مكتب سماحة السيد مرتضى المهري

هُوَ الَّذي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ في‏ سِتَّةِ أَيَّامٍ... يمكن أن يكون المراد بالسماوات والارض الكون بكامله اما من جهة انه كناية عن هذا المعنى ومصحح الكناية أن الانسان اذا نظر الى ما حوله لا يجد الا السماء فوقه والارض تحته واما من جهة ان المراد بالسماوات العوالم العلوية والتي هي خارجة عن نطاق الطبيعة باعتبار أن السماء جهة العلو والمراد بالارض عالم الطبيعة الذي يشمل كل الكواكب والانجم فعالم الطبيعة أرض بالنسبة لماوراءها. ويمكن ان يكون المراد بالسماوات والارض ما نراه من الاجرام وما بينهما من الروابط فيكون موضوع الكلام هنا عالم الطبيعة فقط.

والانسان يتوق الى معرفة بدء الكون ولكنه امر مستعص عليه وكل ما يقال عنه اما خرافات وأساطير واما فرضيات يذكرها علماء الطبيعة ولا تدعمها شواهد قطعية. والقرآن لا يبين ذلك بوضوح اذ ليس الهدف من هذا الكتاب بيان الحقائق الكونية بل التنبيه على ما يوجب الايمان بالله تعالى منها. والذي ورد في هذا الباب هو ان الله تعالى بدأ الخلق في ستة أيام. ولكن ما هو المراد بالايام الستة؟

هناك عقيدة خرافية منشؤها التوراة الحالية وهي ان الله تعالى بدأ الخلق في يوم الاحد وانتهى منه يوم الجمعة ففرغ يوم السبت ومن هنا جعل اليهود يوم السبت عطلتهم كأنهم افترضوا ان هذا يوم استراح فيه الله سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا.  

وبطلان هذه العقيدة واضح لا يحتاج الى تقدّم في العلم حيث ان تكوّن الليل والنهار وتحديد اليوم ثم تحديد الاسبوع وتسمية ايامه كلها امور حدثت بعد تكون الكون وحركة الكواكب ودوران الارض حول نفسها ولا يمكن أن يكون هناك سبت وأحد قبل بدء الخليقة. مع أن تحديد الايام في سبعة أمر اعتباري لا يتبع أمرا كونيا واقعيا وبالامكان ان نعتبرها ثمانية اوخمسة مثلا.

والظاهر ان المراد بالايام الستة ستة مراحل من تكوّن الخليقة وتطورها ولا يعلم احد غير الله تعالى بحقيقتها. واليوم يطلق على كل مجموعة من الزمان لها طابع خاص كما يطلق يوم القيامة على عالم عظيم لا يعلم حدوده الا الله عزّ وجلّ. ولذلك اطلق اليوم على يوم خلق الكون مع انه حسب هذه الآيات ليس يوما واحدا قال تعالى (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ..).[1] ومن هذا الباب ايضا قوله تعالى (وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ).[2]

وهنا يبدو سؤالان:

الاول: ان الله تعالى قادر على ان يخلق الكون في مرحلة واحدة فلماذا خلقه في ستة مراحل؟ والثاني أنه ما فائدة التنبيه المتكرر في القرآن على هذا الامر المبهم الذي لا يصل الى حقيقته البشر حيث لا يعلم معنى اليوم او المرحلة؟

اما بالنسبة للسؤال الاول فيمكن أن يقال انه تعالى أراد بحكمته أن يجري الامور بأسبابها وأن يحكم في الكون النظام الذي وضعه حتى في جزئيات الامور ولذلك نجد أنه تعالى اذا أراد أن ينصر دينه يقيّض له رجالا ينصرونه مع انه قادر على نصرته بدونهم واذا أراد انجاء نوح عليه السلام ومن معه مثلا واهلاك الكافرين بغرقهم أمره أن يصنع الفلك وهو قادر على انجائه بدونه وهكذا في سائر الموارد (وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا).[3]

وبوجه آخر الامر التكويني الصادر من الله تعالى ليس له تدرج ولا يتوقف على زمان بل ليس هناك امر لفظي وانما يريد الله شيئا فيكون الا أنّ تكوّن هذا الشيء في عالم الطبيعة لا يكون الا بالتدرج قال تعالى (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)[4] ولكن عيسى عليه السلام لم يتكون فجأة بل بالتدرج بل هذا الامر سار في كل شيء قال تعالى (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ).[5] فكل ما نراه وما لا نراه في الكون يوجد فجأة بلحاظ الامر الالهي ويوجد بالتدريج بلحاظ الطبيعة.

