مكتب سماحة السيد مرتضى المهري

كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ...

مجموعة آيات في مصير الابرار يقابل به ما مر من ذكر مصير الفجار. وعليه فقوله (كلا) تكرار للردع السابق في بداية تلك الآيات اي ليس الامر كما تظنون من تكذيب يوم الدين والكلام هنا كالكلام هناك.

و(علّيّون) ايضا اسم مكان كسجّيّن وهو مأخوذ من العلوّ ولعل صيغة الجمع للاشارة الى انه علوّ فوق علوّ ولعل في ذلك إشارة الى اختلاف مراتب العلوّ في غرف الجنّة حسب اختلاف مراتب القرب. وهذه الكلمة ليست في الواقع جمعا وان عوملت معاملة الجمع في اعرابها بالواو والياء ولذلك عدّها النحاة من ملحقات الجمع.

وقيل انها جمع عِلِّيّ وهي ايضا جمع عُلِّيّة كحُرّيّة او بكسر العين وهي الغرفة وقيل انها جمع عِلِّيّ وان العليين هم سكان الجنة. ولو كان كذلك لقال وما ادراك من هم العليون. وقد مر الكلام في معنى الابرار قريبا في سورة الانفطار.

 

وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ...

الكلام فيه كالكلام في الآيات السابقة فالعليون ايضا – وهو مكان الابرار في الجنة – كتاب مرقوم اي انه مقضيّ للابرار قضاء محتوما.

 

يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ...

الضمير يعود الى العليين اي هذا المكان تحت إشراف المقربين وسيأتي في الآيات التالية بيان أن المقربين هم الانبياء والمرسلون والائمة الطاهرون اولياء الله تعالى الذين ورد ذكرهم في سورة الواقعة بعد ان قسم الناس الى ازواج ثلاثة وكذلك في سورة الرحمن حيث ذكر جنة المقربين ثم جنة من دونهم وهم الابرار.

والظاهر أن القصد من التنبيه على هذا الامر الاشارة الى هذا الانقسام وبيان أن الابرار ليسوا بمنزلة المقربين ومع ذلك فقد خفي الامر على بعض المفسرين وتوهموا ان المراد بالمقربين الملائكة. وهذا مردود بالآيات التالية مضافا الى انه لا ميزة في شهادة الملائكة لمكانهم.

 

إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ...

مر الكلام في نظيرتها في سورة الانفطار.

 

عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ...

الأرائك جمع أريكة وهي السرير وقيل تختص بما اذا كان السرير في حجلة – بفتحتين – وهي القبة ودونها ستر ولم يثبت الاختصاص في اللغة وهو بعيد في الجنة اذ المستفاد من الآيات الكريمة ان اهل الجنة على الارائك متقابلون ولا تتم التقابل مع الستار والحجال.

واما ذكر النظر من دون متعلق في هذا الجو المفعم بالنعيم والرخاء فأمر يستدعي الانتباه اذ كيف يكون مجرد النظر وصفا لنعيم اهل الجنة؟!

وقد حاولوا تأويله ففي الميزان وغيره انهم ينظرون الى ما شاءوا النظر اليه في الجنة من انواع النعيم. ولكنه بعيد اذ ليس النظر بذاته نعمة خاصة من بين هذه النعم ليهتم بنقله.

وقيل هو اشارة الى انهم لا ينامون. ولا اجد فيه دلالة على ذلك اذ لا ينافي النوم في وقت اخر.

وقيل يعني ان الحجال لا تمنع رؤيتهم وهو حاصل في ارائك الدنيا ايضا.

وقيل انهم ينظرون الى ربهم بناء منهم على امكان رؤيته تعالى بالعين يوم القيامة حسبما رووا في مجاميعهم وقد مر الكلام في تفنيد هذا القول وهذه الروايات في تفسير قوله تعالى (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)[1] وسياتي ان شاء الله تعالى بتفصيل اكثر في تفسير قوله تعالى (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً..)[2] مع أن هذه الآية لا تدل على ذلك.

