعض من بعده بان ذلك من النزعة الاعتزالية وان اهل السنة يتبعون ظاهر الكتاب والسنة ويعتقدون ان ذلك من تاثير الشيطان ثم تراجع بعضهم الى القول بان موارد الجنون تختلف.

قال الالوسي (وهذا لا ينافي ما ذكره الأطباء من أن ذلك من غلبة مرة السوداء وما ذكروه سبب قريب وما تشير إليه الآية سبب بعيد وليس بمطرد أيضا بل ولا منعكس فقد يحصل مس ولا يحصل جنون كما إذا كان المزاج قويا وقد يحصل جنون ولم يحصل مس كما إذا فسد المزاج من دون عروض أجنبي، والجنون الحاصل بالمس قد يقع أحيانا، وله عند أهله الحاذقين أمارات يعرفونه بها..) وقد اطال الكلام في ذلك.

والعلامة الطباطبائي قدس سره موافق ايضا مع هذه النظرية فقال ما ملخصه:

(ان الآية وإن لم تدل على أن كل جنون من مس الشيطان لكنها لا تخلو عن إشعار بأن من الجنون ما هو بمسه والمتيقن من إشعار الآية ان للجن شأنا في بعض الممسوسين ان لم يكن في كلهم. وقال بعض المفسرين إن هذا التشبيه من قبيل المجاراة مع عامة الناس في بعض اعتقاداتهم الفاسدة وانه لا ضير في ذلك لأنه مجرد تشبيه خال عن الحكم وأما كون الجنون مستندا إلى مس الشيطان فأمر غير ممكن لان الله سبحانه أعدل من أن يسلط الشيطان على عقل عبده أو على عبده المؤمن).

ثم رد هذا القول بانه تعالى أجل من أن يستند في كلامه إلى الباطل إلا مع بيان بطلانه واستناد الجنون إلى تصرف الشيطان لا ينافي عدله تعالى لانه كاستناده الى الأسباب الطبيعية على أن الأسباب الطبيعية كاختلال الأعصاب والآفة الدماغية أسباب قريبة وراءها الشيطان.

ثم استشهد بقوله تعالى (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ)[7] مع ان ما اصابه كان مرضا مستندا الى اسباب طبيعية كما ورد في قوله تعالى (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ).[8] فنسب ما به من المرض الى الشيطان.

ولكن ظاهر الاية ان الجنون ينشأ من مس الشيطان ولا يستند الى امر اخر بل يستند الى تخبط الشيطان باي معنى فسرناه. نعم يمكن القول بان الشيطان لا يختص بالجن بل كل موجود شرير فلعل المراد به هنا يشمل ما يؤثر في الجنون من العوامل الخفية لعامة الناس. واستبعد بعضهم شمول الشيطان في الآية لمثل ذلك باعتبار اسناد التخبط والضرب اليه وقد مر تفسير التخبط بما لا ينافي ذلك.

وقد ورد في بعض الروايات التعبير بالجن والشيطان عن عوامل بعض الامراض ونحن نعلم ان الموجب لهذا المرض ميكروب مثلا ولكن لا مانع من هذا التعبير لان الجن بمعنى الموجود الذي لا يرى ينطبق عليه وكذلك الشيطان ينطبق باعتبار انه موجود شرير.

واما قصة ايوب عليه السلام فيمكن ان يكون العامل فيه هو الشيطان بمعنى الجن الذي يريد الشر بالانسان وخصوصا بالصالحين منهم فيكون هو الذي تسبب في ايجاد المرض له عليه السلام بالطرق الطبيعية والعبارة لا تنافيه كما ان شياطين الانس ايضا ربما يتسببون في ذلك بدس السم ونحوه.

ونظيره ايذاء الشيطان للانبياء والصالحين عن طريق ايجاد ما يوجب عدم التركيز والاشتغال بامور اخرى مما يوجب نسيان ما يهتمون به ومثل ذلك قوله تعالى (وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ..).[9]

 

ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ...

الظاهر ان الاشارة في قوله (ذلك) الى الاكل اي ان سبب تجويزهم لاكل الربا هذا الاعتقاد ومعنى قولهم انما البيع مثل الربا منع تحريم الربا بدليل ان البيع ايضا مثل الربا فلو كان الاسترباح بالمال حراما فلا فرق بينهما. وهذا الكلام المنسوب اليهم على اساس معتقدهم وليس بمعنى اسناد القول اليهم حقيقة.

وربما يقال بان المفروض ان يعبر بالعكس وأن الربا كالبيع والظاهر ان الوجه في هذا التعبير هو أن الجهلة غالبا لا يستندون الى جواب حلي وانما يردون بالنقض فلو كانوا يقولون انما الربا كالبيع لكان استدلالا على الجواز حيث ان الربا استرباح كالبيع فهو جائز كما ان البيع جائز لانه استرباح بالمال واما هذه العبارة فلا تفيد الا ان البيع ايضا يجب ان يكون محرما لانه كالربا. 

والعلامة الطباطبائي رحمه الله اعتبر (ذلك) اشارة الى تخبط المرابي وفسر الخبط بانه المشي على غير استواء فهو كالمصروع والمجنون وهذه الجملة تعليل لجنون المرابي وتخبطه لانه قال انما البيع مثل الربا ولو كان عاقلا لقال انما الربا مثل البيع. قال بعد كلام طويل يثبت كون المرابي متخبطا في عمله:

(فالربا يضاد التوازن والتعادل الاجتماعي ويفسد الانتظام الحاكم على هذا الصراط المستقيم الانساني الذي هدته إليه الفطرة الإلهية وهذا هو الخبط الذي يبتلي به المرابي كخبط الممسوس فإن المراباة يضطره ان يختل عنده أصل المعاملة والمعاوضة فلا يفرق بين البيع والربا فإذا دعي إلى أن يترك الربا ويأخذ بالبيع أجاب ان البيع مثل الربا لا يزيد على الربا بمزية فلا موجب لترك الربا واخذ البيع ولذلك استدل تعالى على خبط المرابين بما حكاه من قولهم انما البيع مثل الربا). 

