مكتب سماحة السيد مرتضى المهري

يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ...

سورة البقرة – كما قلنا – نزلت في بدايات الهجرة المباركة وتأسيس حكومة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. وكان لا بد من تهيئة الظروف السياسية والاجتماعية لتقوية بناء الدولة. واهم من ذلك نشر الدعوة التي هي اساس هذه الحركة.

وكان اليهود من أقوى الاقوام المحيطين بالمدينة معقل الدين الجديد لما كانوا يحملون من الثقافة والعلم مما يستدعي احترام الناس وكانوا اثرياء ولهم قوة عسكرية لا يستهان بها وكان لهم كتاب سماوي محترم وهو التوراة وان كان محرفا وكان لهم علماء ينالون اعجاب الناس. والعرب كانوا يهتمون بهم وبعلمهم ويراجعونهم في مشاكلهم واختلافاتهم.

فكان من الضروري محاولة كسبهم ودعوتهم الى هذا الدين فان ايمانهم كان يؤثر في نفوس عامة الناس ولا اقل من اخذ الاعتراف منهم بوجود صفات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في كتبهم كما اعترفوا به قبل البعثة النبوية الشريفة ولذلك اهتمت السور المدنية بالتعرض لهم ولثقافتهم ولمحاولة اقناعهم بالايمان بالرسالة الجديدة وعدم التعصب لما تبقى من الشريعة السابقة فان ابوا بعد اتمام الحجة كان للرسول صلى الله عليه وآله وسلم الحجة البالغة في محاربتهم ودفع مكائدهم.

ومن هنا بدأ الوحي في هذه السورة المباركة بالاشارة الى تقسيم البشر في مواجهتهم لهدايات السماء الى مؤمن وكافر ومنافق ثم توجيه المخاطبين الى النعم الالهية التي تستوجب منهم الايمان بالله والشكر له على نعمه والتوجه اليه تعالى بالعبادة ثم التنبيه على أن هذا القرآن حق وانه معجز لا يمكن لبشر ان يجاريه مهما اوتي من علم وحكمة وادب ثم التنبيه على تاريخ البشرية وتواجده على هذا الكوكب وكيف تبلورت عداوة الشيطان لهذا المخلوق ليكون على حذر من تسويلاته.

كل ذلك لتنبيه البشر وخصوصا العرب واليهود المحيطين بالمدينة المنورة على اهمية هذه الرسالة ودورها العظيم في حياة الانسان ولترغيبهم على الايمان بها.

ومن هنا يتبين السر في توجيه الخطاب في هذا المقطع ومقاطع مفصلة فيما يأتي الى بني اسرائيل وذكر نعمه تعالى عليهم وكفرانهم وطغيانهم على الرسل طيلة التاريخ ولكنه يبدأ الخطاب بدعوتهم الى الاسلام والايمان بهذه الرسالة الكريمة لان العرب كانوا يتاثرون بذلك تاثرا عميقا ولو كان اليهود يؤمنون بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم لكان في ذلك دور عظيم في انتشار الدعوة.

ويلاحظ مع ذلك امور اخرى كانت تستوجب توجيه الدعوة اليهم في بادئ الامر فهم اتباع اول رسول تمكن من تأسيس دولة على اساس الرسالة ولم يتسنّ ذلك الا لرسولنا صلى الله عليه وآله وسلم ومن جهة اخرى كانوا يقربون من العرب القاطنين في تلك المنطقة نسبا فهم اولاد اسحاق والعرب اولاد اسماعيل وهما اخوان عليهما السلام.

ومن جهة ثالثة كان اليهود يعلمون حسبما ورد في البشارات ان رسولا من السماء يسكن هذه المنطقة وكانوا يظنون ان الرسالة لا تتعدى بني اسرائيل لانهم شعب الله المختار كما يسمون انفسهم. وقيل ان علماءهم كانوا يعلمون أنه من اولاد اسماعيل عليه السلام وأن ذلك ورد في كتبهم ولكنهم تجاهلوه ويبدو انهم ما كانوا يعتقدون ان الله تعالى يفي بكل ما وعد او انه قادر على فعل ما يشاء.

ومهما كان فقد تجمعت عدة من قبائلهم حول يثرب ترقبا للرسالة الموعودة وكل قبيلة تتوقع ان يكون الرسول المنتظر منها وفوجئوا ببعثة النبي العربي صلى الله عليه وآله وسلم والمفاجأة الكبرى ان ما تناقلوه وتوارثوه من صفات الرسول وجدوها مجتمعة فيه ومنعهم الحسد من الاعتراف بنبوته والايمان به والخضوع له.

 وكانوا قبل ذلك اذا حدث بينهم وبين المشركين مناجزة يهددونهم بان رسولا سيأتي في هذا البلد وينصرهم على أعدائهم. ولما بعث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وخابت ظنونهم لم يؤمنوا به مع علمهم بأنه هو الرسول الموعود.

والى هذا المعنى اشار تعالى بقوله في هذه السورة (وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ).[1]   

ولذلك نزلت هذه الآيات خطابا لهم وبيانا لحالهم وتاريخهم او تفنيدا لمزاعمهم او تهديدا لهم او تنبيها او تنديدا الى غير ذلك مما يلاحظ في مجموعة من الآيات تبدأ من هذه الآية وتتجاوز مائة آية.

والخطاب هنا لمن يتبع شريعة موسى عليه السلام وهم اليهود ولكنهم حيث اتخذوا الدين الالهي دينا قبليا وعنصريا فلم ينادهم هنا باهل الكتاب ولا بالذين هادوا بل ببني اسرائيل وهو يعقوب عليه السلام. وفي هذا الخطاب وجه اخر ايضا وهو إشعارهم بأنهم اولاد الانبياء فلا ينبغي لهم ان يتركوا طريقة الانبياء ويسلكوا طريقة الجهلة او الطواغيت.

ولا شك في أن إسرائيل لقب يعقوب عليه السلام انما الكلام في وجه التسمية فالمعروف عند المفسرين وغيرهم أن معناه عبد الله وورد ذلك في بعض الروايات الضعيفة ايضا فقد روى الصدوق بسند فيه مجاهيل عن الامام الصادق عليه السلام حديثا وفيه (ويعقوب هو إسرائيل ومعنى إسرائيل عبد الله لان إسرا هو عبد وايل هو الله عز وجل).

ثم قال الصدوق (وروي في خبر آخر أن إسرا هو القوة وايل هو الله عز وجل فمعنى إسرائيل قوة الله عز وجل).[2] ولا يبعد أن المعنى الثاني مأخوذ من قصة التوراة الآتية. وروى الطبري عن ابن عباس (ان اسرائيل كقولك عبد الله)[3] وهذا هو المعروف في التفاسير قديما وحديثا.

ولكن المذكور في التوراة امر آخر فقد ورد في التوراة المترجمة النص التالي:

(فبقي يعقوب وحده، وصارعه انسان حتى طلوع الفجر. ولما راى انه لا يقدر عليه، ضرب حُقّ فخذه[4] فانخلع حُقّ فخذ يعقوب في مصارعته معه. وقال: «اطلقني لانه قد طلع الفجر» فقال «لا اطلقك ان لم تباركني» فقال له «ما اسمك؟» فقال «يعقوب» فقال: «لا يدعى اسمك في ما بعد يعقوب بل اسرائيل، لانك جاهدت مع الله والناس وقدرت» وسأل يعقوب وقال «اخبرني باسمك» فقال «لماذا تسال عن اسمي؟» وباركه هناك. فدعا يعقوب اسم المكان «فنيئيل» قائلا «لاني نظرت الله وجها لوجه ونجيت نفسي).[5]

وقال بعض مفسري التوراة في تفسير القطعة المذكورة من التوراة ما ملخصه (هناك رأيان في هذا الإنسان أولهما أنه أحد ظهورات المسيح قبل التجسد وثانيهما أنه ملاك على شكل إنسان لكنه يمثل الحضرة الإلهية. ولكن هذا الصراع يشير للجهاد في الصلاة لذلك بدأ الصراع جسديًا وانتهى صراعًا روحيًا... ولما رأى أنه لا يقدر عليه بمعنى أن الملاك حين رأى يعقوب في جهاده لم يستسلم بل ظل يصارع طوال الليل. الأمر الذي بدا فيه الملاك كمن هو مغلوب ويعقوب كغالب... ولكن هل يُغلب الله؟... الله يُغلب بالدموع والتوبة ويعقوب هنا بكى واسترحمه... ثم نجد بعد هذه الحادثة أن الملاك يسأل يعقوب عن اسمه لا لجهله باسمه ولكن ليعلن له أن اسمه القديم يعقوب قد تغير إلى اسم جديد يناسب البركة التي حصل عليها بجهاده. إسرائيل: أمير الله أو قوي مع الله أو هو مجاهد قوي في صف الله. هو قوي بجهاده فهو جاهد مع الله ومع الناس. سار: أمير... إيل: الله، فيكون إسرائيل= أمير الله. ومن هذا الاسم سارة: أميرة... ولها تفسير آخر "رجل رأى الله" وهذا التفسير يتفق مع تسمية يعقوب للمكان فنوئيل).[6]

وانما ذكرنا هذا النص المضحك وتفسيره البائس لكي لا يتوهم اننا نبخس المخالفين حقهم ولكن من الواضح ان هذا التفسير لا يغير شيئا من صريح قول الرجل (لاني نظرت الله وجها لوجه ونجيت نفسي). فتاويل المصارع بالملاك والمصارعة بالبكاء والاسترحام وان الله تعالى يُغلب بالبكاء والدموع كل ذلك لا يناسب التعبير الوارد في النص ولا شك انه من تحريف الحقيقة ولعل السبب هو الترجمة ومع ذلك ففي هذا التاويل ايضا جهل بمقام الربوبية فان الغلبة على كل تفسير تدل على انه عزّ وجلّ لم يتمكن من فرض ارادته.

ومهما كان فالنتيجة ان اسرائيل لا يعني حسب عقيدتهم (عبد الله) بل الذي جاهد الله وغلبه او المنتصر على الله او امير الله ولعل المراد الامير الذي عينه الله او رجل رأى الله وجها لوجه. ولكن يلاحظ على هذا التفسير ايضا أنه أبدل الكلمة من (إسر) الى (سار).

ومع ذلك فتفسير الكلمة بعبد الله كما في مصادرنا لم اجد له وجها معتبرا لا من الروايات ولا من حيث معنى الكلمة لانها ليست عربية ولكنها على كل حال تدل على علاقة له عليه السلام بالله تعالى فالتعبير القرآني يستخدمها لتشجيع القوم على متابعة الحق والايمان بالله تعالى وكل ما نزل من عنده لانهم ابناء هذا الرجل العظيم ولذلك ذكره بلقبه الذي يدل على ارتباطه الوثيق بربه لا باسمه الشريف لانه لا يشتمل على هذه الميزة.

ومن هنا نقول يجب أن يكون معنى الكلمة في عرفهم مما يدل على قربه عليه السلام من الله تعالى وطاعته وتذلّلـه لا ما يتبين من هذا النص من كونه غالبا على الله تعالى ومنتزعا البركة منه تعالى بالقهر والغلبة فإنّ الخطاب بقوله تعالى (يا بني اسرائيل) حسب هذا النص لا يحثّ على الطاعة والايمان بل يحث على الكفر والطغيان وقد تكرر هذا التعبير عن هذا القوم في 42 موضعا من القرآن الكريم.

وعليه فلا بد من القول بأن تحريف هذا النص حصل بعد عصر الرسالة فلم يكن التعبير يعني في عصر نزول القرآن هذا المعنى ولا يبعد حصول تغيير في التعبير بسبب الترجمة خصوصا اذا ترجم النص من لغة اخرى غير العبرية.

