مكتب سماحة السيد مرتضى المهري

قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ الله ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (52) سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53) أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (54)

 

قل أرأيتم ان كان من عند الله ثم كفرتم به من أضلّ ممن هو في شقاق بعيد... (أرأيتم) بمعنى (أخبروني) ويؤتى بهذا التعبير للتنبيه على إعلام أمر هامّ في صورة سؤال. واسم كان ضمير يعود الى القرآن.

ومعنى الجملة انتبهوا الى هذه الحقيقة، وهي أنّ هذا القرآن يحتمل أن يكون من عند الله تعالى، فان كان من عنده واقعا، ثم كفرتم به وأصررتم على العناد والمخالفة الشديدة، فمن أضلّ منكم حينئذ؟!

وذلك لأنّ القوم كفروا بالقرآن من دون دليل وحجة، ولم يكن ذلك عن إيمان بهدفهم وطريقتهم وإنّما كفروا به عنادا وحسدا للرسول صلى الله عليه وآله وسلّم، فهذه الآية تحذّرهم من مغبّة ذلك، فإنّ احتمال الصحة كاف في لزوم الاحتياط والتأمّل وعدم الاصرار على الكفر والعناد.

والشقاق البعيد كناية عن الاختلاف الشديد، والاصرار على الانكار، فإنّ الشقاق مفاعلة من الشق بمعنى المشاقّة، وهي أن يكون كل من الطرفين في شقّ وقسم غير شقّ الآخر، فاذا بعد الشقان كانت المخالفة أشدّ.

ولم يقل (من أضلّ منكم) كما يقتضيه السياق، لكي يذكر السبب الموجب لصدق كونهم أضلّ من الجميع، وأنّه لا يوجد أضلّ منهم، وهو كونهم في شقاق بعيد ومخالفة شديدة، مع كونه من عند الله تعالى، والمفروض أن يحتاطوا لاحتمال ذلك، ولا يتخذوا هذا الموقف الشديد. وانما دعاهم الى ذلك العناد والحسد.

سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبيّن لهم أنّه الحق... في الآية محتملات حسب التفاسير نذكر بعضها:

الاحتمال الاول ــ و هو المعروف بينهم ــ : أنّ المراد بالضمير في (أنّه الحق) يعود الى القرآن الكريم، وأنّ المراد بالآيات في الآفاق والانفس ظهور الاسلام وغلبته على المشركين وغيرهم في الجزيرة العربيّة وما حولها من البلدان على يد المسلمين، في عهد الرسالة وبعدها. فآيات الآفاق بالنسبة لما عدا مكة من مناطق الجزيرة العربية وغيرها. والانفس بالنسبة لمشركي قريش. وهذا الظهور والغلبة حيث إنّها تحكي عن نصر الله تعالى لهذا الدين، فيتبين أنّه الحقّ، فالكتاب الذي جاء به حقّ كلّه.

وحيث إنّ مجرّد الظفر والغلبة لا يدلّ على كون الدين حقّا، ولا تعتبر هذه الغلبة معجزة ــ كما يقول بعضهم ــ عدل العلامة الطباطبائي رحمه الله عن هذا البيان الى القول بأنّ هذه الفتوحات وإن لم تكن بنفسها آية، الا أنّها حيث جاءت مصدّقة لما أخبر به القرآن الكريم من غلبة هذا الدين، ومن أنّ كفار قريش سيعذّبهم الله تعالى بأيدي المؤمنين، فبذلك يكون تحقّق ما أخبر به آية تدلّ على كونه حقّا.

ويؤيّد هذا الاحتمال أنّه المناسب لسياق الآيات التي تندّد بتكذيب كفّار قريش للقرآن الكريم.

الاحتمال الثاني: أنّ المراد بالآيات في الآفاق، الآيات الكونيّة الدالّة على التوحيد وعلى حكمة الباري وقدرته. والمراد بآيات الانفس ما يشتمل عليه الجسم والروح البشرية من آيات الحكمة والقدرة. والضمير في (أنّه الحقّ) يعود الى الله سبحانه.

قالوا: والتسويف المدلول عليه بالسين في (سنريهم) لا ينافي وجود الآيات دائما، لأنّ المراد أنّ الله تعالى سيكشف لهم يوما بعد يوم عن آيات اُخرى، فكلّما تقدّم العلم البشريّ وتوسّع برزت له آيات جديدة في هذا المجال.

ويُبعّد هذا الاحتمال أوّلا: أنّه لا يناسب السياق الخاص بتنديد مكذّبي القرآن.

وثانيا أنّه لا يناسب التسويف، فإنّ ظاهر العبارة أنّ الإراءة ستتمّ في المستقبل لا استمرارها، ولا إراءة آيات جديدة، فظاهر الآية أنّ إراءة الآيات لم تتمّ بعد. وهذا لا يصحّ بالنسبة للآيات الكونية.

وثالثا أنّ تغيير ضمير المتكلم في (آياتنا) الى الغائب في (أنّه الحقّ) يدلّ على اختلاف المرجع، فلا يصحّ أن يكون المراد بالثاني هو الله تعالى.

وأيّد بعضهم هذا الاحتمال في التفسير بوجوه ثلاثة:

الاول: أنّ الآيات يعبّر بها غالبا في مقام الدلالة على التوحيد.

ويردّه أنّ الآيات كل ما يدلّ على حكمة الله تعالى وقدرته فما ورد في الاحتمال الاول ايضا من الآيات ولا خصوصية لما يدلّ على التوحيد.