وقال ايضا (فإذا أمرته بترك ما يأتيه من المنكر والرجوع إلى المعروف أجابك – لو أجاب - أن الذي تأمرني به كالذي تنهاني عنه لا مزية له عليه ولو قال ان الذي تنهاني عنه كالذي تأمرني به كان عاقلا غير مختل الادراك فإن معنى هذا القول أنه يسلم أن الذي يؤمر به أصل ذو مزية يجب اتباعه لكنه يدعي ان الذي ينهي عنه ذو مزية مثله ولم يكن معنى كلامه إبطال المزية وإهماله كما يراه الممسوس وهذا هو قول المرابي المستقر في نفسه الخبط إنما البيع مثل الربا ولو أنه قال ان الربا مثل البيع لكان رادا على الله جاحدا للشريعة لا خابطا كالممسوس).

ولكن لا يوجد في كتب اللغة ان الخبط بمعنى المشي على غير استواء بل هو الضرب فالمتخبط هو الشيطان والمرابي ليس متخبطا ولا ممسوسا بل يقوم كما يقوم الممسوس ومن المستغرب جدا ان يحكم على المرابي بانه غير عاقل فهو ينظم حياته على اقتصاد قوي ودقيق ولكنه يظلم الاخرين وليس هذا من الجنون بل من الخبث.

واحل الله البيع وحرم الربا.. جملة مستأنفة للرد على هذا النقض الذي يقول به المرابي. والرد يبتني على أن المناط في جواز الفعل وعدمه هو حكم الله تعالى فالحلال ما احله والحرام ما حرمه وليس للانسان ان يحكم بشيء على اساس القياس فالقول بجواز الربا لانه استرباح بالمال كالبيع قياس وهو باطل.

ولا شك ان الله تعالى يحكم بمقتضى المصالح والمفاسد ولكن حكمه لا يتبع بقاء المصلحة والمفسدة بل يتبع الموضوع فلو فرض ان الربا في وضعنا الحاضر لا يضر بالاقتصاد العام بل ينفع اذا كان عن طريق ايداع الاموال في البنوك واقراضها للناس بفائدة محددة فهذا يوجب حركة المال مما يعود على المجتمع بالنفع العام ولكن الحكم الالهي لا يتغير والربا حرام مطلقا وان كان بطريقة نافعة للاقتصاد العام.

كما ان حرمة الخمر مثلا لا تتبع الاضرار المترتبة على شربها وان كانت هي الموجبة لتشريع الحرمة فلو فرض ان الخمر صنعت بطريقة لا تضر بالجسم ولا تزيل العقل ولكنها خمر بتمام المعنى فهي حرام بل هي حرام حتى لو زالت عنها صفة الاسكار.

ويلاحظ في التفاسير سباق على بيان مفاسد الربا وهذا لا باس به لتعليل الحكم وبيان مصالحه ولكن الاهم منه التاكيد على ان المناط هو حكم الله تعالى وهذا هو الفارق بين البيع والربا وان كانت هناك فوارق اخرى ايضا ولكن المهم هو هذه الجهة التي اغفل عنها غالبا.

 

فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275)

الفاء للترتيب بمعنى ان هذا الحكم يترتب على ما مر من تحريم الربا. والوعظ هو التذكير بالخير بطريقة يرق لها القلب. والله تعالى لم يكتف بالامر والنهي بل حذّر الانسان من مغبّة هذه الاعمال في الدنيا والاخرة.

وفي قوله (من ربه) حثّ على التأثر من الموعظة لانها من ربه الذي يصلح شأنه ويربيه. والانتهاء هو الاستجابة للنهي وترك المنهي عنه. والسلف: المتقدم زمانا. فقوله فله ما سلف اي ما مضى.

والمراد بمجيء الموعظة بلوغ الحكم الى المكلف لوروده في الكتاب والسنة كسائر الاحكام الشرعية ولا يعتبر الجهل بالحكم عذرا بنفسه الا في حالات خاصة.

وفي قوله (فله ما سلف) اقوال فقيل ان المراد بما سلف ما اخذه من الربا قبل تحريمه ولا شك ان التشريع لا يشمل ما قبله فلا شيء عليه فيما اخذ من الربا سابقا. وعلى هذا القول فالحكم خاص بمن كان في عصر التشريع ولا يشمل الجاهل بالحكم بعد التشريع وان كان معذورا في جهله.

وقيل ان المراد به ان الله تعالى لا يؤاخذه بذنبه السابق ولا يعني ان المال له فلا فرق بين الجاهل والعالم من جهة حرمة المال ولا فرق بين من اسلم حيث يجُبّ الاسلام ما قبله ومن كان مسلما جاهلا بالحكم ولا بين من كان في عصر التشريع ومن كان بعده.

وزاد العلامة الطباطبائي رحمه الله بان هذه الجملة تتضمن حكما عاما طبق في هذا المورد فمضمون الجملة ان كل من خالف الحكم الشرعي ثم تاب فان الله تعالى لا يؤاخذه بذنبه سواء كان من حقوق الله او من حقوق الناس ولكن ذلك لا يعني اعفاءه عن تبعات المعصية من قضاء او كفارة او ارجاع مال مغصوب او ماخوذ بالربا او دفع دية ونحوها.