نعود الى الآية الكريمة قال تعالى (اذكروا نعمتي التي انعمت عليكم) وذكر النعمة الذي امروا به يشمل الذكر اللفظي والقلبي ولكل منهما تاثيره الخاص فالذكر اللفظي بذاته نوع من الشكر واظهار للتذلل وفيه ترغيب للاخرين ان يشكروا ربهم والذكر القلبي يجعل الانسان خاضعا خاشعا لربه باستمرار. وبذلك يكون له امتياز على التلفظ فالانسان الذي يجعل نصب عينيه دائما نعم الله تعالى واعجابه بها ويرى نفسه دائما محاطا بنعمه فهو بذلك في شكر وذكر دائمين وهذا مضافا الى كونه تعبدا وتذللا لله تعالى يوجب راحة نفسية بخلاف من يستذكر باستمرار مرارة الحياة ومشاكلها التي خلقها بجهله ونقص خبرته.

وذكر النعم الالهية وعدّها يفيد الانسان ايضا من جهة عدم الحسد على نعم الاخرين. والحسد من أشدّ ما يبتلى به الانسان من الامراض النفسية فانه يفتك بصحته كما يفتك بدينه واخلاقه. قال تعالى (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى)[7] وقال ايضا (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ).[8]

وقيل ان المراد بذكر النعم شكره على نعمه ولكن لا وجه للتاويل فنفس ذكر النعم واستشعارها شكر لله عليها فان الشكر لله لا يمكن بالمجازاة وانما شكره بالاعتراف بعظيم نعمه التي لا تحصى.

وفي اضافة النعمة الى ضمير المتكلم المفرد تشريف لهم وللنعمة التي انعم الله عليهم بها فهناك فرق بين هذه الاضافة واضافة النعمة الى الاسم الكريم او الى ضمير الجمع فان هذه الاضافة تدل على خصوصية في النعمة وفي الخطاب.

وهذا الفرق ملحوظ حتى في تعابير الملوك والشخصيات الدنيوية ايضا فان الملك اذا خاطب شخصا او قوما بقوله ان لك عندنا منزلة وقربا فانه يتبادر الى الذهن انه يتكلم بما هو رئيس القوم وان المنزلة والقرب انما هو لكل الشعب او أعضاء الحكومة اما اذا قال ان لك عندي منزلة وقربا فانه يعني شخصه.

ولعل توصيف النعمة بالتي انعمت عليكم للتخصيص بالنعم الخاصة بهم وهي كثيرة وتذكر النعم الخاصة بالشخص او بالقوم يثير في الانسان تذللا اكثر لانه يدل على عطف خاص من الله تعالى يستوجب شكرا اكثر.

ولعل في تذكيرهم بالنعم الخاصة بهم وباسلافهم وهي ايضا تعود اليهم جميعا حث لهم على الايمان بالرسالة الجديدة لان الذي كان يمنعهم من الايمان بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم هو الحسد كما قال تعالى (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا)[9] فان المراد بالذين يحسدون في هذه الآية اليهود كما يظهر بملاحظة ما سبقتها من الايات وفيها يذكرهم الله تعالى بانه انعم على كل آل ابراهيم بالكتاب والحكمة والملك العظيم وبنو اسرائيل منهم ايضا فلماذا تحسدون النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ما آتاه الله تعالى من فضله.

والمراد بالنعمة جنسها لا نعمة خاصة بعينها اذ لم يسبق ذكر لنعمة خاصة لتكون اشارة الى المعهود.

واستبعد بعضهم ان يكون المراد بها الجنس ولعله لمكان الاضافة ولكن الظاهر انه لا وجه له لان الاضافة لا تنافي ارادة الجنس. ومثله قوله تعالى (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ)[10] حيث عدّ بعد هذا القول ثلاث نعم لا نعمة واحدة فلا بد من حملها على الجنس وكذا قوله تعالى (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا..)[11] فان النعمة الواحدة لا تعدّ فالمراد بها الجنس ايضا.

والمراد ايضا ما يشمل النعم التي انعم الله بها على أسلافهم فان تلك النعم تعد نعما على الاخلاف ايضا اذ لولا تلك النعم ما كان للاخلاف نبوة ولا ملك ولا مجد بل لو لم يبق الاسلاف وكانوا يهلكون بعذاب يستأصلهم لم تولد الاجيال التالية ومن تلك النعم ما ابقى على حياتهم كانجائهم من بطش فرعون وهو يتعقبهم بجيوشه.

وقد عدّ الله تعالى بعض هذه النعم في موارد عديدة من كتابه العزيز وفي هذه السورة بالذات فمنها تخليصهم من فرعون وظلمه حيث كان يقتل ابناءهم ويستحيي نساءهم وفي ذلك بلاء عظيم ومنها انه تعالى فرق بهم البحر فكانت آية عظيمة لهم ولغيرهم ومنها انزال التوراة والشريعة وبعث موسى عليه السلام رسولا منهم وفيهم ثم تتابع الرسل من قومهم ومنها ايراثهم ملك المنطقة التي عاشوا فيها اذلاء قرونا من الزمان فاصبحوا ملوكا وغير ذلك مما سيأتي ذكره في الآيات التالية ان شاء الله تعالى.  

ومن الغريب ان هذا القوم افاض الله عليهم من النعم الجزيلة طيلة التاريخ اكثر من غيرهم ولكنهم عاندوا وكفروا بربهم وبشرائعه اكثر من غيرهم وبالطبع فان تخصيصهم بالنعم كان باستحقاق وذلك لوجود ميزة في جمع كثير منهم استحقوا به ان يكونوا انبياء مما يدل على طيب منبتهم فهم اولاد الانبياء السابقين ولكن المؤسف أن كثيرا من اولاد الصالحين بل المعصومين لم يتبعوا آباءهم.

وهذا من امتحان الله تعالى ومما يدل على اختيار الانسان وانه لا يتبع العوامل الوراثية او الاجتماعية او التربوية من دون اختيار بل يختار الطريق الذي يشاء فلا يُقبل من احد الاعتذار عن كفره بان ذلك نتيجة تربيته في بيئة كافرة.

 

وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ...

أمرهم تعالى بأن يوفوا بعهده وقوله (اوف بعهدكم) جزاء لشرط مقدر يدل عليه الامر بالوفاء بعهده تعالى اي ان اوفيتم بعهدي اوف بعهدكم. والايفاء إفعال من الوفاء وفي كتب اللغة انهما بمعنى واحد وفي العين ان الايفاء لغة تهامة وقيل ان الايفاء يدل على مبالغة في الوفاء.

ومهما كان فالوفاء في الاصل كما في معجم المقاييس وغيره بمعنى الكمال والتمام يقال درهم وافٍ وكَيل وافٍ والإيفاء بالعهد بمعنى إكماله وإتمامه وهو كناية عن عدم النقض والغدر وقد ورد التعبير عن الوفاء بالإتمام ايضا في القرآن الكريم قال تعالى (فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ..).[12]   

وقد مر الكلام حول معنى العهد في تفسير قوله تعالى (الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ..)[13] وقلنا ان الأصل فيه الاحتفاظ بالشيء وإحداث العهد به. ويطلق على الميثاق الذي يكون بين اثنين او اكثر كما يطلق ايضا على الوصية.

وقوله تعالى (بعهدي) يمكن ان يكون من الاضافة الى المفعول اي اوفوا بما عاهدتموني عليه اوف بما عاهدتكم عليه. ويمكن ان يكون المراد بعهدي اي بوصيتي فيشمل جميع الاوامر والنواهي التي أبلغها الله تعالى عن طريق رسله وكتبه. وهذا النوع من العهد يتعدى بـ (الى) كقوله تعالى (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ)[14] واما قوله (اُوف بعهدكم) اي بما تعهدت به لكم.

فعلى الاول في معنى عهده تعالى يشمل ذلك العهد الفطري الذي أشار اليه تعالى بقوله (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ).[15]

كما يشمل ما اخذه الله من العهود عن طريق البيعة مع رسله كقوله تعالى خطابا للمؤمنين (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا)[16] وكقوله تعالى (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِين * فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)[17] والاصر: العهد.

فهذا عهد وميثاق من الله تعالى مع جميع النبيين بأن يؤمنوا بالرسول الذي يأتي بعدهم. وهذا الميثاق وان كان مع النبيين الا ان المراد به الايصاء الى الامم لان النبي لا يبقى الى ظهور نبي اخر فالمراد انه يجب عليهم ان يامروا الامة بمتابعة النبي المتأخر.

 ويشمل هذا العهد بني اسرائيل ايضا وهذا يناسب مخاطبتهم في عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ليكون تذكيرا لهم بأن يؤمنوا به كما تعهدوا بذلك عن طريق بيعتهم مع الرسالة الالهية التي جاءتهم.

وكان الانبياء يعملون بهذا العهد ويبشّرون الناس بظهور النبي الجديد كما ورد في قوله تعالى نقلا عن سيدنا موسى عليه السلام (وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).[18]

وقال تعالى (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ..)[19]

وهناك عهود ومواثيق خاصة ببني اسرائيل ذكرها الله في مواضع عديدة من الكتاب العزيز وسيأتي في هذه السورة المباركة بعض تلك المواثيق مع الاشارة الى نقضهم للعهد قال تعالى (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ * ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ..).[20]

ولعل أنسب تلك المواثيق بسياق الآيات وبمناسبة حثّهم على الايمان بالرسالة الجديدة ما ورد فيها النهي عن كتمان الحقائق الموجودة في التوراة مما يرتبط بالرسالة ومنها اوصاف الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مما كانوا يتعمدون إخفاءها قال تعالى (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ).[21]

ومنها قوله تعالى (وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ * فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ).[22] وغير ذلك من الآيات.

وهناك ايات تندد بكتمانهم كقوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)[23] وقوله تعالى (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ).[24]

وعلى المعنى الثاني من العهد يشمل كل ما اوصى به الله تعالى في كتبه وعن طريق رسله من الاحكام والشرايع بما في ذلك لزوم اطاعة كل رسول في عهده.

واما عهده تعالى اي ما تعهد به فهو الجزاء سواء في الدنيا ام في الآخرة والله تعالى قد تعهد بامور لعبيده منها استجابة دعائهم قال تعالى (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)[25] وقال ايضا (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)[26] ومنها قبول توبتهم قال تعالى (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ..)[27] ومنها مواعيد الجزاء في الآخرة وهي كثيرة.

وهناك عهود من الله تعالى في الخطاب الخاص ببني اسرائيل منها ما مر آنفا من قوله تعالى (لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ..).[28]

وكذلك قوله تعالى (فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)[29] فان الفلاح في الاخرة هو ما يصل اليهم من ثوابه تعالى ورحمته ومنها ايضا ما وعدوا به في الدنيا من النصر على الاعداء ومن تمكينهم من الارض المقدسة ونحو ذلك مما ورد في الكتاب العزيز ولعله ورد في كتبهم ايضا.

ثم إن الخطاب في قوله تعالى (واوفوا بعهدي..) وان كان موجها لبني اسرائيل الا انه لا شك ان الحكم لا يختص بهم بل يشمل كل البشر فهذا قرار الهي عام وشامل وحاكم على كل ما وعده الله تعالى وتعهد به للانسان فاذا لم يف الانسان بما عاهد الله به فلا يحق له ان يطالب بما وعده الله.

ولذلك ورد في الروايات الاستشهاد بالآية الكريمة في موارد اخرى.

فقد ورد في تفسير القمي عن أبيه عن محمد بن أبي عمير عن جميل عن أبي عبدالله  عليه السلام (قال له رجل جعلت فداك ان الله يقول "ادعوني استجب لكم" وانا ندعو فلا يستجاب لنا قال لأنكم لا تفون الله بعهده وان الله يقول "أوفوا بعهدي أوف بعهدكم" والله لو وفيتم لله لوفى الله لكم).[30]

وروى الكليني رحمه الله بسند معتبر عن سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام (في قول الله عز وجل "وأوفوا بعهدي" قال بولاية أمير المؤمنين عليه السلام "أوف بعهدكم" أوف لكم بالجنة).[31]

 

وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ...

