مكتب سماحة السيد مرتضى المهري

إنّ يوم الفصل كان ميقاتا... يوم الفصل هو يوم القيامة كما مر في تفسير سورة المرسلات حيث يفصل فيه بين الحق والباطل وبين اتباعهما وحيث يفصل القضاء بين الظالم والمظلوم.

والميقات مصدر من الوقت والمراد الميعاد من حيث الزمان اي ان يوم الفصل هو موعد الناس اجمعين. والغرض التهديد بيوم المحاسبة بعد ذكر النعم التي يظهر من ملاحظتها ان الانسان مسؤول عن اعماله وتصرفاته بل وافكاره وعقائده.

ولعل الاتيان بقوله (كان) لتفيد أنه سابق في علم الله تعالى وأنه موعد قطعي من الازل فلا مجال فيه لتأخير او تقديم. ويمكن أن يكون من أجل نصب الخبر لتتحد قوافي الآيات الكريمة فالجمال التعبيري مقصود في القرآن بلا ريب.

يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا... بدل عن يوم الفصل مع أن النفخ مقدّم عليه زمانا الا أنهما يشكلان مرحلتين من عالم واحد وهو يوم القيامة بل يظهر كما قلنا في تفسير سورة المرسلات من دمج علامات يوم الانهدام مع يوم القيام أنهما ايضا يعتبران مرحلتين من عالم واحد ويوم واحد حسب التعبير القرآني مع أن بينهما فصلا لا يعلمه الا الله تعالى.

والصور على ما قالوا قرن الثور ينفخ فيه فيخرج صوتا لاعلان حرب او تجمع او غير ذلك وربما يصنعون ما يماثله من حديد ونحوه. ولعل تسمية القرن بالصور لانه مائل وفي العين ان الاصل في هذه المادة هو الميل.

ولعل المقصود هنا ليس نفس النفخ في الصور بل الاشارة الى سرعة الحصول فلا يحتاج الى مقدمات وانما يتحقق يوم القيامة بارادته تعالى.

كما ورد التعبير عنه بالصيحة قال تعالى (مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ * فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ * قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ * إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ).

وقد حاول بعضهم أن يأول الآية وامثالها وهي كثيرة بأن الصور جمع صورة والنفخ انما يتحقق في صُوَر البشر فيحيون.

وهذا غير صحيح قطعا لقوله تعالى (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ)[1] فالنفخة الاولى نفخة الهلاك ولا معنى للنفخ في صور البشر ليموتوا مع أن الوارد في القرآن الصور بسكون الواو لا فتحها ليكون جمعا للصورة.

مضافا الى ضمير المفرد في ذكر النفخة الثانية بقوله (ثم نفخ فيه) فلو كان المرجع جمع الصور لقال (فيها).

والمراد بهذا النفخ النفخة الثانية التي يتعقبها قيام الناس وحضورهم. وفي بعض الروايات الضعيفة أن النافخ في الصور هو اسرافيل عليه السلام ولو صحت الرواية فالمراد أنه هو الملك الوسيط الذي يوصل امر الله تعالى الى الاحياء فيموتون والى الاموات فيحيون.

ولكن الوارد في القرآن الكريم هو المبني للمجهول كما أن سائر ما ذكر هنا ايضا كذلك (فتحت) و (سيرت) وكذلك في غيرها كآيات سورة التكوير والانفطار والانشقاق وغيرها لأن الفاعل في كل ذلك هو الله تعالى.

وقوله تعالى (تأتون) اي تأتون الى ربكم وتحضرون. والفوج: القطيع من الناس كما في العين او الجماعة كما في الجمهرة.

وقال الراغب في المفردات إن معناه الجماعة المارّة المسرعة ولكن يظهر من معجم المقاييس ان الاسراع ليس من هذا الباب حيث يقول (وأما أفاج الرجل اذا أسرع فهو من ذوات الياء والفيج منه) والظاهر كما قاله جمع من اللغويين أن الفيج معرب (پيك) بالفارسية وهو الرسول لانه يسعى على رجليه.

ومعنى حضورهم جماعات أن كل انسان يلحق بمجموعته ولكن ليست المجموعات كما هنا فقد يكون الانسان في الظاهر في هذه الدنيا ضمن مجموعة ولكنه بعيد عنهم فكرا وعقيدة وعملا بل هو جزء من مجموعة اخرى قد لا يكونون معاصرين له في الحياة.