ولكن ما ذكره ينافي الفاء في اول الجملة حيث تدل على ان هذا الحكم خاص بالربا ومترتب على تحريمه. مضافا الى ان اصل هذا القول اي تفسير قوله (فله ما سلف) بالعفو عن الذنب خلاف الظاهر فان اللام تدل على الملكية اي له ما اخذ من المال سلفا.  

وقيل ان المراد بمجيء الموعظة علم المكلف بالحكم وبالموضوع فاذا كان جاهلا باحدهما فالموعظة لم تصل اليه فاذا علم الانسان موعظة ربه وانطباق الحكم في مورد وانتهى اي ترك ما نهاه ربه اي تاب الى الله تعالى فله ما سلف والظاهر من معناه ان ما اخذه من الربا قبل وصول الموعظة اليه وعلمه بالحكم حلال له.

وهذا الراي يقول به جمع من فقهائنا واستدلوا على ذلك بالاية وبروايات نذكر بعضها:

فمنها صحيحة محمد بن مسلم قال (دخل رجل على أبي جعفر عليه السلام من أهل خراسان قد عمل بالربا حتى كثر ماله ثم إنه سأل الفقهاء فقالوا ليس يقبل منك شيء إلا أن ترده إلى أصحابه فجاء إلى أبي جعفر عليه السلام فقص عليه قصته فقال له أبو جعفر عليه السلام: مخرجك من كتاب الله "فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله" والموعظة: التوبة).[10]

ولكن لو استندنا الى هذا الحديث فالحكم لا يختص بالجاهل بالحكم او الموضوع بل من المستبعد ان لا يعلم احد من المسلمين تحريم الربا في عصر الامام الباقر عليه السلام والرجل قد جمع اموالا كثيرة من الربا كما في الحديث ولم يرد فيه انه كان جاهلا والامام عليه السلام لم يقيد الحكم بالجهل بل بالتوبة وهي انسب بصورة كونه عالما.

مضافا الى استبعاد صدور الجملة الاخيرة اي قوله (والموعظة التوبة) فان الموعظة من الله بيان الحكم بوجه موجب للخوف وليست هي التوبة التي هي من فعل العبد.

ومن الغريب ان هذه الجملة وردت في نقل الكافي مستقلة فقد روى بسند صحيح عن محمد بن مسلم ايضا عن أحدهما (اي الباقر والصادق عليهما السلام) في قول الله عز وجل "فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف" قال (الموعظة التوبة).[11]

ومن الواضح ان هذه الجملة جزء من الحديث السابق ولكن الكليني اقتطعها ليذكرها في باب التوبة ولا اعلم ماذا فهم من معناها لتفيد في مقام التوبة.

وقد وردت ايضا في ما رواه احمد بن محمد بن عيسى في نوادره عن أبيه قال (ان رجلا أربى دهرا من الدهر فخرج قاصدا أبا جعفر الجواد عليه السلام فقال له: مخرجك من كتاب الله يقول الله (فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف) والموعظة هي التوبة فجهله بتحريمه ثم معرفته به فما مضى فحلال وما بقي فليتحفظ).[12]

ويقوى في الذهن ان هذا الحديث هو نفس الحديث السابق واشتبه الامر على النساخ فاضافوا لقب الجواد عليه السلام بقرينة الراوي اي محمد بن عيسى لانه لا يروي عن الامام الباقر عليه السلام ولكن الظاهر ان الرواية مرسلة.

ولعل المراد بقوله عليه السلام (والموعظة التوبة) ان الموعظة ما يوجب التوبة كما ورد في عبارة جمع من العلماء فيكون التعبير بالموعظة بلحاظ تاثيرها العملي في الانسان. ويمكن ان يكون المراد بالتوبة رجوعه تعالى على عبده بالرحمة والهداية كما قال تعالى (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ).[13]

ومع ذلك فالتعبير مستبعد جدا ومما يوهن الوثوق بصدور الرواية على هذا الوجه والتبديل في عبارات الاحاديث ليس بعزيز مع ان التنبيه على هذا الامر لا دخل له بالحكم. والله العالم.

ومنها صحيحة الحلبي (قال أبو عبد الله عليه السلام: كل ربا اكله الناس بجهالة ثم تابوا فإنه يقبل منهم إذا عرف منهم التوبة وقال: لو أن رجلا ورث من أبيه مالا وقد عرف ان في ذلك المال ربا ولكن قد اختلط في التجارة بغيره فإنه له حلال طيب فيأكله فان عرف منه شيئا معزولا انه ربا فليأخذ رأس ماله وليرد الزيادة).

وهذا في الواقع حديثان لان قوله (وقال..) يحتمل ان يكون من صاحب الكتاب او من بعض الرواة المتاخرين ولا يعلم سنده فهو مرسل واما القسم الاول فليس صريحا في جواز اكل الربا مع الجهل بالحكم ويحتمل ان يكون المراد قبول التوبة ان كانت عن صدق.

مضافا الى ان الجهالة قد لا تكون بمعنى الجهل بالحكم بل بمعنى السفاهة كما في قوله تعالى (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ..).[14] وغيرها من الايات ومن المستبعد جدا ان يشمل الحكم المتعمد التائب.

ولو فرض ان القسم الثاني جزء من الصحيحة فلا يدل ايضا على المطلوب لانه افترض ان الربا اختلط بغيره في التجارة فمعناه انه لا يتيقن ببقاء الربا في ماله وانما تاجر بالربا وربح والظاهر ان الربح له اذا كانت المعاملة بنحو الكلي في جانب الثمن وان سدد دينه من الحرام وانما لا يجوز الاخذ اذا كان الماخوذ بالربا متعينا ومعلوما.