الرهبة: الخوف والظاهر انها خوف خاص قال العسكري في الفروق اللغوية (الرهبة طول الخوف واستمراره) وقال الراغب في المفردات (مخافة مع تحرز واضطراب).

والنون المكسورة تدل على ياء محذوفة اي (فارهبوني) وتقديم الضمير المنفصل للدلالة على الحصر اي لا تخافوا غيري. والفاء مما اختلف فيها النحاة فقال بعضهم انها زائدة وقال بعضهم انها تدل على شرط محذوف اي (واما اياي فارهبون) او (ان كنتم ترهبون شيئا فاياي ارهبوا).

وقيل ان هذا الفعل يدل على فعل محذوف والتقدير وارهبوا إياي ولا يجوز ان يكون منصوبا بالفعل المذكور لانه نصب الضمير المتصل.

وبناءا على كون المراد بالعهد ما اخذ عليهم من المواثيق ان لا يكتموا آيات الله تعالى فلعل التأكيد على الخوف من الله وعدم الخوف من غيره للاشارة الى ان ما يحملهم على الكتمان بل الكذب والانكار انما هو الخوف من عواقب ذلك في الدنيا حيث انه يستوجب على علمائهم وحملة كتبهم ان ينزلوا عن عروش الرئاسة ويكونوا كعامة الناس من امة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وبذلك يخسرون مراتبهم في القوم ويخسرون اموالهم التي جمعوها من تضليل الدهماء وكذلك تخوّفهم من اضطراب مجتمعهم وتفرقهم فالله تعالى يقول لا تخافوا غيري فالامر كله بيدي.

وينبغي التنبه الى ان الخوف غالبا في هذه الحالات من تفرق الناس لان الذي يجمعهم على الباطل هو هذا التلاحم الاجتماعي ومن هنا فان الوحدة بنفسها ليست مطلوبة ولا مصلحة فيها قال تعالى نقلا عن سيدنا ابراهيم عليه السلام (وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا..)[32] وانما المطلوب التجمع على محور الحق قال تعالى (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا..).[33]

بل ان الله تعالى بعث الانبياء ليفرقوا الناس عن الباطل الذي اجتمعوا حوله قال تعالى (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ..)[34]  وبالطبع ما كان الناس ليؤمنوا باجمعهم فكانت الاسر تتفرق ويقتل بعضهم بعضا كما حدث في صدر الاسلام فكان المؤمن في جيش الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يقتل اخاه في جيش المشركين.

 

وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ...

شروع في دعوتهم الى الايمان بالرسالة الجديدة وبالكتاب المنزل. ولم يذكره بالاسم بل بصفة كونه منزلا من عند الله تعالى فان هذه الصفة هي التي تقتضي من المؤمن بالله تعالى ان يؤمن بالكتاب مع العناية بالاتيان بضمير المتكلم المفرد وكأنه تعالى يكلمهم مباشرة وهذا يدل على غاية الاهتمام بايمانهم.

ووصفه ايضا بأنه مصدق لما معهم من اصول العقائد والاحكام الاساسية وهم يعلمون ذلك جيدا وقد أكد في القران وحدة الشرائع في خطوطها الاساسية بقوله تعالى (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ..).[35] ولا تعني الآية أن القرآن يصدّق كل ما في كتبهم حتى ما فيها من تحريف الحقائق بل يصدّق ما فيها من اصول العقيدة والاحكام الاساسية.  

ثم نهاهم عن الكفر بالقرآن. والاتيان بالوصف المفرد في قوله (اول كافر) لعله باعتبار كونه وصفا للفريق اي لا تكونوا اول فريق كافر به او بمعنى أن لا يكون أول فرد كافر به من بينكم.

والملفت في الآية نهيهم عن أن يكونوا أول كافر به مع أن المشركين من العرب سبقوهم الى الكفر وهناك وجوه مذكورة في التفاسير لتوجيه هذا التعبير ولا شك ان المنهي عنه هو اصل الكفر ولا يختلف في ذلك ان يكونوا اول الكفار او آخرهم الا انه حيث كان الغرض حثّهم على الايمان به اعتبرهم اول كافر ليكون وازعا عن كفرهم.

ولعل السر في هذا التعبير هو انهم اول كافر عارف بقدر الرسالة بسبب ما عندهم من الآيات الواضحة كصفات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وموافقة الشريعة لاصول شريعتهم وغير ذلك فليس كفرهم ككفر المشركين فان ذلك ينشأ من جهلهم بالحقائق واما هؤلاء فان كفروا به فليس ذلك الا من عناد.

وفي الميزان ان المراد لا تكونوا اول كافر من بين اهل الكتاب او من قومكم اي لا تسبقوا الاجيال الاتية من قومكم بالكفر. وما ذكرناه اولى.

وقيل انه كناية عن ان المتوقع منهم ان يكونوا اول من يؤمن به وقيل اي لا تكونوا في عداد اول الكافرين وهم المشركون اذ لا ينبغي لهم وهم اهل علم وكتاب ان يكونوا كاتباع الجاهلية وقيل المراد ان لا يبادروا الى الكفر وقيل غير ذلك مما هو اضعف من الوجوه المذكورة. 

والاشتراء مطاوعة الشراء وهو البيع والمراد معاوضة الشيء بالشيء وهذا تعريض بهم وليس نهيا فان قبح هذا الفعل واضح لا يحتاج الى تشريع فالايات التي نزلت عليهم من الله تعالى يجب ان يحفظوها ويعظموها ويتبعوها متابعة حرفية ويعرفوا قدرها ويذكروا هذه النعمة ويشكروا الله عليها ولكنهم تركوها واستبدلوا العمل بها بالتكسب بالدنيا وهو الثمن القليل وهذا ما اشرنا اليه سابقا من ان علماءهم لم يؤمنوا بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم مع اعتقادهم بان ما جاء به هو الحق لئلا يفقدوا شأنهم وموقعهم الاجتماعي في قومهم.

والكلام في قوله تعالى (وإيّاي فاتّقون) كالكلام في قوله (واياي فارهبون) وتعقيب استبدالهم حطام الدنيا بآيات الله يدل على ما مرّ من هذا الحصر المستفاد من تقديم المفعول للاشارة الى انه لا ينبغي لكم ان تخافوا شيئا وتتقوا امرا الا الله تعالى فلا تخافوا فوت الدنيا واموالها وزخرفها ورئاستها.

 

وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ...

اصل اللبس الستر ومنه ما يلبسه الانسان من الثوب. والباء للتعدية اي لا تستروا الحق بالباطل وذلك بان يظهروا الباطل ويقولوا انه هو الحق. وهذا ما كان يفعله علماء اليهود في بيان الحقائق التي نزلت في التوراة بشان الرسالة الجديدة والرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم.

ويمكن ان يكون اللبس بمعنى الخلط وهو مما يلزم به الستر اي لا تخلطوا الحق بالباطل وهذا ايضا كان من اساليبهم وهو اسلوب متداول دائما في كل من يريد اخفاء الحق فانه لا يقول الباطل محضا بل يخلطه بشيء من الحق فيشتبه الامر على الناس.

قال امير المؤمنين عليه السلام على ما في نهج البلاغة (إِنَّمَا بَدْءُ وُقُوعِ الْفِتَنِ أَهْوَاءٌ تُتَّبَعُ وَأَحْكَامٌ تُبْتَدَعُ يُخَالَفُ فِيهَا كِتَابُ اللَّهِ وَ يَتَوَلَّى عَلَيْهَا رِجَالٌ رِجَالًا عَلَى غَيْرِ دِينِ اللَّهِ فَلَوْ أَنَّ الْبَاطِلَ خَلَصَ مِنْ مِزَاجِ الْحَقِّ لَمْ يَخْفَ عَلَى الْمُرْتَادِينَ وَلَوْ أَنَّ الْحَقَّ خَلَصَ مِنْ لَبْسِ الْبَاطِلِ انْقَطَعَتْ عَنْهُ أَلْسُنُ الْمُعَانِدِينَ وَلَكِنْ يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا ضِغْثٌ وَمِنْ هَذَا ضِغْثٌ فَيُمْزَجَانِ فَهُنَالِكَ يَسْتَوْلِي الشَّيْطَانُ عَلَى أَوْلِيَائِهِ وَيَنْجُو الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ الْحُسْنى).[36]

قيل بان التوراة كانت تشتمل على التحذير من الرسالات المزيفة كما كانت تشتمل على التبشير بالرسالة الحقة وهي رسالة الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم فكان علماؤهم يطبقون التحذير الوارد في التوراة على الرسالة المجيدة بغيا منهم وحقدا.

وقوله (وتكتموا) عطف على (تلبسوا). اي ولا تكتموا الحق وانتم تعلمون فان الكتمان قد يكون من جهل اما الكتمان مع العلم فهو الجريمة بحق البشرية وبحق العلم وجريمة في الدين. ويمكن ان يكون منصوبا بتقدير ان وتكون الواو بمعنى (مع) اي لا تلبسوا الحق بالباطل مع كتمان الحق بمعنى الجمع بينهما وهما بالطبع متلازمان فيكون من باب التاكيد على قبح فعلهم باعتبار انه يستلزم كتمان الحق.

 

وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ...

انتقل الى الامر بالفروع بعد وعظهم وامرهم بالايمان ولعل الوجه ان الصلاة اذا كانت بالنية الخالصة تمنع من ترجيح العمل بالاهواء وترك العمل بالواجب في الامور المهمة كاعلام الحقائق للناس المحتاجين اليها. ويبدو منه ان ما كان ينقصهم في الواقع هو الفساد المنتشر بينهم الذي كان يمنع من اهتمامهم بالاصول الثابتة. وهكذا طبيعة الانسان فانه اذا فسق في اعماله وطريقة معاشه وترك التوجه الى الله تعالى فانه يستهين تدريجا بالعقائد الحقة وربما يصل الى حد الكفر بالله تعالى.

والامر هنا بدأ باقامة الصلاة. ولعلها ليست بمعنى اصل العمل بالصلاة بل الاقامة بمعنى العمل بها تامة كاملة مع كل ما يدخل في قبولها عند الله تعالى. وقد ورد في الحديث انه تعالى لا يقبل من الصلاة الا ما كان العبد فيه مقبلا عليه بقلبه واما ما كان غافلا فيه وقلبه مشتغل بامور اخرى كما هو الغالب في صلواتنا فانها مردودة. وفي الحديث ايضا ان الله شرع النوافل ليكمل العبد ما ينقص من فرائضه. [37]

ويمكن ان يكون المراد باقامتها ــ مضافا الى الاهتمام باتيانها والمحافظة على اوقاتها وشروطها ــ نشرها والاهتمام بها وبمواقيتها وبناء المساجد وحث الناس على التجمع لها واقامة الجماعة في المجتمع ونحو ذلك.

واما الزكاة فلا يراد بها الزكاة المصطلحة بل القران يعبر عنها بالصدقة وانما المراد كل انفاق مالي في سبيل الله تعالى فتشمل الزكاة المصطلحة والخمس والصدقات المستحبة ومساعدة المحتاجين وبناء المصالح العامة كالمدارس والمستشفيات ونحوها والانفاق في الجهاد في سبيل الله تعالى وغير ذلك.

واما الامر بالركوع مع انه جزء من الصلاة فيمكن ان يكون المراد به الصلاة بذاتها وانما كرر الامر بها للاشارة الى رجحان كونها مع الراكعين بمعنى اقامة الصلاة جماعة او للاشارة الى انه ينبغي للمصلي أن لا يعتبر نفسه منفردا بالصلاة فيعجب بصلاته بل يراها ضمن صلوات المصلين. وقد تكرر مثل ذلك في القران كما ورد في خطاب الملائكة لمريم عليها السلام (يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ).[38]  

وقيل ان الغرض من هذه الجملة التعريض بصلاتهم المحرفة حيث انها لا تشتمل على الركوع وهذا بحاجة الى تحقيق.