وهذا ايضا من الموارد التي يصرح فيها بالجمع والفصل فهو يوم الفصل اي التفرقة وهو يوم التفويج اي الجمع.

والتفويج اي لحوق كل فرد بالفوج المناسب له يستفاد من آيات كثيرة منها قوله تعالى (وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ).[2]

بل يدل قوله تعالى (وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا..)[3] أن كل مجموعة او كل مجتمع له كتابه. وهذا غير الكتب المختصة بالافراد على ما يبدو.

والسبب فيه أن هناك تصرفات للانسان ضمن العمل الاجتماعي وهو مسؤول عن عمل المجتمع كما هو مسؤول عن تصرفاته الشخصية فيجب علينا ان ننتبه لما يصدر منا من تأييد او شجب او تصفيق لما تتفق عليه كلمة الناس او معظمهم.

وقال العلامة رحمه الله ان مثل هذه الآية قوله تعالى (يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ..)[4] وانما قال ذلك لانه فسر الامام هنا بمن يقود الناس سواء كان حقا ام باطلا.

ولكن الظاهر أن المراد به الامام الحق ولذلك تفرع عليه قوله تعالى بعد ذلك (فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا).

وفتحت السماء فكانت أبوابا... عطف على (ينفخ) ولعل الاتيان بالماضي باعتبار أنه محقق قطعا او لأنه متحقق قبل ان تأتي الافواج الى المحشر.

وقد مر في تفسير قوله تعالى (وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ)[5] أن المراد رفع الحواجز بين الانسان والملك وبتعبير سيدنا العلامة رحمه الله في تفسير هذه الآية (فاتصل به عالم الإنسان بعالم الملائكة).

وأخطأ من ظنّ أن المراد انهدام السماوات والاجرام الفلكية بل المراد بالسماء هنا عالم الملائكة كما ورد التعبير بها عنه في موارد عديدة من القرآن الكريم فالآية نظير قوله تعالى (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا).[6]

وقوله تعالى (فكانت) اي فصارت وقوله (ابوابا) اي ذات ابواب فالتوصيف بها من باب المبالغة.

قيل: ولكثرة الابواب عبر عن السماء بانها هي بذاتها ابواب.

ولعل الغرض بيان أنه يرتفع الفصل نهائيا ويندمج العالمان فليست هناك سماء لها ابواب بل هي كلها ابواب كما عبّر عن هذه الحقيقة بقوله تعالى (فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ)[7] والوردة لا تمنع شيئا وكذلك الدهن فكأنّ هناك شيء ولكنه لا يمنع الاتصال والارتباط وليس كدار له ابواب يمكن ان تغلق او يحتاج الانسان لدخولها من تحري الورود من الباب.

ومثلها التعبير بأنها واهية وكذلك التعبير بالغمام فان المراد منه ان السماء تتشقق ويبقى شيء كالغمام اي السحاب. ومعنى ذلك أنه يبقى هناك اختلاف بين حقيقة الانسان والملك ولا يرتفع هذا الاختلاف ولكن يحصل نوع من التغيير في الانسان فيمكنه الارتباط بالملك والله تعالى عبّر عن ذلك بتنزيل الملائكة وان كان الواقع تغير الانسان الا أن النتيجة واحدة وهي تنزّل الملائكة الى هذه الدرجة بحيث يتصل بهم البشر مباشرة.

وسيّرت الجبال فكانت سرابا... التسيير جعل الشيء سائرا من دون اختيار. والسراب ما يشاهد في الصحراء بفعل الشمس والحرارة بحيث يتوهم أنه ماء وهو لا شيء ويعبر به عن كل أمر يوهم أنه حقيقة وهو في الواقع ليس شيئا فالمعنى أن الجبال تسيّر فتزول وتنعدم.

وقد عبّر عن هذا الامر بوجوه عديدة في القرآن قال تعالى (وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا * فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا)[8] وقال (وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَة)[9] وقال ايضا (وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوش)[10] وقال (يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا)[11] ونحو ذلك.

وفي التفاسير أنّ هذه التعابير تحكي عن زوال الجبال يوم انهدام الكون كما تزول الارض بكاملها وذكر بعضهم أن الجبال تمر بمراحل فهي تدكّ أوّلا ثم تكون كالعهن المنفوش اي الصوف الذي يطرق حتى ينتشر ثم كالهباء اي الذرات المعلقة في الهواء ثم تنسف ثم تصير سرابا.