ومنها صحيحته الاخرى عن أبي عبد الله عليه السلام قال (أتى رجل أبي فقال إني ورثت مالا وقد علمت أن صاحبه الذي ورثته منه قد كان يربو وقد أعرف أن فيه ربا وأستيقن ذلك وليس يطيب لي حلاله لحال علمي فيه وقد سألت فقهاء أهل العراق وأهل الحجاز فقالوا: لا يحل أكله ، فقال أبو جعفر عليه السلام: إن كنت تعلم بأن فيه مالا معروفا ربا وتعرف أهله فخذ رأس مالك وردّ ما سوى ذلك وإن كان مختلطا فكله هنيئا مريئا فإن المال مالك واجتنب ما كان يصنع صاحبه فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد وضع ما مضى من الربا وحرم عليهم ما بقي فمن جهله وسع له جهله حتى يعرفه فإذا عرف تحريمه حرم عليه ووجبت عليه فيه العقوبة إذا ركبه كما يجب على من يأكل الربا).[15]

ويحتمل وحدة القضية وان يكون النقل بالمعنى وتعبير هذه الرواية لا يوافق هذا القول وان استندوا اليها لانه عليه السلام لم يسال عن علم المورث بالحكم وجهله بل امر بارجاع ما يعرفه الوارث ويعلم انه ربا الى اهله.

ويحتمل ان يكون المراد بالمختلط ما لا يعلم باشتماله على الحرام بمعنى انه مختلط بين ما يعلم كونه حلالا وما يحتمل كونه من الربا ولذلك علله بقوله (فان المال مالك).

واما قوله (فان رسول الله..) فانه تعليل لقوله واجتنب ما كان يصنع صاحبه اي صاحب المال وهو التعامل بالربا وذلك لان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حرم الفائدة بعد العلم بالتشريع.

وهناك روايات اخرى ايضا ربما يفهم منها ما ذكر وياتي فيها بعض ما مر من التاويل ومهما كان فتفصيل البحث موكول الى الفقه والحكم بما ذكر مشكل جدا. وظاهر الآية أن المراد حلية ما سلف على تشريع الحكم وليس فيها تفصيل بين العلم به والجهل.

وامره الى الله.. اختلفوا في المراد بهذه الجملة فقيل الضمير عائد إلى الربا أي وأمر الربا إلى الله حيث حرمه على الناس وكذلك في استمرار التحريم. وقيل الضمير عائد الى ما سلف اي امره إلى اللَّه حيث عفا عنه وقيل الضمير يرجع إلى من جاءه أي أمر من انتهى بالموعظة الى الله فيمكن ان يثبته على الانتهاء ويمكن ان لا يوفقه فيعود. وفي كل ذلك تكلف واضح.

والظاهر أن المراد به ان امر العفو عنه حيث اخذ الربا قبل تحريمه الى الله تعالى فربما لا يعفو عنه لانه ظلم انسانا فقيرا وربما يعفو عنه فيما اذا لم يكن فيه ظلم فاحش والنتيجة ان عدم وجوب الرد لا يستلزم عدم استحقاق العقاب وان كان ذلك قبل نزول التحريم لان قبح الظلم مما يقتضيه العقل والله تعالى يؤاخذ الكفار قبل التشريع بما يقتضيه العقل.

ومن عاد فاولئك اصحاب النار هم فيها خالدون.. اي ومن عاد الى التعامل بالربا بعد ان جاءته الموعظة من ربه فهو خالد في النار واستغرب بعض المفسرين كيف يمكن ان يخلد في النار وهو مسلم؟!

وفي المقابل فرح المعتزلة بهذه الآية لانها تصرح بامكان الخلود في النار لمن يرتكب المعصية وان كان مسلما وهم يرون ان اصحاب الكبائر مخلدون في النار.

والواقع ان الاية لا تدل على ان كل مرتكب للكبائر يخلد في النار وانما تدل على حكم المتعامل بالربا بعد نزول الحكم او بعد علمه بالحكم فهذا حكم خاص بالربا نعم لو قلنا بمقالة العلامة الطباطبائي قدس سره من ان مضمون الاية حكم عام طبق على هذا المورد امكن ان يقال بانها تدل على ما ارادوه.

ولذلك لجأ لتأويل الآية بما لا يتوافق مع ما ذكروه فقال:

(وقوع العود في هذه الجملة في مقابل الانتهاء الواقع في الجملة السابقة يدل على أن المراد به العود الذي يجامع عدم الانتهاء ويلازم ذلك الاصرار على الذنب وعدم القبول للحكم وهذا هو الكفر أو الردة باطنا ولو لم يتلفظ في لسانه بما يدل على ذلك فإن من عاد إلى ذنب ولم ينته عنه ولو بالندم فهو غير مسلم للحكم تحقيقا ولا يفلح ابدا).

ومن الواضح ان الاصرار على الذنب ليس بمعنى انكاره والكفر به لا باطنا ولا ظاهرا وانما يدعوه الى الاصرار حبه للدنيا وطمعه في المال كما ان من يتبع الشهوات لا ينكر الحرمة ولا استحقاقه للنار ولكنه لغلبة الشهوة لا يتمكن من السيطرة على نفسه وهذا لا ينافي الايمان ولا يستلزم الكفر والارتداد كما هو واضح.

وفي تبيان الشيخ الطوسي قدس سره ايضا نظير ذلك قال فيه (ومعنى الآية ومن عاد لأكل الربا بعد التحريم وقال ما كان يقوله قبل مجيء الموعظة من أن البيع مثل الربا فاولئك أصحاب النار هم فيها خالدون لان ذلك لا يصدر إلا من كافر لان مستحل الربا كافر بالاجماع فلذلك توعده بعذاب الأبد).