 

أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ...

استفهام انكاري موجّه الى علماء اليهود وأحبارهم ولكنه حكم عام لا يخصهم بل يشمل كل الخطباء والعلماء بل كل الناس فان الامر بالبر لا يختص بالعلماء.

والبر معروف اجمالا وهو فعل الخير والاحسان ولكن كتب اللغة لم تحدد معناه بدقة واختلفت كلماتهم في تفسيره فقد فُسّر بالصدق والطاعة والاحسان والصلاح وخلاف العقوق ونحو ذلك وفي موارد استعماله ما لا يناسبه شيء من ذلك كقولهم حجّ مبرور. ولعله من الصدق بمعنى أن يكون الحاجّ صادقا في تعهده والتزامه بترك محرمات الاحرام.

والنسيان فسر بالترك وبخلاف الذكر او الاغفال للشيء فعلى الاول المعنى واضح اي لا تأمرون انفسكم او لا تأتمرون بما تقولون وعلى الثاني اي تغفلون عن انفسكم في تطبيق ما تذكرون والا فالانسان لا ينسى نفسه.

وبعض اللغويين اعتبره اصلا واحدا. ومهما كان فالمعنى واضح ومصاديقه كثيرة بل ربما ينطبق على اكثر الناس فان الامر بالبر يصدر من كل احد لمن هو دونه بل لمماثله وهو بالفعل في كثير من الحالات لا يفعل البر او يتهرب منه.

واذا كان البر بمعنى الصدق في كل شيء فقلما تجد الانسان صادقا فاذا اظهر حبه واخلاصه لاحد فلا بد من ان يكون صادقا فيه ويساعده في موارد حاجته ويدافع عنه في غيابه واذا اظهر لله انه عبده فيجب ان يكون صادقا في طاعته له واجتناب معاصيه واذا اظهرنا حبنا وولاءنا للرسول صلى الله عليه وآله وسلم ولاهل بيته عليهم السلام وخصوصا لصاحب الامر عجل الله فرجه فيجب ان نكون صادقين في ذلك نتبع سيرتهم وتعاليمهم ونقيم شعائرهم بحيث يظهر اثر المتابعة واضحا في افعالنا. وهكذا...

وقوله (وانتم تتلون الكتاب) جملة حالية اي كيف تنسون انفسكم وانتم تتلون الكتاب والتلاوة في الاصل بمعنى المتابعة (تلاه) اي تبعه وتطلق التلاوة على القراءة باعتبار أن القارئ يتبع المقروّ جملة جملة قال ابن دريد في الجمهرة (تلوت القرآن اذا قرأته كأنك اتّبعت آية في إثر آية).

والمراد بالكتاب التوراة ولذلك قلنا بان الخطاب موجّه مباشرة لعلمائهم فانّ عامّتهم ما كانوا يتلون الكتاب. وهذا التخصيص باعتبار ان الغرابة تزيد مع كون الآمر الناسي لنفسه عالما بفظاعة فعله فليس كالجاهل. واليوم حيث انتشر العلم واصبح كل الناس قادرين على القراءة ينطبق العلم والتلاوة على الجميع او الغالب فالكل يعلم فظاعة هذا الامر ويتلو الكتاب.

ومعنى هذا الخطاب والاستغراب انكم تتلون الكتاب ولا تتاثرون به لان الكتاب يمنع من ذلك كما ان بعض من يتلو القران لا يتاثر به وقد ورد في الحديث النبوي (رُبَّ تال للقرآن والقرآن يلعنه).[39]

وهذا أمر يستقبحه العقل فلا حاجة الى دليل لاثبات فظاعته, والمراد بالعقل ما يتفق فيه العقلاء ولذلك عقب الاستنكار بقوله (افلا تعقلون) ولم يقل افلا تتقون ونحوها فالعقل الاجتماعي يعتبر هذا الامر مستنكرا فظيعا.

وفي نهج البلاغة عن امير المؤمنين عليه السلام (أيها الناس إني والله ما أحثكم على طاعة إلا وأسبقكم إليها ولا أنهاكم عن معصية إلا وأتناهى قبلكم عنها)[40]

وفي الكافي الشريف باب في من وصف عدلا وعمل بغيره وفيه عدة روايات منها صحيحة ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله عليه السلام قال (إن من أعظم الناس حسرة يوم القيامة من وصف عدلا ثم خالفه إلى غيره).

وروى فيه ايضا بسند معتبر عن خيثمة قال قال لي أبو جعفر عليه السلام (أبلغ شيعتنا أنه لن يُنال ما عند الله إلا بعمل وأبلغ شيعتنا أن أعظم الناس حسرة يوم القيامة من وصف عدلا ثم يخالفه إلى غيره). [41]

والوجه في كونه أعظم حسرة انه يجد اناسا دخلوا الجنة بقوله ووعظه وارشاده وهو في النار ويراه الناس ويسخرون منه هذا الذي امرنا بكذا وكذا.

وليس المراد ان الانسان يترك الامر بالمعروف والنهي عن المنكر لانه لا يعمل بما يقول فانه يترك بذلك واجبا من اهم الواجبات بل يجب ان يقول ليكون ذلك حافزا له على العمل بالمعروف وترك المنكر فمن الخطأ الذي يرتكبه بعض الناس انه لا يصلح ظاهره بعذر انه لا يحب ان يكون كمن يظهر الصلاح وهو فاسد كما نراه منتشرا فيمن يحلق لحيته مدعيا بانه لا يحب ان يكون ظاهره صالحا وباطنه فاسدا فالطريق الصحيح هو اصلاح الظاهر والباطن. واصلاح الظاهر قد يكون بنفسه وازعا عن المنكر.

كما نسمع بعض الناس لا يؤمّ الاخرين في الجماعة لانه لا يريد ان يظهر نفسه بمظهر الانسان العادل ولكن الدين يطلب من المؤمن ان يكون ظاهره صالحا محسنا ليحاول ان يكون باطنه اصلح واحسن.

 

وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ...

الامر هنا وان كان متوجها الى بني اسرائيل ولكن الحكم عام لانه يتبع سنة من سنن الله تعالى في الكون وهي لا تتبدل ولا تختص بقوم ولا بزمان ومكان. والاستعانة طلب المعونة وبالطبع لا تكون الا فيما لا يستطيع الانسان انجازه لوحده والناس عادة يتوسلون بالاهل والاصدقاء لتنفيذ ما يهمهم شأنه مما لا يتمكنون منه بمفردهم.

ولكن هذه الاية تنبه الانسان ان من سبل تكامله ان لا يعتمد على غيره مهما امكن ولا شك ان الاستعانة بالغير قد تكون ضرورية خصوصا فيما يحتاج الى خبرة وعلم ولكن كثيرا من الامور يمكن للانسان انجازها بمفرده ولكنه يحتاج الى امرين للقيام به: الاعتماد على النفس والتوكل على الله تعالى.

والصبر حبس النفس على ما تكره مع الرضا والتسليم إمّا لمقاومة عدوّ في الحرب او لمقاومة نفسه في شهوة او غضب او طمع، او لالزامها على طاعة وعبادة، او ترك معصية، طلبا للثواب، ودرءا للعذاب، او لتحمّل مصاب لا يمكنه دفعه كفقدان عزيز وتلف مال. والصبر هنا بمعنى ترك الجزع وعدم التكلم بما لا ينبغي.

ومهما كان فالصبر يعود الى اعتماد الانسان على نفسه فصبر الفقير او المريض ليس بمعنى تحمله لما نزل به فانه امر لا مفر منه ولا حيلة له فيه ولا يعتبر ذلك كمالا للانسان بل الصابر هو الذي يرضى بحالته التي هو عليها ولا يبدي سخطا ولا يشكو حاله الى احد فيما لا يمكن حله بالرجوع الى الغير فهذا هو الصبر الممدوح وهو الذي يوجب تكامل الانسان وتعالي نفسه وقوته الذاتية واما ان يتحمل الانسان حاله او الظلم الواقع عليه او مرضه ولا يحاول علاج الموقف فليس ممدوحا.

واما الصلاة فهي قمّة التوجه الى الله تعالى والتوسل به وهو القوي العزيز الذي لا يخيب من رجاه وهو القادر على كل شيء فاذا اخلص الانسان قلبه لربه ووثق به وتوكل عليه فهو يكفيه. قال تعالى (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ)[42] وقال ايضا (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ)[43] والانسان المعتمد على ربه والواثق به والعارف بانه لا ياتيه شيء الا من قبله وانه هو الضارّ النافع وانه لا ياتيه بشيء الا ما هو الاصلح لحاله فانه يكون مطمئنا وراسخا في عزيمته.

وينبغي التوجه الى ان التوكل على الله تعالى لا ينافي الاعتماد على النفس وانما يعتمد الانسان على نفسه في مقابل غيره من البشر ويعتمد على نفسه كقوة ذاتية ويعتمد على نفسه بان لا يتزلزل ولا يضطرب في مواجهة الحوادث وهذا الامر ينفعه ماديا حتى لو لم يتوكل على الله تعالى فالانسان الكافر او بصورة عامة من لا يعتمد الا على نفسه وقواه الذاتية فانه ايضا يحصل على كثير من مقاصده بفضل ذلك.

والفرق بينه وبين المؤمن المتوكل على ربه من جهتين:

الاولى ان الله تعالى ربما يوفق المؤمن لمعرفة ما يحتاج اليه للوصول الى مقاصده كما انه بلطفه الخفي يرفع الموانع عنه فان الانسان مهما كان لا يعلم كل ما يجب ان يفعل او يترك لكي يحقق مقصده.

والثانية ان المؤمن مستريح نفسيا حتى لو لم ينل ما يريد فالانسان ليس دائما ينال ما يريد مهما كان قويا وخبيرا فهناك موانع تمنع من تحقق رغباته والمؤمن لا تضعف عزيمته بذلك ولا يشعر بالخيبة والخسران لانه واثق من أنّ ربه لا يأتيه بامر الا ما هو الاصلح لحاله.

والخطاب هنا ناظر الى حالة علماء بني اسرائيل فانهم كانوا يعيشون اضطرابا نفسيا من جهة وجوب الافصاح عن الحق الذي يعلمون به وفقا لما في كتبهم من ان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هو الرسول الموعود وان الحق معه وان الايمان به جزء من الايمان بالله وبرسالة السماء وهم من جهة اخرى يخافون على موقعهم الاجتماعي من الضياع بل يخافون على مجتمعهم من التشتّت والتفرق فكان الطريق الصحيح للتخلص من هذه الأزمة هو الاستعانة بالصبر على المكروه والتوكل على الله تعالى واللجوء الى الصلاة له والتضرع لديه بأن يظهروا الحق ولا يخافوا تبعاته الاجتماعية مهما كانت.

والانسان في حياته كثيرا ما يبتليه الله تعالى ويمتحنه بمصلحة دنيوية قريبة منه وربما يتصور انه رزق من الله تعالى بينما هو ابتلاء. فربما يحصل على وظيفة في الدوائر الحكومية او في مؤسسة مالية كالبنك تدرّ عليه بمال كثير ولكنه يسأل عنه فيعلم انه حرام او محل اشكال في الشرع مع ان تخصصه لا يفيده الا في هذا المجال وامثاله فكيف يترك؟

الطريق الصحيح أن يصبر على هذا المكروه ويتوكل على الله ويطلب منه ان يبدله باحسن منه والله تعالى يقول (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ)[44] وربما لا يكون هذا المورد دارّا عليه بمثل الاول الا انه يحتسب في ذلك ثواب الاخرة.