ولكن يحتمل أن يكون المراد من كل هذه التعابير حقيقة واحدة بيّنها الله تعالى في قوله (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا)[12] وذكرنا في تفسير سورة الحاقة أنه يحتمل ان يكون المراد بيان حالة الانكشاف وعدم امكان التستر واللجوء الى المخابئ في ذلك اليوم ويقصد به دفع توهم الانسان ان بامكانه التستر بالجبال او التهرب من المحاسبة واللجوء الى الكهوف ونحو ذلك كما هو تصور الانسان الساذج.

ولعل هذا هو منشأ سؤال المشركين في قوله تعالى (ويسألونك عن الجبال) حيث كانوا يسألون الرسول صلى الله عليه واله وسلم عن مصير الجبال فلعل السر في سؤالهم أنهم كانوا يعقدون الآمال جهلا وغباءا بالالتجاء اليها.

وهذا نظير ما يحكى عن بعض الملوك والاثرياء قديما انهم كانوا يوصون بان يدفن معهم السلاح والذهب ليدافعوا عن انفسهم او ليدفعوا الفدية.

ولذلك نفى الله تعالى امكان الافتداء بالمال ونحوه في ذلك اليوم فلولا هذا التوهم ما كان وجه لهذا التكرار قال تعالى (وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ)[13] (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ..)[14] وقال ايضا (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ..)[15] وغير ذلك وهي كثيرة.

إنّ جهنّم كانت مرصادا... تفصيل وبيان لما يحصل يوم الفصل. والرصد: الترقب. والمرصاد اسم مكان منه اي إنّ جهنّم موضع يرصد فيه الملائكة من يستحقها فلا يفوتهم أحد منهم.

وقيل إنه بمعنى الطريق وهو اشارة الى أن الجميع يعبرون جهنم كما قال تعالى (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا)[16] ويناسبه قوله تعالى بعده (للطاغين مآبا) ولكني لم أجد أصلا في اللغة لكون المرصاد بمعنى الطريق.

وإقحام قوله (كانت) اما ان يكون للحفاظ على آخر الآيات او بمعنى أنه أمر حتمي لا مجال فيه للرجوع كما مر مثله في قوله تعالى (ان يوم الفصل كان ميقاتا).

و(جهنم) اسم للنار التي أعدها الله لمعاقبة المجرمين يوم القيامة وقيل انه في الاصل عبري او فارسي وقد وردت هذه الكلمة في الشهر الجاهلي على ما يقال وينسب الى عنترة بن شداد قوله (ماء الحياة بذلة كجهنم ــ وجهنم بالعز اطيب منزل).

ويقال ان جهنم اسم واد قريب من القدس وله قصة تاريخية عند اليهود والاصل في تسميته (جي بن هنوم) او (جي هنوم) فتحول الى جهنم. ومما يدل على انها ليست عربية عدم انصرافها للعجمة والعلمية. والله العالم.

للطاغين مآبا... اي كانت للطاغين مآبا. والطغيان والطغوى بمعنى واحد ووردتا في القرآن قال تعالى (وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ)[17] وقال (كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا)[18] وهو كل شيء يجاوز القدر كما في العين او الحد كما في الجمهرة. ومنه قوله تعالى (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ)[19] في اشارة الى طغيان الماء في عهد نوح عليه السلام.

والمراد بالطغيان هنا الطغيان على الله تعالى وهو يصدق باي معصية ولا يختص بالكفر والشرك كما قال المفسرون وليس معناه مجاوزة الحدّ في العصيان كما ورد في بعض التفاسير وكتب اللغة بل هو تجاوز الحدود التي عينها الله تعالى ولكن القرائن الموجودة في الآيات التالية تدل على أن المراد المكذّبون بالرسالات.

والمآب اسم مكان من الاوب وهو الرجوع فمرجع الطاغين جهنم قال في الميزان (والعناية في عدها مآبا للطاغين أنهم هيأوها مأوى لأنفسهم وهم في الدنيا ثم إذا انقطعوا عن الدنيا آبوا ورجعوا إليها) ولا بأس به.

ويمكن أن يكون اطلاق المآب على جهنم من باب أنها مسكنهم ومأواهم والمسكن يطلق عليه المآب والمرجع لأن الانسان يرجع اليه كلما خرج الى غيره.