ومن الواضح ان الاية لم تقيد الحكم بالخلود بالاستحلال فهذا امر اضيف الى مضمون الآية كما انه لم يرد فيها انه عاد الى القول بان البيع مثل الربا وانما عاد الى اصل العمل.

وهكذا ورد في اكثر تفاسير العامة والخاصة ومنهم من أوّل الخلود بالمكث الطويل واتى بما يدل على ذلك في الشعر العربي وهذا التاويل لو صح فانما يصح في اصل الكلام في خلود النار سواء للكافرين او المؤمنين وهو خلاف ظاهر الآيات.

والخلود في النار ورد ايضا في قتل المؤمن عمدا حيث قال تعالى (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا).[16]

ولا دليل على نفي هذا الامر ولا على استحالة خلود المؤمن في النار خصوصا اذا قلنا بان المؤمن يصدق على المنافق ايضا كما ورد التعبير عنهم بالذين امنوا في قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا * بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا).[17]

وحيث ان الاية التالية تدل على ان المراد بهم المنافقون يجب ان يحمل قوله تعالى (الذين آمنوا) على انهم آمنوا ظاهرا كما قال تعالى (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ..).[18]  

فالصحيح هو التسليم لظاهر الاية وأن المرابي عالما متعمدا مخلد في النار وان كان مؤمنا.

 

يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276)

المحق هو الهلاك والنقص وورد في التفاسير ان المراد به النقص شيئا فشيئا ولم اجد هذا المعنى في كتب اللغة والاستعمالات ولعله مستوحاة من التعبير عن الهلال في اواخر الشهر بالمحاق لانه ينقص شيئا فشيئا الى ان يزول ولا يرى والا فالمعنى هو الهلاك والتلف.

ومهما كان فقد وقع الخلاف في ان المراد بالمحق والارباء في الدنيا ام في الاخرة فمنهم من قال ان المراد كونهما في الدنيا ومنهم العلامة الطباطبائي رحمه الله وحيث ان من الواضح ان الربا يزيد في المال ولا يوجب نقصا فيه بل الصدقات توجب النقص ولذلك قال تعالى (وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا)[19] عمد بعضهم الى تأويل المحق بان المراد به ذهاب البركة.

ومن الطريف ان هذا التفسير أثر في كتب اللغة ففسروا المحق بالنقص وذهاب البركة مع انهم فسروا البركة بانها الثبات وبقاء الخير فان اريد به عدم بقاء المال فهو خلاف الواقع المشهود وان اريد به امر معنوي كسلب التوفيق في صرفه في امور الخير فهو ليس معنى المحق لغة واللغوي شانه ان يفسر الكلمة حسب اللغة.

وقيل ان المراد بالمحق انهم لا يستفيدون من المال ما يقصدونه من جمعه فان الانسان انما يجمع المال ليهنأ به في حياته ويعيش في سعادة ورخاء ولكنه بسبب اكل الربا وارغام الفقراء على دفع الفائدة مع حاجتهم الملحة يسقط اعتباره في المجتمع بل يعيش حياة خوف من هجوم الفقراء وازعاجهم له.

واضاف اليه العلامة رحمه الله بان الامر لا يلاحظ في الحالة الفردية فربما لا يلحق الفرد ضرر من ذلك بل يزيد رخاءا وترفا ولكن يلاحظ حالة المجتمع ومما لا ريب فيه ان المجتمع الذي يكثر فيه التعامل بالربا يصاب بالفارق الكبير بين الطبقة الفقيرة والثرية وكلما اتسعت رقعة الاختلاف الطبقي فان المجتمع يسوده الاضطراب وعدم الامن ولكنه ربما يتاخر كثيرا فهذا هو الفرق بين تاثير الربا في الحياة الفردية وتاثيره في حياة المجتمع.

ومع كل ما قيل في هذا الباب فان محق الربا لا يستفاد منه هذا المعنى ومجرد كون الامر صحيحا في الواقع الخارجي لا يبرر ان نفسر القران به مع انه غير مطرد في المجتمعات التي نلاحظها ونلاحظ تطورها وتقدمها العلمي والاجتماعي والثقافي ونلاحظ ان الفقراء في تلك البلاد يعيشون حالة افضل من غيرهم في البلدان التي تهتم بمثل هذه الامور وتحاول ان لا ينتشر الربا وغيره من المفاسد الاقتصادية.

والظاهر أن المراد محقه في الآخرة كما ان ارباء الصدقة وجعلها اضعافا مضاعفة انما هو في الاخرة وان كان ربما يترتب عليها في الدنيا بعض المصالح كالتوفيق للخير وزيادة الرزق بتوفيقه تعالى للوصول الى اسبابه وليس بصورة اعجاز ولكن ليس هذا هو الغرض من اربائه.

وكذلك محق الربا فانه خاص بالاخرة ولعل الغرض من التنبيه عليه رفع توهم الانسان انه كلما زاد ماله وكثر خيره فهو في الاخرة ايضا يعيش نفس العيشة في الدنيا لو فرض وجود حياة بعدها وهذا التوهم متمكن في نفوس المترفين والمتسلطين ويتوهمون ان السر في تفردهم بهذا الترف والسلطة هو ان لهم عند الله كرامة وانهم متميزون عن سائر الخلق ذاتا.

قال تعالى في حكاية كلام احد الرجلين وهو الكافر صاحب الجنة (وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا)[20] وقال ببيان اوضح واعم في شان الانسان (وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى..)[21]

ومثل هذه الاية قوله تعالى (وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ)[22] بناءا على أن المراد بالربا فيها هو الربا المحرم كما هو ظاهر اللفظ وقد مر الكلام في احتمال اخر فيها.