وهذا الامتحان بلاء عظيم والله تعالى يذكر في كتابه كيف امتحن بني اسرائيل قال تعالى (وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ)[45]

وقال ايضا في امتحان المسلمين (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ).[46]

والحاصل أن الصبر الذي ينفع الانسان اذا استعان به بمعنى الثبات والاستقامة والاعتماد على النفس وعلى قدرته الذاتية لا بمعنى تحمّل المشاقّ فحسب والمراد بالاستعانة بالصلاة التوكل على الله تعالى وطلب المعونة منه.

وهناك روايات حول هذا الموضوع ففي كتب العامة حديث عن حذيفة قال (كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا حزّ به أمر فزع إلى الصلاة).[47] حزّ به اي نزل به امر شديد.

وفي الكافي الشريف بسند معتبر عن أبي عبد الله عليه السلام قال : (كان علي عليه السلام إذا هاله شيء فزع إلى الصلاة ثم تلا هذه الآية واستعينوا بالصبر والصلاة).[48]

 

وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ...

اختلفوا في الضمير في قوله (وانها) هل يعود الى الصلاة ام الى الاستعانة ام الى كل ما مر من الامر ببيان الحقائق الموجودة في كتبهم والاعتراف بالرسالة وعدم الاهتمام بما يتعقبه من الخسارة الدنيوية.

ولكن الظاهر المناسب للخشوع انه يرجع الى الصلاة اما الرجوع الى الاستعانة فانها بالنسبة الى الصلاة لا يختلف المعنى وبالنسبة الى الصبر لا يختص بالخاشعين كما ان ارجاعه الى كل ما تقدم ايضا لا يناسب الخشوع.

والكبيرة بمعنى انها صعبة وثقيلة على الانسان كما قال تعالى (كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ)[49] والخشوع: الخضوع والتذلل. والآية التالية تفسر المراد بالخاشعين.

وهناك من يقول بان الخشوع خاص بالجوارح او انه الاكثر استعمالا مع ان الخشوع ورد في القران في الصوت قال تعالى (وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا)[50] وفي الميزان ان الخضوع خاص بالجوارح والخشوع بالقلب مع انه ورد في القران (خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ)[51] وفي الحديث (من خشع قلبه لله عزوجل خشعت جوارحه).[52]

انما الكلام في السر في كون الصلاة ثقيلة على الناس وهو امر مشهود بوضوح فان اكثر الناس يستثقلون الصلاة مع انها ليست بظاهرها امرا صعبا ولا تاخذ وقتا كثيرا فتجد اكثر الناس يتباطأون عن الصلاة واذا صلى أحدهم يستعجل فيها ويحذف منها كل ما يمكن حذفه وهذا شأن النفاق قال تعالى (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ)[53] فلا ينبغي للمؤمن ان يكون كذلك وتجده ايضا يقتصر على الفريضة اما النافلة فتجد اكثر المؤمنين يستثقلونها ويتركونها مع كل ما ورد فيها من الامر وانها تكمل الفريضة وغير ذلك.

إنّه لأمر غريب!! ماذا اوجب استثقال الصلاة؟!

يقول في الكشاف: (ان السبب ما يجب فيها من إخلاص القلب، وحفظ النيات، ودفع الوساوس ومراعاة الآداب، والاحتراس من المكاره مع الخشية والخشوع، واستحضار العلم بأنه انتصاب بين يدي جبار السماوات).

ولعل مقدمات الصلاة من الطهارة ومراعاة الاحكام الخاصة أدعى للاستثقال. ولكن هذا السبب وكذا ما ذكره في الكشاف لا ياتي في الاستعجال بها ومحاولة التخلص منها بسرعة بل نسمع من كثير من المهتمّين بها انهم يشكرون الله اذا انتهوا منها لا لانه وفقهم لها بل لانهم تخلّصوا منها وربما يتنفس بعضهم الصعداء اذا انتهى منها كانه وضع من ظهره حملا ثقيلا.

ولعل اكثر الناس يستثقل هذا التقيد بان لا يتكلم مع احد ولا ينظر يمينا وشمالا ونحو ذلك ويمكن ان يكون المراد انها بما فيها من القيود الواقعية كالاقبال والتوجه ثقيلة وصعبة ولذلك استثنى الخاشعين لا مثل هذه الصلوات الفارغة ولكن الواقع ان هذه الصلوات الفارغة ايضا ثقيلة على الناس ولعل السر فيه انه يعلم ان لا فائدة تعود اليه من صلاته فيتكاسل فيها.

واثقل شيء في الصلاة الكاملة التوجه التام والاستشعار بانه امام رب العالمين بحيث لا ينتقل ذهنه الى امر اخر فان هذا قد يكون مستحيلا لاكثر الناس بل حتى للخواص منهم وان من اهم الرياضات النفسية تركيز الذهن على امر واحد مهما كان ويقال بان ذهن الانسان كالعصفور لا يستقر على مكان فان تمكّن الانسان من تركيز ذهنه في شيء واحد لحظات فانه يحصل على قوة خارقة للعادة.

وفي الكشاف ان من هذا القبيل قوله تعالى (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا)[54] بل في مطلق العبادة كما قال (فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ)[55] ولكن الظاهر ان الامر المتوجه في ذلك الى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من جهة مخالفة المشركين ومحاربتهم لصلاته. 

واما الخاشعون فلا يستثقلون الصلاة لانهم يعرفون قدرها وانها هي التي تنهى عن الفحشاء والمنكر وهي التي تربطهم بربهم وكلما زاد الانسان خشوعا زاد تعلقه بصلاته حتى تكون قرة عينه كما في الحديث النبوي صلى الله عليه وآله وسلم على ما اشتهر وتكون فيها راحته.

 

الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ...

يظهر من هذا التوصيف السر في خشوع الخاشعين فهم يخشعون لله ويتذللون له لانهم يظنون انهم سيلاقونه. واللقاء له معنى واضح الا انه بهذا المعنى لا يمكن بالنسبة الى الله تعالى اذ لا تمكن المواجهة والرؤية فهو اما أن يكون بمعنى الرجوع الى الله تعالى للحساب فتكون الجملة التالية مفسرة لهذه الجملة او يكون اللقاء كناية عن الحضور لديه تعالى مع الاحساس التام بوجوده فان الانسان لا يشعر بالاشياء الا عن طريق الحواس. وهذا الشعور في معرض الخطأ وهناك شعور بالشيء بمباشرة الروح له وهو امر يقيني لا يدخله ادنى شك ولا سبيل لنا في هذا العالم اليه الا بالنسبة لانفسنا فالانسان يشعر بوجوده لا لانه يراه ولا لانه يسمع صوته او يلمسه بل هو يشعر بنفسه شعورا ذاتيا من دون واسطة.

وهكذا الشعور الروحي فاذا مات الانسان وزال عنه الغطاء يشعر بكل ما في الكون بهذا الشعور قال تعالى (لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ)[56] وهناك فرق بين كشف الغطاء عن الحقائق التي يحاول الانسان الوصول اليها وبين كشف الغطاء عنه فاذا كشف الغطاء عنه يدرك كل الحقائق بادراك اقوى من الرؤية البصرية واللمس.

انما الكلام في وجه التعبير بالظن مع ان المطلوب هو اليقين كما قال تعالى في بداية هذه السورة (وبالاخرة هم يوقنون) فهنا وجوه لتعليل ذلك:

الوجه الاول : ما اعتمده اكثر المفسرين حيث فسروا الظن بالعلم وورد ذلك في بعض الاحاديث ففي حديث طويل عن امير المؤمنين عليه السلام في معنى الاية (يعني يوقنون أنهم يُبعثون ويُحشرون ويُحاسبون ويُجزَون بالثواب والعقاب فالظن ههنا اليقين خاصّة).[57]

وفي تفسير العياشي عن أبي معمر عن علي عليه السلام في قوله "الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم" يقول (يوقنون انهم مبعوثون والظن منهم يقين).[58]

وهناك بعض الايات لا يمكن حمل الظن فيها الا على اليقين كقوله تعالى (وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً)[59] اذ لا يبقى احتمال انهم لا يواقعونها كما يتبين من قوله تعالى (ولم يجدوا عنها مصرفا).

وكقوله تعالى (وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا..)[60] فان هذه الاية في قصة الثلاثة الذين تخلفوا في غزوة تبوك ثم تابوا ومن الطبيعي انهم كانوا يعلمون ان لا ملجأ من الله الا اليه.

الوجه الثاني: ان المراد بالظن التوقع والترقب وهو معنى مناسب للظن ولكن المراد باللقاء لقاء خاص يتجلّى فيه الرب للمؤمنين المخلصين ولعله المراد بقوله تعالى (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)[61] ولا نعلم حقيقة هذا التجلّي لو صحّ التفسير. وهذا الوجه ورد في التفسير المنسوب الى الامام العسكري عليه السلام. وهو وجه وجيه في حد ذاته وان لم يصح اسناد الكتاب الى الامام عليه السلام.

الوجه الثالث: انهم يظنون انهم ملاقو ربهم بذنوبهم فليس المراد اصل اللقاء بل لقاء خاص ايضا وهذا اللقاء مما يخاف منه ويحذر فيكون معنى الظن الخوف والحذر. والخاشعون وان كان بعضهم من المعصومين ولا يذنبون ولكنهم يرون انفسهم في قبال حقه تعالى مذنبين اذ لا يمكن لاحد ان يؤدّي حقه وكلما كان الانسان اقرب اليه تعالى كانت نعمته عليه اكثر واوسع وحقه اعظم واكبر.

الوجه الرابع: انهم وان علموا باللقاء بمعنى انهم اذا ماتوا يرتفع عنهم الحجاب فيرون ربهم رؤية القلب ولكنهم يظنون ان اللقاء يكون قريبا فيخشعون ويخافون من ذلك فالظن لا يتعلق باصل اللقاء بل بقربه.

الوجه الخامس: ما ورد في الميزان ان الظن بمعنى الاحتمال الراجح كما هو المصطلح وان السر في التعبير به هو ان اول مرحلة حصول الخشوع للانسان في مثل هذا الامر هو رجحان الاحتمال واستشهد بقوله تعالى (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا)[62] فيكفي في لزوم العمل الصالح رجاء اللقاء.

الوجه السادس: ان الظن بمعنى مجرد الاحتمال وان لم يكن راجحا والمراد باللقاء هو الرجوع الى الله تعالى يوم الحشر والسر في التعبير بالظن التعريض باليهود بانهم لا يظنون اللقاء ولا يحتملونه فهم مقتنعون بانه لا يوجد حشر ولا حساب.

ويؤيد الوجه الاخير أنّ المعنى في اصل اللغة ليس هو الاحتمال الراجح كما اشتهر بل فسّر الظن في اكثر كتب اللغة بالتهمة وفي معجم المقاييس انه بمعنيين اليقين والشك. ولعله في بعض مواضع القرآن بمعنى الاحتمال الذي لا يدعمه دليل كما ذكره سيدنا الاستاد دام ظله[63] في المباحث الاصولية.

ومهما كان فان مجرد الاحتمال يكفي ليمنع الانسان من ارتكاب المآثم خصوصا في ما ارتكبه علماء اليهود من تحريف الحقائق وكتمان الحق وخلط الحق بالباطل فانه اعلام حرب مع الله تعالى لا يقوم به الا من هو واثق من انه لا يوجد حشر ولا حساب فكأنهم لا يظنون به بمعنى انهم لا يحتملونه حتى احتمالا ضعيفا.

 

وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ...