لابثين فيها أحقابا... اي حال كونهم مقيمين فيها أحقابا. واللبث: المكوث والاقامة. والاحقاب جمع حقبة بكسر الحاء وهي كما في العين زمان من الدهر لا وقت له او جمع الحقب بضمتين او بسكون القاف قيل هو ثمانون سنة وقيل اكثر والظاهر انه بنفس المعنى.

وقد ورد الحقب في قوله تعالى (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا)[20] اي زمانا طويلا من غير تحديد.

وهناك بحث في أن هذه الآية ربما تخالف ما صرّح به في آيات كثيرة من الخلود والابدية. ومن الناس من يأول الخلود بالبقاء الطويل كما ورد في بعض استعمالات العرب ولكن سياق الآيات كالصريحة في أن من يخلد في النار ليس بخارج منها وانه ياتيه الموت من كل مكان وما هو بميت وانهم يتمنون الموت ويقولون ياليتها كانت القاضية او يطلبون من خازن النار بقولهم ليقض علينا ربك فياتيهم الجواب انكم ماكثون.

والحاصل أن الآيات والروايات ظاهرة بل صريحة في أن الانسان موجود ابدي لا يفنى اما في نعيم دائم او في عذاب خالد.

وقد ورد في بعض الروايات ما يقتضي التحديد ايضا وهي كلها ضعيفة. ففي الدر المنثور روى عدة روايات منها قوله (اخرج ابن عمر العدني في مسنده وابن أبى حاتم والطبراني وابن مردويه بسند ضعيف عن أبي امامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً قال الحقب ألف شهر والشهر ثلاثون يوما والسنة اثنا عشر شهرا والشهر ثلاثمائة وستون يوما كل يوم منها ألف سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ فالحقب ثمانون ألف سنة).

وفي متن الحديث خطأ واضح اذ لو كان الحقب الف شهر والشهر ثلاثين يوما واليوم الف سنة فكل حقب ثلاثين مليون سنة والاحقاب لا يعلم عددها الا الله تعالى ولكنه محدود على كل حال واما ما ذكر ان السنة اثنا عشر شهرا فلا دخل له في المحاسبة والظاهر ان كلمة (الشهر) بعده زائدة ومهما كان فكون النتيجة ثمانين الف سنة لا يترتب على اي منها.

ثم قال (وأخرج البزار وابن مردويه والديلمي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال والله لا يخرج من النار أحد حتى يمكث فيها أحقابا والحقب بضع وثمانون سنة كل سنة ثلاثمائة وستون يوما واليوم ألف سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ قال ابن عمر فلا يتّكلن أحد على انه يخرج من النار).

ويظهر من هذه الرواية ان هذا حكم الجميع فكل من يدخلها حتى من المؤمنين يبقى احقابا وهو لا ينافي الابدية لبعضهم الا ان التعميم بعيد عن مفاد الآية. والروايات كلها ضعيفة عند العامة ايضا وبعضها لا يتصل بالمعصوم.

وروى الصدوق في معاني الاخبار رواية مجهولة السند ومرسلة عن ابي عبد الله عليه السلام في قول الله عز و جل «لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً» قال: الاحقاب ثمانية احقاب والحقب ثمانون سنة، والسنة ثلاثمأة وستون يوما، واليوم كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ. وفي هذه الرواية حدد عدد الاحقاب ايضا والنتيجة ان الاحقاب 640سنة و230400 يوما واذا ضربناه في الف سنة فالحاصل 230400000. وهو زمان محدود وان كان طويلا جدا.

وهناك رواية عن حمران بن اعين عن الامام الصادق عليه السلام في تفسير القمي انه قال (هذه في الذين لا يخرجون من النار) ولم يرد فيها تفسير ولا تحديد للاحقاب.

والسند ضعيف عندي وان صححه بعض الاعلام مضافا الى ان التفسير غير ثابت الاستناد ومضافا الى ان العياشي روى الرواية مرسلا عن حمران عن ابي جعفر عليه السلام قال (هذه في الذين يخرجون من النار). وهو اولى لان الآية مما يستظهر منها التحديد ومعنى هذه الرواية أن هناك من يخلد في النار والآية لا تشملهم وهو مخالف لظاهر الآية ومستبعد.

واجيب عن دلالة الآية على عدم الخلود بوجوه:

الاول: أن الاحقاب ليست مدة محددة كما في كتاب العين حيث قال ان الحقبة زمان من الدهر لا وقت له فلا ينافي البقاء أبدا.

ولكن لو كانت الاحقاب بمعنى أزمنة من الدهر لا وقت لها فهي محدودة على كل حال ولكن لا يعلم حدّه او انه تعبير عن زمان طويل جدا ولا يقتضي الخلود والابدية اذ ليس معنى الحقبة بناء على ذلك اللانهاية ولا ما يشمله. وأما اذا فسرت الحقبة او الحقب بثمانين سنة او اكثر فالامر واضح.

الثاني: ان المراد بالاحقاب حقبا بعد حقب فليس فيه تحديد بزمان معين بل هم باقون فيها أحقابا متوالية لا حد لها فالمراد بالآية انهم خالدون فيها الا أنهم يبقون حقبا بعد حقب.

وهو كلام غريب اذ لا فائدة في ذكر الاحقاب حينئذ الا انه اكثر من حقبة واحدة وهو عين التحديد ولو قال لابثون سنين لكان صحيحا ايضا ومن الواضح ان هذا ليس هو المراد بالابدية واللانهاية.

الثالث: أن الآية ليست صريحة في تحديد مدة البقاء في النار بالنسبة للجميع وانما تدل على أنهم أجمعين يبقون أزمنة طويلة ولا ينافي أن بعضهم يبقى مخلّدا والله تعالى يعلم من يستحق الخلود منهم وأما غيرهم فيخرجون بعد اللبث أحقابا والآية ساكتة ايضا عن مصيرهم بعد ذلك. ويتأيد هذا المعنى بما رواه العياشي مرسلا عن حمران كما مرّ.

ولكن مورد الآية الذي نُفي عنه الخلود حسب الفرض هو بنفسه من حُكم عليه بالخلود والابدية في سائر الآيات حيث ذُكر من صفاته هنا الطغيان وانكار الآخرة وتكذيب الآيات والرسالات فان كان هذا غير مخلد فمن هو المخلد؟!

الرابع: ان ما يأتي في الآيات التالية من انهم لا يذوقون بردا ولا شرابا الى اخره صفة للاحقاب ثم يتحول عذابهم الى كيفية اخرى فهم لابثون أبدا ولكنهم يعذبون بهذه الطريقة أحقابا ثم بطرق اخرى. قال العلامة قدس سره (وهو حسن لو ساعد السياق).

الخامس: ما يخطر بالبال وهو ان التعبير بالبقاء أحقابا لا ينافي الابدية بذاته اذ يصح ان يقال في حقهم انهم يبقون احقابا فالمخلد في النار يصح ان يقال فيه انه يبقى آلاف السنين فكيف بان يقال يبقى مدة غير محدودة. وانما نشأ الاشكال من اختيار هذا التعبير الموهم بدلا عن الابدية والخلود الصريحين فتشبّث به بعضهم لنفي الابدية الحقيقية.

ولعل الموجب لاختياره التنبيه على طول المدة من غير تحديد ليكون مفهوما مقاربا للابدية الحقيقية يفهمه المخاطبون. وذلك لان العرب الجاهلي وهم المخاطبون بالآية المكية ما كانوا يستوعبون مفهوم اللانهاية والابدية ولعلهم كانوا يفهمون من الخلود والابدية المدة الطويلة او الى اخر العمر كما يقال الحبس المؤبد او المخلد لمن يبقى في السجن الى اخر عمره فلعلهم كانوا يفهمون من كل ما ورد من الآيات المشتملة على الخلود والابدية انه على اكثر تقدير يبقى في العذاب الى اخر عمره هناك فيختلط الامر عليهم بل هو غير مفهوم لكثير من الناس الى يومنا هذا فاراد الله تعالى ان ينبههم على أن المدة ليست محددة بما تظنون بل هي احقاب غير معلومة العدد وكل حقب مدة طويلة غير محدودة ولا يقصد بذلك التحديد بمدة طويلة بل للاشارة الى ما يمكنهم تصوره من طول المدة.

والواقع أنّ منافاة الآية للخلود واللانهاية من جهة اقتضاء التعبير المحدودية غير واضحة حتى للمفسرين وحتى لبعض المتأخرين منهم ولذلك تشبثوا للجواب عن الاشكال بأن الحقبة بمعنى الزمان غير المحدود لا ينافي الخلود او انه بمعنى الحقبة بعد الحقبة ولم ينتبهوا ان كل ذلك يستلزم المحدودية وتنافي الخلود لانه امر دقيق فكيف بالعرب الجاهلي الذي لا يتصور معنى الخلود.