ويمكن ان يقال في وجه آخر ان الذي ياكل الربا انما يريد ان يزيد ماله ويستغني عن الناس ويتمكن من حياة سعيدة ومستقبل مشرق له ولورثته وهو يظن انه سيسعد هو واسرته بهذا المال الذي اكتسبه ولكنه لا يعلم ان الحياة الانسانية لا تنتهي بالموت وان الانسان يبقى بعد ذلك في حياة ابدية وبحاجة الى ما يسعده في تلك الحياة وما اكتسبه من مال لا ينفعه في تلك الحياة فهذا ايضا معنى محقه تعالى للربا اي لا يترتب عليه ما يتوقعه المرابي من السعادة في المستقبل له ولاولاده واحفاده.

ونظير هذا يقال في ما ورد من ابطال اعمال الكفار يوم القيامة وهذا وارد في مواضع متعددة من الكتاب العزيز منها قوله تعالى (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ)[23] وقوله تعالى (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا).[24]

ففي هذه الايات يقال بان المراد بالاعمال ما يعمله الكفار من اعمال الخير كمساعدة الفقراء وبناء المستشفيات وغيرها فان كثيرا من الناس يتوهمون انها تنفعهم يوم القيامة والله تعالى بهذه الآيات ينفي ذلك.

ولكن يمكن ان يقال بان هذه الاعمال اذا قصد بها الخير ربما تنفع ولو في تقليل العذاب ولا شك ان فاعل الخير ليس كفاعل الشر امام العدل الالهي ولكن المراد بالآيات ما ذكرناه من ابطال ما يتوقعون من نتائج اعمالهم حسب توهمهم انها تنفعهم في مستقبل الحياة.

والله لا يحب كل كفّار أثيم.. هذه الجملة بمنزلة التعليل لمحق الربا وذلك لان المرابي كفّار واثيم. والكفّار صيغة مبالغة من الكفر وليس المراد الكفر بالله تعالى ليحتاج الى توجيه بل المراد الكفر بالنعمة فالمرابي انعم الله عليه بالمال فيجب عليه الشكر. وشكر النعمة يستدعي ان يستفيد منه لنفسه بمقدار حاجته او بما يناسب شانه والزائد على ذلك يساعد به الفقراء والمحتاجين وهو لم يكتف بترك التصدق واعانة المحتاج بل استغل حاجته واخذ ما عنده بالربا وهذا كفر مضاعف بالنعمة ولذلك عبر عنه بالكَفّار.

والاثيم من الاثم وهو في الاصل بمعنى التاخر ويطلق على التقصير في اطاعة الله تعالى ولذلك يقصد به الذنب وصيغة فعيل تدل على لصوق الصفة واستمرارها وحيث ان المرابي ليس كمن يرتكب ذنبا في حالة عابرة يسيطر عليه الشهوة او الغضب او حب المال ونحو ذلك بل هو متوغل في الاثم ومستمر فيه ويخطط له قبل وقوعه وبعده ويتتبع الموضوع ويزيد فيه كلما حلّ موعد استرجاع المال فالاثم لاصق به لا يتركه لحظة.   

 

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (277)

من سنة القران ان ياتي تعقيب التحذير والتهديد بالبشارة وكذلك العكس فحيث ورد التشديد في عقاب آكل الربا لزم التنبيه على عاقبة من يخالف هذا النوع من الناس فيؤمن بالله وليس كالمرابي حيث لا يؤمن بالله ايمانا يستتبع العمل.. ويعمل الصالحات ولا يعمل المفاسد كالمرابي.. ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة.. ولعل هذه الصفة هي المقصودة بالذات في مقابل اكل الربا. والمراد بالزكاة في القران غالبا هو مطلق انفاق المال في سبيل الله بل التعبير عن الزكاة المصطلحة انما ورد بالصدقة.

فهؤلاء لهم اجرهم عند ربهم وفي هذا التعبير تعظيم لاجرهم اي لهم اجر عظيم لا يمكن توصيفه وهو عند ربهم وهذا التوصيف اي كونه عند ربهم هو اساس السعادة لهم ثم هم لا يخافون عذابا ولا يحزنون على امر فاتهم اذ لم يفتهم ما يوجب السعادة وانما فاتهم ما لا قيمة له من متعة الدنيا. 

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278)

يبدو من الآية ان بعض الناس كانوا يستمرون على اخذ الارباح ممن اقرضوهم حتى بعد نزول التحريم فنزل هذا التحذير والخطاب للذين آمنوا ولو في الظاهر لان هذا التعبير ربما ينطبق على المنافقين ايضا.

والامر بالتقوى مقدمة للتحذير واشارة الى ان هذا الاستمرار يستوجب عقاب الله تعالى فاتقوه واحذروا غضبه وقوله (ذروا) اي اتركوا. والمراد بما بقي من الربا الارباح التي كان المفروض ان يدفعها المقترض خلال مدة محددة فلم تنته ونزلت اية التحريم فمن الواجب ان لا يستمر المرابي على الاخذ ولكن بعضهم لم ينته عن ذلك واستمر على اخذها.

وأكّد بقوله (ان كنتم مؤمنين) على أن هذا الاستمرار ينافي الايمان خصوصا بملاحظة ان الخطاب موجه للذين آمنوا فيدل على ان الخطاب لكل من آمن في الظاهر ولذلك يشمل حتى المنافقين كما مر.

والسر في ذلك أن الايمان الصحيح هو الذي يستتبع العمل واما من يظهر الايمان بالله ولا يخاف عذابه ولا يأتمر بامره اذا دعته الحوافز النفسية من شهوة وغضب وحب مال وجاه ونحوها فليس مؤمنا في الواقع.

