مكتب سماحة السيد مرتضى المهري

وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لله الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (37) فَإِنِ اسْتَكْبَرُوافَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (38) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39)

 

ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر... يعود السياق الى التنبيه على وحدة الاله والتوحيد في العبادة، فالواو للاستيناف، والضمير يعود الى الله سبحانه. والتذكير بالآيات الكونية مما تكرّر في القرآن بكثرة، ومنها الليل والنهار والشمس والقمر.

وذلك لأنّ تكرّر عروض هذه الآيات وتجدّدها اليومي، واُنس الانسان بها يوجب غفلته عن عظمتها، وعن أهميّة دورها في الحياة على هذا الكوكب، مع أنّها من أهمّ نعم الله تعالى، بل لولاها ولولا تعاقبها لم يمكن تكوّن الحياة واستمرارها عليه، فلو كان الليل مستمرّا لتجمّد وجه البسيطة، ولو كان النهار مستمرّا لذابت عناصر الحياة بالحرارة، الى غير ذلك من الآثار والنعم الالهية التي تحصل بأصل وجود هذه الآيات وبتعاقبها ونظامها الخاص.

لا تسجدوا للشمس ولا للقمر... قيل: إنّ بعض عرب الجزيرة كانوا يسجدون للشمس والقمر يظنّون أنّ فيه تقرّبا الى الله تعالى باعتبار أنّهما من آياته الكبرى بنظرهم. ولكنّه غير ثابت. ويبعد أن يكون خطابا للصابئة وأمثالهم ممن قيل إنّهم يعبدون الشمس او الكواكب.

ولا يبعد أن لا يكون الخطاب لفئة بعينها، وأن يكون المراد بالسجود مطلق الخضوع والتعظيم، ولذلك أبدله بالتسبيح في الآية التالية. والظاهر أنّ ذكر الشمس والقمر من باب المثال لما يجلب انتباه الانسان من مخلوقات الله تعالى ومن الاسباب الظاهرية.

والغرض أنّ الانسان يجب أن لا يخضع لهذه الوسائط التي هي مخلوقات لله تعالى، بل يخضع ويسجد لله وحده الذي خلقها وبيده أمرها، وهي خاضعة لارادته تعالى، بل هو الذي سخّر هذا الكون لمصلحة الانسان، كما قال تعالى (وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ..)[1] فلا ينبغي للانسان أن يخضع إلّا لربّه.

واسجدوا لله الذي خلقهنّ إن كنتم إيّاه تعبدون... اي إن كنتم تعبدون الله تعالى فلا تشركوا معه في العبادة أحدا من خلقه.

فان استكبروا فالذين عند ربك يسبّحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون... لا يسأمون اي لا يملّون. والجملة الجزائية هنا بدل عن الجزاء الواقعي، اي فان استكبر القوم عن عبادة الله تعالى والسجود له وحده فلا يحزنك ذلك، او فإنّ ذلك لا يؤثّر في الكون، فإنّ الذين عند ربك يسبّحون له دائما ولا يملّون.

والظاهر أنّ المراد بالذين عند الله تعالى الملائكة الكرام عليهم السلام. والتعبير بذلك عنهم للاشارة الى قرب منزلتهم لديه تعالى. ومثله قوله تعالى (وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ)[2] وقوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ).[3]   

وقيل: يشمل غيرهم من المقربين لديه من البشر ايضا، ولكن التعبير بكونهم عند ربك يوحي بالاختصاص بالملائكة الكرام.

وكون التسبيح في الليل والنهار إشارة الى استمراره ودوامه وعدم انقطاعه فلا ينافي عدم وجود ليل ونهار عندهم. وهذا ايضا قرينة على الاختصاص بالملائكة اذ غيرهم من المقربين يشتغلون بأمور اخرى. وكذلك قوله تعالى (لا يسأمون) اي لا يملّون ولا يتعبون، فانه ايضا من خصائصهم.