وقد تمسك بعض المتأخرين ممن رفض الخلود والابدية بمعنى اللانهاية في العذاب بأن الجزاء بناءا على ذلك ليس وفاقا لعملهم حينئذ وسيأتي قوله تعالى (جزاء وفاقا) فانهم لم يعصوا الله تعالى ولم يشركوا به الا في زمان محدود فكيف يمكن أن يكون العذاب المؤبد جزاءا وفاقا لعملهم؟!

والجواب أن موافقة الجزاء انما هي من حيث ذات العمل وأما من حيث الزمان فهو يتبع أبدية الانسان فاذا ثبت أنه موجود أبدي وأن عمله لا ينفك عنه وأنه بصورته الواقعية عذاب له فانه سيبقى في ذلك العالم المؤبد بصورة طبيعية معذّبا كما أن الانسان المجرم اذا كان له ضمير حيّ فانه يؤنّبه ويوبّخه ويعذّبه طيلة حياته في هذه الدنيا مع أن عمله لم يكن الا في لحظة غضب او شهوة او طمع ولو قدّر للانسان ان يخلّد في الدنيا فانه يبقى خالدا في العذاب النفسي.

ولو صحّ هذا الاشكال فانه يأتي في بقاء العذاب احقابا ايضا اذ هو لم يشرك احقابا بل هذا يمنع العقوبات الدنيوية التي يفرضها المجتمع البشري على المجرم فانه يسجن مثلا مؤبدا او الى مدة طويلة مع أن مدة الجريمة ربما لا تتجاوز لحظات.

كما أن سائر ما يذكر من وجوه الاستبعاد في الخلود من أنه لا يناسب رحمة الله تعالى وأن رحمته سبقت غضبه وأن الرحمة هي المقصودة من الخلق لقوله تعالى (إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ..)[21] كل ذلك لو صح الاستناد اليها للزم منع كل هذه العقوبات الشديدة المذكورة في القرآن ومنها عدم الاصغاء الى دعوات اهل النار بل توجيه الخطاب العنيف اليهم. لاحظ قوله تعالى في الآيات التالية:

(وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ * أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ)[22]

(إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)[23]  

وغيرها من الآيات التي تنصّ على أن غضبه تعالى يوم القيامة شديد جدا وأنه لا يبقى مجال للرحمة على أهل النار من الكفار والمنافقين ابدا.

ويلاحظ أن هناك من البشر من تسبب في حرمان دائم لآخرين كما لو قتل مؤمنا فحرمه من كسب الخير وحرم عائلته من العيش تحت ظله وأظلم منه من تسبب في إضلال الناس فتبعه الملايين من البشر وحرمهم من رحمة الله تعالى فهل مثل هذا يقاس عمله بالسنين التي اشرك فيها؟!

لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا... الذوق: الاحساس بالطعم. ويستعمل مجازا في غيره كتذوق الرحمة او العذاب او الموت وورد متكررا في القرآن كقوله تعالى (وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ)[24] وقوله (إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ)[25] وقوله (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ..)[26] وغير ذلك.

وهنا استعمل في المعنى الحقيقي والمجازي فتذوّق البرد ليس من الطعم بخلاف الشراب. والمراد أنهم لا يجدون بردا يستريحون به من حرارة النار ولا شرابا ينقذهم من العطش.

الا حميما وغسّاقا... الحميم: الماء شديد الحرارة، وأما الغسّاق فقد قيل: انه القيح الخارج من القروح. وفي الجمهرة (غسق الجرح يغسق اذا سال منه ماء اصفر) وفي العين انه بمعنى المنتن. وفي الصحاح (البارد المنتن).

ويحتمل أن تكون هذه الكلمة من الالفاظ التي اتخذت في القرآن الكريم مصطلحا خاصا للحكاية عن معان غير مأنوسة للبشر ولذلك لا يوجد في لغاتهم ما يحكي عنها فاخترع لها الفاظ مناسبة كالزقوم وغسلين وغساق وسجين وغيرها.