وورد في روايات القوم ان هذه الاية والتي بعدها نزلت في العباس بن عبد المطلب ورجل من بني المغيرة كان لهما ربا على قوم من ثقيف ولم يذكروا اسم الرجل المغيري وفي بعض رواياتنا انه خالد بن الوليد بن المغيرة وبذلك يتبين السر في عدم ذكر اسمه.

قال الشيخ الطوسي قدس سره (روي عن أبي جعفر عليه السلام أن الوليد بن المغيره كان يربي في الجاهلية و كان بقي له بقايا على ثقيف فأراد خالد بن الوليد المطالبة بها بعد أن أسلم فنزلت هذه الآية في المنع من ذلك).[25]

فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ...

اي فان لم تتركوا ما بقي من الربا فالمراد بالفعل هو ترك الاخذ. والسر في هذا التعبير أن مقتضى جشع الانسان المرابي انه يطالب بما بقي من الربا فتركه للاخذ ليس مجرد عمل سلبي بل هو عمل ايجابي وربما يكون صعبا على الانسان فهو بحاجة الى كف نفسه والضغط عليها لترك الاستمرار في اخذ الارباح ولذلك اعتبره فعلا.

والاذن هو العلم اي اعلموا انكم اذا لم تفعلوا ذلك فانكم ستواجهون حربا من الله ورسوله وهذا غاية في التهديد لم يرد مثله في شيء من الكبائر. ولعل التنكير في الحرب للتعظيم اي حرب عظيمة من الله.

ويتبين منه اهتمام الشريعة بهذا الحكم واعتبار الربا من اشد ما حرمه الله تعالى كما ورد في روايات كثيرة ففي صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام قال (درهم ربا أشد من سبعين زنية كلها بذات محرم).[26]

وفي نفس الباب صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام قال (قال أمير المؤمنين عليه السلام آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهده فيه سواء).

وفي نفس الباب ايضا موثقة ابن بكير او عبيد بن زرارة قال (بلغ أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أنه كان يأكل الربا ويسميه اللباء فقال: لئن أمكنني الله عز وجل منه لأضربن عنقه).

وغيرها من الاحاديث وهي كثيرة.

وربما يقع السؤال في ان الحرب اذا كانت من الله تعالى فهي تكفي للردع ولا حاجة الى اسناد الحرب الى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

والجواب ان الله تعالى كرر في مواضع من الكتاب عطف اسم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على اسم الجلالة للتأكيد على عظمة مقامه وقربه عند الله تعالى مع ان ذكر اسم الجلالة في بعض تلك الموارد ربما يكون غريبا كايقاع الايذاء على الله تعالى في قوله (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا)[27] فانه تعالى لا يتأذى من شيء ولكنه اعتبر ايذاء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ايذاءا له جل وعلا.

كما انه اعتبر مبايعته صلى الله عليه وآله وسلم مبايعة الله تعالى بل اعتبر يده يده حيث قال (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ..)[28] وصرح بأن اطاعة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم اطاعة لله تعالى في قوله (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ..).[29]

ويمكن ان يكون المراد بحرب الله تعالى عذابه في الدنيا والاخرة وبحرب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مجازاته في الدنيا لانه ولي الامر وهو المشرع لقوانين الحياة المدنية ولذلك ورد في الرواية انه صلى الله عليه وآله وسلم حذر بعض الممتنعين من ترك المطالبة بالربا بانه سيحاربهم.[30]

وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (279)

راس المال اصله ومعنى الآية ان المقرض اذا تاب عن اخذ الربا يجوز ان يطالب باصل ماله الذي أقرضه ولا يجوز له ان يطالب بالزائد عليه ويفهم منه انه اذا لم يتب فلا يدفع له راس ماله ايضا بل ينقص من راس ماله المقدار الذي اخذه من الربا وربما لا يبقى له شيء بل يكون مدينا للمدين.

ويحتمل ان يكون المراد انه اذا تاب فله بملاحظة مجموع ما اخذ سابقا معادل راس ماله فيكون مفهوم الاية انه ان لم يتب فلا يستحق شيئا بل يسترجع منه ما اخذه سابقا ولا يدفع له حتى راس ماله بل ربما يحكم عليه بالقتل.

ولكن هذا الاحتمال بعيد لان الاية السابقة صريحة في المنع عن اخذ ما بقي من الربا فلا يسترجع منه ما اخذه سابقا فيكون معنى الاية انه اذا تاب تجوز له المطالبة براس ماله ولا ينقص منه ما اخذه سابقا.

وفي قوله تعالى (لا تظلمون ولا تظلمون) اشارة الى ان اخذ الربا ظلم اجتماعي وان هذا هو السبب في تحريمه وفيها ايضا دلالة على أن تسديد أصل الدين واجب وأن المماطلة ظلم ايضا وفيها اعتراف بالملكية الفردية واحترامها في القانون الاسلامي.

وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (280)

(كان) تامة اي وان حصل ذو عسرة او يقدر الخبر اي وان كان ذو عسرة مدينا ولعل السر في اختيار هذا التعبير ولم يقل (وان كان ذا عسرة..) لانه لو قال ذلك لكان الضمير المستتر في (كان) يعود الى من اخذ القرض بالربا كما هو محل الكلام في الايات السابقة مع ان هذا الحكم عام لكل مدين.

والعسر: قلة ذات اليد كما في العين. والنظرة: المهلة. اي فعليكم النظرة والامهال الى ميسرة وهي ضد العسرة اي يجب امهاله الى ان يتمكن من الاداء ولا يجوز الضغط عليه خصوصا في موارد الربا حيث كانوا يزيدون في الفائدة لتاجيل زمان الدفع. وظاهر الاية وجوب الامهال.