الثاني: أنّ التعبير بالآفاق والانفس يناسب آيات التوحيد.

والجواب أنّ هذا التناسب انما حصل بعد تفسير هذه الآية بما ذكر، وبعد اشتهار هذا التفسير في كتب الفلسفة والعقائد، والا فأصل التعبير بآيات الآفاق والانفس لا يختص بآيات التوحيد.

الثالث: أنّ الجملة التالية (أولم يكف بربّك..) إشارة الى التوحيد ايضا، وأنّ الآية التالية حول المعاد، فتناسب أن يكون المراد بهذه الآية ما يخصّ التوحيد.

وسياتي بيان المناسبة بين الاحتمال الاول وتفسير الجملة التالية والآية التالية إن شاء الله تعالى .

الاحتمال الثالث: أنّ المراد ما يراه الانسان لحظة وفاته من الآيات التي لا تبقي له شكّا في أنّ دعوة الانبياء حقّ، وهذه الآيات كونيّة ونفسيّة. والضمير في (أنّه الحقّ) يعود الى القرآن او الدين.

ولكنّ قوله تعالى (حتى يتبيّن لهم أنّه الحق) يقتضي أن يكون المقصود من إراءة الآيات إتمام الحجّة عليهم حتى يؤمنوا، ولا ينفع إيمانهم آنذاك.

الاحتمال الرابع: أنّ المراد ما يظهر من الآيات عند ظهور الامام المهدي عليه السلام. وهي أيضا آيات آفاقيّة وأنفسيّـة. ويمكن إعادة الضمير الى الدين اوالقرآن ايضا. ولكنّ الروايات الواردة تدلّ على أنّ الضمير يعود اليه عليه السلام او الى ظهوره.

فالصحيح الاحتمال الاول والرابع والاول اقرب.

أَوَلم يكف بربّك أنّه على كل شيء شهيد... الباء زائدة. و(بربّك) فاعل (يكف) وقوله (أنّه على كل شيء شهيد) بدل عن قوله (ربك). أي أَوَلم يكفهم ربُّك أنّه على كل شيء شهيد. فالتقدير أَوَلم يكفهم أنّ ربَّك على كل شيء شهيد. والجملة في مقام رفع الاستبعاد عن إخبارهم بالغيب في الجملة السابقة بكفاية أنّ المخبر هو الله تعالى، وهو شاهد على كل شيء، فلا يختلف عنده الغيب والشهود، وكل شيء مشهود له تعالى.

وبما ذكرناه يتبيّن أنّ هذه الجملة ايضا تناسب الاحتمال الاول. ولكنّ العلامة الطباطبائي رحمه الله حيث فسّر الشهيد بالمشهود، وفسّر الجملة بأنّه يكفي في الدلالة على الله تعالى أنّ كل شيء لافتقاره اليه يشهد عليه، أشكل عليه الامر في ربط الجملتين. وما ذكره لا يصحّ لأنّ الشهيد لو كان بمعنى (مشهود) لزم أن يقال: إنّه لكل شيء شهيد.

ألا إنّهم في مرية من لقاء ربهم ألا إنّه بكل شيء محيط... المرية هي الشك، اي إنّهم لا يؤمنون بالآخرة، فإنّ لقاء الله تعالى يحصل في تلك النشأة. والذي يحصل هناك هو حقيقة اللقاء بوجه آكد وأقوى من لقاء الجسمين والشخصين في هذه النشأة، فإنّ الخطأ حتى في الاحساس بالرؤية واللمس أمر محتمل.

ولكن ما يحصل هناك من اللقاء لا يدخل فيه أدنى شك، ولا يشبهه شيء في هذه النشأة الا إدراك الانسان لنفسه، فإنّه هو الذي لا يمكن الشكّ فيه، وهو وصوله الى نفس الحقيقة من دون واسطة، وأما سائر موارد الادراك فتتوسطها الصور العلمية التي تحكي عن المعلومات، ولا تلاقي النفس البشرية ذات الحقائق.

وحيث يكشف الغطاء هناك عن الانسان فلا يمنعه مانع من الوصول الى الحقائق بذاتها من دون توسط الصور.

وهذا المعنى هو المراد مما ورد من التعبير بالرؤية والنظر واللقاء، وإلّا فالرؤية البصرية بالمعنى الدنيوي لا تمكن بالنسبة الى الله تعالى في أيّ نشأة، إذ يستلزم التحديد والجسمية، وانما يشعر الانسان بوجوده أمام ربه، يشعر ذلك بكل وجوده لا بحاسّة من الحواس.

والمشركون في جزيرة العرب كانوا ينكرون الآخرة مع اعترافهم بوجود الله تعالى، وأنّه الخالق للكون. وإنّما نسب اليهم الشكّ هنا دون الانكار، مع أنّه ينسب اليهم الانكار في غير موضع، لأنّ مواجهة القرآن كانت تحدث الشك فيهم.

وارتباط الآية بما قبلها من جهة أنّ إنكارهم ليوم القيامة والحياة بعد الموت إنّما ينشأ من عدم اعتقادهم بأنّ الله على كل شيء شهيد، حيث كانوا يقولون كيف يحيي الله هذه العظام والرفات بعد مرور الآلاف والملايين من السنين، وبعد أن ضلّت اجزاؤهم وتفرّقت. ولو كانوا يعترفون بأنّه على كل شيء شهيد ما كانوا ينكرون القيامة ولقاء ربهم. ولذلك عقّبه بقوله تعالى (ألا انه بكل شيء محيط) وهو في معنى كونه على كل شيء شهيد.

والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين..