مكتب سماحة السيد مرتضى المهري

اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (17) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (18) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (19) وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (20)

 

اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود ذا الايد انه أوّاب... القرآن زاخر بالتسلية للرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم والمؤمنين الاوائل، وبالامر بالتصبر في مواجهة رعونة المشركين واستهزائهم، وبذكر ما جرى على الانبياء السابقين وصبرهم على الشدائد، وما نزل عليهم من النصر الالهي، وما اكرمهم اللّه به من المعاجز، ومنها هذه الآيات فهي تأمر الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلّم بالصبر على اقوال المشركين المليئة بالقذع والسخرية، وقد مر في هذه السورة بعضها ومنها الجملة السابقة (ربنا عجل لنا...). وفي الامر بالصبر تهديد واضح للمشركين فمعناه اصبر واتركهم لي فعليّ مجازاتهم.

وتأمر الآية ايضا بتذكر مجموعة من الانبياء، وصبرهم على الشدائد في تبليغ رسالة السماء، وما حصل لهم من النجاح والتوفيق في الدنيا ليكون ذلك تسلية لهم وتطييبا لخاطرهم. وبدأ بذكر احد الانبياء المحظوظين في الدنيـا قـبـل الآخرة، وهو داود عليه السلام.

ولعل ذلك للاشارة الى انه لا غرابة على اللّه اذا مهّد لكم سبيل النصر على الاعداء، ومكّن لكم في الارض، وآتاكم من السلطة والمال مثل ما آتى داود عليه السلام، فليس كل الانبياء قضوا حياتهم تحت الظلم والاضطهاد، ليكون ذلك حافزا للامل في النصر النهائي الذي يتوق اليه المؤمنون.

ووصف داود هنا بثلاثة اوصاف: العبودية والقوّة وكثرة الأوب. وبدأ بالعبودية تنبيها على انه اشرف ما يتصف به الانسان مهما علا قدره، فحيث كانت الآيات تريد التنبيه على عظمة داود عليه السلام ماديا ومعنويا قدم التنبيه على اتصافه بالعبودية ايذانا بان كمال العبودية هو الاصل الذي يبتني عليه سائر الكمالات.

والأيد مخفف أيدي جمع يد، وهي كناية عن القوة. وما قيل من انه بمعنى النعمة خطأ فانها تطلق على النعمة اذا اضيف الى المنعم لا الى المنعم عليه. وحيث اتي به بصيغة الجمع فالمراد انه كان مدعوما بالقوة من جهات شتى ففيه قوة بارزة في الجسم والعلم والسلطة والاعجاز وتسخير الحيوان، وهو الذي قتل جالوت زعيم العمالقة الابطال كما ورد ذكره في سورة البقرة(وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ..) البقرة: 251، ويأتي هنا ذكر بعض معاجزه وخصائصه الغريبة.

ثم نبّه بالوصف الثالث انه بالرغم من تمتعه بأنحاء مختلفة من القوة الموهوبة كان أوّابا. والأوبة هي الرجوع، والمراد الرجوع الى اللّه تعالى. وأوّاب مبالغة في الأوبة فهو بمعنى كثير الرجوع. وفي القرآن آيات كثيرة تمدح الأوّابين والتوّابين وتنعت الرسل بكل من الوصفين. وكلاهما بمعنى واحد.

وربما يخطر سؤال بالبال، وهو أنّ الرسل من أيّ شيء كانوا يتوبون بل يكثرون التوبة وهم معصومون من الذنوب؟ 

والجواب: أنّ التوبة كما قلنا هي الرجوع الى اللّه تعالى، والانسان يشتغل بالدنيا ويغفل عن ذكر ربه لا محالة، ثم يعود الى ذكره وعبادته. والأوّاب هو الذي يكثر الرجوع بحيث كلما طرأت عليه غفلة او تشاغل بغيره سبحانه يتذكر سريعا فيعود، وهذه ميزة خاصة بالانبياء والاولياء المقربين.

والتنبيه هنا على هذا الوصف لبيان أن قوته ومميزاته الدنيوية ما كانت تحول بينه وبين كثرة الرجوع الى اللّه تعالى، وهكذا الانبياء مثل يتأسّى بهم طيلة التاريخ البشري.

وقولـه تعالى (انه اواب) جملة تعليلية للامر بالذكر اي اذكر داود لانه كان أوّابا للاشارة الى ان كثرة الأوبة هي الميزة التي قصـدت في الامر بالذكر حيث انه مع كثرة قوته وتشعّبها كان أوّابا. وليس تعليلا لكونه ذا الايدي ــ كما في الكشاف ــ حتى يقال ان المراد قوته في العبادة فقط، فان كونه ذا الايدي اتي به بعنوان الوصف وليس امرا معنيا بذاته فيعلل.

انا سخرنا الجبال معه يسبّحن بالعشيّ والاشراق... بيان لاحدى كراماته ومعاجزه وقد تكرر ذكره في القران قال تعالى: (وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ..) الانبياء: 79، وقال: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ..) سبأ: 10.