قد مر ان هذه الجملة ربما تفسر اللقاء ولكن وقع السؤال في وجه التعبير بالرجوع فانه يقتضي انفصالا وكأننا أتينا من عنده تعالى وانفصلنا عنه في هذه الحياة ثم نرجع اليه مع ان الانفصال غير ممكن قال تعالى (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ)[64] وقال (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ)[65] وقال (وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا)[66] بناءا على انه بمعنى الحفيظ وقال (أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ)[67] وغيرها من الآيات وهي كثيرة ولا شك في ان كل شيء حاضر عنده تعالى لا يغرب عنه.

الصحيح أن الوجه في ذلك احساس الانسان انه بعُد عن الله وغاب عنه والغياب انما هو من جهة انه لا يشعر بحضوره عند ربه. ورجوعه بمعنى تحوّله الى حالة يشعر فيها بحضوره تعالى فكأنه رجع اليه بعد طروّ حالة عدم الاستشعار.

ويمكن ان يكون الرجوع باعتبار أنه كان قبل نزوله الى عالم الطبيعة حينما كان ابونا ادم عليه السلام في الجنة محظوظا بالحضور لديه تعالى والتنعم بنعمه الخاصة ثم افتقد كل ذلك في عالم الطبيعة ثم يرجع الى الحضور لديه تعالى للجزاء والحساب بعد موته.

 

يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ...

مرة اخرى عاد اليهم بنفس الخطاب وذكّرهم بنعمه وأضاف أنه فضّلهم على العالمين وهذا التذكير مقدمة للامر بالتقوى ثم استمر في عدّ النعم التي انعمها عليهم وما صدر منهم من الكفر والجرائم بدلا من الشكر على نعمه وآلائه. وقوله (وأني فضلتكم..) عطف على قوله (نعمتي) اي اذكروا تفضيلي اياكم على العالمين.

وهنا سؤال وهو أن الخطاب للجيل المتأخّر منهم مع أنّهم لم ينعم الله تعالى عليهم بتلك النعم ولم يفضّلهم على العالمين ولم تصدر منهم تلك الجرائم.

والوجه في ذلك أمّا بالنسبة للنعم والتفضيل فان الانعام على الاسلاف نعمة على الخلف ايضا خصوصا فيما يعود الى التفضيل والاكرام فان ذلك يدل على تكريم القوم لا الاشخاص فيشمل المتاخرين وهناك من النعم ما كانت باقية في الاجيال المتاخرة وان تغيرت معالمها كالكتاب الالهي الذي ارسله اليهم والاحكام الشرعية والعلوم التي تداولوها فيما بينهم.

وأمّا بالنسبة للكفر والجرائم فإنّ المتاخرين منهم كانوا راضين بما فعله أسلافهم ويفتخرون بها ويعتبرون ذلك من مجد الآباء والاجداد فيصح اسنادها اليهم كما ورد في كلام امير المؤمنين عليه السلام (الراضي بفعل قوم كالداخل فيه معهم)[68] وليس هذا من جهة كونهم من اسلافهم ولذلك لا ينسب الى المسلمين العرب ما فعله اسلافهم في الجاهلية بل ما فعله المسلمون الاوائل.

وفي تكرار هذا المنّ عليهم بالنعم وجوه:

أوّلا أنّه تأكيد على ذلك.

وثانيا انه مقدمة لامرهم بالتقوى فاراد قبل ذلك ان يذكّرهم بنعمه وبتفضيلهم على العالمين ليكون في ذلك تليين لقلوبهم حتى يقبلوا الموعظة فان الانسان لا يحب ان يوعظ ويعتبر ذلك تعريضا به كما قال تعالى نقلا عن النبي صالح عليه السلام (وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ).[69]

وثالثا فيه حثّ بليغ على التقوى بسبب انهم ممن فضّلهم الله تعالى على العالمين ولذلك يقال في تربية الطفل ان من الاسباب التي يحثّه على تصحيح مساره تذكيره بسوابقه الحسنة.

ورابعا فيه تذكير بأنّهم بنو اسرائيل وهو نبيّ كريم فلا ينبغي لهم أن يسيروا على منهج مخالف لمنهجه.

وخامسا في إسناد النعم والتفضيل الى نفسه تعالى بضمير المفرد المتكلم عناية خاصة بهم كأنّه تعالى أنعم عليهم وفضّلهم مباشرة ومن دون واسطة.

وسادسا فيه تحذير لهم بان هذا التفضيل ربما يسحب منكم ان لم تتّـقوا الله تعالى ويعود الى غيركم وهم المسلمون فانهم اذا فازوا عليكم بالتقوى سيكون لهم الفضل عليكم كما وجّه نفس هذا التحذير الى هذه الامة في قوله تعالى (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ).[70]  

ويقع السؤال عن وجه التفضيل مع انه تعالى قال بشأن هذه الامة (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ..)[71] ؟

قيل ان التفضيل بلحاظ الامم في ذلك الزمان ولا يشمل الامم المتاخرة فالخطاب وان وجه الى معاصريهم من المسلمين الا ان المراد تفضيل اسلافهم على معاصريهم وهذا يعود بالفخر والمجد على أخلافهم ولكن لا يعني تفضيلهم على المعاصرين.

ويمكن ان يكون التفضيل بمعنى تخصيصهم بنعم خاصة كوجود الانبياء في قومهم ونزول التوراة عليهم وإنجائهم من فرعون ونزول الايات البينات والمعاجز عليهم وغير ذلك مما اختصوا بها. كما قال تعالى (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ).[72]

وعليه فالترجيح ليس في الامور المعنوية والقرب لدى الله تعالى. ويلاحظ أنّه ترجيح للمجموع لا للافراد فلا ينافي وجود افراد في غيرهم افضل من جميعهم.

 

وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا...

وهذا تحذير شديد لهم ان لم يتوبوا عن كتمان الحق. والاتقاء: الاجتناب والتحفّظ من الشيء. ومفعوله (يوما) والمراد ليس الاتقاء من نفس اليوم فانه مما لا يمكن التحفظ منه وهو آت لا محالة بل مما يصيبهم في ذلك اليوم اي احفظوا انفسكم من الشر الذي يصيبكم يوم القيامة فالاسناد الى غير من هو له.

واختلف في معنى تجزي فقيل هو بمعنى تكفي اي لا تغني عنه شيئا. فالانسان في هذه الدنيا اذا ألمّ به امر شديد يستعين بغيره من الاهل والاصدقاء او يلوذ بالاقوياء كالمراكز الحكومية. ولكن لا يوجد هناك من يكفيه الشر المحدق به بل لا يمكن لاحد ان يسلّيه ويعزّيه فيساعده في تحمل الألم.

ولكن الظاهر أن الذي بمعنى الكفاية هو الإجزاء فلو كانت التاء مضمومة صحّ هذا التفسير وأما (تَجزي) فهو بمعنى (تقضي) كما في معجم المقاييس وكذا في الصحاح وغيرهما ومعنى القضاء ان يقوم شيء مقامه ومنه قضاء الصلاة والصوم فالمراد نفي ان يدفع عنه احد دينه او اي حق آخر عليه والنتيجة متقاربة على التفسيرين. 

والسر في ذلك ان الوسائط والوسائل منقطعة ذلك اليوم قال تعالى (وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ)[73] ولان كل انسان مبتلى ذلك اليوم بما هو فيه فالشر عام شامل قال تعالى (يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ * وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ)[74] مضافا الى ان الذي اراد به الشر لا يتمكن أحد من مواجهته ودفعه.

وتنكير النفس في الموضعين يدل على الشمول التام لانه نكرة في سياق النفي فلا يستثنى من هذا القانون احد لا في الذي يبحث عمّن يغنيه ولا في من يتوقع منه ان يغني احدا فلا توجد ذلك اليوم قوة ولا جاه ولا مكانة اجتماعية ولا شأن لاحد الا باذن الله تعالى. ومثل هذه الاية قوله تعالى (يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ).[75]

 

وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ...

الضمير في قوله (منها) في الموضعين يعود الى النفس الثانية التي تحاول إنقاذ نفسها. والشفاعة من الشفع وهو ضمّ شيء الى شيء فاذا اراد الانسان ان يطلب من شخص غرضا يهمّه ولم يتوقع منه القبول ابتداءا او يخاف ردّه يضمّ الى طلبه تأييد شخص مقرب لديه يعرفه ويتوسط عنده وهذه هي الشفاعة الدارجة في الدنيا ولكن بنفس الاسباب المذكورة لا توجد يوم القيامة شفاعة للناس.

ولكن من الواضح عندنا وبدليل الروايات الكثيرة ان الشفاعة موجودة يوم القيامة وفي الحديث ان الناس كلهم يحتاجون الى شفاعة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ونحن ندعو في تشهد الصلاة (وتقبل شفاعته) والروايات كثيرة جدا لدى الخاصة والعامة لا يمكن انكارها مع ان مجموعة من ايات الكتاب العزيز ايضا تدل على وجود الشفاعة اجمالا وتفصيلا.

فمنها الايات التي تستثني من منع الشفاعة قال تعالى (لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا)[76] وقال (يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا)[77] وقال (وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)[78] ونحوها.

ومنها ما يدل على ان هناك من يدخل الجنة اكراما لابيه او ابنه او غيرهما قال تعالى (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ..)[79] وقال في حكاية دعاء الملائكة للمؤمنين (رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ..)[80] وكذلك قوله تعالى (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ).[81]

وقد مر الكلام عن هذا الموضوع في تفسير سورة غافر والطور مما يدل بوضوح على انه من الشفاعة ولكن ليس بمعنى ان احدا يتوسط عند الله تعالى لاحد كما في الدنيا بل بمعنى انه تعالى يتفضل على من يكون صالحا لدخول الجنة اكراما لابيه او ولده او زوجه.

وهكذا الامر في شفاعة الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم واهل بيته الكرام عليهم السلام وسائر الشفعاء من الاولياء المقربين فان الذي يشفع للانسان هو حبه لهم ومتابعته اياهم ورضاهم عنه ولذلك نقرأ في زيارة الجامعة (ان بيني وبين الله ذنوبا لا ياتي عليها الا رضاكم). وسيأتي البحث عن وجه الجمع بين الايات.

والعدل كما في الصحاح نقلا عن الفراء ما عادل الشيء من غير جنسه ومنه قوله تعالى (هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا..)[82] فقوله لا يؤخذ منها عدل اي فدية فهناك موارد يقبل من الانسان ان يفدي نفسه او من يرتبط به بمال وينقذه من حكم حاكم او اعتداء عدو. ولكن الافتداء يوم القيامة غير ممكن. مضافا الى انه لا يملك احد شيئا ليفديه قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)[83] وغيرها من الايات.

والضمير في قوله (وهم لا ينصرون) يعود الى النفوس وان تقدم ذكر نفس نكرة الا انها تدل على كل النفوس كما مر و(لا ينصرون) اي لا يوجد هناك من ينصرهم فلا نصر الا من الله تعالى وهو لا ينصرهم.

وربما يستغرب ذكر هذه الامور ويستغرب توهم امكان الافتداء او النصر او الشفاعة!! ويلاحظ ان هناك آيات متعددة تنفي ذلك يوم القيامة مما يدلّ على ان هذا التوهم كان سائدا لدى جمع من الناس ويقال ان بعض الطوائف الى الان تدفن مع الميت اموالا وذهبا بأمل ان تنفعه اذا لقي مكروها وهناك من يدفن معه السلاح ومن يدفن معه جارية لعلها تنفعه وقيل ان بعضهم كان يلزم رجالا اقوياء يدفنون معه للدفاع عنه. ويبدو أنّ هذه الطوائف بأجمعها متوقعة لحياة اخرى بعد الموت ولكنهم لا يعلمون عنها شيئا.