ولعله يرتبط بما يعود على أصحاب النار من نتائج أعمالهم فكما أن أهل الجنة ينالون الفواكه المتنوعة نتيجة عملهم الصالح، كذلك أهل النار ينالون من عملهم ما تشمئزّ منه النفس ويستخبثه الطبع، وقد لا يكون أمرا ماديا كي يفسر بالقيح والصديد، بل هو نتيجة الظلم والاعتداء على الناس فقد يكون امرا معنويا ولكن حيث كانت تلك الامور غير مأنوسة للبشر ولم يوجد لها ما يشابهها في الارض اخترع في القرآن الفاظ رمزية للدلالة عليها.

واستثناء الحميم والغساق قد يكون من اللف والنشر اي لا يذوقون بردا الا الماء الحار فيكون استثناءا منقطعا ولا شرابا الا الغساق وقد يكون استثناءا من الشراب فقط فيكون متصلا وهو اولى.

جزاء وفاقا... حال من الحميم والغساق او من جهنم و(وفاقا) مصدر بمعنى اسم الفاعل اي جزاء موافقا لعملهم كما أشار الى الموافقة في الآية التالية.

والقرآن كرّر هذا المعنى اي موافقة الجزاء للعمل بل ظاهر بعض الآيات أن الجزاء هو نفس العمل يتجسم او يتجلى بصورته الحقيقية التي يجهلها الانسان في الدنيا.

ولعله مع التأمّل الدقيق نجد أنّ واقع العمل مخالف بوضوح لما يتراءى منه حتى في هذه الدنيا فالذي يخطب ويكذب متعمدا ظاهر عمله هو خطابة يدعو فيها الناس الى الخير ولعله يجيدها فيصفق له الحاضرون وتعجبه نفسه آنذاك ولكنه اذا خلا بنفسه وراجع ضميره فقد يخجل من عمله حيث يراه بصورته الاصلية وهو كذب وخداع للناس.

وهكذا سائر أعمال البشر وكثيرا ما يخدع الانسان نفسه ويصوّر عمله بحُلّة مزينة خصوصا فيما يعود الى النية والغرض فيقول في نفسه انه لم يقصد بذلك الا الخير للناس وان كان كاذبا فيما يقول.

والحاصل أن العمل اذا تجلّى بصورته الحقيقية كما يحصل يوم القيامة فانه بنفسه عذاب للانسان ما فوقه عذاب.

انهم كانوا لا يرجون حسابا... الحساب: المحاسبة وهو العدّ. والمراد عدّ اعمال الانسان خيرها وشرها. والرجاء: الامل اي توقع الخير.

وقد وقع الكلام في وجه التعبير به مع أن المناسب للحساب ان يقال يحذرون لأن الانسان يكره ان يحاسب على عمله فقيل ان المراد به هنا الخوف وانه انما يعبر عن الخوف بالرجاء لتلازمهما.

وهو صحيح في مثل الحساب حيث انه يشتمل على الامرين الثواب على الخير والعقاب على الشر واما التلازم مطلقا فلا وجه له.

فلعل اختيار هذا التعبير هنا بدلا من الحذر مع انه قد يكون اولى وانسب بالنظر البدوي من جهة الاشارة الى انهم لم يهتموا باحتمال الآخرة اقل احتمال بحيث انهم لم يرجوا ثوابا على ما يعملون من خير فضلا عن الحذر من العقاب والانسان لا يعتبر كل اعماله شرا بل الغالب انه يعتبر كل عمله خيرا.

وعلى كل حال فهذه الجملة تعليل لقوله جزاء وفاقا اي ان تكذيبهم للاخرة الى هذا الحد لا يكون الا لمعاندة الحق فان رسل الله تعالى أكّدوا على ان الانسان مجزيّ باعماله في يوم القيامة وهم اناس مشهود منهم التقوى والصلاح والنصيحة للناس والزهد في الدنيا فكان عليهم ان يهتمّوا بهذا الاحتمال على الاقل واما التكذيب القاطع وعدم الرجاء وبالتبع عدم الخوف من ترتب اي اثر على الاعمال فهو ليس الا عنادا واستكبارا عن قبول الحق وعن التسليم لامر الله تعالى فما يجدونه من العذاب موافق لعنادهم.

وقوله (كانوا) اي كانوا بحيث لا يرجون. ومثل هذا التعبير اي كان يفعل كذا او لا يفعل كذا يدل على أن التكذيب مستمر فيهم ومتمكن منهم ومن نفسياتهم المعاندة كأنه جزء من طبيعتهم ولو قيل بدلا منه انهم ما توقعوا الحساب لكان المعنى أنهم لم يرجوه ولو اتفاقا من جهة عدم التنبه او الغفلة او عدم الاطمئنان فهناك فرق بين ان تقول زيد لم يصلّ مثلا وزيد كان لا يصلي اي كان هذا مقتضى طبعه الثانوي وكان مصرّا عليه.