وليس المراد أنّ استكبار المشركين لا يضرّ الله تعالى لوجود من يسبّح له ليلا ونهارا، فإنّ غناه تعالى ليس من هذه الجهة، بل هو مستغن عن الجميع، فلا حاجة له الى تسبيح الملائكة ايضا، بل تسبيح الانسان أهمّ من تسبيحهم. ولذلك لمّا اعترض الملائكة بأنّ هذا الموجود يفسد في الارض ونحن نسبّح بحمدك ونقدّس لك أتاهم الجواب من ربّ العزّة (قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ).[4] فإنّ فيه إشارة الى الحكمة في خلق البشر وهي العبادة الاختيارية وفي ظرف وجود ما يجرّه الى ملذّاته وشهواته التي تنافي العبادة.

فيقع السؤال حينئذ عن الغرض من التنبيه على هذا الامر؟

يمكن أن يكون الغرض في هذه الآية الاشارة الى أنّ المشركين بتركهم السجود لله تعالى يخالفون نظام الكون ويشذّون عن الخلائق وفي مقدمتهم الملائكة.

ويمكن أن يكون الغرض الاشارة الى أنّ تركهم للسجود لا يضرّ بالهدف من النظام الكوني فإن عبادة الانسان وان كانت مهمّة من جهة كونها اختيارية، وكونه في معرض وسوسة الشيطان والنفس الامارة بالسوء، الا أنّ العبادة في كل النظام الكوني لا تختص بعبادة الانسان وتسبيحه، فكلّ الكون يسبّح لله تعالى كما قال (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ..)[6] ومن الخلائق الملائكة وهم يسبّحون دائما ولا يسأمون.

ولعلّ كلّ ما ورد في القرآن من عمومية التسبيح والسجود لله تعالى يقصد بها التنبيه على هذا المعنى، وتقلّل من أهمية عبادة الانسان في النظام الكوني. وهي آيات كثيرة.   

وفي كل ذلك تسلية للمؤمنين ايضا حيث يجدون أنّ أكثر البشر لا ينتهجون منهجهم، ولا يعبدون الله تعالى، فيحزنون لذلك، فهذه الآية وأمثالها تبيّن لهم أنّكم لستم وحدكم في هذا الكون تعبدون الله تعالى، بل أكثر من في الكون وأقوى من فيه ــ وهم الملائكة ــ يعبدونه ليلا ونهارا لا يفترون ولا يسأمون.   

ومن آياته أنّك ترى الارض خاشعة فاذا أنزلنا عليها الماء اهتزّت وربت... هذه ايضا من الآيات المتكررة التي يمرّ عليها الانسان غافلا عن دلالاتها. والمراد بخشوع الارض موتها وجفافها وعدم تحرّكها. فاذا نزل عليها المطر اهتزّت اي تحرّكت، وربت اي ارتفعت. وهذا يقابل الخشوع. وبذلك تكون الارض نشيطة تنبض بالحياة.

والغرض أنّ الحياة بعد الموت ــ وهو مستمرّ في هذا الكون ومشهود للجميع ــ من آيات الله الباهرة التي تدلّ على حكمته وقدرته. ومن مظاهرها حياة الارض بعد موتها.

إنّ الذي أحياها لمحيي الموتى إنّه على كل شيء قدير...اي الذي أحيا الارض وهو الله تعالى سيحيي الموتى متى شاء. والحياة التي تعطى للانسان وان كانت تختلف عن هذه الحياة الا أنّ هذه الظاهرة المتكررة تدلّ على عموم قدرته تعالى فيشمل إحياء الانسان بعد الموت.

والحاصل أنّ إحياء الارض من الآيات التي تدلّ بوضوح على أنّه تعالى قادر على كل شيء ومنه إحياء الموتى. وعليه فقوله (انه على كل شيء قدير) تعليل للجملة السابقة.

 

[1] النحل: 12

[2] الانبياء: 19- 20

[3] الاعراف: 206

[4] البقرة: 30

[5] الذاريات: 56

[6] الاسراء: 44