ومن الغريب ما يقال عن اليهود مع انهم اهل كتاب واتباع رسالة من الاعتقاد بنوع من هذه الاوهام الخرافية ومما يعتقدون به ان الانبياء الذين يعتبرون اسلافا لهم سيشفعون لهم ويعتقدون انهم لو استحقوا النار فانهم لا يبقون فيها طويلا لمكانتهم عند الله تعالى (وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ).[84]

ومثل هذه الاوهام موجودة لدى بعض المسلمين ايضا وجوابه تعالى في هذه الاية يشملهم وقد اتم الله الحجة حيث قال (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا).[85]

وللجمع بين ما تنفي الشفاعة وما تثبتها وجوه:

1– ان النفي للكفار والاثبات للمؤمنين وهذا ما قاله الشيخ الطوسي قدس سره في التبيان ويشهد له ان الخلة ايضا منفية يوم القيامة كما قال تعالى (لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ)[86] مع انه اثبت الخلة للمتقين قال تعالى (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ)[87] كما انه نفى الانساب في قوله (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ)[88] وقال (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ)[89] واثبتها في موضع اخر للمؤمنين حيث قال (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ..).[90]

2– ان المواقف تختلف وفي بعض الروايات ما يدل على ان الائمة يشفعون لشيعتهم يوم القيامة اما قبل ذلك اي عذاب القبر فلا يحضرون وفي تفسير الصافي ان نفي الشفاعة خاص بوقت الموت وان هناك عقبات قبل يوم القيامة واما في ذلك اليوم فالشفاعة موجودة.

ومثل هذا ورد في تعليقة ابن منير على الكشاف قال (ومعتقدهم – اي اهل السنة – أنها تنال العصاة من المؤمنين وإنما ادّخرت لهم. وليس في الآية دليل لمنكريها لأن قوله يوما أخرجه منكرا ولا شك أن في القيامة مواطن ويومها معدود بخمسين ألف سنة فبعض أوقاتها ليس زمانا للشفاعة وبعضها هو الوقت الموعود وفيه المقام المحمود لسيد البشر عليه أفضل الصلاة والسلام..).

ولكن ظاهر الايات نفي الشفاعة في يوم القيامة بكل مراحله.

3– ما يقوله المعتزلة من ان الشفاعة خاصة بالمؤمنين الصالحين العدول لإرقاء درجاتهم وليست للكفار ولا العصاة من المسلمين.

والشيعة والاشاعرة يرفضون هذا التفصيل ويقولون ان الشفاعة تشمل حتى اهل الكبائر. ومنهم من يقول بعكس ما قالوا اي ان الشفاعة لا تؤثر في ارتقاء الدرجات بل ان لكل انسان درجته حسب عمله.

هكذا ورد في التبيان ولكنه غير معلوم بل الشفاعة بالمعنى الذي ذكرناه قد تؤثر في رفع الدرجة ايضا.

4– ما ورد في تفسير الميزان وغيره من ان الآيات النافية تنفي الشفاعة من دون اذنه تعالى والمثبتة تقيدها بالاذن فلا تنافي بينهما ونظير ذلك علم الغيب فقد نفاه الله تعالى عن غيره بشدة واثبته لبعض الانبياء كقوله تعالى في نقل كلام المسيح عليه السلام (وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ..)[91] وغير ذلك والجمع ان الغيب لا يعلمه احد الا الله ولكن يعلمه بعض الناس باذنه تعالى.

وتفصيل ذلك ان الشفاعة لها موردان:

الاول الامور التكوينية بان يكون الشيء واسطة في تنفيذ اوامر الله تعالى في الكون اما وساطة طبيعية او غيبية. والثاني في يوم القيامة وتنفيذ الحكم الجزائي.

اما في القسم الاول فهناك آيات تحدد الشفاعة باذنه تعالى وهي خاصة بهذا المعنى من الشفاعة كقوله تعالى (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ)[92] حيث ان السياق مرتبط بالخلق وتدبير الامور من عرش الربوبية فالجملة الاخيرة تنفي ان يكون للخلق ولي ولا شفيع من دونه تعالى. ومعنى النفي من دونه اي هو الذي يحدد من يكون وسيطا في تدبير الكون وليس لاحد ان يفترض مخلوقا وسيطا وهو الشفيع او مدبرا وهو الولي.

وهذا البيان يردّ على تصور المشركين من وجود ارباب في الكون ينفّذون امر الله تعالى والاصنام تمثل تلك الارباب والله تعالى ينفي وجود الارباب وينفي وجود الوسائط الا من جعله واسطة فيكون شفيعا باذنه.

وقال تعالى (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ..)[93] وفي هذه الاية صرّح انه تعالى جعل شفعاء في تدبير الامر ولكنهم لا يتوسطون الا باذنه تعالى وهؤلاء هم الملائكة الكرام.

ومثل ذلك قوله تعالى (وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى)[94] وايضا قوله في الاية المعروفة باية الكرسي حيث يقول (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ..).[95]

وقال تعالى (وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ)[96] وفي هذه الاية يشير الى حالة الملائكة في انتظار الامر الالهي وأنهم في حالة فزع وتهيب من الامر الذي يريده منهم ان يتوسطوا فيه ومعنى (فُزّع عن قلوبهم) اخراج الفزع منها بصدور الامر الالهي فيقول بعضهم لبعض ماذا قال ربكم ويجيبون (الحق) اي ما قاله هو الحق.

وهذا طبعا ليس من قبيل الكلام الدائر بيننا وانما هو تعبير يصوّر حالتهم. وهذا الفزع والخوف في انتظار الاذن والامر الالهي يعكس مدى اهتمامهم بان لا يتوانوا في تنفيذ الامر وهم لا يتوانون ولا يفلت من ايديهم فقد وصفهم الله تعالى بانهم لا يعصون ما امرهم ويفعلون ما يؤمرون كما وصفهم بانهم اقوياء على ما يراد منهم غلاظ شداد.

وهذا الخوف والفزع مذكور في آيات اخرى ايضا كقوله تعالى (يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)[97]  وايضا قوله (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ).[98]

كل ذلك لنفي الشفاعة التي يقول بها الوثنيون لأوثانهم فهم كانوا يعتقدون انها واسطة في التكوين وان الامور بيدها في الحرب والسلم والجدب والمطر وغير ذلك كما انهم كانوا يتوقعون منها الوساطة بين يدي الله تعالى وان لم يعتقدوا بالاخرة كما قال تعالى (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى..)[99] فهم كانوا يتقربون بعبادتها الى الله تعالى.

والجواب ما قاله تعالى (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ..)[100] وغيرها من الآيات.

واما في القسم الثاني اي الشفاعة يوم القيامة فهناك ايضا آيات تقيّدها باذنه تعالى كما في قوله (يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا)[101] ومثله قوله تعالى (يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا * لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا)[102] فهذه الايات وامثالها صريحة في نفي الشفاعة يوم القيامة مع استثناء بعض الشفاعات.

ولكن قال في المنار تعقيبا على ذلك (الِاسْتِثْنَاءِ بِالْإِذْنِ وَالْمَشِيئَةِ مَعْهُودٌ فِي أُسْلُوبِ الْقُرْآنِ فِي مَقَامِ النَّفْيِ الْقَطْعِيِّ لِلْإِشْعَارِ بِأَنَّ ذَلِكَ بِإِذْنِهِ وَمَشِيئَتِهِ عَزَّ وَجَلَّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى "سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ" وَقَوْلِهِ "مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ" فَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ نَصٌّ قَطْعِيٌّ فِي وُقُوعِ الشَّفَاعَةِ).

ومعنى ذلك أنه لا يوجد استثناء عن الشفاعة يوم القيامة وأن ما ورد من الاستثناء انما يراد بها التأدب لئلا يستلزم التكليف على الله تعالى بما اراد لنفسه فانه تعالى لا يلزم بشيء فهذا الاستثناء نظير استثناء المشيئة في هاتين الايتين.

ولكن من الواضح أن الاستثناء هنا ليس من هذا القبيل وانما هو استثناء من نال عهد الله في الشفاعة وهذا يدل على أن هناك من اوليائه تعالى من عهد الله اليه الشفاعة يوم القيامة.

ولعل من موارد عهده قوله تعالى (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى)[103] كما في بعض الروايات وان لم نجد رواية يمكن الاعتماد عليها ولكن العلامة الطباطبائي قدس سره حاول اثبات دلالة الاية بالقرائن على ذلك. وكذلك قوله تعالى (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا)[104] فقد ورد في تفسير العياشي والقمي روايات بان المراد بالمقام المحمود الشفاعة وقد ورد هذا التفسير في كتب العامة ورواياتهم.

واما قوله تعالى (وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)[105] فيشمل جميع الرسل والائمة المعصومين عليهم السلام لانهم هم الشهداء بالحق وهم العلماء ومما يدل بوضوح على انطباقه على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا).[106]

وفي المنار ان الشفاعة يجب ان تأول بالدعاء وهذا لا باس به بل ليس تاويلا ونحن اذ نطلب من احد من الاولياء شيئا فالغالب ان يكون ذلك على وجه طلب الدعاء وعليه فيكون النزاع لفظيا اذ لا مانع من كون شفاعة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وغيره من الانبياء والاولياء بطريق الدعاء والله لا يردّ دعاءهم.

بل هناك من الآيات ما تحثّ على طلب الدعاء والاستغفار من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وتدلّ بالطبع على أنّ هذا النوع من الشفاعة ثابت وهو كاف لمن يتوسل بهم وقد قال تعالى (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا)[107] والاية تدل بطريقين على تاثير الشفاعة اولا عن طريق كون الاستغفار عند الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وثانيا استغفاره بنفسه.

وقد ورد ايضا طلب استغفار اخوة يوسف من يعقوب عليهما السلام في قوله تعالى (قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ)[108] مما يدل على ان استغفار النبي عليه السلام مؤثر ومقبول وهذا ايضا من الشفاعة.

وهنا ايضا لا بد من اذنه تعالى فقد لا يقبل الدعاء كما ورد نفي قبول الاستغفار للمنافقين في قوله تعالى (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ)[109] واوضح منه قوله تعالى (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ..)[110] كما لم يقبل دعاء نوح عليه السلام لانقاذ ابنه بل نهاه الله تعالى عن الدعاء له.

قال تعالى (وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ).[111]

ومن هذا القبيل ايضا استغفار الملائكة للمؤمنين قال تعالى (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ)[112] وقال ايضا (وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).[113]

ومن هذه الاية يتبين الفرق بين الشفاعة في الدنيا والشفاعة عند الله تعالى فالمشفوع عنده في الدنيا كالحاكم والقاضي قد لا يحبّ ان يقبل شفاعة الشفيع ولكنه يضطر الى قبوله لمكانته عنده او مكانته الاجتماعية او لحاجته اليه ولكن الشفاعة عند الله تعالى لا يمكن ان تكون هكذا بل هو الذي يحدّد الشفيع ومورد الشفاعة والمشفوع له وهو الذي ياذن للشفيع ان يتوسط للذين آمنوا وليس لكل احد وفيما اذا كان المشفوع له صالحا لدخول الجنة وانما له ذنوب يريد الله ان يطهّره منها فيأذن للشفعاء ان يشفعوا له.

ومن هذا الباب دعاء الملائكة فهم مامورون من قبله تعالى ان يستغفروا للمؤمنين ومعنى ذلك ان المؤمن له صلاحية الغفران ولكن فيه نقص فيريد الله ان يكمل نقصه بدعاء الرسول او باستغفار الملائكة وليس هذا من الشفيع ابتداءا ولذلك عقبه في سورة الشورى بقوله (أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).

ومثله ايضا توسط الملائكة في التكوين فانه بامره تعالى والوجه فيه نقص القابل وليس في تاثير الفاعل ايّ نقص انما النقص في قابلية القابل والله تعالى يكمله بتوسيط الملائكة الكرام فالحاجة الى التوسط التكويني من المخلوق وليس من الخالق فهو مستغن عن كل شيء وفي ذلك قال تعالى عن ملائكته (وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ).[114]

 وهكذا في الشفاعة يوم القيامة فقد يكمل الله قابلية المؤمن الصالح بشفاعة الرسول او الامام او المؤمن الاكمل منه الذي ينتمي اليه بابوة او بنوة او زوجية كما مر في ايات سورة الطور وغافر والرعد. وهذا كله من رحمته الواسعة ولطفه بعباده.