وكذّبوا بآياتنا كذّابا... المراد بالآيات آيات القرآن او مطلق آيات الله تعالى الكونية والرسالية التي تدلّ على ربوبيته وتوحده. والتكذيب اعتبار الخبر كذبا وعدم الايمان به.

والكِذّاب مصدر من مصادر باب التفعيل اي كذّبوا تكذيبا والاتيان به للاشارة الى نوع التكذيب اي كذّبوا بها ايّما تكذيب فان الانسان قد لا يصدّق بالخبر ولكنه لا ينكره وقد ينكر ولكنه لا يشدّد النكير ويبقي مجالا للتوجيه والاحتمال.

واما الذي يكذّب بشدّة ولا يقبل اي مراجعة بل لا يسمع من المخبر اي استدلال وتوجيه فهو معاند للحق لمرض في قلبه فحقّ له ان يعذّب ابدا.

وكلّ شيء أحصيناه كتابا... اي أحصينا كل شيء من أعمالهم او أحصينا كل شيء فيشمل أعمالهم.

وهذا جواب عن عدم رجائهم للحساب فيقال لهم إنّ الحساب دقيق وشامل شئتم ام ابيتم والاعمال كلها مكتوبة عليكم.

والاحصاء العدّ الدقيق مأخوذ من الحصى حيث كانوا يعدّون بها الاشياء. وكتابا مصدر بمعنى المفعول اي مكتوبا فيكون حالا لكل شيء او يكون مفعولا مطلقا للاحصاء لبيان نوعه اي احصاء بالكتابة. قالوا ان المراد بالكتابة الحفظ الدقيق بحيث لا يشذّ منه شيء لان الكتابة أحفظ للمعلومات بوجه عام.

ويمكن أن يكون المراد الجمع فانه هو المعنى الاصلي للكتابة ويكون الغرض أن المحاسبة تكون على الاعمال مجتمعة لا متفرقة وهو امر دقيق في المحاسبة ولا يمكن ذلك في محاكمات الدنيا لعدم علم المحاكم بكل الجزئيات وربما لا يلاحظ مجموع ما يعلم فيفوتهم بعض ما يستحق المذنب او لا يتبين الحق بكل جوانبه اما يوم القيامة فتحضر كل ظروف العمل وملابساته فان العمل يوجد بنفسه مع كل هذه الامور ليكون الحساب دقيقا.

فذوقوا فلن نزيدكم الا عذابا... اي فيقال لهم ذوقوا.. ولا يلزم تقدير القائل فانه قد يكون لسان الحال كما مر مرارا. والفاء لتفريع هذا الخطاب على ما مرّ من ذكر عنادهم في مواجهة دعوة الانبياء وتكذيبهم للآيات وفي الجملة إيئاس لهم من قبول اي طلب للعفو او للتخفيف ورفض لاي رحمة بل اعلام بأن العذاب سيزيد عليهم بل لا يزيد عليهم شيء الا العذاب.  

وبناءا على أنّ (لن) لنفي الأبد كما قيل فهذه الآية ايضا تدل على الخلود والابدية في العذاب. ولعل هذا هو ما أشار اليه العلامة الطباطبائي قدس سره بقوله (والآية لا تخلو من ظهور في كون المراد بقوله: «لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً» الخلود دون الانقطاع). ولكن الموجود في كتب اللغة انها لنفي المستقبل فحسب.

 


[1] الزمر: 68

[2] التكوير: 7

[3] الجاثية: 28

[4] الاسراء: 71

[5] الحاقة: 16

[6] الفرقان: 25

[7] الرحمن: 37

[8] الواقعة: 5- 6

[9] الحاقة: 14

[10] القارعة: 5

[11] المزمل: 14

[12] طه: 105- 107

[13] البقرة: 48

[14] آل عمران: 91

[15] المائدة: 36

[16] مريم: 71- 72

[17] الانعام: 110

[18] الشمس: 11

[19] الحاقة: 11

[20] الكهف: 60

[21] هود: 119

[22] المؤمنون: 103- 108

[23] آل عمران: 77

[24] الروم: 46

[25] الصافات: 38

[26] العنكبوت: 57