وبذلك يتبين الجواب عن السؤال الثاني ايضا وهو أنه تعالى اراد ان يبين لنا هذه الحقيقة السارية في كل ما يصدر منه فبارادته تتحقق الاشياء من دون تدرج ولا تاخير ولكن بروز الشيء على ارض الواقع يتوقف على المرور بمراحل تقتضيها طبيعته.

ثُمَّ اسْتَوى‏ عَلَى الْعَرْشِ... قيل: ان (ثم) هنا للترتيب في الكلام لا للتراخي الزماني فان استيلاءه تعالى على الملك ليس أمرا حادثا فيكون متأخرا عن خلق السماوات والارض. ولكن يلاحظ على ذلك تكرار هذا التعبير في عدة موارد: في سورة الاعراف:54 وسورة يونس: 3 وسورة الرعد: 2 وسورة الفرقان: 59 وسورة السجدة: 4 وهذا هو المورد السادس فالظاهر أن هناك عناية وتأكيدا على التراخي ولا يبعد كون ذلك بلحاظ الترتب الخارجي بمعنى أنه تعالى خلق الكون ثم استولى على الملك اذ لا معنى للملك قبل ذلك الا بمعنى القدرة على الايجاد والغرض هنا بيان التدبير في الكون وهو أمر حادث باعتبار حدوث متعلقه.

ولذلك عقبه في سورة يونس بقوله (يدبر الامر) بدون واو العطف مما يعني تفسير استوائه تعالى على العرش بالتدبير قال تعالى (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ..)[6] وكذا في سورة السجدة مع فصل قليل قال تعالى (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ * يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ..).[7]

واما العرش فالبسطاء من الناس يتصورون انه عرش عظيم يملأ السماوات والارض والله تعالى جالس عليه وهو واضح الفساد. وربما يظهر ذلك من عبارات بعض المدعين لاتباع السلف وهناك من يقول ممن يدعي العلم: لا نعلم ما هو العرش؟ فهو في قرارة نفسه يحتمل ان يكون الامر كما يتصوره العامة من الناس ولكنه يخجل من التصريح به.

والظاهر أن العرش تعبير عن السلطة والحاكمية المطلقة على كل أجزاء الكون وهو تعبير متعارف يقال: فلان قد زال عرشه اي ملكه مع انه ربما لا يكون له عرش بمعنى السرير الخاص بالملوك. وهذا التعبير لدفع توهم ان الله تعالى خلق السماوات والارض ولكن السلطة والربوبية لغيره كالارواح التي تمثلها الاصنام كما ادعاه الوثنيون ومثله توهم أن الكون يحكمه النظام والقانون فحسب لا تدبير العزيز الحكيم او توهم أن الانسان حر طليق يفعل ما يشاء في اطار القانون الكوني.

هذا وللعلامة الطباطبائي رحمه الله كلام مفصل وعميق حول حقيقة العرش والكرسي وتفسير الاحاديث الواردة بهذا الشأن في تفسير سورة الاعراف: 54 فليراجع.

واما الاستواء فقد قال المفسرون انه بمعنى الاستيلاء والاستعلاء. ولكن ربما يستبعد هنا ايضا تكرر هذا التعبير في القرآن مع عدم ورود الاستيلاء في شيء من الموارد فلو كان بمعناه لم يكن وجه لهذا التكرار. ولا يبعد ان يكون الوجه فيه ان الاستواء يشتمل على معنى زائد على نفس الاستيلاء وهو استواء نسبة الاشياء اليه تعالى فيكون المعنى استولى على العرش باستواء والغرض منه التنبيه على ان سلطته وحاكميته لا تختلف باختلاف الاشياء فليس شيء اقرب اليه من شيء ولا يختلف لديه السماء والارض ولا الصغير والكبير ولا العلل والمعاليل وليس شيء أهون عليه من شيء.

يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها... الولوج دخول شيء في شيء والمراد ان كثيرا من الاجسام الموجودة على ظاهر الارض تتحول تدريجا وتتغير الى ان يتم امتصاص الارض لها فتدخل في مسارب الارض وتتحلل في باطنها وتخرج منها بصورة جسم آخر فهذه عملية مستمرة لتجديد الحياة على هذا الكوكب وتدخل فيها ايضا المعادن لتحتفظ بخصائصها طيلة القرون ويدخل فيها الماء ويخرج مصفى وغير ذلك من أنحاء الدخول في الارض ثم الخروج منها. والغرض التنبيه على عموم علمه تعالى للاشياء جليلها وحقيرها. وهو في نفس الوقت تنبيه على امكان البعث وردّ لتوهّم منكريه استبعادا لاحياء الموتى المبعثرة اجسامهم.

وعنوان (ما يلج في الارض) شامل لجميع الاجسام الموجودة على كوكب الارض مع ملاحظة التغير والتحول الطارئ عليها بتشتت الاجزاء وامتصاص الارض لها ثم تحولها في باطنها الى مواد اخرى او تغير حالتها وخروجها منها فهو يعلم بها حين الولوج وحين الخروج وقد تغيرت ماهيتها وتبدلت صورتها وهكذا تستمر عملية احياء الموتى بمعنى عام.

وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فيها... يمكن ان يراد بالسماء ما يعم السماء بالمعنى المادي اي جهة العلو الحسي والسماء بمعنى جهة العلو المعنوي اي عالم الملائكة وما وراء الطبيعة. وهذا التعبير ايضا يشمل مجموعة من حقائق الكون مما ينزل من جهة العلو سواء كان علوا ماديا كالمطر والاشعة او معنويا كالملائكة والكتب والاحكام والوحي وما يصعد الى العلو ويعرج في السماء وهو ايضا علو مادي كالابخرة والادخنة الصاعدة ومعنوي كالملائكة ايضا والاعمال والدعاء ونحو ذلك فيكون ايضا اشارة الى عموم علمه تعالى لحقائق الكون وخصوصا ما يتوقف عليه انشاء المحكمة الكبرى يوم القيامة من الاحكام الشرعية النازلة واعمال الانسان الصاعدة.

وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ... المعية هنا كناية عن الاحاطة العلمية والوجودية بجميع الاشياء ومنها الانسان. ويتناسب التعبير مع عموم علمه تعالى بما ينزل من السماء من الشرائع وما يصعد اليها من الاعمال حيث ان هذا التعبير يؤكد الرقابة العامة الالهية على جميع البشر في جميع الحالات والامكنة والازمنه وان كان الوارد في العبارة حيثية المكان لان (اين) سؤال عنه الا ان اطلاق المعية في كل مكان يشمل كل الحالات وكل الازمنة فالرقابة عامة مشددة.

وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصيرٌ... يقال عادة في مثل هذه الموارد إن المراد بصفة البصير والسميع فيه تعالى هو العلم لا المعنى المتعارف. ولكن الصحيح أن المعنى يختلف فالسمع غير العلم بالمسموعات والإبصار غير العلم بالمبصرات الا انه تعالى كما في الحديث (سميع بغير جارحة وبصير بغير آلة)[8] ومعنى ذلك أن المسموعات والمبصرات حاضرة لديه كسائر الاشياء وهو محيط بها.

والغرض من التأكيد على كونه تعالى معنا أينما كنا وفي أي حالة وفي أي زمان وأنه بصير بكل أعمالنا هو الحث على التقوى والخشية من الله تعالى في السر والعلن والتخوف من عذابه ومحاسبته يوم القيامة. مضافا الى أن معيته تعالى للانسان المؤمن يطيب خاطره ويريح نفسه من القلق والاضطراب لما ينزل عليه من البلاء وما تعرضه من مصائب الدنيا فهو لا يشعر بالوحدة والانفراد بل يعتمد على ربّه الذي هو معه اينما كان.

لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ... مر الكلام في هذه الجملة ولعلها اعيدت هنا مقدمة لبيان رجوع الامور كلها الى الله كما أنها ذكرت هناك للتنبيه على أن الاحياء والاماتة بيده تعالى.

وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ... قيل ان المراد بالامور اعمال العباد او العباد بأنفسهم فهم الذين يرجعون الى الله تعالى يوم القيامة. ولكن الظاهر كما ذكره العلامة الطباطبائي رحمه الله أن المراد بهذه الجملة التي تكررت في الكتاب العزيز هو ما مر ذكره في تفسير قوله تعالى (وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى)[9] من أن المراد انتهاء كل الامور في كينونتها وبقائها وتدبير امورها اليه تعالى فهو الموجد لكل شيء والمبقي له ومدبر جميع اموره فاليه ينتهي كل شيء ويشمل هذا المعنى مصير العباد وأعمالهم اليه تعالى يوم القيامة.

ومثله قوله تعالى (وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ)[10] وقوله تعالى (أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ)[11] كما أن قوله تعالى (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ)[12] تطبيق لهذه الآية بجزءيها على الانسان فقوله (انا لله) تطبيق لقوله هنا (له ملك السماوات والارض) وهذا يشمل الانسان وقوله (انا اليه راجعون) تطبيق لقوله هنا (والى الله ترجع الامور) فكل الامور ترجع اليه في كل النشآت ومنها الانسان وشؤونه في الدنيا والآخرة.

ولعل التعبير بالامور بدلا من الاشياء ليشمل الشؤون والاعمال وغيرها. وتقديم الجار والمجرور يفيد الحصر اي ان الامور لا ترجع الا اليه تعالى كما حصر ملك السماوات والارض فيه تعالى في الجملة الاولى. والاتيان بالاسم الظاهر (الى الله) للتأكيد على الاختصاص وللاشارة الى السبب فالامور ترجع الى من منه ابتدأ الوجود وليقرع التعبير وذكر الاسم الجليل مسامع التالين والسامعين ويرجف قلوبهم لتعود بعد ذلك مطمئنة الى ذكره تعالى وفي ذلك غرض آخر وهو ارسال هذه الجملة كالمثل السائر. ولعل الاتيان بالفعل مبنيا للمجهول (تُرجع الامور) كما هو الحال في سائر موارد هذه الجملة للاشارة الى ان رجوع الامور اليه تعالى انما هو بالقهر والغلبة.

ومن هنا يتبين أن الجملة الاولى كالدليل للجملة الثانية فحيث ان الملك له تعالى وحده فالامور لا ترجع الا اليه لان الملك هنا هو الملكية الحقيقية التي تعني تقوم الامور كلها بارادته تعالى فلا كيان ولا قوام لها الا بها وهو الاساس في كونه تعالى منتهى كل شيء.

يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ... تكررت هذه الجملة في اربع مواضع من القرآن الكريم وهذا آخرها وقد مرّ الكلام حولها في تفسير سورتي لقمان وفاطر ومجمل القول أن فيها احتمالين:

الاول ان المراد النقص من كل منهما والزيادة في الآخر بالتدريج وببطء ووفق نظام دقيق لا يتغير طيلة القرون فعبّر عن ذلك بالايلاج كأن كلا منهما يدخل شيئا فشيئا في الآخر والاحتمال الثاني ان المراد الحالة المتوسطة بين النهار والليل في طرفيهما حيث يدخل نور الشمس تدريجا في طرف الصباح من خلال الغلاف الجوي فيختلط بظلام الليل وكذلك في جانب الغروب لئلا يباغت الانسان وسائر الاحياء ضوء شديد وحرارة عالية صباحا ولا ظلام دامس وبرد قارس ليلا. وهذا المعنى انسب بالتعبير بالايلاج.

وقلنا في تفسير سورة لقمان أن هناك احتمالا آخر ايضا في بعض موارد هذه الجملة وهو الاشارة الى تداخل الحق والباطل في كثير من الامور بحيث لا يتميز النور عن الظلام فيقع الانسان في الباطل من حيث لا يشعر كما أشار اليه امير المؤمنين عليه السلام حيث قال (فَلَوْ أَنَّ الْبَاطِلَ خَلَصَ مِنْ مِزَاجِ الْحَقِّ لَمْ يَخْفَ عَلَى الْمُرْتَادِينَ وَلَوْ أَنَّ الْحَقَّ خَلَصَ مِنْ لَبْسِ الْبَاطِلِ انْقَطَعَتْ عَنْهُ أَلْسُنُ الْمُعَانِدِينَ وَلَكِنْ يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا ضِغْثٌ وَمِنْ هَذَا ضِغْثٌ فَيُمْزَجَانِ فَهُنَالِكَ يَسْتَوْلِي الشَّيْطَانُ عَلَى أَوْلِيَائِهِ وَيَنْجُو الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ الْحُسْنى..).[13]

وَهُوَ عَليمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ... المراد بالصدور النفوس فاطلق الصدر واريد به القلب وهو كناية عن النفس الانسانية. و(ذات) مؤنث ذو اي الصاحب ولا يأتي الا مضافا فذات الصدور اي المصاحبة للنفس التي لا تتركها والمراد الاسرار التي يحاول الانسان اخفاءها عن كل أحد والله تعالى عليم بها والعليم صيغة المبالغة لانه تعالى يعلم السر وأخفى اي ما لا يدركه الانسان نفسه من خبايا ذاته ودواعيه التي لا يشعر بها.

وقال بعض المفسرين ان مناسبة هذه الجملة لما قبلها أن الله تعالى يدخل الليل في النهار برفق ولطف بحيث لا يشعر به الانسان وكذلك علمه بأسرار النفس وخباياها. وبناءا على الاحتمال الاخير الذي ذكرناه في تداخل الليل والنهار يمكن أن يقال في وجه المناسبة ان تداخل الحق والباطل ربما يكون عذرا لبعض من ترك الحق واتبع الباطل الا أن ذلك يتبع عدم تمامية الحجة على الانسان بحيث تسكن اليها النفس وهذا أمر لا يعلمه أحد الا الله تعالى وربما يخفى حتى على الانسان نفسه.

 


[1] التوبة: 36

[2] ابراهيم: 5

[3] الاحزاب: 62

[4] آل عمران: 59

[5] يس: 82

[6] يونس: 3

[7] السجدة: 4- 5

[8] الكافي ج1 ص83 باب اطلاق القول بانه شيء

[9] النجم: 42

[10] هود: 123

[11] الشورى: 53

[12] البقرة: 156

[13] نهج البلاغة الخطبة 50