واما الشفاعة بمعنى ضم الولاية والرضا بالعمل ليقبل او بالدعاء ليستجاب فهو امر اخر له نظائر فان هذا من قبيل ضمّ عمل الى عمل كانه شرط في صحته او في قبوله كما ان الصلاة وقبولها شرط في قبول سائر الاعمال كما في الرواية[115] ومعنى ذلك ان الله يقبل الصلاة لو كانت منفردة وجامعة للشرائط ولا يقبل الصوم والزكاة وغيرهما ممن لا يصلي او لم تقبل صلاته ولا مانع حينئذ من ان تكون الولاية شرطا في قبول العمل فتولّي الامام الذي عيّنه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم امر واجب في حد ذاته وشرط ايضا في قبول العمل.

وشرطيتها من جهتين:

إحداهما أنّ الولاية بمعنى المتابعة واخذ الحكم والطريقة منهم وكما لا يصح لاحد ان يحاول الوصول الى رضا الله تعالى والتقرب اليه عن غير طريق النبي والرسول كما هو مقتضى آيات عديدة كذلك لا يصح من دون متابعة الامام الحق واخذ الاحكام منه فالاسلام وان كان من اصله واحدا الا ان الطرق تشعبت بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والطريق الصحيح حسب تعيين الله تعالى وابلاغ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هو ما يحدده الامام من بعده ولا علاقة لهذا الامر بالحكومة.

والثانية انه حتى لو جاء العبد بالعمل وفقا لما في الشرع وصحيحا الا انه اذا لم يكن مع ولاية من نصبه الله تعالى فانه لا يقبل منه ولذلك قال تعالى (يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا).[116]

وفي صحيحة الفضيل بن يسار عن أبي جعفر عليه السلام قال (بني الاسلام على خمس: على الصلاة والزكاة والصوم والحج والولاية ولم يناد بشيء كما نودي بالولاية فأخذ الناس بأربع وتركوا هذه.. يعني الولاية).[117] ومثلها احاديث اخرى في نفس الباب.

ومعنى ذلك أن الله تعالى لا يريد ان يُعبد الا مع الالتفاف حول من نصبه حجة على الناس وفي ذلك مصلحة مهمة اجتماعية لهم وهناك من كان يحاول التقرب الى الله من دون الاعتراف بالرسالة وعن طريق معرفته تعالى بالعقل والفلسفة وهذا طريق باطل حتى لو اصاب الحق.

ثم إن هناك شبهات تورد على الشفاعة:

الشبهة الاولى: ان العقاب الذي يستحقه المشفوع له ان كان ظلما فهو محال وان كان عدلا فلا يمكن ان يبدله الله تعالى لانه عادل.

والجواب عنها واضح فان الله تعالى يعامل الناس بفضله لا بعدله وقد قال عزّ من قائل (وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ).[118] والله تعالى قد يغفر من دون توبة بفضله العميم كما قال (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ)[119] فان التوبة توجب الغفران حتى من الشرك فالفرق بينه وبين غيره في هذه الاية ان يكون من دون توبة بل اعظم من ذلك في قوله تعالى (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا)[120] فالله تعالى برحمته الواسعة ورغما على انف المعتزلة والوهابية يبدّل سيئاتهم حسنات لا انه يغفر لهم او يكفّر عن سيئاتهم ويسترها وهذا ليس من العدل طبعا بل هو من فضله العظيم العميم.

الشبهة الثانية: ان الله تعالى لا يبدل سنته كما قال (وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا)[121] وهذا قانون الهي يطبق في جميع الموارد ولا تغيرها شفاعة شفيع.

والجواب ان الشفاعة ايضا لها قانون ولا يستفيد منها كل احد ولا تشمل كل عمل كما مرت الاشارة اليه.

الشبهة الثالثة: ان الشفاعة في هذه الدنيا تاثيرها اما لجهل او لظلم فاذا كان الحاكم المشفوع لديه لا يعلم صلاحية المشفوع له والشفيع يخبره بذلك فقبول الشفاعة ينشأ عن جهل واذا كان يعرفه ويريد ان يظلمه فيعفو عنه من اجل الشفيع فهو ظالم واذا كان مستحقا للجزاء فقبول الشفاعة ظلم وكلاهما مستحيل على الله تعالى.

والجواب ان هذا صحيح ولكن هناك امر اخر يستوجب قبول الشفاعة وهو تبدل الموضوع فالانسان المذنب اذا ضُمّ الى صحيفة عمله حبه للرسول صلى الله عليه وآله وسلم ولاهل بيته الكرام عليهم السلام يكون صالحا لدخول الجنة ومثله ضم استغفار الرسول صلى الله عليه وآله وسلم او استغفار الملائكة او المؤمنين.

ومثل هذا يتحقق في الدنيا ايضا وذلك في مثل الدعاء نحن ندعو الله تعالى ويستجاب دعاؤنا ويتحقق ما نطلبه فلو كنا نستحقه كان المفروض ان يتحقق من دون دعاء وان لم نستحقه فيجب ان لا يتحقق حتى بالدعاء لان الله تعالى لا يتأثر من شيء فما هو دور الدعاء؟

الدعاء يؤثر في الانسان ويبدّله من شخص لا يستحق ان تشمله الرحمة الى شخص يستحق والا فالرحمة الالهية واسعة شاملة وانما النقص في القابل.

الشبهة الرابعة: أن الشفاعة توجب تجري الناس على ارتكاب الكبائر ولذلك نجد بعض الناس يتركون الصلاة ويرتكبون الفواحش ويمنّون انفسهم بشفاعة اهل البيت عليهم السلام ونجد بعضهم يلطم على سيد الشهداء عليه السلام طيلة الليل ولا يصلي الصبح ولا غيرها معتقدا ان الحسين عليه السلام يشفعه ونسمع هذه الاقاويل من بعض الخطباء والرواديد وامثالهم.

والجواب أوّلا أنّ مثل هذه الشبهة تأتي في إعلام المغفرة للناس ايضا بل هو أشدّ تاثيرا وأعمّ موردا خصوصا مثل قوله تعالى (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)[122] وانما لا يوجب التجرّي لانه تعالى اعلن الامرين معا في مثل قوله (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ)[123] فيبقى الانسان بين الخوف والرجاء وهكذا الشفاعة بل هي اولى من جهة انه لم يذكر للناس مناط استحقاقها بل اُنيط باذنه تعالى ولا يعلم الانسان هل يشمله الاذن ام لا.

وثانيا أن الشفاعة ربما تكون خاصة ببعض المواقف بعد الموت كما مرت الاشارة اليه وربما ينال الانسان كثيرا مما يخاف منه في مواقف اخرى فلا يوجب التجري.

وثالثا أنه لو لم يكن هناك ما يبعث بالامل في قلوب الناس لكان الخطر اكبر فان الانسان اليائس من رحمته تعالى يفعل ما يشاء ويرتكب اعظم الجرائم لانه لا يجد طريقا للرجوع فاعلام المغفرة والشفاعة ونحو ذلك يبعث بالامل في قلوب الناس.

والحاصل ان الطريق الصحيح هو كون الانسان بين الخوف والرجاء. والخطر يكمن في اي شيء يذهب باي واحد منهما ومع ذلك فكثير من الناس يخطئ الطريق باحد الوجهين فهناك من يعول على المغفرة او الشفاعة ويفعل ما يشاء وهناك من يجد نفسه غارقا في الجرائم ولا طريق له للرجوع.

 


[1] البقرة: 89

[2] علل الشرايع ج1 ص 43

[3] جامع البيان ج1 ص 197

[4] الحق بضم الحاء اصل الورك الذي فيه عظم راس الفخذ كما في الجمهرة

[5] العهد القديم سفر التكوين الاصحاح 32

[6] شرح الكتاب المقدس للقس انطونيوس فكري تفسير سفر التكوين : 32

[7] طه: 131

[8] يونس: 58

[9] النساء: 54

[10] المائدة: 20

[11] النحل: 18

[12] التوبة: 4

[13] البقرة: 27

[14] يس: 60

[15] الاعراف: 172

[16] المائدة: 7

[17] ال عمران: 81 - 82

[18] الاعراف: 156 - 157

[19] الصف:6

[20] البقرة 83 - 85

[21] ال عمران: 187

[22] المائدة: 12 - 13

[23] البقرة: 174

[24] البقرة: 146

[25] البقرة: 186

[26] غافر: 60

[27] الشورى: 25

[28] المائدة: 12

[29] الاعراف: 157

[30] تفسير القمي ج1 ص46

[31] الكافي ج1 ص431 باب فيه نكت ونتف من التنزيل في الولاية

[32] العنكبوت: 25

[33] ال عمران: 103

[34] البقرة: 213

[35] الشورى: 13

[36] نهج البلاغة الخطبة 50

[37] راجع الكافي ج 3 ص 363

[38] ال عمران : 43

[39] مستدرك الوسائل ج4 ص 249

[40] نهج البلاغة الخطبة 175

[41] الكافي ج2 ص299 باب من وصف عدلا وعمل بغيره

[42] الزمر : 36

[43] الطلاق : 3

[44] الطلاق : 2 - 3

[45] الاعراف : 163

[46] المائدة : 94

[47] جامع البيان للطبري ج1 ص371

[48] الكافي ج3 ص480

[49]  الشورى : 13

[50] طه : 108

[51] المعارج : 44

[52]  الخصال ص 628

[53] النساء : 142

[54] طه : 132

[55] مريم : 65

[56] ق : 22

[57] توحيد الصدوق ص267

[58] تفسير العياشي ج1 ص44

[59] الكهف : 53

[60] التوبة : 119

[61] القيامة : 22 - 23

[62] الكهف : 110

[63] المرجع الاعلى في هذا العصر سماحة السيد السيستاني حفظه الله تعالى

[64] الحديد : 4

[65] ق : 16

[66] النساء : 85

[67] فصلت : 54

[68] نهج البلاغة باب الحكم الحكمة 154

[69] الاعراف : 79

[70] محمد ص : 38

[71] ال عمران : 110

[72] المائدة: 20

[73] البقرة: 166

[74] المعارج : 11 - 14

[75] الانفطار : 19

[76] مريم: 87

[77] طه: 109

[78] الزخرف: 86

[79] الرعد: 23

[80] غافر: 8

[81] الطور: 21

 

[82] المائدة : 95

[83] المائدة : 36

[84] البقرة : 80

[85] النساء : 123

[86] البقرة : 254

[87] الزخرف : 67

[88] المؤمنون : 101

[89] الانعام : 94

[90] الرعد: 23

[91] ال عمران : 49

[92] السجدة : 4

[93] يونس : 3

[94] النجم : 26

[95] البقرة : 255

[96] سبأ : 23

[97] النحل : 50

[98] الانبياء : 28

[99] الزمر : 3

[100] يونس : 18

[101] طه : 109

[102] مريم : 85 - 87

[103] الضحى : 5

[104] الاسراء : 79

[105] الزخرف : 86

[106] الاحزاب : 45

[107] النساء : 64

[108] يوسف : 97

[109] المنافقون : 6

[110] التوبة : 80

[111] هود : 45 - 46

[112] غافر : 7

[113] الشورى : 5

[114] الانبياء : 28

[115] راجع من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 280 باب فضل الصلاة ح 626

[116] الاسراء : 71

[117] الكافي ج 2 ص 18 باب دعائم الدين

[118] النحل : 61

[119] النساء : 48

[120] الفرقان : 70

[121] الاحزاب : 62

[122] الزمر : 53

[123] الحجر : 49 - 50