مكتب سماحة السيد مرتضى المهري

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ... حيث كان الحديث عن قول المشركين: هذا سحر وانا به كافرون ثم استبعادهم نزول رسالة السماء على انسان فقير وانه ينبغي ان ينزل على رجل من القريتين عظيم وبعد الرد على ذلك بالآيات السابقة انتقل السياق الى الاستشهاد برسالة موسى عليه السلام كما استشهد بقصة ابراهيم عليه السلام للرد على تمسكهم بسنة آبائهم.

والتشابه بين قصة موسى عليه السلام وما دار من الحديث هنا ان فرعون وقومه ايضا وصفوا الآيات المرسلة اليهم بواسطته عليه السلام بانها سحر وذكر فرعون نفس الاستبعاد المذكور وان موسى فقير وليس له اسورة من ذهب وانه هو صاحب الثراء والسلطان كأنه يريد ان يقول: لو كانت هناك رسالة من السماء تنزل على بشر لكانت تنزل عليّ!!

والمراد بالآيات المعاجز الواضحة التي كانت معه عليه السلام بقرينة قوله تعالى بعد ذلك (وما نريهم من آية..) وهي تسع كما قال تعالى (وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ..)[1] وقد اختلف المفسرون في تطبيقها فقيل ــ كما في الميزان وغيره هي العصا واليد البيضاء والسنين (اي الجدب) ونقص من الثمرات والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم.

اما العصا واليد البيضاء فهما الآيتان الاوليان اللتان بعث بهما الى فرعون كما ورد في قوله تعالى (فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ)[2] وذكر خمسة منها في قوله تعالى (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ..)[3] وورد ذكر السنين قبل هذه الخمس قال تعالى (وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ)[4] والمراد بها السنين التي لم تنزل فيها المطر فاصيب الناس بالقحط والغلاء. ويبدو من سياق الآيات أن هذا الجدب كان قبل هذه الخمس.

ولكن الكلام في التاسع فذكر بعضهم النقص في الثمرات واعتبره مغايرا للسنين وذكر بعضهم فلق البحر باعتبار ان نقص الثمرات عطف تفسير وهو نفس المجاعة والظاهر انه هو الصحيح. والمراد بكون العصا آية تبدلها الى ثعبان لا كل ما صدر من الآيات بسببها ليشمل فلق البحر. ولعل أعظم الآيات هو فلق البحر وكانت آخر آية شاهدها فرعون وملؤه وما اعتبروا بها فما أغباك يا أيها الانسان؟! 

والملأ هم اعيان القوم الذين يملأون أعين الناس بمالهم وجاههم وانما خاطب فرعون وملأه خاصة لأنه عليه السلام كانت له رسالة خاصة اليهم غير الرسالة العامة وهو يرتبط بارسال بني اسرائيل. واختصر بيان رسالته فقال (اني رسول رب العالمين) وكفى ان يكون الرسول مرسلا من قبل رب العالمين في وجوب اطاعته وامتثال اوامره. والآية لم تذكر جواب القوم ولكنه يعلم من الجملة التالية (فلما جاءهم بآياتنا..) فتدل على انهم طلبوا منه آية ودليلا على رسالته.

فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآَيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ... (اذا) فجائية. ووجه الاتيان بها أنّه غير متوقع فانهم بانفسهم طلبوا منه دليلا ولا يمكن للرسول ان يأتي بدليل على ارتباطه بالغيب الا باتيان المعجز وكانت حجته باهرة فقد القى عصاه وانقلب ثعبانا مبينا ارتاع منه فرعون وعلم أنّه أمام رسالة حقيقية وان الله تعالى يؤيده بالمعاجز فما كان منه الا الاستكبار والعناد. ثم انهم لم يأتوا في قبال معجزه الواضح بدليل مقنع او وجه منطقي للشك وانما ضحكوا واستهزأوا به. فجاءتهم الآيات متتالية كما مرّ ذكرها فكانت تنزل عذابا لهم من جهة وحجة دامغة من جهة اخرى.

وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا... اي وما كنا نريهم.. وربما يستغرب هذا التعبير من جهة انه كيف تكون كل آية اكبر من الاخرى اذ النتيجة أن الاخرى ايضا اكبر من هذه الآية وهذا تناقض واضح. واجيب بان هذا تعبير متداول والمقصود ان كل واحدة منها بالغة غاية الوضوح في الاعجاز فكل منها كبيرة غاية الكبر فاذا لاحظت كلا منها في نفسها تجدها أكبر من اخواتها وحينما تلاحظ الاخرى تجدها ايضا كذلك بخلاف ما اذا لاحظتها جميعا مع بعض بملاحظة واحدة فترى وجوه الفرق. ومثل هذا التعبير يقال في لغات اخرى ايضا. ولكن يمكن ان يكون المراد من اختها اي التي قبلها خاصة فكانت كل آية اعظم واوضح دلالة من التي قبلها.

وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ... اي لم يكن القصد من العذاب الانتقام والا لاستأصلهم عن بكرة أبيهم. وقد مر مرارا ان (لعل) ليست للترجي كما اشتهر بل لبيان انه امر متوقع فالعذاب انما أتاهم لتكون الارضية صالحة لرجوعهم عن معاندة الحق.

وَقَالُوا يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ... طلبوا منه عليه السلام ان يدعو ربه ليكشف عنهم العذاب وتعهدوا بانهم سيهتدون اذا رفع عنهم العذاب. والغرض من الاهتداء الايمان بما جاء به موسى عليه السلام وليس فيه اعترافا بالضلال. هذا هو الظاهر من العبارة الحاكية لخطابهم ولكن ربما يبدو بعض التنافي بين التعبير بالساحر وفيه تهكم واستخفاف ثم التعبير بـ (ربك) دون (ربنا) او (الله) مثلا ثم قولهم (بما عهد عندك) دون (ما وعدنا) مثلا او نحو ذلك مما يكون حافزا لاستجابة الطلب فهناك نوع تناف بين هذه التعبيرات وبين طلب رفع العذاب وهناك تناف آخر بين ما ورد في هذه الآية وما ورد في سورة الاعراف في نفس الموضوع حيث قال تعالى : (وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ)[5] فلم يرد هناك التعبير بالساحر.

وحاول المفسرون رفع التنافي فقال بعضهم: ان الساحر عالم ومحترم عندهم فليس التعبير به تهكما واستخفافا. ولكن هذا غير صحيح حتى لو كان الساحر محترما عندهم فان توصيف من يدعي رسالة السماء بانه عالم او شاعر او انسان عبقري وذكي وغير ذلك من الاوصاف التي تعتبر في حد ذاتها اوصافا جميلة ليس الا تكذيبا لرسالته ومن هنا فان من المؤسف ان بعض المسلمين يعجبه تعبير بعض المستشرقين عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بمثل هذه التعابير مع ان ذلك ليس الا خبثا ومكرا فهم يكذبون الرسالة بهذه الطريقة المستحسنة.

وقال بعضهم ان التعبير بالساحر لم يرد في كلامهم بقرينة آية سورة الاعراف ولكن الله تعالى نسب اليهم هذا التعبير بمناسبة المقام نظير ما ورد في قوله تعالى (انا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله) وهم لا يعترفون برسالته. وهذا ايضا غير صحيح لان التعقيب هناك من الله تعالى اما باعتبار انهم في قرارة انفسهم يعلمون ذلك او انه تمت الحجة عليهم او لوجه آخر ولكنه على كل حال توصيف حسب الواقع ولكن التعبير هنا على خلاف الواقع فان لم يكن صادرا عنهم فلا وجه له.

وأما ما ورد في سورة الاعراف فلا يدل على عدم ورود التعبير بالساحر لاحتمال تعدد الواقعة بل لعله الظاهر من سياق آيات سورة الاعراف حيث قال تعالى: (وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ... فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ) فاذا لاحظنا تعدد وقوع الرجز عليهم فالظاهر انه كلما وقع عليهم طلبوا منه كشفه فلما كشفه عنهم نكثوا العهد فلعلهم في بعض ذلك عبروا بالساحر وفي بعضه بموسى.

ولو فرضت وحدة الواقعة فيحتمل صدور هذا التعبير عن بعض دون بعض ولو فرضت وحدة التعبير فالظاهر انهم عبروا بالساحر ولكن الله تعالى لم يعبر به في سورة الاعراف لعدم الحاجة الى التركيز على ذلك في عبارتهم ولا وجه للعكس كما مر بيانه.

ومهما كان فالظاهر ان تعبيرهم بالساحر هنا وسائر ما مر انما يدل على تعنتهم واستكبارهم حتى في هذا الحال وبالطبع فانهم لم يكونوا يلجأون الى الاستدعاء واظهار الحاجة الا بعد استنفاد كل الوسائل وبعد الاضطرار والضيق الشديد واليأس من كل السبل الطبيعية وفي هذا الحال ايضا كان الكبر والغرور باديا على وجوههم ونطقهم وهذا دأب المستكبرين في الدنيا فهم حتى اذا دعوا ربهم في اشد الضيق يستنكفون من التذلل واظهار العبودية. والغرض من التركيز على بيان ذلك تسلية المؤمنين بان ما يشاهدونه من تعنت طواغيت العرب ليس بدعا من الامر وان الله تعالى يمهلهم كما امهل السابقين فقوم فرعون بالرغم من هذا الطغيان الواضح استجاب موسى طلبهم ودعا ربه واستجاب الله دعاءه وكشف عنهم الرجز وهم مع ذلك عادوا الى كفرهم ونكثوا ما عاهدوا الله عليه.

والظاهر ان المراد بقوله (بما عهد عندك) اي بالكيفية التي عهد عندك من الدعاء. والعهد بهذا المعنى يتعدى بـ (الى) ايضا كقوله تعالى (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ)[6] وأصله بمعنى القاء العهد اليه وايصائه بحفظه والالتزام به. وفي الميزان وغيره: ان المراد عهده بانه يكشف العذاب اذا آمنوا.. وهو بعيد فانه على ذلك لا حاجة الى الدعاء.

فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ... النكث هو النقض اي نقضوا عهدهم المذكور في الآية السابقة فلم يؤمنوا بموسى عليه السلام ولم يرسلوا بني اسرائيل وعادوا الى طغيانهم وهذا من عجيب امر الانسان واصراره وعناده للحق. وقد مر وجه التعبير بـ (اذا) الفجائية فان الغرض على الظاهر هو انهم على خلاف ما يتوقع من الانسان العاقل نكثوا العهد بعد ذلك الضيق والشدة التي ألجأتهم الى ذلك التعهد والالتزام. ويزيد الامر غرابة واستهجانا ما يظهر من سورة الاعراف ــ كما مر بيانه ــ من تكرر هذا التعهد ثم النكث في كل مرحلة من مراحل العذاب او في بعضها.

وربما تستغرب استجابة موسى عليه السلام لدعائهم بعد النكث المتكرر منهم ولكن لا غرابة فيها فان هذا الامر من الله تعالى وهو خبير بهم وبنكثهم من اول الامر وانما يستجيب الدعاء والتوبة لان رحمته سبقت غضبه ولاتمام الحجة وليرجع من يرجع وان كان نادرا وهكذا يفعل الله التواب الرحيم بكل عباده.

 


[1] النمل: 12

[2] الشعراء: 32- 33

[3] الاعراف: 133

[4] الاعراف: 130

[5] الاعراف: 134

[6] يس: 60