وفي هذا الحال اي كونه ذا عسرة الاولى ان يتصدق عليه الدائن ولا يطالبه بشيء. و(أن تصدقوا) يأول الى المصدر اي وتصدقكم بالدين عليهم خير لكم. و(تصدقوا) في الاصل تتصدقوا حذفت احدى التاءين تخفيفا.

وقوله (ان كنتم تعلمون) جملة شرطية جوابها (لكنتم تتصدقون) اي لو كنتم تعلمون ان التصدق في الدنيا خير لكم لما ترونه من الجزاء في الآخرة لما كنتم تتوانون عنه.

  

وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (281)

هذه الجملة موعظة عامة والاتيان بها هنا للحثّ على الاهتمام بامر الاخرة واحتقار الدنيا والمال ليسهل على الدائن الامهال بل التصدق على المدين.

والتقوى: الصيانة والحفظ. اي احفظوا انفسكم من شر ذلك اليوم العصيب حيث ترجعون الى الله تعالى ويحاسبكم على كل صغيرة وكبيرة. ولم يقل ترجعون بصيغة المعلوم لان رجوع الانسان اليه تعالى ليس بارادته بل رغما عليه.

والانسان لا يغيب عن ربه لحظة لانه تعالى محيط بكل شيء ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات ولا في الارض بل هو قائم على كل نفس بما كسبت وانما الرجوع باعتبار ان الانسان غافل عن ربه ولا يشعر بحضوره وهيمنته ولو كان يشعر بذلك لم يقدم على معصيته طرفة عين كما هو حال المعصومين عليهم السلام فالذي يحدث في ذلك اليوم هو تحول هذا الانسان بحيث يتحرر من قيود المادة وينكشف عنه الغطاء فيشعر بحضوره امام ربه.

والصفة الاخرى التي تستوجب اتقاء شر ذلك اليوم ان الانسان يوفّى ما كسبه في الدنيا والتوفية ايتاء كل ما يستحقه الانسان تماما وفي التعبير تناسب مع الوفاء بالدين فاذا امهل المدين او تصدق عليه فانه مكسب له وينال جزاءه تماما.

واسناد التوفية الى ما كسبت النفس اما بتقدير الجزاء اي توفى كل نفس جزاء ما كسبت واما بمعنى ان العمل يتحول هناك عقابا وثوابا كما يستفاد من ايات عديدة وهذا ما يسمى بتجسم الاعمال وهو في الواقع ليس تجسما وانما يتحول الانسان الى موجود يشعر بحقائق لا جسم لها ويراها ويتاثر بها ويؤثر فيها فهو يرى الاعمال بكل وجوده لا بعينيه كما يرى الملائكة في ذلك اليوم وكما يرى نفسه حاضرا امام ربه جل وعلا.

وهكذا يتبين الجواب عن بعض ما يقال في التشنيع على الاعتقاد بالعذاب الشديد يوم القيامة وبالخلود في النار وان ذلك لا يتناسب مع العمل في الدنيا ولا مع عدله تعالى فالجواب ان الجزاء هناك ليس وضعيا ولا يتبع القانون الوضعي بل هو طبيعي يتبع حقيقة العمل.

ونحن نجد في هذه الحياة ان بعض الاعمال مع صغر حجمها وقصر زمانها تستتبع عذابا شديدا طول الحياة ولا يمكن لاحد ان يعترض على ذلك لانه من تبعات العمل تكوينا فالانسان ربما يغفل لحظة في قيادة السيارة ويتسبب في حادث اليم تذهب ضحيته نفوس كثيرة عزيزة عليه ويبقى طول حياته يتألّم من غفلته في تلك اللحظة ولكن لا يمكنه ان يعترض على احد فهذا قانون طبيعي.

وهكذا جزاء الاعمال في الاخرة فان الانسان يلاقي نفس عمله وهو لا يعلم في الدنيا حجم ما يستتبع هذا العمل من الويلات فربما يكون عمله كلمة واحدة يلقيها في محضر من الناس ويستتبع انحراف الملايين عن الصراط المستقيم الى يوم القيامة ويسجل عليه وزر كل من ضلّ بسببه وهكذا سائر الاعمال.

وهذا لا يعني ان الجزاء منحصر في ذلك بل تدل بعض الايات الكريمة ان الانسان يجازى بعمله وله فوق ذلك عذاب اليم كقوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا).[31] كما ان المؤمن الصالح يجازى بعمله وفوق ذلك اضعاف ذلك من نعمه تعالى.

 


[1] الروم : 39

[2] الكافي ج 5 ص 146 باب الربا ح 6

[3] المطففين : 6

[4] تفسير القمي ج 1 ص 93

[5] النساء : 127

[6] الروم : 25

[7] ص : 41

[8] الانبياء : 83

[9] الكهف : 63

[10] تهذيب الاحكام ج 7 ص 15

[11] الكافي ج 2 ص 422

[12] وسائل الشيعة ج 18 ص 121

[13] التوبة : 118

[14] النساء : 17

[15] الكافي ج 5 ص 145

[16] النساء : 93

[17] النساء 137 - 138

[18] المائدة : 41

[19] الاسراء : 29

[20] الكهف : 36

[21] فصلت : 50

[22] الروم : 39

[23] ابراهيم : 18

[24] الفرقان : 23

[25] التبيان ج 2 ص 365

[26] الكافي ج 5 ص 144 باب الربا

[27] الاحزاب : 57

[28] الفتح : 10

[29] النساء : 80

[30] الدر المنثور في تفسير الاية

[31] النساء : 10