والظاهر أنّ قوله (معه) متعلق بالتسخير لا التسبيح كما هو واضح من آية سورة الانبياء، وهذا التقييد لبيان ان التسخير لم يكن له وانما كان معه اي مع تسبيحه، وهو الذي صرح به في سورة سبأ حيث ورد الامر التسخيري خطابا للجبال (يا جبال اوبي معه) ومعنى ذلك ان الجبال كانت تردد التسبيح معه اذا سبح للّه تعالى.

وليس المراد بالطبع ما يحدث من الصدى في الجبل فانه لا يختص به مع انه ليس اعجازا بل لا يعد تسبيحا للجبل.

وليس المراد ايضا التسبيح بلسان الحال اي كونها تدل بوجودها على الخالق المنزه من كل نقص ومن كل ما يصفه به الناس، بل المراد التسبيح اللفظي والنطق به كما كان ينطق به داود عليه السلام. والدليل عليه ان التسبيح بلسان الحال لا يختص بالوقت الذي يسبح فيه داود ولا بالعشي والاشراق ولا يعتبر ميزة له عليه السلام.

والعشي هو آخر النهار واول الليل كما في معجم مقاييس اللغة، وفي بعض كتب اللغة أنه كل الليل، وهو بعيد لانه مأخوذ من العشو وهو عدم الوضوح لا الظلام الدامس. والاشراق هو الوضوح يقال شرقت الشمس اذا طلعت وأشرقت اذا أضاء نورها. والظاهر أن المراد تسبيحه عليه السلام او صلاته في اول النهار وآخره او اول الليل.     

والطير محشورة... اي سخرنا الطير حال كونها محشورة متجمعة، وهي ايضا تسبح معه وقد ورد ذكر تسبيح الطير في قوله تعالى: (وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ..) النور: 41، ولكنها هنا تسبح مع داود عليه السلام وتردد ما يذكر اللّه به. وليس في ذلك غــرابة فالكــون كلها تســبح للّه كما قال تعالى: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ..) الاســراء: 44.

والتسبيح هنا ايضا يمكن أن لا يراد به الدلالة التكوينية اذ التسبيح بهذا المعنى يفقهه بعض الناس، وانما لا يفقهون التسبيح الاختياري. والظاهر أنّ القرآن يثبت نوعا من الاختيار للسماء والارض وان لم يفقهه الانسان قال تعالى: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) فصلت: 11.

كل له أوّاب... اختلفوا في تفسير هذه الجملة فقيل ان الضمير يعود الى داود وقيل يعود الى اللّه سبحانه. واستبعد الاول العلامة الطباطبائي رحمه اللّه مع انه بحسب ظاهر اللفظ اقرب لسبق ذكره قريبا واللّه تعالى ذكر بضمير المتكلم.

وبناءا على الاول قيل: ان الاوّاب بمعنى ترديد التسبيح وهو بعيد لان الأوبة بمعنى الرجوع لا الترجيع.

وقيل: انه بمعنى التواب ولكن حيث ان التوبة تلازم الذكر والتسبيح عبر عن التسبيح بالاوبة. وهو ايضا بعيد الا اذا ارجع الضمير الى اللّه تعالى ليكون الاوبة اليه، مع انه بعيد في نفسه ايضا لبعد التعبير عن التسبيح بالاوبة بهذه العناية كما لا يخفى.

ويخطر بالبال ان المراد اوبة الطيور الى داود كثيرا كما هو مقتضى الصيغة اي انها تعود اليه كثيرا لتردّد معه التسبيح.

وشددنا ملكه... اي قويناه فلم يجرأ أحد من الطواغيت مقابلته.

وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب... فسّرت الحكمة بالعلم، وبالنبوة، وبعلم الشرائع، وبالزبور. وفسرها العلامة الطباطبائي رحمه اللّه بالمعارف الحقة المتقنة التي تنفع الانسان وتكمله. والاصل في الحكمة المنع، يقال حكمت الدابة اي ألجمتها. والحكمة ما يمنع الانسان من السفاهة وارتكاب ما لا يليق به. واذا اطلق على بعض العلوم او كلها فلانها تمنع من ارتكاب ما يقتضيه الجهل، وكذا اطلاقها على الكلمات التي تنظم حياة الانسان عمليا كما في القرآن الكريم بعد ذكر مجموعة من النصائح (ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ..) الاسراء: 39، وغير ذلك من الموارد.

واما فصل الخطاب فاما ان يكون من اضافة الصفة الى الموصوف اي الخطاب الفاصل بين الحق والباطل، يعني انه اذا تحدث تحدث بالحق الصراح الذي لا يقاوم، فكلامه الفصل في كل موضوع، واما من اضافة المصدر الى المفعول، والمراد بالخطاب التخاطب والتنازع اي ان كلامه كان يفصل التخاطب ويقطعه، وذلك في موارد المقاضاة والمحاكمة، فبحكمه يتوقف الخطاب لانه الحكم الفاصل.