ولعل أحسن ما قالوا هو أنهم ينظرون الى الكفار وعذابهم لان نفس هذه الآية اتت في اخر السورة بهذا المعنى لقوله بعدها (هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون)

ولكن الكلام في ان النظر هنا من دون متعلق فهذا التأويل ايضا بعيد.

ولعل المراد بهذا النظر انتظارهم لما يأتيهم من ربهم من زيادة سواء قلنا بان ينظرون بمعنى ينتظرون او ابقي على ظاهره لان المنتظر ينظر الى الباب او الطريق فهو كناية عن الانتظار.

وهذا مما يدل على أن الانسان لا يشبعه النعيم مهما كان حتى يصل الى ربه فينال من قربه وعنايته ما يشبعه وهو ما عبر عنه بالسقي في قوله تعالى (وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا)[3] وهذا الشراب لا يناله كل احد في الجنة فالنعم المادية موفورة وحاضرة للجميع لا حد لها وهناك مزيد من الله كما قال تعالى (لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ).[4]

وهذا المزيد له درجات فالشراب الطهور اعلاه ولا يشربه الا من تطهّر من كل لذة حتى لذائذ الجنة فان الطهور مبالغة في الطهارة ولعله بمعنى أنه طاهر ومطهِّر كما قيل في توصيف المطر بانه طهور في قوله تعالى (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا)[5]

ولعل وجه التوصيف أنه يطهرهم من كل ما عدا حبه تعالى حتى التعلق بلذائذ الجنة فالمقربون هم الواصلون الى تلك الدرجة حيث يسقيهم ربهم الشراب الطهور ومنهم من نزلت فيهم سورة هل اتى واما الابرار فهم ينتظرون ما يمكن ان يأتيهم من ربهم من المزيد وسيأتي مزيد توضيح له.

 

تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ...

الخطاب لكل من يسمع او يقرأ القرآن اي كل من يراهم يجد في وجوههم نضرة النعيم. والنضرة: الحسن والجمال والخلوص. والاضافة الى النعيم من الاضافة الى السبب اي ان السبب في حسن وجوههم وبهجتها هو غاية تنعمهم في الجنة ووفور نعمها. والقصد من الآية الاشارة الى أن كثرة النعم وغاية التهائهم بها وتنعمهم واضح من ملامح وجوههم.

 

يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ...

اي هم مخدومون يسقيهم السقاة خمرا.

والرحيق هو الخمر وقيل افضلها او الخمر الذي لا غشّ فيه. ويبدو من اكثر كتب اللغة انه لا اصل له الا كونه اسما للخمر ولكن الصاحب بن عباد قال في المحيط (حسب رحيق: خالص) وقال ايضا (الرحيق ضرب من الطيب والغِسل) اي ما يغسل به الجسم كالصابون. وقال الزمخشري في الاساس (الرحيق وهو الخالص من الخمر) وقال ايضا (حسب رحيق: لا شوب فيه) فالظاهر انه في الاصل بمعنى الخلوص والنقاء.

والمختوم فيه احتمالان:

الاول: انه من الخمر النفيس الذي يختم عليه فان هذا كان دأبهم يغلقون اواني الخمر اذا كان نفيسا ويختمون الغلق. ومعنى الختم انهم يجعلون عليه شيئا من طين خاص لا تمكن ازالته الا بكسره فيتبين انه قد اخذ منه او اضيف اليه فلا يكون ذلك الخالص.

وبحسب الآية فهذا الخمر مختوم كناية عن كونه نفيسا ولكن ختامه او خاتمه كما قرئ ايضا مسك بدلا عن الطين.

وهذا الاحتمال ضعيف اذ لا خصوصية في المسك ليختم به الغلق بدلا عن الطين ولا حاجة الى الختم في الجنة.

الثاني: ان الاناء الذي يشربون منه الخمر مختوم بالمسك اي يوضع فيه شيء من المسك او اي طيب آخر حتى اذا شربه الشارب وانتهى منه يتلذذ برائحة المسك. والسر في ذلك ان الخمر في حد ذاته له رائحة كريهة ولكن الانسان لا يشعر بها حين الشرب وبعد ان ينتهي منه تشمئز نفسه من رائحته فكانوا يجعلون في الاناء ما يطيب رائحته لكي يتلذذ به الشارب.

وهكذا خمر الجنة فان الشارب يشعر في نهايته برائحة المسك لا تلك الرائحة الكريهة فتوصيفه بانه مختوم بمعنى انه مما جعل فيه الطيب ليشعر به الشارب حين ختمه.

وهذا هو الصحيح وهو الاصل في معنى الختم فانه بمعنى نهاية الشيء واما الخاتم الذي يطبع به الغلق وكذلك ما يختم به الرسائل فانما سمي به لانه يستخدم في خاتمة الامر والخاتم الذي يجعل في اليد ايضا من هذا الباب لانهم يجعلون خاتمهم الخاص بختم رسائلهم فصا لخاتم اليد للحفظ من ان يتلاعب به احد. والمسك مادة تتكون في كيس لنوع خاص من الغزال له رائحة طيبة نفاذة وهو معرب (مشك) بالفارسية.

 

وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ...

(ذلك) اشارة الى الرحيق المذكور. والتنافس مأخوذ من نفست بالشيء اذا بخلت به وكأنه ايضا مأخوذ من النفس اي اردته لنفسي.

فالتنافس محاولة كل واحد من المتنافسين ان يكون الشيء خاصا به وهذا حثّ على المسابقة للحصول على هذا الرحيق ومعناه انه لو كان هناك شيء في الكون يستحق المنافسة فهو هذا الرحيق ويظهر منه الحصر وأنه لا شيء أنفس منه حتى من نعم الجنة فيا ترى ما هو هذا الرحيق؟! ولماذا هو أنفس ما يمكن ان يحصل عليه الانسان؟!

يظهر الوجه من الآيتين التاليتين. والمتنافسون هم الابرار اي عامة المؤمنين واما المقربون فهم السابقون السابقون. ولكن المفسرين اعتبروا الحصر هنا في مقابل خمر الدنيا اي هذا ما ينبغي التنافس فيه لا خمر الدنيا! ولا ادري من هم المتنافسون في خمر الدنيا؟! وما شأنهم في هذه الآية؟!

 

وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ...

المزاج اي ما يمزج به وكانوا يمزجون الخمر بما يكسر سَورته وحِدّته. ومزاج هذا الرحيق يأتي من (تسنيم). وهذا علم لشيء لا يعرفه الناس ولم يسمعوا به ولا هذا الاسم موجود في اللغة وانما اخبر به الله تعالى وهو سماه تسنيما.

واللفظة مأخوذة من السنام وهو يدل على علو وارتفاع وفسره بأنه عين يشرب بها المقربون. و(عينا) منصوب بتقدير (اعني) والباء في (بها) زائدة تفيد التأكيد فالمعنى أنهم يشربونها او بمعنى (من). ومعنى الآيتين واضح وان خفي على كثير من المفسرين.

فالمقربون يشربون من هذا العين خالصا ورحيق الابرار يمزج به. ومن هنا أصبح الرحيق أنفس شيء يمكن لعامة المؤمنين ان يحصلوا عليه وعليهم ان يتنافسوا فيه. ولعل هذا هو ما ينتظرونه من المزيد وهم على الارائك. وكلما كان المؤمن البرّ أقرب الى المقربين في سيرته وعمله وكلما كان أشدّ لهم حبا وولاءا ومتابعة زاد من مزيجه. وهذا كله من الكنايات. والله تعالى أعلم بحقيقة هذا الرحيق وذلك الشراب الطهور!!

والمقربون هم الذين ورد ذكرهم في سورة الواقعة (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ)[6] وجنتهم تختلف عن جنة اصحاب اليمين كما يلاحظ من الصفات المذكورة فيهما وكذلك في سورة الرحمن وقد مرّ في تفسير سورة الانسان ايضا مثل هذا المزج قال تعالى (إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا * يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا)[7] وعباد الله هم اهل البيت عليهم السلام وقد مر بيان الوجه الصحيح في قصة النذر.

 


[1] القيامة: 23

[2] البقرة: 55

[3] الانسان: 21

[4] ق: 35

[5] الفرقان: 49

[6] الواقعة: 10- 14

[7] الانسان: 5- 7